Skip to content Skip to footer

القراءات العشر والانقلاب على مصداقية القرآن | د. زهير جمعة المالكي

القرآن هو دستور الإسلام والكتاب الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يدَيه؛ هذا ما يؤمن به كل مسلم صحيح الإسلام، وهو الذي تعهد الله بحفظه وجمعه وقرآنه وبيانه، فقال تعالى في سورة القيامة “لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)”. فهذا نص إلهي كما يجب أن يؤمن أي مسلم؛ فلا يمكن أن ينسب الفضل في الحفظ أو الجمع أو القراءة أو البيان لأي إنسان مهما كانت مكانته أو منزلته.

       ولكن هذا القرآن الذي تعهد الله بحفظه وجمعه وقراءته وبيانه، نراه كان أول هدف توجهت له سهام المتأسلمين ممن يدعون الإسلام ويتبعون خرافات اكتتبها بشر بعد موت رسول الله بقرنَين من الزمن. فقد أدَّى فشلهم إلى إثبات صحة نسبة تلك الخرافات التي سمُّوها (أحاديث) وجعلوا منها (سُنة) نسبوها إلى رسول الله، إلى اختراع خرافة (القراءات العشر)، فجعلوا كتاب الله الواحد عشرة كتب مختلفة في الكلمات والمعاني والأحكام. إذا نظرنا إلى المصاحف المنتشرة في الشرق الأوسط، نراها تختلف عن المصاحف التي تنتشر اليوم في ليبيا، وفي أجزاء من تونس ومصر، وهذه تختلف عن المصاحف المنتشرة في الجزائر، والمغرب، وموريتانيا، وفي بعض نواحي مصر، والسودان، وتونس؛ حيث يقول ابن عاشور (القراءات التي يُقْرَأُ بها اليوم في بلاد الإسلام مِن هذه القراءات العشر، هي قراءة نافع برواية وَرْش في بعض القُطْر التونسي، وبعض القُطْر المصري، وفي جميع القُطْر الجزائري، وجميع المغرب الأقصى وما يَتْبَعُه من البلاد، والسُّودان). وهذه الخلافات تعود إلى اختلاف القراءات المعتمدة في كل من ناحية من النواحي التي ينتشر بها الإسلام، وهذه القراءات تتوزع على عشر قراءات تُنسب إلى عشرة أشخاص؛ هم (نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني مولى جعونة بن شعوب الليثي الكناني، أصله من أصفهان، وأبو عمرو بن العلاء البصري، وعبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زادان بن فيروز بن هرمز، وعبد الله بن عامر اليحصبي الشامي، وعاصم بن أبي النَّجود الأسدي الكوفي، وحمزة بن حبيب الزيات الكوفي، وأبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي الكوفي، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري، وخلف بن البزار) وهي قراءات يدَّعي المتأسلمون أنها متواترة من رسول الله محمد، على الرغم من الخلافات التي بينها. وننظر في قصة هذه القراءات، وهل هي حقاً متواترة من رسول الله؟ 

       من الناحية التاريخية؛ فقد ظهرت القراءات لأول مرة في المؤلفات التراثية سنة 90 هجرية على یدَي أبي سليمان يحيى بن يعمر العدواني البصري قاضي مرو، وحليف بني هذيل. وقيل اختلف في أول من دون القراءات، فهناك مَن قال إن أول مَن ألف في القراءات (أبو عبيد القاسم بن سلام ) (ت224)، وقيل أبو حاتم السجستاني (ت225) وهو رأي ابن الجزري. تذكر المصادر؛ ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام خمسة وعشرين قارئاً، ثم تابعه أحمد بن جبير الكوفي؛ فاقتصر منهم على خمسة من كل مصر واحد، ثم القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون، فذكر منهم عشرين إماماً، ثم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الذي ألَّف كتاباَ سماه “الجامع”، جمع فيه نيفاً وعشرين منهم، ثم أبو بكر محمد الداجوني الذي جمع كتاباً أدخل فيه أبا جعفر بن القعقاع أحد العشرة الذين اشتهروا، ثم كان أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من سبع السبعة، وقد قام الناس في زمانه وبعده فألفوا في القراءات كتباً كثيرة. اختار (أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي) سبع قراءات من القراءات التي كانت منتشرة آنذاك وقام بتصنيف كتابه المعنون “السبعة”. 

       ولقد وضع ابن مجاهد أصلَين أساسَين في قبول القراءات: الأصل الأول أن تكون مطابقة لخط المصحف العثماني، والأصل الثاني أن تكون صحيحة السند حملها رواة موثوقون حتى زمن القارئ. قال مكي بن أبي طالب “إن الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيراً في العدد، كثيرًا في الاختلاف، فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره، واشتهر أمره، وأجمع أهل مصره على عدالته في ما نقل، وثقته في ما قرأ وروى، وعلمه بما يقرأ، فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمان مصحفاً، إماماً، هذه صفته وقراءته على مصحف ذلك المصر، ينظر (القيسي، مكي بن أبي طالب، الإبانة عن معاني القراءات، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي، دار نهضة مصر للطبع والنشر، الصفحة 86). استناداً إلى كتاب تاريخ توثیق نص القرآن الكریم، خالد عبد الرحمن العك، دار الفكر، دمشق، طبعة ثانية.86 ص، 1986، فإن غرض ابن مجاهد أن يأتي بسبعة من القراء من الأمصار التي نفذت إليها المصاحف، ولم يمكنه ذلك في البحرين واليمن لإعواز أئمة القراءة منها، فأخذ بدلهما من الكوفة لكثرة القراء بها. ونتيجة لكثرة تقليب ابن الجزري لهذا الفن وكثرة تمحيصه له فقد تم اختياره لهؤلاء العشرة: السبعة الذين خصهم ابن مجاهد في كتابه وتابعه غيره في ذلك، وثلاثة آخرون هم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري، وخلف بن هشام البزار البغدادي، فهؤلاء العشرة هم الذين تتوفر قراءاتهم -كما يرى ابن الجزري- على شروط الصحة إلا ما شذّ عندهم من حروف قليلة. وقد أعاد ابن الجزري تأكيد شروط السابقين في صحة القراءة موافقاً لهم في ذلك؛ فقال: “كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها. إذن فإن اختيار هذه العشرة كان على يد شخصين هما ابن مجاهد في القرن الثالث الهجري؛ أي بعد وفاة الرسول بثلاثمئة سنة، وابن الجزري في القرن السابع الهجري. 

        كان ابن مجاهد هو أول من ادعى أن تلك القراءات متواترة عن رسول الله وأن القرآن نزل بها جميعاً، ومن هنا نشأت خرافة القراءات السبع (التي أصبحت عشرة لاحقاً). بل قاموا بوضع حديث نسبوه إلى الرسول عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله، صلَّى الله عليه وسلم، فاستمعت إلى قراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقْرِئنيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكِدت أساوِره في الصلاة، فتصبَّرت حتى سلَّم، فلَبَّبْتُهُ بردائه، فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ، قال: أقرأنِيْها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت له: كذبت، أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقرئها، فقال: “أرسله، اقرأ يا هشام”، فقرأ القراءة التي سمعته، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “كذلك أُنزلت”، ثم قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “اقرأ يا عمر”، فقرأت التي أقرأني. فقال: “كذلك أُنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه”. وأصبح المسلمون يخلطون بين القرآن كلام الله وبين القراءات التي يتناقلونها من مصادر غير موثوق بها بنص كتبهم. 

       هنا يجب أن نؤكد أن القرآن هو النص المنزل بالوحي على قلب الرسول، صلى الله عليه وسلم، والثابت ثبوتاً قطعياً لا ريب فيه. وأما القراءات فهي روايات ووجوه متعلقة بطريقة الأداء، ومنها الصحيح، ومنها الضعيف. وهي بذلك تغاير القرآن من بعض الوجوه. قال الزركشي في البرهان في علوم القرآن “اعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد، صلى الله عليه وسلم، للبيان والإعجاز. والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما”. فإذا استحال أن يكون هناك أيُّ اختلافٍ في كلام الله كيف يمكن اعتبار هذا النوع من القراءات -التي لا يمكن الجمع بينها- قرآناً، واعتبارها صحيحة بأجمعها؟! وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ (النساء. كما قال نجم الدين أبو الربيع سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري في “شرح مختصر الروضة” (2/23): “تواتر القراءات عن النبي إلى الأئمة السبعة فيه نظر، فإن أسانيد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبعة إلى النبي موجودة في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد لم تستكمل شروط التواتر، ولولا الإطالة والخروج عما نحن فيه لذكرت طرفاً من طرقهم، ولكن هي موجودة في كتب العراقيين والحجازيين والشاميين وغيرهم، فإن عاودتها من مظانها وجدتها كما وصف لك. وأبلغ من هذا أنها لم تتواتر بين الصحابة، واعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ينفر من القول بعدم تواتر القراءات؛ ظناً منه أن ذلك يستلزم عدم تواتر القرآن، وليس ذلك بلازم، لأنه فرق بين ماهية القرآن والقراءات”. 

        قال ابن تيمية كما في “مجموع الفتاوى” (13/419): “وأما ما يدعيه بعض القراء من التواتر في جزئيات الأمور فليس هذا موضع تفصيله”. وكذلك قال شهاب الدين القَسْطَلاني في “لطائف الإشارات” (1/128): “بالنظر لمجموع القرآن وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم”. قال الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (10/171): “فكثير من القراءات تدعون تواترها، وبالجهد أن تقدروا على غير الآحاد فيها، ونحن نقول: نتلو بها وإن كانت لا تعرف إلا عن واحد؛ لكونها تلقيت بالقبول فأفادت العلم، وهذا واقع في حروف كثيرة وقراءات عديدة، ومن ادعى تواترها فقد كابر الحس”. قال الزركشي في “البرهان” (1/319): “والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة، أما تواترها عن النبي ففيه نظر، فإن إسناد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد، لم تكمل شروط التواتر في استواء الطرفَين والواسطة، وهذا شيء موجود في كتبهم، وقد أشار الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتابه (المرشد الوجيز) إلى شيء من ذلك”. قال ابن الجزري في “منجد المقرئين” ص (91): “ونحن ما ندعي التواتر في كل فرد فرد مما انفرد به بعض الرواة أو اختص ببعض الطرق، لا يدعي ذلك إلا جاهل لا يعرف ما التواتر؟ وإنما المقروء به عن القراء العشرة على قسمَين: متواتر، وصحيح مستفاض متلقى بالقبول، والقطع حاصل بهما”. قال الشوكاني في “إرشاد الفحول” (1/144): “وقد ادعى تواتر كل واحدة من القراءات السبع، وادعى أيضاً تواتر القراءات العشر، وليس على ذلك أثارة من علم، فإن هذه القراءات كل واحدة منها منقولة نقلاً أحادياً، كما يعرف ذلك من يعرف أسانيد هؤلاء القراء لقراءاتهم، وقد نقل جماعة من القراء الإجماع على أن في هذه القراءات ما هو متواتر، وفيها ما هو آحاد، ولم يقل أحد منهم بتواتر كل واحدة من السبع فضلاً عن العشر، وإنما هو قول قاله بعض أهل الأصول، وأهل الفن أخبر بفنهم. إذن فهذه القراءات غير متواترة عن الرسول. كتاب “المدخل” ص196  لعبد القادر بدران بتحقيق الدكتور عبد الله بن التركي؛ ما نصه: القراءات السبع متواترة وهو المشهور، وقال ابن الحاجب: هي متواترة فيما ليس من قبيل المد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوها، وهذا خلاف المشهور. وذهب الطوفي إلى أن القراءات متواترة عن الأئمة السبعة، أما تواترها عن النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الأئمة السبعة فهو محل نظر، فإن أسانيد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبع إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، موجودة في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد، لم تستكمل شروط التواتر، قال: وأبلغ من هذا أنها لم تتواتر بين الصحابة.

       قال: واعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ينفر من القول بعدم تواتر القراءات ظناً منه أن ذلك يستلزم عدم تواتر القرآن، وليس ذلك بلازم، لأنه فرق بين ماهية القرآن والقراءات، والإجماع على تواتر القرآن.

        على الرغم من ادعاء مجاهد ومن جاء بعده أن تلك القراءات متواترة عن رسول الله، وأن القرآن نزل بها جميعاً، فمن الثابت أن كثيراً من العلماء والقراء والمفسرين والنحويين وغيرهم قد خَطَّؤوا قراءات كثيرة قد اشتهر عند كثير من المتأخرين أنها متواترة، وهذا يدل بكل وضوح على أن أولئك العلماء كلهم كانوا لا يرون أنها متواترة؛ إذ لو كانوا يرونها كذلك لما فكر واحد منهم أن يخطئها أو يضعفها. كان أول مَن اعترض على ابن مجاهد هو المقرئ (أبو الحسن بن شنبوذ) فاستخدم ابن مجاهد علاقته بابن مقلة وزير المقتدر بالله العباسي، فأمر به فجلد. قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء 15 الصفحة 265 “ابن شنبوذ، شيخ المقرئين أبو الحسن، محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ، المقرئ، أكثر الترحال في الطلب”، وقال عنه أيضاً “وكان إماماً صدوقاً أميناً متصوفاً، كبير القدر”. وقال عنه الزركلي في كتابه (الأعلام) (5/ 309) “محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت، أبو الحسن، ابن شنبوذ: من كبار القراء من أهل بغداد. انفرد بشواذ كان يقرأ بها في المحراب، منها “وكان أمامهم ملِك يأخذ كل سفينة غصباً” و” تبّت يدا أبي لهب وقد تب” و”وتكون الجبال كالصوف المنفوش” و”فامضوا إلى ذكر الله”، في الجمعة. وصنف في ذلك كتباً، منها “اختلاف القراء” و”شواذ القراءات”، وعلم الوزير ابن مقلة بأمره، فأحضره وأحضر بعض القراء، فناظروه، فنسبهم إلى الجهل وأغلظ للوزير، فأمر بضربه، ثم استتيب غصباً ونفي إلى المدائن. وتوفي ببغداد، وقيل: مات في محبسه بدار السلطان”.

        كذلك اعترض ابن مقسم على اختيارات بن مجاهد؛ قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء الجزء 16 الصفحة 106 “ابن مقسم، العلامة المقرئ أبو بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن مقسم البغدادي العطار، شيخ القراء”. قال عنه الزركلي في الأعلام “ابن مِقْسَم العطار محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن، بن مقسم العطار، أبو بكر: عالم بالقراءات والعربية. من أهل بغداد. من كتبه (الأنوار) في تفسير القرآن، و(الرد على المعتزلة) و(اللطائف في جمع هجاء المصاحف) وكتاب في (النحو) كبير، و(مجالسات ثعلب- خ) ثلاثة عشر جزءاً منه في مجلد، بدار الكتب. وكتاب في (أخبار نفسه) وكان يقول: كل قراءة وافقت المصحف ووجهاً في العربية فالقراءة بها جائزة وإن لم يكن لها سند، فرفع القراء أمره إلى السلطان، فأحضره واستتابه، كما وقع لابن شنبوذ، على ما بين منحاهما من الاختلاف، وقيل: استمرّ يقرئ بما كان عليه إلى أن مات”. يقول ابن الجزري في كتابه (غاية النهاية في طبقات القراء)، المؤلف: محمد بن محمد بن محمد علي بن الجزري الدمشقي الشافعي شمس الدين أبو الخير، المحقق: ج باجترار، الناشر: دار الكتب العلمية، سنة النشر: 1427- 2006 “كان ابن شنبوذ لا يقرئ من يقرأ على ابن مجاهد، وكان يقول: هذا العطشى يعني: ابن مجاهد، لم تغبر قدماه في هذا العلم”. فما كان من ابن مجاهد إلا أن استغل مكانته من الوزير ابن مقلة في فرض اختياره للقراء السبعة وقراءاتهم على الناس، وجعل هذين الشيخين اللذين خالفاه في اختياره عبرة لمن تسول له نفسه الخروج عن قراءة هؤلاء السبعة، فقعد لكل منهما مجلس عند الوزير ابن مقلة، وبلغ به الأمر أن ضرب ابن شنبوذ سبع درر وأحضر الثاني بعد إرهابه وإرعابه فأكتبه توبة في محضر الفقهاء والقراء. جاء في كتاب (معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار)، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى ١٤١٧هـ- ١٩٩٧م، الصفحة 158 “ونقل ابن الجوزي وغير واحد، في حوادث سنة ثلاث هذه، أن ابن شنبوذ، أحضر. وأحضر عمر بن محمد بن يوسف القاضي، وابن مجاهد، وجماعة من القراء. ونوظر فأغلظ للوزير في الخطاب، وللقاضي، ولابن مجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة، وأنهم ما سافروا في طلب العلم، كما سافر. فأمر الوزير بضربه سبع درر، وهو يدعو على الوزير، بأن يقطع الله يده، ويشتت شمله، ثم أوقف على الحروف التي يقرأ بها، فأهدر منها ما كان شنعاً. وتوبوه عن التلاوة بها غصباً، وقيل إنه أخرج من بغداد، فذهب إلى البصرة، وقيل إنه لما ضرب بالدرة، جرد وأقيم بين الهبارين، وضرب نحو العشر، فتألم وصاح وأذعن بالرجوع. وقد استجيب دعاؤه على الوزير، وقطعت يده وذاق الذل”. 

        وقد أشار أبو حيان التوحيدي في كتاب (البصائر والذخائر)، تأليف أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس (ت نحو ٤٠٠هـ) المحقق: د/ وداد القاضي، الناشر: دار صادر- بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٨م، الجزء الثامن الصفحة 65 إلى محنة القراء مع خيارات ابن مجاهد بقوله “ظلم ابن شنبوذ حين آذاه ابن مجاهد، وذلك أن ابن شنبوذ وابن مقسم لم يقرآ ما قرأ بالأثر والحجّة والرّواية، ولم يخترعا ولم يختلفا، ولم ينزل الله تعالى اختيار ابن مجاهد من السماء، وإنّما اجتهد كما اجتهد من تقدّم”.

       واعترض مكي بن أبي طالب؛ فقد انتقد في كتابه (الإبانة في معاني القراءات) بقوله “فأما من ظن أن قراءة كل واحد من هؤلاء القّراء كنافع وعاصم وأبي عمرو أحد الحروف السبعة التي نص النبي عليها؛ فذلك منه غلط عظيم”، وقال “فكيف يجوز أن يظن ظانّ أنّ هؤلاء السبعة المتأخرين قراءة كل واحد منهم أحد الحروف السبعة التي نص عليها النبي هذا خطأ عظيم سواء كان ذلك بنص من النبي أم كيف ذلك” (الإبانة عن معاني القراءات محمد مكي بن أبي طالب ص 36). وانتقد فعل ابن مجاهد كذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي؛ فقال عن فعل ابن مجاهد “ولقد فعل مسبع هؤلاء ما لا ينبغي له أن يفعله وأشكل على العامة؛ حتى جهلوا ما لا يسعهم جهله وأوهم كل من قل نظره أن هذه هي المذكورة في الخبر النبوي لا غير وأكد وهم السابق اللاحق وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد؛ ليزيل هذه الشبهة، قلت: يعني ابن مجاهد ومن تبعه في الاقتصار على ذكر هؤلاء السبعة” (منجد المقرئين ومرشد الطالبين ابن الجزري ص 82). 

        قال محمد الكناني في كتاب “المعيار المعرب” (12/148): “والقرآن المتواتر عند علماء الإسلام غير القراءات، ومن وقف تواتر القرآن على تواتر القراءات؛ فهو جاهل بالقرآن وبالقراءات، وبما أجمع عليه العلماء، ويلزمه عدم تواتر القرآن لزوماً لا انفكاك له عنه، لإجماع أئمة المسلمين على أن طرق نقل القراءات إنما هي الأسانيد الصحيحة من طرق الآحاد الثقات العلماء المتصلة أسانيدهم بالرسول، مع موافقة مصحف من المصاحف التي وجهها عثمان إلى البلدان. ومَن ادعى زيادة على هذا وزعم أن القراءات لا تقبل إلا إذا تواتر نقلها، فقد افترى على الله وعلى رسوله وعلى أئمة المسلمين وخالف إجماعهم. ولو أخذت قراءة حمزة بن حبيب الزيات، فتجدهم قد عدُّوا قراءته من السبعة، بينما تنظر إلى قراءة شيخه الأعمش سليمان بن مهران الكاهلي، فتراهم قد ذكروها ضمن القراءات الشاذة. 

        اختار أئمة المذهب المالكي، أمثال سحنون، قراءةَ نافع بروايتيها؛ حيث ذكر أبو عمرو الداني أنّ: ابن طالب (من أصحاب سحنون) أيام قضائه، أَمَرَ ابن برغوث المقرئ بجامع القيروان، ألّا يُقرِئ الناس إلّا بحرف نافع. بالرغم من أن أشهر من نقل قراءة نافع هو قالون وكان أصم لا يسمع. 

         كان أحمد بن حنبل يخالف الكثير من قراءات حمزة، ولا يستسيغ الصلاة خلف إمام يقرأ الحمد والسورة على قراءة حمزة! فإذا كانت قراءة حمزة متواترةً عن رسول الله، وكان النبيّ يقرأ بها، ووصلت إلى حمزة بالتواتر القطعي، فمَنْ ذا الذي يمكنه ألا يستسيغها؟! «وقال أبو بكر بن عيّاش: قراءة حمزة عندنا بدعةٌ. وقال ابن دريد: إني لأشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة». وقال أحمد بن سنان: وسمعتُ ابن مهدي يقول: لو كان لي سلطانٌ على مَنْ يقرأ قراءة حمزة لأوجعت ظهره وبطنه (أحمد بن علي بن حجر العسقلاني)، تهذيب التهذيب الجزء 3: الصفحة 27-28؛) الناشر: دار الكتاب الإسلامي سنة النشر: 1327 هجرية. كما كان ابن حنبل يقول عن نافع إنه منكر الحديث. 

        أتباع مالك؛ أمثال سحنون، لا يقرون سوى قراءة نافع وأحمد بن حنبل، وأتباعه كانوا يرفضون قراءة حمزة الكوفي. ولهذا قال مَن قال من أئمة القراء‏:‏ لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة وإمام قراء البصرة في زمانه في رأس المئتين. وقال الساجي، عن أحمد بن محمد البغدادي، عن ابن معين: كان حفص وأبو بكر من أعلم الناس بقراءة عاصم، وكان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان كذاباً، وكان أبو بكر صدوقاً. عن ابن قانع عن حماد بن سلمة قوله: «خلط عاصم في آخر عمره». ابن حجر، تهذيب التهذيب. بالنسبة إلى أصحاب القراءات التي نسبت لها تلك القراءات لو رجعنا إلى التاريخ لوجدنا أن جميعهم لم يكونوا من العرب؛ أي أن لسانهم الأصلي ليس اللسان العربي، كما لا يوجد بينهم من لم يتم الطعن فيه من قِبل الفقهاء، فمنهم مَن اتهم بأنه يجهل العربية، ومنهم مَن اتهم بأنه مغموز في نسبه، ومنهم مَن اتهم بأنه يهوى (الغلمان)، ومنهم مَن اختلط ومنهم مَن اتهم بالكذب .وكبار الفقهاء قد طعنوا في قراءاتهم؛ مثل رفض ابن حنبل قراءة حمزة وكراهيته قراءة الكسائي، وطعن الطبري في قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر والزمخشري؛ كان يفضل بعض القراءات على البعض الآخر .وهؤلاء القراء الذين حددهم ابن مجاهد والجزري؛ هم: 

  1. نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني مولى جعونة بن شعوب الليثي الكناني، أصله من أصفهان، وكان أسود اللون حالكاً، أبو رُويم، توفّي سنة مئةٍ وسبعةٍ وستين للهجرة، ومن تلاميذه الذين أخذوا عنه واشتهروا بذلك: قالون، وورش. رواية ورش عن نافع المنسوبة إلى نافع المدني: قالون: واسمه عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى الزرقي (أبو موسى) مولى بني زهرة ومعلم العربية وقارئ المدينة ونحويّها، لقبه نافع (قالون) لجودة قراءته لأن معناها بلغة الروم (جيد). ورش: اسمه عثمان بن سعيد بن عبد الله، أبو سعيد المصري، لقبه نافع (ورشاً) لبياضه، والورش شيء أبيض يصنع من اللبن، وقيل غير ذلك، وغلب عليه هذا اللقب حتى صار لا يعرف إلا به. كان ابن حنبل يقول عن نافع إنه منكر الحديث. وقد عيب نافع بقلة معرفته بالعربية حتى قال عنه أبو عثمان المازني في كتابه في التصريف: “إن نافعاً لم يدر ما العربية”، انظر صبح الأعشى للقلقشندي (1|216). قراءة نافع مأخوذة من قالون، قال ابن أبي حاتم في ترجمة عيسى بن ميناء المعروف بقالون من الجرح والتعديل “حَدَّثنا عَبد الرَّحمن، قال: سَمِعتُ عَلي بن الحسن الهس نجاني، قال: كان قالون عيسَى بن ميناء أصم، شديد الصمم، فلو رفعت صوتك حتى لا غاية لم يسمع، وكان يُقْرَأُ عليه القرآن، فكان ينظر إلى شفتَي القارئ، فيرد عليه اللحن والخطأ، وقال لأخي: اقرأ على حروف نَافع، فإِني أفهم بحركة الشفة”. 
  1. أبو عمرو وهو ابن العلاء البصريّ المازنيّ، توفّي سنة مئةٍ وخمسةٍ وأربعين للهجرة، أخلفوا على اسمه على 21 اسماً، يروي الذهبي في سير أعلام النبلاء “قال الأصمعي: سألت أبا عمرو: ما اسمك؟ قال: زبان، وروي عن الأصمعي أيضاً قال: لا اسم لأبي عمرو. وأما يحيى اليزيدي، فعنه أن اسم أبي عمرو العريان. ورواية أخرى عنه أن اسمه: يحيى”. وكما اختلفوا في اسمه فقد اختلفوا في نسبه؛ يقول ابن خلكان في كتاب وفيات الأعيان “وهو من خزاعي بن مازن، وحكي في نسبه في بعض الروايات أنه أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ويقال: جلهم بن حجر بن خزاعي، والله أعلم”. واختلفوا أيضاً في كونه عربياً أو من الموالي؛ يذكر الذهبي في كتابه “طبقات القراء” أن أبا عمرو بن العلاء عندما سُئل إن كان أعرابياً أم من الموالي، قال (أما النسب ففي مازن، وأما الولاء ففي العنبر ) ويظهر أن الشك في عروبة أبي عمرو كان منتشراً؛ فيقول ابن الجزري في “غاية النهاية”، وحكى القاضي أسد اليزيدي أنه قيل إنه من فارس من موضع يقال له كازرون، قُلت: هي بلدة معروفة من فارس، وقد اختلف في اسمه على أكثر من عشرين”، يقول أبو الفرج الأصفهاني في (الأغاني): “كان أبو عمرو يغمز في نسبه”ـ يقول ابن مجاهد في كتاب (السبعة) الصفحة 85: “ثم دخل أبو عمرو الكوفة فتوفي بها عند محمد بن سليمان. حدّثني بعض أصحابنا عن أبي بكر بن خلاد عن وكيع بن الجراح، قال: قرأت بالكوفة على قبر أبي عمرو بن العلاء: هذا قبر أبي عمرو بن العلاء مولى بني حنيفة”، وروى عنه السوسيّ، والدُّوريّ. رواية السوسي عن أبي عمرو المنسوبة إلى أبي عمرو البصري: رواته الدوري: حفص بن عمر بن عبد العزيز، أبو عمر الدوري النحوي، والدوري نسبة إلى الدور، موضع ببغداد. السوسي: عن يحيى بن المبارك اليزيدي عن أبي عمرو البصري.
  1. حمزة بن حبيب الزَّيات الكوفي أبو عُمارة، كان مولى عكرمة، توفّي سنة مئة وستة وخمسين للهجرة. جاء في كتاب البرهان في علوم القرآن (1/ 320) “وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه كره قراءة حمزة لما فيها من طول المد وغيره؛ فقال لا تعجبني ولو كانت متواترة لما كرهها”. أما في كتاب البحر المحيط في أصول الفقه (2/ 214) “عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كره قراءة حمزة لما فيها من طول المد وغيره، وقال: لا تعجبني، ولو كانت متواترة لما كرهها”. وفي كتاب (الاختلاف بين القراءات) 90 8 – مواقف لبعض العلماء من القراءات المتواترة: ….. ص: 87 “أما الذين روى عنهم كراهة إحدى القراءات المتواترة؛ فمنهم الإمام أحمد بن حنبل، رحمه اللّه (ت 241ه). ووصف أبو بكر بن عياش قراءة «حمزة» بأنها بدعة. وذهب «بشر بن الحارث» أبعد منه، فقال: يعيد المأموم صلاته إذا صلَّى خلف إمام يقرأ بها”. وفي كتاب تهذيب التهذيب “وقال الآجري، عن أحمد بن سنان: كان يزيد -يعني ابن هارون- يكره قراءة حمزة كراهية شديدة. قال أحمد بن سنان: وسمعت ابن مهدي يقول: لو كان لي سلطان على مَن يقرأ قراءة حمزة؛ لأوجعت ظهره وبطنه. وقال الساجي: صدوق سيئ الحفظ ليس بمتقن في الحديث، وقد ذمه جماعة من أهل الحديث في القراءة، وأبطل بعضهم الصلاة باختياره من القراءة”. [1/489]. وقال الساجي أيضاً والأزدي: يتكلمون في قراءته وينسبونه إلى حالة مذمومة فيه، وهو في الحديث صدوق سيئ الحفط، ليس بمتقن في الحديث. قال الساجي: سمعت سلمة بن شبيب يقول: إن أحمد يكره أن يصلي خلف مَن يقرأ بقراءة حمزة. وقال أبو بكر بن عياش: قراءة حمزة عندنا بدعة. وقال ابن دريد: إني لأشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة”. أحمد بن حنبل يخالف الكثير من قراءات حمزة، ولا يستسيغ الصلاة خلف إمام يقرأ الحمد والسورة على قراءة حمزة! فإذا كانت قراءة حمزة -وهو أحد السبعة- متواترةً عن رسول الله، وكان النبيّ يقرأ بها، ووصلت إلى حمزة بالتواتر القطعي، فمَنْ ذا الذي يمكنه ألا يستسيغها؟! «وقال أبو بكر بن عيّاش: قراءة حمزة عندنا بدعةٌ. وقال ابن دريد: إني لأشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة». وقال أحمد بن سنان: وسمعتُ ابن مهدي يقول: لو كان لي سلطانٌ على مَنْ يقرأ قراءة حمزة لأوجعت ظهره وبطنه (أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (582هـ)، تهذيب التهذيب الجزء 3: الصفحة 27-28؛) الناشر: دار الكتاب الإسلامي سنة النشر: 1327 هجرية. 
  1. عبد الله بن عامر يُكنّى بأبي عمران، وأبي نعيم، جاء في تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني تحقيق مؤسسة التاريخ العربي منشورات دار إحياء التراث العربي، الصفحة 179 ” كان عبد الله بن عامر رئيس أهل المسجد زمان الوليد بن عبد الملك، وكان يزعم أنه من حمير، وكان يغمز في نسبه “، كانت وفاته سنة مئةٍ وثمانية عشر، ومن تلاميذه: هشام، وابن ذكوان. قراءة ابن عامر الشامي أشهر رواته هشام: بن عمار بن نصير بن ميسرة، أبو الوليد السلمي، الدمشقي. وابن ذكوان: عبد الله بن أحمد بن بشر بن ذكوان، أبو عمرو القرشي القاهري الدمشقي. وقد طعن الطبري في قراءة عبد الله بن عامر؛ فقد ورد في كتاب جامع البيان في القراءات السبع لأبي عمرو الداني، الجزء الأول، الصفحة 246 ” وقد كان محمد بن جرير الطبري، فيما أخبرنا الفارسي عن عبد الواحد ابن عمر عنه يضعّف اتصال قراءة ابن عامر، ويبطل مادّتها من جهتَين: إحداهما: أن الناقل لاتصالهما مجهول في نقله الأخبار غير معروف في حملة القرآن، وهو عراك بن خالد المقرئ، وأنه لم يرو عنه غير هشام بن عمّار وحده. والثانية: أن أحداً من الناس لم يدَّع أن عثمان أقرأه القرآن. اشتهر عن الزمخشري طعنه في قراءة ابن عامر، قال الزمخشري راداً على اختيار ابن عامر “وأما قراءة ابن عامر: قتل أولادهم شركائهم برفع القتل ونصب الأولاد وجرّ الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر، لكان سمجاً مردوداً”. 
  1. ابن كثير المكّي؛ وهو عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زادان بن فيروز بن هرمز أبو محمد، أصله فارسي، وهو من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى إلى صنعاء فطردوا عنها الحبشة، ولد بمكة سنة خمس وأربعين (45هـــ)، وتوفي سنة عشرين ومئة (120هـــ)، فعاش خمساً وسبعين سنة. ومن الذين اشتُهروا بالرواية عنه، والبزّي. رواية البزي عن ابن كثير. لمنسوبه لابن كثير المكي: رواته البزي: أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة. وقنبل: هو محمد بن عبد الرحمن بن خالد المخزومي مولاهم، أبو عمر المكي، لقبه (قنبل)؛ لأنه من أهل بيت بمكة يعرفون بالقنابلة. 
  1. عاصم بن بهدلة أبي النجود مولى بني أسد، يكنّى بأبي بكر، كان مُتقناً للقراءة ويتمتع بصوتٍ حَسَنٍ، قرأ على زرّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وقد توفّي سنة مئةٍ وسبعٍ وعشرين، وروى عنه: حفص، وشُعبة. قال عنه الكعبي في كتاب قبول الأخبار ومعرفة الرجال “قال: أبو عبيد: قد روى عن عاصم بن أبي النجود عاصم بن سليمان الذي يقال له الأحول أحاديث مضطربة، ويرى ذلك لأنهما اختلطا في آخر أمرهما. قال صدقة بن الفضل: عاصم بن بهدلة كوفي مضطرب الحديث”. وقال عنه ابن أبي حاتم الرازي في كتاب “الجرح والتعديل”: “حدثنا عبد الرحمن قال سألت أبا زرعة عن عاصم بن بهدلة فقال ثقة، ثنا عبد الرحمن قال فذكرته لأبي، فقال ليس محله هذا أن يُقال هو ثقة وقد تكلم فيه ابن علية، فقال كأن كل من كان اسمه عاصماً سيئ الحفظ”. أبو بكر البزار: لم يكن بالحافظ، لا نعلم أحداً ترك حديثه، مشهور قال عنه أبو جعفر العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ. وقال عنه أحمد بن شعيب النسائي: ليس به بأس، ومرة: ليس بحافظ. وقال عنه إسماعيل بن علية: تكلم فيه، وقال: كان سيئ الحفظ، وكأن كل من كان اسمه عاصماً سيئ الحفظ، وقال عنه الدارقطني: في حفظه شيء، وقال عنه حماد بن سلمة البصري: خلط عاصم في آخر عمره، وقال عنه زهير بن حرب النسائي: مضطرب، أعرض. وقال عنه يحيى بن سعيد القطان: ما وجدت رجلاً اسمه عاصماً إلا ووجدته رديء الحفظ. وقراءة عاصم مروية عن طريق حفص الذي قال فيه الفقهاء إنه ليس ثقة وكذاب، وقال أبو قُدامة السّرخسيّ، وعُثمان بن سَعيد الدّارمي عن يحيـى بن مَعِين: «ليسَ بثقة». قُلت: هذا جرح لعدالته واتهام له بالكذب. وقال عليّ بن المَديني: «متروك، ضعيفُ الحديث، وتركتُه على عَمْد. روى عن عاصم عامة القراءات مسندة». قلت: وهذا طعن له في روايته عن عاصم. وقال إبراهيم بن يَعْقوب الجُوزْجانِي: “قد فُرِغَ منه من دهر”. وقال البُخاري: «تركوه». وقال كذلك: «سكتوا عنه». قلت: وهذه والتي قبلها إحدى أردأ أنواع الجرح عند البخاري. وقد ذكره أيضاً في كتابه “الضعفاء” وهو كتاب مخصصٌ للمتروكين والهلكى، ولا يذكر البخاري فيه من كان ضعفه خفيفاً. وقال النّسائِي: «ليسَ بثقة ولا يكتب حديثه». قُلت: وهذا اتهام بالكذب. وقال النسائي في مَوْضع آخر: “متروك”. وقال زكريا بن يَحْيَى السّاجي: «يحدّث عن سِماك، وعَلقمة بن مَرْثَد، وقَيْس بن مُسْلم، وعاصِم أحاديث بواطيل». فهو حتى عن شيخه عاصم ليس بثقة، فكيف عن غيره؟! وقال ابن حبان: «كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل. وكان يأخذ كتب الناس، فينسخها ويرويها من غير سماع”. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتِم: سألتُ أبي عنه، فقال: «لا يُكْتَب حديثُه، هو ضَعيف الحديث، لا يَصدُق (وهذا اتهام بالكذب)، متروكُ الحديث». قُلت: ما حاله في الحروف؟ قال: «أبو بَكْر بن عَيّاش أثْبت منه”. وقال أبو أحمد بن عَدِي، عن السّاجيّ، عن أحمد بن محمد بن قاسم البَغداديّ (أبو العباس بن محرز)، عن يَحْيَى بن مَعين: «كان حَفْص بن سُلَيمان، وأبو بَكْر بن عَيّاش مِن أعلم النّاس بقراءة عاصِم، وكان حَفْص أقْرأ مِن أبـي بَكْر، وكان كذّاباً، وكان أبو بكر صَدُوقاً». أي فحتى لو كان حفص أقرأ، فإنه يكذب بخلاف أبي بكر (شعبة) الذي كان صادقاً. وحكى ابن الجوزي في “الموضوعات” عن عبد الرحمن بن مهدي قال: «والله ما تحل الرواية عنه». أقول: الرواية عن الصادق حلال وإن كان ضعيفاً. لكن إن كان كذاباً فالرواية عنه حرام. فالنقاد هنا يرمونه: بوضع الحديث” و”الكذب” و”سرقة الكتب”. فضعفه لا يتوقف على قلة عنايته واهتمامه بالحديث، وإنما يُرمى في أمانته ودينه. ولا شك أن الضبط في الحديث شيء، وفي القراءة شيء آخر. لكن الإشكال: أن ضعفه لا يتوقف على ضبطه وعنايته بالحديث. ولو كان الأمر كذلك فقط، لما كان هناك أي إشكال. فالأمر يختلف: بين ضعف في ضبط الحديث والعناية به، وبين ضعف في الدين والأمانة. لكن الطعن في دينه، وصدقه، وأمانته، ورميه بالكذب، والوضع. ورجل هكذا، كيف يؤمن على كتاب الله؟! يعني باختصار عاصم مطعون في عدالته، ومتهم بتعمّد الكذب، وله حروفٌ يتفرد بها لم يتابعه عليها أحد. فكيف نزعم أن قراءته متواترة؟ كيف يصح هذا التواتر ونحن لا نجد هذه الأحرف من طريق غيره؟! وقد ذكر ابن الجزري في ترجمة حفص في “غاية النهاية” (1|254): قال ابن مجاهد عن حفص: «بينه وبين أبي بكر من الخلاف في الحروف: خمسمئة وعشرون حرفاً». 
  1. أَبُو اَلْحَسَنِ عَلِيُ بْنُ حَمْزَة بْنِ عَبْدِ اَللَّهْ بْنِ بِهْمِنَ بْنِ فَيْرُوزَ اَلْكِسَائِيُ؛ هو أبو الحسن، ومولى بني أسد، كان أعلم الناس في عصره باللغة، وإمام المسلمين في القراءات، وقد تولّى رئاسة القراءة بعدما توفّي شيخه حمزة بن حبيب في الكوفة. رواية حفص عن عاصم. منسوبه لعاصم الكوفي: شعبة: أبو بكر بن عياش بن سالم الكوفي الأسدي الحنّاط. وحفص: بن سليمان بن المغيرة، أبو عمر الأسدي الكوفي الغاضري البزاز. مشهور بشرب النبيذ وإتيان الغلمان (في بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة والمجلد الثَّاني لجلال الدين السيوطي الجزء الثاني الصفحة 163 الرقم 1701 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم منشورات عيسى البابي الحلبي سنة النشر 1964). وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: كَانَ الْكسَائي أعلم النَّاس، ضابطاً عَالماً بِالْعَرَبِيَّةِ، قَارِئًا صَدُوقًا، إِلَّا أَنه كَانَ يديم شرب النَّبِيذ، وَيَأْتِي الغلمان. يروي صلاح الدين الصفدي في كتاب الوافي في الوفيات الجزء 21 الصفحة 49 منشورات دار إحياء التراث العربي سنة 2000 (أنَ يشرب الشَّرَاب وَيَأْتِي الغلمان قيل إِنَّه أَقَامَ غُلَاما مِمَّن عِنْده فِي الْكتاب يفسق بِهِ وَجَاء بعض الْكتاب ليسلم عَلَيْهِ فَرَآهُ الْكسَائي وَلم يره الْغُلَام فَجَلَسَ الْكسَائي فِي مَكَانَهُ وَبَقِي الْغُلَام قَائِماً مبهوتاً فَلَمَّا دخل الْكَاتِب قَالَ مَا شَأْن هَذَا الْغُلَام قَائِما قَالَ وَقع الْفِعْل عَلَيْهِ فانتصب ذكر ذَلِك ياقوت فِي مُعْجم الأدباء). قال ابن قدامة: «ولم يكره -يعني أحمد بن حنبل- قراءة أحد من العشرة، إلا قراءة (حمزة) و(الكسائي)؛ لما فيهما من الكسر والإدغام والتكلف وزيادة المد». 
  1. أبو جعفر المدنيّ؛ هو فيروز بن القعقاع. وقيل: جندب بن فيروز وقيل يزيد بن القعقاع، مولى عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ، بدأ الإقراء سنة ثلاثٍ وستين للهجرة، توفّي سنة مئةٍ وثلاثين للهجرة، زمن خلافة مروان بن محمد. وروى الأصمعي عن نافع قال: “تركت من قراءة أبي جعفر سبعين حرفاً”. 
  1. يعقوب بن إسحاق أبو محمد، يعقوب بن إسحاق الحضرميّ، مولى الحضرميين المقرئ البصري، ولد سنة مئة وسبعة عشر للهجرة، وتوفّي ابن إسحاق سنة مئتين وخمس للهجرة، وعاش ثماني وثمانين سنةً. قال عنه ابن سعد في الطبقات الكبرى “يعقوب بن إسحاق، يعقوب بن إسحاق الحضرمي المقرئ. ويكنى أبا محمد. وليس هو عندهم بذاك الثبت. يذكرون أنه حدث عن رجال لقيهم وهو صغير قبل أن يدرك.
  1. خلف بن هشام هو خلف بن هشام البزّار، وكان راوياً عن القارئ حمزة الزّيات؛ لكن كان له اختيارات خاصة به خالف به شيخه الزّيات.

ومن الناحية اللغوية فقد كان أئمة اللغة؛ ومنهم سيبويه والفّراء يخطِّئون قراءة تواتر نقلها؛ لأنها مخالفة لبعض القواعد من القواعد النحوية، ولم ينظروا إلى القراءات القرآنية بقدسية، وإنما تعاملوا معها على أنها لغات عربية؛ تمثل لسانَ قارئيها وانتماءاتهم القبلية أو المكانية. وكان سيبويه عندما يعقب على القراءات القرآنية يقول: (هذه لغة ضعيفة)!

القول إن الاختلاف في القراءات لا يؤدي إلى اختلاف الأحكام؛ القول بأن هناك عشر قراءات يتعارض مع قوله تعالى (الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (الر كتاب) أي: هذا كتاب، (أُحكمت آياته)؛ أي أُحكمت، أحكمها الله، فليس فيها اختلاف ولا تناقض (من لدن حكيم خبير). هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى. وقوله: (من لدن حكيم خبير)؛ أي: من عند الله الحكيم في أقواله، وأحكامه، الخبير بعواقب الأمور. كذلك يقول سبحانه وتعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)؛ أي أن القرآن أُنزل بلسان قوم الرسول، ولكن نظرة سريعة في القراءات نرى أنها تؤدي إلى تغيير الأحكام حسب القراءة، وعلى سبيل المثال: 

  1. في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة)، قرأ حمزة والكسائي وخلف بن هشام وأبو بكر بن العياش «يطَّهرن» بتشديد الطاء، بينما قرأ الآخرون بتخفيف الطاء، وإن الحكم المستنبط من كلتا القراءتين يختلف عن الآخر؛ إذ طبقاً لقراءة التخفيف يستفاد الحكم بجواز مباشرة الحائض بعد انقطاع الحيض وقبل الاغتسال، وأما على قراءة تشديد الطاء فلا تجوز المباشرة إلاّ بعد الغسل.
  1. في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ )البقرة)؛ قرأ أكثر القرّاء «اتَّخِذوا» على صيغة الأمر، بينما ذهب عامر ونافع إلى قراءتها بصيغة الفعل الماضي. ولا شَكَّ في أن القراءة الأولى تفيد الأمر والظهور في الوجوب، بينما القراءة الثانية لا تفيد غير الإخبار البَحْت والحكاية عن الماضي؛ بحيث لا يمكن حمل الآية على الإنشاء والطلب.
  1. في قوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ (يوسف)؛ القراءة المشهورة «سَرَقَ» على صيغة الفعل الماضي، ولكنْ الكسائي قرأها على صيغة «سُرِّق» (بمعنى: اتُّهم بالسرقة). والفرق بين القراءتين واضحٌ.
  1. “لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون”؛ قـــرأ حمـــزة والكســـائي وخلــف وشـــعبة (عقدتم الأيمان) بتخفيـــف القـــاف، وقـــرأ أبـــو عمـــرو ويعقــوب بتشديدها. القراءتان متجهتان إلى تقرير عدم المؤاخذة بيمين اللغو وحصر المؤاخذة على اليمين المعقودة. مَن قرأ بالتخفيف فهي دالة على أن الكفارة تلزم الحانث إذا عقد يميناً مرة واحـدة، ولـم يشـترطوا تكــرار اليمــين لوجـوب الكفــارة، وأمــا مــَن قـرأ بالتشــديد فقــد اشـترط التكـرار فــي اليمــين لوجـوب الكفارة.
  1. (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ)؛ قـرأ حمـزة والكسـائي وخلف بحـذف الألـف فـي الألفـاظ (تقـاتلوهم، يقـاتلوكم، قـاتلوكم)، وقـرأ عاصـم والبصريان بإثبات الألف في الأفعال الثلاثة المذكورة. من أثبت الألف فقرأ (تقاتلوهم) يرى أن الخطاب في بيان المقاتلة وليس في بيان القتل؛ أي أن القتال في المسجد الحرام لا يجوز على نحو الابتداء، ولكنهم إذا اضطروا إليه جاز لهم؛ أي يجوز قتـل مـن وجـب عليه القتـل بقصـاص أو كفـر أو زنـى فـي كـل زمـان أو مكـان، ولـم يمنع الحرم منه لعموم الأدلة، وذهب إلى هذا الرأي الشافعية والمالكية، الحكم الثاني لا يجوز قتل من التُجئ إلى الحرم؛ ولكن يضيق عليه حتى يخرج من الحرم، فيُقام عليه الحد. وهو مذهب الحنفية والحنابلة. 
  1. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أو عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ)؛ قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف (فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) برفع (جزاء) و(مثل)، وقرأ أبو عمرو البصري برفع (جزاء) وخفض (مثل)؛ أي بإضافة جزاء إلى (مثل(. وجوب المماثلة في جزاء الصيد في الحرم، وهو مذهب الشافعية والمالكية. الرأي الثاني: لا يتعين وجوب المماثلة في جزاء الصيد في الحرم؛ بل يمكن المصير إلى قيمته وهو مذهب الحنفية.

 

  1. سورة آل عمران 146: رواية حفص: {146} “وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ”. رواية قالون: {146} “وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِئ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)؛ أي الآيات هي الصحيحة؟ قُتِل معه أم قاتل معه؟ أليس هذا فرقاً كبيراً في المعنى وفي الكلمة وفي الحرف؟ كلمة قُتِل لها معنى مغاير تماماً لكلمة قاتَل.
  1. سورة آل عمران 125: رواية حفص: {125} “بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ”، رواية قالون: {125} “بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوَّمِينَ)، هذا فرق في المعنى واللفظ أيضاً، فمسوِّمين تختلف اختلافاً بالمعنى واللفظ عن مسوَّمين.
  1. سورة آل عمران 161: رواية حفص: {161} “وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” رواية قالون: {161} “وَمَا كَانَ لِنَبِئ أَنْ يُغَلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ”، لاحظوا الفرق بين يَغُلَّ ويُغَلَّ.. أيضاً فاعل ومفعول به.. في رواية حفص أتت فاعلاً، وفي قالون مفعولاً به. هذا اختلاف باللفظ والمعنى. 
  2. سورة الزخرف 19: رواية حفص: {19} “وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ”، رواية قالون: هي الآية رقم 18 وليست 19 ونصها هو التالي “وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أشْهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ”. على الرغم من أن رقم الآيات مختلف في كلتا الروايتين، نجد أن هناك أيضاً اختلافاً في كلمة أَشَهِدوا وأشْهِدوا.. لاحظ علامة الفتحة على حرف الشين في رواية حفص والسكون في رواية قالون.. الاختلاف في اللفظ هذا أدى إلى وجود اختلاف في المعنى أيضاً.
  1. سورة الزخرف 24: رواية حفص: {24}  “قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ”، رواية قالون: {23}  “قُلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ”؛ أيضاً هناك اختلاف في رقم الآية وأيضاً في الكلمة، قل وقال؛ أليست قُل تختلف عن قَال وتجعل المعنى مختلفاً تماماً؟
  1. سورة البقرة 119: رواية حفص: {119} “إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ”، رواية قالون: {118} “إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تسئ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ”، أيضاً اختلاف في رقم الآية والاختلاف بين كلمتَي “تُسأل” و”تسئ”.. الاختلاف في اللفظ أدى إلى اختلاف المعنى.. هل الآية تقول لمحمد لا تسأل أنت يا محمد أم تقول لن تسئ أنت يا محمد؟
  1. سورة البقرة 191: رواية حفص: {191} “وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين”، رواية خلف: {191} “وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تَقَتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقتُلوكم فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ”. 
  1. البقرة 184: رواية حفص: {184} “أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ”. رواية خلف: {184} “أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ يَّطَوَّعْ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ”. رواية قالون: {184} “أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ َعَامُ مِسْاكِينٍ فَمَنْ يَّطَوَّعْ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ”. لاحظ الاختلاف بين كلمتَي تَطَوَّعَ ويَّطَوَّعْ بين رواية حفص وخلف، وأيضاً كلمتَي مسكين ومساكين بين روايتَي حفص وقالون.. أليس هذا اختلافاً في اللفظ؟
  1. سورة البقرة 285: رواية حفص: {285} “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ”. رواية خلف: {285} “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُابه وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ”. لاحظ الفرق بين كلمتي “وَكُتُبِهِ” و”وَكُتُابه”.. الفرق في اللفظ غيَّرَ المعنى تماماً؛ لأن المعروف في القرآن أنه عندما يذكر كتاباً واحداً فهو يقصد به القرآن، ولكنه عندما يذكر كتبه فهو يقصد كل الكتب السماوية.. فما الصحيح؛ كتبه أم كتابه؟ 
  1. سورة الحديد 24: رواية حفص: {24} “الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. رواية قالون: {23} “الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. على الرغم من وجود اختلاف في رقم الآية في كلا المصحفَين؛ فإننا نجد أن في رواية قالون أن كلمة “هُوَ” قد اختفت من الآية، هذا نقصان كلمة كاملة. 
  1. سورة مريم 19: قرأه حفص: “قال أنما أنا رسول ربك إليك لأهب لك غلاماً زكياً”. قرأه نافع، أبو عمرو، قالون، ورش: “قال أنما أنا رسول ربك إليك ليهب لك غلاماً زكياً”؛ البحر المحيط، الكشاف: “قال أنما أنا رسول ربك إليك أمرني أن أهب لك غلاماً زكياً”. الاختلافات في الآيات في تلك القراءات؛ فتارة يقول لأهب، وتارة أخرى ليهب، ومرة أخرى يقول “أمرني أن أهب”.
  1. حفص الآية: (58: من سورة البقرة) “وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هَـٰذِهِ لقرية فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادخلوا الباب سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ (نَّغْفِرْ) لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ وَسَنَزِيدُ المحسنين”. وقرأها ورش (يُغْفِرَ). 
  1. قرأ حفص الآية (30: ق) “يَوْمَ (نَقُولُ) لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ”. وقرأها ورش (يَقُولُ).
  1. قرأ حفص الآية (109: يوسف) “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا (نُّوحِي) إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ”. وقرأها الإمام ورش: (يُوحى). 
  1. قرأ حفص وورش الآية (31: يوسف) “فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا (بَشَرًا) إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ”. (بِالنّصبِ)، وقرأها ابن مسعود: (بُشْرٌ) (بِالرَّفْعِ).
  1. حفص الآية (100: التوبة) “وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم”، وقرأها الإمام ورش: “وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي (مِنْ) تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”. بِزِيادَةِ (مِنْ).
  1. قرأ حفص الآية (259: البقرة) “انظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إلى الْعِظَامِ كَيْفَ (نُنشِزُهَا) ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”. وقرأها ورش: (نُنشِرُهَا).
  1. قرأ حفص الآية (68: الأحزاب) “رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا (كَبِيرًا)”؛ وقرأها ورش: (كَثيرًا).
  1. قرأ حفص الآية (140: البقرة) “أَمْ (تَقُولُونَ) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أو نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ”. وقرأها ورش: أَمْ (يقُولُونَ)؛ بل إن الاختلافات تصل إلى القراءة الواحدة، فلو نظرنا إلى قراءة (عاصم بن أبي النَّجود الأسدي الكوفي)، وأشهر رواة هذه القراءة هم (حفص الذي كان مشهوراً بالكذب، وشعبة)؛ فكلاهما يدَّعي الأخذ عن عاصم الذي كان (مختلطاً)، أي أنه كان يهذي، إذا نظرنا قراءتي شعبة وحفص، نجد:
  1. قراءة (شعبة)؛ نجده كان يقرأ (وَمَا الله بِغَٰفِلٍ عَمَّا يعملون) البقرة 85، أما حفص فكان يقرأ (وَمَا الله بِغَٰفِلٍ عَمَّا تعملون) البقرة 85. 
  1. شعبة كان يقرأ (أم يَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم) البقرة 140 حفص كان يقرأ (أم تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم) البقرة 140. 
  1. شعبة كان يقرأ (وَمَا تفعلوا من خيرٖ فَلَن تكفروه) آل عمران 115، وحفص كان يقرأ (وَمَا يفعلوا من خيرٖ فَلَن يكفروه) آل عمران 115.
  1. شعبة كان يقرأ (خيرٞ مِّمَّا تجمعون) آل عمران 157، وحفص كان يقرأ (خيرٞ مِّمَّا يجمعون) آل عمران 157.
  1. شعبة كان يقرأ (ليبيننه لِلنَّاسِ وَلَا يكتمونه) آل عمران 187، وحفص كان يقرأ (لتبيننه لِلنَّاسِ وَلَا تكتمونه) آل عمران 187.

إذا أخذنا قراءة أخرى هي قراءة عبد الله بن كثير؛ نجد أن هناك قراءة قنبل وقراءة البزي..

  1. البزي كان يقرأ (لتنذر الذين ظلموا) الأحقاف 12، وقنبل كان يقرأ (لينذر الذين ظلموا) الأحقاف 12.
  1. البزي كان يقرأ (ليذيقهم) الروم 41، وقنبل كان يقرأ (لنذيقهم) الروم 41.

كذلك نجد اختلافات حتى في أعداد الآيات القرآنية. فعلى سبيل المثال يوجد في المصاحف الحالية 114 سورة؛ ولكن ذكر السيوطي في كتاب “الإتقان في علوم القرآن”، الصفحة 143، “وفي مصحف ابن مسعود مئة واثنتا عشرة سورة، لأنه لم يكتب المعوذتين. وفي مصحف أبيّ ست عشرة؛ لأنه كتب في آخره سورتَي الحفد والخلع “. وعلى الرغم من أن عاصم بن أبي النَّجود الأسدي الكوفي، يدَّعي تواتر قراءته من أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود؛ فإن قراءته 114 سورة. يقول الزركشي -رحمه الله-: “اعلم أنّ عدد سور القرآن العظيم، باتفاق أهل الحلّ والعقد، مئة وأربع عشرة سورة، كما هي في المصحف العثماني؛ أولها الفاتحة وآخرها الناس”، ونقل عن مجاهد أن البعض قد يعدّ سور القرآن الكريم مئة وثلاث عشرة سورة. وذلك بجعل سورتَي الأنفال والتوبة سورةً واحدة؛ لأن سورة التوبة لا تُفتتح بالبسملة، وقال الزركشي “إنّ هذا القول مرفوض؛ لأنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قد سمّى كلّ واحدةٍ منهما باسم خاص بها”. لو رجعنا إلى القرآن نجد أن الله ذكر الذين يحاولون تحريف كلام الله، الجواب في الآية التي تقول (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ)، وأساليب التحريف مذكورة أيضاً في القرآن؛ وهي:

  1. نسبة كلامٍ لم يقله الله تعالى إليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
  1. لَيُّ اللسانِ بالكلام لإيهام السامع أنه كلام الله وهو ليس من كلام الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
  1. تأويل كلام الله تعالى وصرفه عن حقيقته بغير دليل، قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. 

من أجل ذلك رد عليهم سبحانه وتعالى، بقوله إنه محفوظ بحفظ الله له؛ فلا تبديل ولا تغيير ولا تحريف على الرغم من محاولات من اخترع كذبة القراءات العشر (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). طبعاً سيقول قائل تلك الآيات نزلت في اليهود، نقول من اخترع كذبة القراءات العشر إنما اتبع طرقهم لمحاربة كتاب الله، ولقد ذكرنا سابقاً أمثلة على التغيُّرات التي وضعوها في قراءاتهم، بادعاء أن تغيير اللفظ لا يغير المعنى، وكأن الله حفظ المعنى ولم يحفظ اللفظ، وكأن الله لم يحكم آياته.

في النهاية؛ يبقى السؤال: ما القراءة التي كان يقرأ بها الرسول؟ والجواب موجود في نص القرآن؛ بأن القرآن أُنزل بلسان واحد، هو لسان الرسول (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا)، وقوله تعالى (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). والرسول كان يقرأ بلسان قومه، وبالنص الصريح في القرآن (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). ولسان قومه يعني اللسان الذي كان يتكلم به أهل المدينة التي ولد وعاش فيها الرسول وما حولها. ومن الشواهد التاريخية بذلك إلغاء عثمان بقية الأحرف وإلزام الناس بحرف واحد، وهذا يستحيل وجوده، لو كانت الأحرف كلها منزلة من عند الله. كذلك قول أبي عبد الرحمن السلمي الذي حمل المصحف العثماني من المدينة إلى الكوفة، قال فيه (كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله على جبريل مرتَين في العام الذي قبض فيه) (المرشد الوجيز ص 68، والبرهان للزركشي 1/237). كما قال علم الدين السخاوي في جمال القراء (ص 522): (وإذا قالوا: قراءة العامة، فإنما يريدون: ما اتفق عليه أهل المدينة، وأهل الكوفة؛ فهو عندهم سبب قوي يوجب الاختيار، وربما اختاروا ما اجتمع عليه أهل الحرمين وسموه أيضاً بالعامة). حين أمر عثمان بكتابة المصحف على حرف واحد، قال للرجال الأربعة الذين تولوا تلك المهمة، كما في صحيح البخاري (4702): (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم). فهذا يدل على أن القرآن أُنزل بلفظ واحد، وهو لغة قريش. 

المراجع

  1. القيسي، مكي بن أبي طالب، الإبانة عن معاني القراءات، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي، دار نهضة مصر للطبع والنشر. 
  1. العك، خالد عبد الرحمن، كتاب تاريخ توثیق نص القرآن الكریم، دار الفكر، دمشق، طبعة ثانية، 1986.
  1. الصرصري، نجم الدين أبو الربيع سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، “شرح مختصر الروضة”. 
  1. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب الجزء 3، الناشر: دار الكتاب الإسلامي سنة النشر: 1327 هجرية.

 

  1. الصفدي، صلاح الدين، كتاب الوافي في الوفيات، الجزء 21، منشورات دار إحياء التراث العربي سنة 2000. 
  1. الزركشي، بدر الدين، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار التراث. 
  1. الطوفي، سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد نجم الدين، شرح مختصر الروضة، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، منشورات مؤسسة الرسالة، سنة النشر: 1407- 1987. 
  1. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المؤلف: شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، رحمه الله، وساعده: ابنه محمد، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف- المدينة المنورة- السعودية، عام النشر: ١٤٢٥ هـ- ٢٠٠٤م.
  1. بدران، عبد القادر، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: ابن بدران، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر مؤسسة الرسالة، سنة النشر: 1401- 1981. 
  1. الذهبي؛ محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، شمس الدين، أبو عبد الله، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط- بشار معروف- آخرون، الناشر: مؤسسة الرسالة، سنة النشر: 1402- 1982. 
  1. الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، (معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى ١٤١٧هـ- ١٩٩٧م. 
  1. التوحيدي، أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس، (البصائر والذخائر)، تحقيق: د/ وداد القاضي، الناشر: دار صادر- بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٨ م، الجزء الثامن. 
  1. السيوطي، جلال الدين، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم منشورات عيسى البابي الحلبي، سنة النشر 1964. 
  1. الصفدي صلاح الدين، الوافي في الوفيات، منشورات دار إحياء التراث العربي، سنة 2000.