Skip to content Skip to footer

العنف باسم القانون | كلاديس مطر

انتبه العلماء في بداية القرن التاسع عشر إلى ظاهرة لم يعرفوا تفسيراً لها إلى هذا اليوم، وهي أنه “إذا وُضِعَت مجموعة متسلسلة من الصور وحركتها بطريقة متتابعة، فإن الإنسان يراها أو يتخيلها تتحرك”.


 

 

 

سميت هذه النظرية الشاذة بـ”ثبات النظر”، ومعناها أن العين تبقى على الصورة التي تراها لمدة لا تزيد على جزء من الثانية حتى بعد اختفاء الصورة. وهذا البقاء للصورة لجزء من الثانية يُدعى “الصورة الإيجابية”، وهو مبدأ الصور المتحركة. والمطب الذي وجد العقل نفسه فيه أمام هذه الصورة هو أنها تتحرك وتتوالى بسرعة؛ بحيث يعجز عن تحليل ما يجري بالضبط، وهكذا فإن أبسط شيء أن يعتقد بأن الصورة تتحرك. فلو رأينا مشهداً لرجل يضرب امرأة لمدة 30 ثانية في فيلم، فهذا يعني أن هناك 24 صورة لهذه الحركة في كل ثانية؛ أي إن هناك 720 صورة معكوسة على الشاشة الواحدة تلو الأخرى بواسطة آلة العرض الضوئية، وبين كل صورة وأخرى هناك جزء من الثانية من الظلمة. فإذا كانت عبارة “صباح الخير” تحتاج من 20 إلى 22 صورة يحرك فيها الممثل شفتَيه، فإن الصفعة تحتاج إلى أكثر بكثير، ومع ذلك يطلق على هذه الصورة بلغة تقنية التصوير “الصورة الإيجابية”. لكنّ الأمر يتجاوز حقاً ذلك بكثير؛ فما هو إيجابي على الصعيد التقني قد يكون سلبياً من الناحية الدرامية، وشتان بين ميل التقنية للكمال الفني وبين الميول الخفية للخطاب الدرامي. 

 

فالصفعة الناجحة تقنياً هي فشل درامي؛ إلا إذا كان توظيفها مدروساً، مع أني أشك في إمكانية استخلاص دروس عن مساوئ العنف من خلال مشاهد يتجلى فيها بكل تفاصيله. مع ذلك، فللكاتب الدرامي وجهة نظر مختلفة ربما، فتحت عنوان “الدراما الواقعية أو الدراما في خدمة الواقع، أعيدت فيه مشاهد العنف بمبالغة أكبر المرة تلو الأخرى بدافع التطرف في الواقعية كمدرسة ممدوحة ومرغوبة، لتتحول الشاشات السينمائية والتليفزيونية إلى “مدرسة” حقيقية لهذا العنف. 

 

لقد وصل العنف في الدراما السينمائية الأمريكية، على سبيل المثال، لدرجة أن بيانات الأمم المتحدة اعترفت بأن ثمانين بالمئة من النساء غير الناجيات من العنف يقتلن على أيدي أقرب الناس إليهن، مستلهمين كل ما تبيحه لهم هذه الدراما العنيفة التي تبث حولهم ليل نهار. الحق، إن اللافت في عنف هذه الأفلام الغربية الرائجة عربياً، مع أننا لسنا بحاجة إلى دروس في العنف من خارج الحدود، هو عقدتها أو حبكتها التي “تُصمم من خلال قالب انتقامي”، وهو قالب معروف جداً لمن احترف الكتابة لتلك السينما، حيث يأخذ الشخص القانون بيده ويقرر الانتقام للذين أحبوه من الذين ظلموه أو الذين اغتصبوا حقه أو بيته…إلخ. إنّه عنف باسم القانون، وهو الرائج في الأفلام الغربية بشكل كبير لدرجة ظهر البطل القومي فوق ركام هذا النوع المشروع من العنف الذي يجد لنفسه كل المبررات الدرامية القوية لكي يسلك ويعبر بقدرته الذاتية بحيث يتحول القانون الرسمي إلى هيئة ضعيفة تصل بعد فوات الأوان وبعد أن قام “البطل” بنفسه بالوصول إلى غايته بطرقه الخاصة. 

 

إن التأليه المفرط للهوية الفردية والشخصية في هذه الدراما، وتعلقها على حساب مرجعية القانون، قدم الكثير من المشروعية والتبرير لانتهاكات كثيرة. حتى الدراما العربية وقعت في “جاذبية” البطل القادر على القيام بكل شيء بمفرده؛ بينما سلاحه على كتفه، ولقد رأينا ذلك النموذج وما زلنا نراه في الدراما العربية الآن. ومع ذلك، هناك فرق جوهري تقني بين الكاتب الروائي وذاك الذي يكتب للسينما والتليفزيون، فهذا الأخير يجب أن يتمتع بخيال وحس بصري قوي، وأن يكون بارعاً في صياغة المشاهد المؤثرة بكل تفاصيلها؛ فإذا كتب الروائي العبارة التالية “كان أحمد يضرب زوجته كل يوم”، فهذه العبارة قد لا تترك في نفسنا الأثر الذي تتركه الصورة الحية، والمتحركة للزوجة وهي تتعرض للضرب من قِبل زوجها وهي تركض من هنا إلى هناك وتصرخ، إلا إذا أتى النص الروائي بذاته متفوقاً بحيث يترك نفس هذا الأثر في القارئ- المتلقي. إنّ الدراما البصرية قادرة من خلال خطابها وأدواتها التي تتطور من دون توقف على (إنتاج الهوية- هوية الذات والمجتمع- وعلى إعادة إنتاجها من جديد)، كما أن روايات القرن الثامن عشر والكتب المسلكية الأخرى مثلاً -كما ترى الناقدة الأمريكية نانسي أرمسترونغ- هي التي أنتجت الفرد الحديث. والفرد الحديث هو شخص يُنظر إليه على أن هويته وقيمته تنبعان من مشاعره الشخصية وخصائصها، بدلاً من أن تنبعا من مكانة هذه الشخصية داخل الهرم الاجتماعي. ويساند هذا التصور عن الهوية في الوقت الحاضر الأفلام والتليفزيون ودائرة واسعة من الخطابات؛ حيث تخبرنا السيناريوهات ما يعنيه أن تكون شخصاً حراً قادراً على أن تمسك قدرك بيديك؛ رجلاً كنت أم امرأة. إن الدراما البصرية وكذلك الكلمة المكتوبة “تتحاور” مع القارئ- المشاهد بطرق تستدعي الكثير من التماهي مع شخصياتها وأحداثها، والتماهي هو الذي يعيد إنتاج الهوية المرة تلو الأخرى. إننا نكون ما نحن عليه عن طريق التماهي طويل الأمد مع الأشخاص الذين نقرأ عنهم ونستمع إليهم ونشاهدهم، كما أننا نتكون من خلال كينونتهم وأفكارهم وسلوكهم متى راقوا لنا ووجدنا ضالتنا فيهم. وإذا كان المتلقي يتمتع بخصائص الشخصية العنيفة القمعية؛ فإنه يكفي أن يرى صفعة حتى تزهر الدنيا حوله ويتسمم الباقي من العالم. إن الآلية الناعمة للتماهي خطيرة جداً، وهي بين يدي كتابنا ومصورينا وممثلينا ومخرجينا السينمائيين، وديعة بحاجة إلى حكمة الدنيا للتعامل معها. فالفن المشهدي البصري ليس “ترفيهاً” بالمطلق، كما أطلقوا عليه؛ وذلك لأن تأثيره جدي وحقيقي على الهوية. إن الهوية التي تتشكل عن طريق التماهي هي هوية “مُصَنَّعة” وذلك بقدر كمية الخطاب المتدخل إليها، وبقدر كمية التحدي أمام التربية والثقافة نفسيهما اللتين نشأت عليهما هذه الهوية. 

 

لقد عانت صديقة لي من هذا التماهي عندما قرأت رواية “إحدى عشرة دقيقة” لباولو كويلهو، بكثير من الاندماج والشغف. والرواية تدور حول امرأة تتطور شخصيتها وتتعقد شيئاً فشيئاً فتصبح عاهرة بدافع الظروف. ولقد كانت الكتابة جيدة والدوافع الدرامية مكتملة والشخصية مرسومة بدقة وجمالية عاليتَين، “جملت العمى” أمام ناظريها، لدرجة شعرت بينها وبين نفسها بمبررات هذه المهنة كما قالت لي ضمن سياق معين من الظروف. إن التماهي مرعب وليس فقط خطيراً. الحق، هناك غواية غريبة في عملية الإبداع الأدبي والسينمائي؛ بحيث يتجاوز الكاتب في كثير من الأحيان هذا الخط غير المرئي الموجود بين “أن يصل بمغامرة الكتابة إلى آخر حد يمكن الوصول إليه” وبين “لجم الاندفاع الإبداعي”؛ لأن الإحساس بالمسؤولية تجاه “أمن الهوية المجتمعية” هو خط أحمر ليس عليه تجاوزه. 

 

من اللافت أن هناك الكثير من حكومات الدول، كالهند مثلاً، التي تطلب “بشكل رسمي” من صناع السينما والدراما، وحتى الكتاب؛ أن يعملوا على تعزيز الهوية الوطنية وطرح المسائل التي يحتاج المجتمع إلى حل لها، عارفين بهذا التأثير الذي لا لبس فيه للكلمة والمشهد في إعادة إنتاج الموقف الإنساني وتكريسه. ولهذا نجد أن الدراما السيئة هي تلك التي تعمد إلى “تجميل العمى”، أي تجميل دافع العنف وإلباسه مظهراً براقاً أو مبرراً. إن الدافع هو ما يحرك كل إنسان في هذه الدنيا. فنحن نقوم بكل شيء وبأي شيء بسبب الدافع تجاهه، نأكل لأننا نجوع ونتعلم لأننا بحاجة إلى العلم ونعمل لكي نحيا… إلخ، فإذا كتبنا عن رجل يمارس العنف تجاه امرأة له علاقة ما بها، فإن من أبسط مقومات القصة الروائية أو الدرامية السينمائية هي أن نعثر على الدافع أو المبرر لذلك، وهكذا تولد “المشروعية” من أب الدافع وأم الفكرة. هل نصل إلى موقع نطالب فيه بأن يحكم الكلمة قانون ما فلا تشطح بشكل عبثي ومؤذٍ؟ وإن طالبنا بهذا النوع من القوانين، هل نظلم الإبداع وحرية التعبير؟ أسئلة كثيرة ربما بحاجة إلى أجوبة لا تظلم، وإنما تتفهم “أمن الهوية”؛ فلا تجعله مُهدداً أمام جبهات الكلمة والمشهد الأكثر عنفاً وتطرفاً.