Skip to content Skip to footer

الصلاة في القرآن | د. قصي هاشم فاخر

يمثل مفهوم الصلاة في القرآن الكريم محورًا أساسيًا لفهم العلاقة بين الإنسان والنظام الإلهي، إذ تتجاوز معناها الطقوسي المعروف إلى دلالات أعمق وأكثر تداخلًا مع بناء المجتمع وإقامة العدل. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة منهجية جديدة لمعاني “الصلاة” ومصاديقها المتنوعة في النص القرآني.

الصلاة في القرآن | د. قصي هاشم فاخر

 

يمثل مفهوم الصلاة في القرآن الكريم محورًا أساسيًا لفهم العلاقة بين الإنسان والنظام الإلهي، إذ تتجاوز معناها الطقوسي المعروف إلى دلالات أعمق وأكثر تداخلًا مع بناء المجتمع وإقامة العدل. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة منهجية جديدة لمعاني “الصلاة” ومصاديقها المتنوعة في النص القرآني.

 

 

ملاحظات منهجية:

 لا بُدَّ من التأكيد على أمرين:

  1. إننا نحاول تقديم مخطط عام للمفاهيم القرآنية ضمن محاولة تقديمنا تطبيقات المنهج اللفظي الترتيلي، وإثبات الترابط فيما بينها لتكوين صورة أكثر انسجامًا مع قاعدة عدم وجود الاختلاف في النص القرآني وملاءمة هذا النص لكل زمان ومكان.
  2. إننا نقدم هذه التطبيقات ضمن إطار تثبيت بعض المتغيرات لأغراض بحثية بحتة، فنحن لا نناقش صواب أو خطأ البعض، وإنما نقوم بعملية بحث لسانية لفهم النص القرآني.

 

السؤال الذي تبحثه الدراسة: ما معنى كلمة (الصلاة) أو (الصلوة)؟

 وهل أنها تشير فقط إلى تلك الممارسة اليومية التي يقوم بها المسلمون خمس مرات يوميًا، فضلًا عن بعض ما هو مندوب منها في مناسبات أخرى؟ أم أنّ كلمة (الصلاة) تشير إلى معنى مفهومي له مصاديق متعددة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي تلك المصاديق القرآنية؟ وكيف نفرق بينها؟

 

 المُتعارف حول معنى الصلاة

  • هناك شبه إجماع بين المسلمين على أنّ الآيات التي وردت فيها لفظة “الصلاة” مفردة أو جمعًا في القرآن الكريم – والتي ناهزت (100) مرة من أصل (125) مشتقة للجذر (صَلا) – إنما تتحدث عن تلك الممارسة الطقوسية اليومية التي يؤديها المسلمون في مختلف أصقاع الأرض خمس مرات كل يوم، بالإضافة إلى أدائهم لبعض أنواعها الأخرى في الأعياد والمناسبات وظهور الآيات الكونية وعلى الجنائز وما شابه ذلك. • في الغالب لا أحد يميل إلى التفريق بين لفظتي (الصلاة) و(الصلوة) ويعتبرون أن الأمر مرتبط بطريقة كتابة لا أكثر.

ما هو الخلل في ذلك؟

 الباحث في النص القرآني تثير لديه شكوك حول ذلك لما يلي:

  • جذر الكلمة: فالجميع يقول إن الصلاة هي (دعاء) و(صلة) بين الإنسان وربه، لكن “الصلة” مشتقة من (وصل) بينما “الصلاة” مشتقة من (صلا) وليس من (وصل).
  • طريقة رسم الكلمة: فقد وردت كلمة (الصلاة) برسم مختلف وهو (الصلوة) كما وردت أحيانًا لتشير إلى الرسم الأول، وكأن هناك فرقًا في المعنى مقصودًا بين رسمي اللفظة.
  • بعض العبارات: التي يستخدمها المسلمون لا تستقيم مع المعنى المشهور للصلاة في شكلها النمطي، من قبيل: صلاة الله تعالى على النبي وعلى المؤمنين، أو صلاة النبي على البعض، أو صلاة المسلمين على النبي، أو سؤالهم الله تعالى أن يصلي على النبي.
  • آيات الإكراه: بعض الآيات تفترض إقامة حروب ضد الكفار والمشركين وأعداء المسلمين في العموم لإرغامهم على الصلاة، وهذا لا ينسجم مع فكرة (لا إكراه في الدين)، كما أنه لا ينسجم مع فكرة أن الصلاة هي دعاء وصلة بين العبد وربه. فلماذا يُكره الإنسان على رسم علاقته بربه بطريقة ونمط معين؟
  • التعارض مع الواقع: التعارض الشديد بين واقع المسلمين المتردي والمليء بالمفاسد والمنكرات والخلافات والصراعات والقتل والتدمير والإجرام والموبيقات، وبين فكرة أن (الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
  • العقوبات على تارك الصلاة: صعوبة تقبل العقوبات الواردة في التراث الإسلامي لتارك الصلاة وعدم انسجام ذلك مع كونها ممارسة فردية أو اجتماعية الغرض منها السلام والمحبة ونشر الطمأنينة بين الناس.
  • رسم الكلمة بالواو: اللفظة التي وردت في النص القرآني للتعبير عن الصلاة جاءت مرسومة بالواو هكذا (صلوة)، في حين جاءت لفظة (صلاة) مرسومة بالألف في (9) مواضع فقط إما مفردة أو جمعًا، ودومًا مقترنة بضمير.
  • الربط بالزكاة: لماذا يقرن القرآن الكريم بين (الصلوة) – والمفترض أنها عبادة – و(الزكاة) وهي ضريبة مالية؟ ما هي العلاقة بين الصلاة والمال؟
  • الإقامة لا الأداء: لماذا يؤكد القرآن الكريم على مبدأ (إقامة الصلوة) ولماذا يخاطب الجماعة وليس الفرد؟ ولماذا يستخدم لفظ الإقامة بينما المناسب للصلاة اليومية التي نؤديها هو لفظ (الأداء)؟ كما فعل مع (الزكاة) حيث استعمل الفعل (يؤتون).
  • كذلك فإن ما ورد في النصوص القرآنية حول الصلاة لا ينسجم في بعض الأحيان مع ذلك المعنى الواحد الوحيد، سيما إذا قرأنا تلك النصوص في سياقاتها، فسنجد أن هناك تعارضًا وتضاربًا واختلالًا في المعنى أحيانًا.
  • الجانب النفسي والواقعي: من الناحية الواقعية والنفسية أيضًا نكاد نلمس أن زرع الإيمان بالله وبالمنطق العلمي في نفوس الأبناء – بنين وبنات – يؤدي إلى نتائج أكثر إيجابية من مجرد إرغامهم على تأدية طقوس ومراسم الصلاة اليومية. وما أكثر الحالات التي نعرفها عن تحول الكثيرين من أبناء المسلمين الملتزمين، بل والملتزمين أنفسهم، إلى ملاحدة وكفار وسكيرين ومشعوذين ومحتالين وإرهابيين لا يتورعون في الدماء والأعراض والأموال!

 

تذكير ببعض قواعد المنهج

 في دراساتنا التي نتحدث فيها عن تطبيقات المنهج اللفظي الترتيلي نعتمد على مجموعة من الأسس والقواعد والمبادئ. ونذكر هنا بأننا سنعتمد كثيرًا على المبادئ التالية:

  • المنطق البشري العام وقوانينه الفطرية المتعارفة.
  • مبدأ عدم وجود اختلاف في القرآن الكريم.
  • أهمية السياق في فهم معاني الألفاظ.
  • أن القرآن الكريم يعتمد المعاني المفهومية ما لم ترد قرينة على المعنى المصداقي.
  • أن القرآن يهدف إلى إصلاح حياة الناس.

أمثلة قرآنية:

 دعونا نتأمل في النص التالي:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) [النور: 41].

فما علاقة الطير بالصلاة؟ وكيف يُصلي الطير؟ وما هو الطير المشار إليه؟

 

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)) الماعون. فما علاقة اليتيم والمسكين والمراءاة بأولئك الذي يسهون عن صلاتهم؟

 

النص التالي يبدو غير مرتب طبقًا للمعنى المشهور:

(وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)) المائدة.

فإذا كانت الصلاة المقصودة هنا هي الصلاة المتعارف عليها، كان ينبغي أن تأتي بعد الإيمان بالرسل والوقوف معهم وليس قبل ذلك!

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)) التوبة.

فلماذا لم يعتبر النص القرآني أن الصلاة جزء من المعروف؟ ولو كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر – وهو ما يوحي بأنها تشجع على المعروف – فلماذا قدّم الأمر بالمعروف عليها؟

(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)) البقرة.

هل تعلمون أين جاءت هذه الآية؟ لقد جاءت الآية المشار إليها في هذا السياق:

(لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)) البقرة.

فما علاقة الطلاق والفضل بين الأزواج بالصلوات؟ ثم ما هذا الاستثناء الذي جاء في حالة الخوف واستبدالها بالذكر؟

(وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)) التوبة.

أمور متباعدة في الآية:

  • ما علاقة التوبة بالصدقة؟
  • ثم كيف يصلي النبي (عليهم) وليس (لهم)؟
  • وما ربط قبول الله للتوبة هنا وأخذه للصدقات؟
  • ثم ما هذا الإنظار لهم على أمل رؤية التغير في أعمالهم؟
  • وما هذه الرقابة عليهم من الله تعالى ورسوله والمؤمنين؟

كلها أمور غريبة ولا تكاد تكون مفهومة الترابط.

 

سنعالج الموضوع كما يلي:

  • نقدم فرضيتنا لحل هذه المشاكل في سلة واحدة.
  • نبدأ بإثبات الفرضية بشكل تدريجي وكما يلي:

توضيح معنى الصلاة (الصلوة) لغويًا وتبيين لماذا هي من الجذر (صلا) وليس من الجذر (وصل).


  1. توضيح ما أمكن من الأمور المبحوثة قرآنيًا والمتعلقة بالصلاة مثل: الإقامة / الدين / الزكاة / الصدقة …
  2. جمع شتات الموضوع في خلاصة.

 

فرضية البحث

إنّ لفظة الصَّلَوَة التي وردت حوالي 100 مرة، والتي اتفق المسلمون على أنها تعبر عن الصلاة اليومية وأمثالها، نعتقد أنها تشير إلى ثلاثة أنواع مصداقيّة لمفهوم الصلاة، وهي:

  1. الصلاة القيمية: الهادفة للانسجام مع الله باعتباره النظام والقانون العام المحيط بالكون.
  2. الصلاة الاجتماعية: وتشير إلى مجموعة الإجراءات والقوانين والمحددات التي توضع من أجل إقامة الدين وبناء نظام اجتماعي صالح.
  3. الصلاة التمرينية: وهي الصلاة الطقوسية اليومية التي نعرفها، لدفع الإنسان نحو الالتزام بالنوعين السابقين.

 

ملاحظة:
 النوعان الثاني والثالث جاءا بصيغة (صَلَوَة) التي تشير إلى الصلاة التمرينية ضمنًا باعتبارها جزءًا من الضوابط الاجتماعية المطلوب الالتزام بها من أجل تحقيق هدف معين وهو الاستقامة والانسجام مع قوانين الله تعالى وإقامة دينه في موضع أو مكان معين.

 

 

المعنى اللغوي للصلاة

ملخص ما أورده الراغب الأصفهاني (502هـ):

  • أصل الصَّلْي: الإيقاد بالنار؛ ومنه: صَلَيت الشاة أي شويتها.
  • الصلاة: الدعاء، والتبريك، والتمجيد؛ فيقال: صليت عليه أي دعوت له وزكيته؛ وصلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار.
  • الصلاة: العبادة المخصوصة، وأصلها الدعاء؛ وسميت بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه.
  • قيل: أصل الصلاة من الصَّلْي؛ أي أن الرجل يصلي ليزيل عن نفسه النار الموقدة (عذاب الله).
  • سمي موضع العبادة صلاة، ولذا سميت الكنائس صلوات، كما في قوله تعالى:
     ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: 40).

ملخص ما أورده ابن منظور (711هـ) في لسان العرب:

  • الصلاة: الركوع والسجود، والدعاء، والاستغفار؛ ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ أي الرحمة من الله، والدعاء من الملائكة.
  • الأصل في الصلاة اللزوم؛ يقال: قد صَلي واصطَلى إذا لزم.
  • الصلاة: واحدة الصلوات المفروضة، وسميت بذلك لما فيها من تعظيم الرب.
  • صلوات: كنائس اليهود؛ أصلها بالعبرانية “صَلُوتا”.
  • صَلَّى العَصَا على النار: لوّحها وأدارها ليقومها ويلينها.

 

خلاصة ما أوردته المعاجم

الصَّلْي / الصَّلْو / الصَّلَوة يتضمن المعاني التالية:

  • الإيقاد بالنار أو التعريض لها: لإصلاح الشيء أو تنقيته.
  • إزالة الصَّلْي (العذاب) عن النفس بالعبادة.
  • وسط الظَّهْر (الصَّلا): للدلالة على الاستقامة والتقويم.
  • الدعاء / التبريك / التمجيد / الرحمة / الاستغفار.
  • التليين والتقويم للأشياء.

تعريف شامل للصلاة

يمكن وضع تعريف جامع للصلاة:

“وضع محددات وضوابط خاصة لضبط مسار شيء أو أمر، وصولًا به إلى هدف أو حالة معينة.”

  • فالإيقاد بالنار ليس بهدف الإحراق، بل للتقويم والإنضاج أو التخليص من الشوائب.
  • وتكون الصلاة أداة لتحقيق ذلك بالنسبة للمصلي أو المصلَّى عليه.
  • الصَّلا (وسط الظَّهْر): رمز للاستقامة وإقامة الجسد.
  • أما كونها دعاءً واستغفارًا وما شابه، فهذا بالضمن كونها وسيلة للوصول بالنفس إلى حالة محددة (التقويم).

ماذا يعني ارتباط الصلاة بالإقامة؟

  • قَامَ: بمعنى أسند وقوّى ووفّر الدعم المطلوب للإصلاح والإبقاء على الوجود والاستمرارية بأفضل ما يمكن.
  • مشتقات مهمة: القيام، القوم، القامة، المقام، الإقامة، القيامة، التقويم، القيمة، القيم، القويم، المستقيم…
  • إقامة الصلاة: عمل دؤوب لتوفير كل ما يدعم ويحقق الإسناد والقوة للنظام عبر الصلاة كأداة إجرائية، يؤدي إقامتها إلى تدعيم النظام المطلوب سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي.

 

الدليل على وجود أنواع من الصلاة

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: 238)

لماذا لا يمكن أن يكون الحديث هنا عن الصلاة اليومية فقط؟

  1. الصلاة اسم جنس، فلا حاجة لجمعها.
  2. الصلوات جمع “صلاة” وليس جمع “صلوة”.
  3. لو كان المقصود المعنى الشائع، لقال: (حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى) أو (حافظوا على الصلاة والوسطى منها).

لكن النص جاء مختلفًا، مما يشير إلى معنى آخر وفق قاعدة: اختلاف المبنى يؤدي إلى اختلاف المعنى.

 

حروف العلة ولماذا كُتبت (الصَّلَوة) بالواو؟

إذا سأل سائل: لماذا كُتبت (الصَّلَوة) بالواو؟ فكيف نجيب؟

  1. التطور الفسيولوجي للإنسان وعلاقته بالنطق
  • تطوّر الإنسان من بشر بدائي بسيط إلى إنسان عاقل اقتضى تطوير الحنجرة حتى يتمكن من النطق بحروف العلة.
  1. الحروف كرموز كونية
  • حروف اللغة تشير إلى نظام يمثل جزءًا من النظام الكوني، كما أن حروف العلة تشير إلى فكرة الوجود بكاملها.
  • عدد الحروف العربية (28) يمثل منازل القمر؛ منها:

o      14 حرفًا شمسيًا تمثل الجانب المضيء من القمر.

o      14 حرفًا قمريًا تمثل الجانب المظلم منه.

 

  1. حروف العلة في اللغات
  • في العربية: ثلاثة (ا – و – ي).
  • في الإنجليزية: خمسة (A – E – I – O – U).
  • في الفرنسية: سبعة.

لكنها جميعًا تدور حول المدار العربي (ا – و – ي).

  1. دلالة الحروف بحسب عالم سبيط النيلي
  • الألف: تشير إلى تعامد الزمان والمكان في نقطة محددة.
  • الواو: تشير إلى المكان أو الموضع في لحظة زمنية معينة.
  • الياء: تشير إلى الزمان في نقطة مكانية محددة.

 

الحروف والحركات

  • الألف / الفتحة: دلالة على زمان ومكان متقاطعين في نقطة محددة.
  • الواو / الضمة: دلالة على موضع محدد في لحظة زمنية معينة.
  • الياء / الكسرة: دلالة على زمان ممتد في نقطة مكانية محددة.
  • السكون: انعدام الارتباط بالزمان أو المكان.

 

ما علاقة ذلك بموضوع (الصَّلَوة)؟

  1. لماذا كُتبت (الصَّلَوة) بالواو؟
  • استخدام الواو في لفظة (الصَّلَوة) وليس الألف جاء للتعبير عن الارتباط بمكان محدد.
  • في حالتي الصلاة الاجتماعية والصلاة التمرينية، نحن بحاجة إلى مكان لممارستها.
  • أما (الصَّلاة) بالألف، فمفهومها عام يُشار به إلى نقطة “زمكانية” متحركة، غير مقترنة بمكان أو زمان محددين، بل يمكن أن تكون دائمة التواجد في كل زمان ومكان.

مثال توضيحي

في العاصمة البريطانية لندن:

  1. قنوات مكشوفة: أنهار تنتشر في كل لندن.
  2. قنوات ربط المياه الجوفية: لنقل المياه من أماكن وفيرة إلى أماكن شحيحة.
  3. قنوات تصريف مياه الأمطار: موجودة في الشوارع لجمع الأمطار وتوجيهها للقنوات الأولى والثانية.
  4. قنوات الصرف الصحي: لتصريف مياه المجاري الثقيلة بعيدًا عن المياه الجوفية.

لو قلنا:

  • “يا مسؤولي البلديات اهتموا بالقنوات والقناة الأعمق” → الحديث عن جميع أنواع القنوات.
  • “يا مسؤولي البلديات اهتموا بالقناة والقناة الأعمق” → الحديث عن نوع واحد من القنوات بمستويات مختلفة.

النتيجة: اختلاف الصياغة يؤدي لاختلاف المعنى؛ وهذا ينسحب على كتابة (الصلاة / الصلوة).

 

ما معنى الآية (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: 238)؟

  • الآية تشير إلى ثلاثة أنواع من الصلاة على الأقل؛ لأن الوسطى تعني أن هناك ما قبلها وما بعدها.
  • المطلوب: المحافظة عليها بأنواعها الثلاثة، وخصوصًا الصلاة الوسطى التي نعتقد أنها الصلاة الاجتماعية، لأنها تمثل التوسط بين:

o      الصلاة التمرينية (الطقوسية اليومية).

o      الصلاة القيمية (الاتصال الوجودي بالله ونظامه الكوني).

 

ثلاثة أنواع من الصلاة – دليل آخر

وجود اختلاف في كتابة لفظة الصلاة:

  1. الصَّلْوة: وجمعها (صَلْوات) وليس صَلَوات.
  2. الصَّلَوات: جمع صلاة (بالمعنى الطقوسي).
  3. الصَّلاة: اسم جنس عام.

جاءت صيغة الجمع (صلَوات) في 66 موضعًا من أصل 125 موضعًا للجذر (ص ل و)، للدلالة على الجنس، لكنها رُسمت بالواو للدلالة على مكانيتها وموضعيتها.

 

الصلاة كضوابط

تأمل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (النور: 41)

  • السموات والأرض والطير: كلها عرفت صلاتها وتسبيحها!
  • هل صلاتها مثل صلاة الإنسان؟ بالطبع لا.
  • لكنها مقيّدة بضوابط ومحددات ضمن إحاطة الله بها، مما يجعل صلاتها نوعًا من الالتزام بالنظام الكوني.

 

 

استخدام (الصَّلْي) للعقوبة

  • استخدم القرآن لفظ الصَّلْي (من نفس الجذر) كعقوبة للمخالفين يوم القيامة في 25 موضعًا؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (النساء: 10).
  • المقصود: وضع محددات لإعادتهم إلى النظام العام وتحرير الطاقة السالبة التي اكتسبوها.

الاصطلاء في قصة موسى

استخدم القرآن لفظ الاصطلاء للتعبير عن الحصول على الدفء والطعام والراحة، كما في قوله تعالى:

  • ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (النمل: 7)
  • ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (القصص: 29).

الاصطلاء: وضع محددات وإجراءات لإعادة التوازن والراحة.

 

الحبس بعد الصلاة

في آية الوصية: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ (المائدة: 106)

  • ما معنى الحبس بعد الصلاة؟
  • إذا كان الشاهدان غير مسلمين فما علاقة صلاتهم بالموضوع؟
  • يبدو أن الصلاة هنا تعني الضوابط والإجراءات التي يُقيد بها الشاهد، مثل القسم بكتاب مقدس أو تعهدات خاصة تمنعه من الكذب.

 

استبدال الشهود  

  • فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا: بما أن الوصية أمر يجري ترتيبه قبل وفاة الإنسان بفترة، ودون أن يعلم تحديدًا متى سيموت، فقد يتبين لاحقًا أن الشهود الذين جرى إشهادهم لديه سوابق تُخدش في مصداقيتهم.  
  • فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ: فيُصار إلى استبدال الشاهدين بمن يتطوع لهذا الأمر. فهي قضية اجتماعية في مجتمع متنوع الأديان والثقافات، يستند إلى مبدأ المواطنة والإنسانية أكثر من استناده إلى العقيدة والدين الموروث.

 

أمثلة على الصلاة الاجتماعية  

لنقرأ الآيات التالية ونلاحظ كيف أن اعتبار المعنى الشائع يجعل المعنى غير واضح ويؤدي إلى خلل كبير. آيات التوبة التي تتحدث عن المشركين:  

“كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)”  

“كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)”  

“اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9)”  

“لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)”  

“فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)”  

“وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12)”

 

 

المشركون إخوان للمسلمين في الدين!  

  • هل يُعقل أن الآية تريد إرغام المشركين على الإيمان بما يؤمن به المسلمون إيمانًا شكليًا فارغًا من المحتوى؟  
  • لو كان الأمر كذلك، لجرى التعبير عنه بـ (الإسلام) بمعنى التسليم، كما ورد عن الأعراب حينما قال:  

“قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14)” الحجرات. فكيف يكون المشركون إخوة للمسلمين؟  

  • الآية ناظرة إلى طاعتهم للمقررات والضوابط التي أقامتها الحكومة آنذاك بين الناس، فإن قبلوا الالتزام بهذه الضوابط ودفعوا ما عليهم من ضرائب، أصبحوا مواطنين حالهم حال المسلمين في خضوعهم لنفس النظام، والذي يُعبّر النص القرآني عنه بـ (الدين).  
  • لاحظ أنه يقول بعد ذلك:  

“وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12)” التوبة.  

  • فقاتلوهم لأنهم نكثوا العهود والأيمان التي قطعوها على أنفسهم بطاعة النظام والخضوع لقوانين البلاد والالتزام بدفع الضرائب.  
  • وكل كلمة في هذه الآية تشير إلى قضية هامة تحدد طريقة القتال وضوابطه، مع التأكيد على أن المقاتلة لا تعني القتل بإنهاء حياتهم، وإنما بمكافحة آثار عصيانهم وكبح جماح نكثهم للعهود والمواثيق.

 

مثال آخر: فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ  

لاحظ النص التالي:  

(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ …َّقِينَ (4)  

فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5)) التوبة.  

الحديث عن المشركين أيضًا. الآيات من بداية سورة التوبة، حيث يتم إلغاء العهد الذي أبرمه المسلمون مع المشركين، وإعطاؤهم مهلة أربعة أشهر (الأشهر الحرم) لترتيب أمورهم. ثم إذا انسلخت الأشهر ولم يغيروا موقفهم، يبدأ قتالهم. ثم بعد القتال، فإن الأمر سيتغير إذا:  

  • تابوا  
  • أقاموا الصلاة  
  • آتوا الزكاة  

فتكون النتيجة تركهم وإخلاء سبيلهم مرة أخرى كمواطنين.  

فهل يُعقل أن الآيات تريد الإيحاء بأن هؤلاء القوم يتوبون بمعنى يُسلمون؟ أو هل كانوا مسلمين قبل ذلك حتى يتوبوا؟  

ثم كيف يجري التحول المفاجئ من الشرك والحرب إلى الإيمان وإقامة الصلاة اليومية وإيتاء الزكاة؟  

يبدو أن الأمر ليس كذلك، والدليل هو الآيات التي تلي هذه المجموعة، فتقول:  

(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ (6))  

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7))  

(كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)) التوبة.

 

 

أمور لا توحي بإسلامهم:

  • الآيات تتحدث عن طلب البعض منهم حق اللجوء السياسي:  

(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ…)  

وتقول بإعطائه هذا الحق وحمايته حتى يرى بأم عينيه كيف تسير الأمور.  

  • تشير الآيات إلى معاهدة فيها طرفان: المسلمون طرف، والمشركون طرف آخر:  

(فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ)  

وهذا يعني أنهم لم يدخلوا الإسلام، وإنما دخلوا في معاهدة لإنهاء القتال لا أكثر.  

  • فكيف تكون إقامتهم الصلاة وإيتاؤهم الزكاة؟  

لا شك أن الأمر مرتبط بالالتزام بالقوانين، كما هو الحال في مختلف بلدان العالم اليوم، حيث أن قبول القوانين ودفع الضرائب هما أهم عنصرين لقبول الدول لأي لاجئ أو وافد يدخل مجتمعهم مهما كان دينه أو اعتقاده.

 

الربط الدائم بين الصلاة والزكاة:

  • وردت لفظة (الزكاة) مقترنة مع (الصلاة) في 26 موضعًا من مجموعة مشتقات الجذر (زَكَوَ) التي بلغت 60 مشتقة.  
  • وردت اللفظتان بالرسم غير الشائع وهو الاقتران بحرف الواو وليس بالألف، للإشارة إلى أن كليهما مرتبطان بالمكان والموضع.  
  • ارتباطهما معًا يشير بقوة إلى مسألة إقامة المجتمع وإرساء النظام فيه، باعتبار أن الزكاة تمثل الجانب الضريبي المالي، والصلاة تمثل الجانب القانوني التنظيمي.  
  • تقدمت (الصلاة) على (الزكاة) لأن المجتمع الذي لا قانون فيه لا يمكن لنظامه أن يقوم بجباية الضرائب.  
  • اقترنت (الصلاة) بالإقامة و(الزكاة) بالإيتاء، إلا في مورد واحد اقترنت فيه (الزكاة) بالفعل (فاعلون) في النص:  

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)) المؤمنون.  

وذلك للإشارة إلى ضرورة أن يقوم المجتمع بتفعيل النظام الضريبي. فهي المرة الوحيدة التي يُنظر فيها من الأعلى إلى الأسفل، وليس كسائر المرات التي يُناقش فيها الالتزام الفردي في دفع الضرائب. النص هنا يصف مجتمع المواطنة الصالحة.

 

الخلاصة:

  • الصلاة المشار إليها في القرآن الكريم ثلاثة أنواع:  
  1. “الصلاة القيمية”: وهي الأهم على الصعيد النفسي لتقريب الإنسان من الله تعالى والانسجام مع قوانين الكون.  
  2. “الصلاة الاجتماعية”: وهي الأهم على صعيد بناء المجتمعات الصالحة لحماية مواطنيها وتحقيق العدالة الاجتماعية، صعودًا إلى الرقي النفسي والتمسك بالصلاة القيمية.  
  3. “الصلاة التمرينية”: وهي الأهم في مساعدة الأفراد على التعود على حالة الالتزام بالقانون للنجاح في الالتزام بالقوانين الاجتماعية، مما يمهد لنجاح النظام بالكامل.

 

نتائج تطبيقية للبحث

  • النص القرآني:  

(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) التوبة 103  

صلاة النبي عليهم بعد أخذ الصدقة نوع من العقوبة والتوبيخ، وإلزام بمزيد من المحددات لربطهم بالقوانين والمقررات، وجعلهم يفهمون أن لمخالفة ذلك ثمنًا. فعليهم أن يعودوا إلى الطريق ويلتزموا بالقوانين. وكأنهم تحملوا غرامات مالية وعقوبات أخرى نتيجة سوء تصرفاتهم.

 

  • النص القرآني:  

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الأحزاب 56  

الله كقانون لهذا الكون ونظام محيط به، يضع هو وملائكته الضوابط التي تساعد النبي على الالتزام بقانون الله. والمؤمنون مطالبون بدورهم التقويمي للنبي بطريقتين:  

❑ واقعية: عبر مساعدته في الالتزام بالضوابط الدينية.  

❑ نفسية: عبر ضبط صورته في أذهانهم كي لا يغالوا فيه، سواء في حياته أو بعد وفاته. لذا هم مطالبون بأن يسلموا تسليمًا، أي يخضعوا ويقبلوا هذه الفكرة.

  • النص القرآني:  

(هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) الأحزاب 43  

كما يصلي الله على نبيه، فإنه يصلي على المؤمنين أيضًا بوضعهم ضمن قوانينه ومحدداته التي تساعدهم على الخروج من الظلمات إلى النور، وذلك نتيجة رحمته بهم.

  • النص القرآني:  

(فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ ۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) النساء 103  

حين يتمكن المؤمنون (المواطنون الصالحون) من الاطمئنان في موضع أو مكان، فعليهم وضع أنظمة وقوانين اجتماعية تساعدهم في إنشاء مجتمع صالح وناجح. فهي عملية مشروطة بالاطمئنان والاستقرار ووجود المواطنين الصالحين أساسًا.

  • النص القرآني:  

(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) العنكبوت 45  

يتضح أن المعنى مختلف عما هو متداول، فعملية وضع الضوابط والإجراءات والقوانين تؤدي إلى النهي عن الفحشاء والمنكر. لكنها تبقى أقل أثرًا من الدافع الذاتي المستند إلى التذكر الدائم لله تعالى (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ).

  • النص القرآني:  

(وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) البقرة 43  

الحديث مع أهل الكتاب، والمطالبة واضحة: تحكيم القانون وقبول دولة المواطنة، وعدم الإصرار على الدولة الدينية. والراكعون هم المقبلون على تطبيق القوانين برضا وقبول.

  • النص القرآني:  

(وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) الشورى 38  

جاءت الصلاة هنا في موضعها المناسب بين القوانين والمقررات، وفي مركز القرار، لأنها هي الضوابط والقوانين والمقررات.

  • النص القرآني:  

(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) الحج 40  

لولا وجود القوانين الإلهية المانعة من استفحال الطغيان، لزالت إمكانية إقامة مجتمعات صالحة فيها صناعات (صوامع)، وتجارات (بيع)، وقوانين اجتماعية (صلوات)، ومتطلبات الحياة الأساسية (مساجد).

  • النص القرآني:  

(كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) النور 41  

كل المخلوقات تمضي على معرفتها بالمحددات التي وُضعت لها من قبل الله تعالى، فهي موجودة ضمن ضوابط معينة تمثل نوع الصلاة التي جُعلت لها.

  • النص القرآني:  

(قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) المدثر 43  

عدم كونهم من المصلين يعني عدم التزامهم بالقوانين، وتخليهم عن أداء الزكاة، وانشغالهم بالمؤامرات والوقوف بوجه النظام العام.

حديث “الصلاة عماد الدين”:

طبقًا لما تقدم، يصبح من السهل فهم الحديث المشهور:  

“الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.”  

فالمواطن الصالح ومجتمعه الصالح إذا أقاما الصلاة (منظومة القوانين والإجراءات الاجتماعية)، فإن ذلك يؤدي إلى استقرار النظام العام.

 

أمثلة أخرى كثيرة:

يمكن لأي شخص الآن، وبناءً على ما توصلنا إليه من تعريف للصلاة / الدين / الإقامة، أن يختبر كافة الآيات القرآنية التي وردت فيها مشتقات الجذر (صلا)، ويتأكد بنفسه من أن أغلب العقد والمشكلات التي كان التعريف الكلاسيكي يعاني منها سترتفع بإذن الله تعالى.

حول تفاصيل شكل الصلاة التمرينية (الحركية)

  • ما هي الآيات التي تأمرنا بالصلاة التمرينية بصورتها التي يصلي بها المسلمون اليوم، والقصد بحركاتها وأشكالها التي نعرفها؟

هنا أقول بأنَّ الآيات التي وردت في القرآن تأمر بإقامة الصلاة الاجتماعية عديدة وكثيرة للغاية، وهي في الغالب تلك التي يتم فيها قَرن إقامة الصلاة بإيتاء الزكاة. أما التي وردت متعلقة بالصلاة التمرينية، فهي قليلة، وهي لا تأمر بها، وإنما تحدد إطارها العام وشروطها.

من المؤكد أنَّنا لا نقصد بقلة الآيات التي تتحدث عن الصلاة التمرينية بأنها محدودة بهذا العدد الذي سنشير إليه، وإنما نقصد بأنَّ هذه هي الآيات التي تكلمت مباشرة عن الصلاة التمرينية، وإلا فإن عددًا كبيرًا من الآيات التي تحدثت عن الصلاة الاجتماعية تنطبق على الصلاة التمرينية من باب تعدد المصاديق للمفهوم الواحد العام للصلاة، كمفهوم يرسم لنا إطارًا يُصار إلى اللجوء إليه من أجل تحديد مسار للوصول إلى هدفٍ معين. والله أعلم.

عموماً، فبالإضافة إلى الآية 43 من سورة النساء التي أوردناها أعلاه، فإن الآيات التالية تتحدث في هذا الإطار بشكل مباشر:

  • المائدة 6 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ، مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
  • النور 58 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ، وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ، طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ، كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
  • هود 114 (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ)

ويلاحظ بأنها لا تتضمن شرحًا للصلاة التمرينية، وإنما إشارة إلى ظروفها وشروطها وموقعها من ثقافة المجتمع وهكذا.

أما ما تثبته بعض البحوث المستفيضة في عدد الصلوات والركعات، فإنني أرى أنه سيُبقي السؤال الأساسي قائمًا دون إجابة، وهو: كيف تم الاتفاق على هذا الشكل – غير الموحد طبعًا بين مختلف المسلمين – دون وجود تفاصيل في النص القرآني؟ وهذا يعزز ما طرحناه من أن اهتمام القرآن كان بجوهر ودور وأثر الصلاة التمرينية على تطوير فهم الإنسان لعلاقته بالله تعالى، وليس بشكلها.

كذلك فإن الواقع العملي يعزز هذا الفهم أكثر، فما أن تخلى المسلمون عن جوهر الصلاة، ودفعوا الآيات التي تتحدث عن الصلاة الاجتماعية عن موضعها من التطبيق، حتى تحولت صلاتهم إلى قنابل موقوتة تفجرت في مختلف الأزمنة والأمكنة والمجتمعات، قتلاً وتكفيرًا وإقصاءً وعداوةً وبغضاء. والله أعلم.

  • إذا كانت هذه هي الصلاة التمرينية التي أُمرنا بها، فلماذا لم يتطرق النص القرآني لها ولم يذكرها بتفاصيلها، علمًا أنه تطرق إلى تفصيلات الوضوء؟

النص القرآني لم يحدد شكلًا معينًا للصلاة التمرينية، وإنما أتاح للناس أن يمارسوا ما يبتكرونه ويطورونه مما كانوا يعرفونه من الصلاة المتوارثة، بعد تشذيبها من الأمور التي قد تخرجها عن حالتها المناسبة والمعبِّرة عن جوهر العبادة، وهو محاولة التمرين على الانطباق مع قوانين الله تعالى.

لذلك فقد اعتمد النبي الكريم – على ما يبدو مما بين أيدينا من التواريخ المكتوبة – على ما كان متوارثًا لدى الناس من صلوات اليهود، باعتبار أنها أصلًا من إبراهيم أو حتى أقدم، وربما من نوح عليهم السلام جميعًا، فضمّنها قراءة بعض النصوص القرآنية، ونأى بها عن الأمور الشركية والتوسيطات التي كانت رائجة في تلك الأيام لدى بعض الناس ممن نسميهم المشركين، وذلك عبر توجههم بها إلى أصنام أو جهات معينة.

ولكن ليس هناك من دليل على أن هناك حدودًا سماوية لقضية الصلوات التمرينية، وإنما هناك شروط لها وإطار ينبغي أن تكون ضمنه وداخله، أشارت إليه بعض الآيات القرآنية.

وهذا قد يفسر الاختلاف في بعض الروايات التي تتحدث عن الصورة التي صلى بها النبي الكريم، إذ أنني أعتقد بأنه تقصّد أن يُصلي بأكثر من صورة، ليوحي بأهمية جوهر الصلاة التمرينية وليس شكلها، فضلًا عن أن مجرد إتاحة الفرصة لقراءة ما تيسر من القرآن لكل مصلٍّ، يؤكد بذاته صحة هذه الفكرة إلى درجة كبيرة. والله أعلم.

وعلى هذا الأساس، لم يتطرق القرآن الكريم لتفاصيلها، باعتبار أن النصارى مسلمون، واليهود مسلمون، وهم مواطنون في دولة النبي، ولهم أن يصلوا بالطريقة التي يرتؤونها.

 

الإسلام كما تفهمه هذه النصوص

الإسلام هو التسليم للقانون الإلهي الطبيعي، الذي يكشف عن نفسه بسهولة ويسر، بما في ذلك ما تتفق عليه المجتمعات بولايتها على نفسها من قواعد عامة وقوانين تُلزم بها أفرادها، حماية لهم من أنفسهم ومن بعضهم البعض ومن غيرهم.

فأنت إذا سكنت في بلد يقوم النظام فيه على ممارسة متفق عليها بين أبناء ذلك البلد، كأن تكون ممارسة برلمانية، وكانت فيه قوانين مسنَّة من قبل البرلمان المنتخب من قبل الناس بطرق صحيحة ولما ينفع الناس، فإن عليك أن تُسلِّم لذلك القانون، فتكون مسلمًا. طبعًا، إذا ثبت لديك بأن القوانين لم تكن مُسنَّة بصورة صحيحة، فما عليك سوى ترك ذلك البلد، وبعكسه فإن عليك الالتزام بما هو سائد من قوانين فيه.

فالإسلام ليس أن يقول المرء: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بلسانه، وأن يستحل بعد ذلك الاعتداء على الآخرين، ولا يُقيم حرمة لدمٍ أو عرضٍ أو مال أو عهدٍ أو عقد.

وإلى ذلك، فالممارسة التمرينية للصلاة هي ممارسة فردية وجماعية، عرفية اجتماعية. للمجتمع أن ينظمها بالطريقة التي يريد، سواء بقانون أو بعرف يتشكل تدريجيًا، وللفرد أن ينتقي منها ما يرى أنه يعينه ويطور من لياقاته النفسية.

ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى النصوص القرآنية التالية، التي كانت تمثل الأساس المعتمد الذي تقوم عليه الأفكار أعلاه:

  • النساء 43

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ، وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ، أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ، فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً، فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا)

هذه الآية تشير إلى النوعين العمليين من الصلاة، وهما:

  • الصلاة التمرينية
  • الصلاة الاجتماعية

إذ المطلوب من الإنسان المصلي أن يأتي إلى الصلاة وهو بكامل وعيه، حتى يستفيد تمامًا، كما هو الحال بالنسبة إلى التمارين البدنية التي لن يستفيد منها ما لم يكن واعيًا وقادرًا على التمييز بين ما ينفعه منها وما يضره في تلك المرحلة.

فالإنسان الغافل والساهي والمشغول بصفقة تجارية، أو بهمٍّ معيشة، أو بعشقٍ يؤرقه، لن ينتفع من هذه الصلاة التمرينية، والأفضل له أن لا يقربها.

وكذلك بالنسبة إلى الصلاة الاجتماعية، فإن الإنسان إذا كان متعبًا أو مخمورًا أو منفلت الأعصاب، فعليه أن يتجنب قيادة السيارة، التي تمثل حركتها في منظومة النظام العام جزءًا من الصلاة الاجتماعية.

وهكذا، والله أعلم.