يقف الدارسُ للعلاقات بين الشرق والغرب عند خلاصة تتكرّر في أكثر من كتاب، وعند أكثر من مؤلّف، ويمكن صوغ هذه الخلاصة على الشكل الآتي: لم يكن الغرب واحداً ومتجانساً عند الشّرق، ولا الشّرق كان واحداً ومتجانساً عند الغرب. لقد اجتاحَت صور عديدة للغرب وعيَ الشرق، مثلما اجتاحت صور عديدة للشّرق وعيَ الغرب. فما الغرب؟ وما الشّرق، والحال على ما ذكرنا؟ إن أوّل مشكلة تواجه المرء في حديثه عن الغرب والشرق هي مشكلة أسماء ومسمّيات، إذ لا يبدو أن الغرب والشرق مسألة بدهيّة لا خلاف بشأن معناهما ومبناهما. ليس الغرب والشرق مجرد “جهتين جغرافيتين”، تتحدّان بخطوط الطّول والعرض، ولا هما مجرد منطقتين طبيعيتين تقترنان بشروق الشمس وغروبها.
وطالما الأمر كذلك، فإن الجغرافيا ومصطلحاتها ليست بالاختيار الأمثل للتعرف عمّا يعنيه الشّرق والغرب، فهل يقضي التّاريخ، ما يبدو أنّ الجغرافيا عاجزة عن قضائه؟ الظّاهر أن التاريخَ ما يفتأ يحرّك جغرافيَا الشّرق والغرب، فما انتسَب يوماً إلى الشّرق قد يصير في حقبة تاريخيّة أخرى محسوباً على الغرب، وما يبدو اليوم غربياً خالصاً، قد يكشف التحرّي التاريخيّ عن أصوله الشرقيّة المحض. هل اليونان القديمة كانت غربيّة أم شرقيّة؟ وهل الصّين -واليابان وكوريا- غربيّة أم شرقيّة؟ وماذا عن روسيا الوريث الأول للمعسكر الشرقي المندحر، هل لا يزال ممكناً الحديث عن مشرقيتها بعد سقوط جدار برلين الشّهير؟ إن الحدود الجغرافيّة بين الشّرق والغرب متحرّكة وغير مستقرّة على حال، فهي خاضعة لمزاج التاريخ وقوانينه وحكم حروبه وصراعاته. التاريخ هنا أشبه ما يكون بالكثبان الرملية التي تأتي على الواحات، فتغير من حدودها إما تقليصاً أو توسيعاً، أو قل إنها أشبه ما يكون بنهر النيل وفيضاناته، حيث يمزج حدود الأراضي المجاورة له بعضها ببعض إن هو فاض، فيضطرّ ذلك أصحابُها إلى إعادة ترسيم الحدود تلك، وتلكُم هي أحكام التاريخ في جغرافيا الشّرق والغرب ومكوّناتهما. ليس الشّرق إذن بشرق صاف خالص جغرافياً وتاريخياً، ولا الغرب بالغرب الصّافي الخالص جغرافياً وتاريخياً، فماذا عنهما عقدياً وحضارياً وثقافياً وسياسياً؟ لقد تمثّلَ الشّرقُ غربه في لحظَات معيّنة من التّاريخ بوصفه الآخر المطلق للذّات عقديّاً وحضاريّاً وثقافيّاً وسياسيّاً، وهي الحال نفسها التي تمثّل عليها الغربُ شرقه، فهو “آخره” المختلف عنه من جهة طبيعة الاعتقادات والحضارة والثقافة والسياسة.
كلّما تطلّع الواحد منهما إلى آخره، رأى نفسه مقلوباً، وكلّما تطلع أحدهما إلى نفسه، رأى فيها اختلافاً عن الآخر ذاك. فهل الأمر على هذا النّحو حقّاً؟ هل ثمة شرق خالص وموحّد عقدياً وحضارياً وثقافياً وسياسياً؟ وهل ثمة غرب خالص وفقاً للمرجعيّات عينها؟ في الغرب كثير من الشّرق، مثلما في الشّرق كثير من الغرب، وسواء أ كان الأمر متعلقاً بالعقيدة، أو الحضارة، أو الثقافة، أو السياسة، فإن الخلاصة عينها حول تاريخ الشرق وجغرافيته، يمكن تأكيدها إلى حدّ بعيد حين النّظر إليهما من زاوية العقيدة والحضارة والثقافة والسياسة ليس الشّرق هو الإسلام فقط، مثلما ليس الغرب هو المسيحيّة وحسب. لا نشير هنا إلى ما يسكن الشّرق من مسيحيّة أسسها ابتداءً وبقيّت فيه مستمرّة ومعمّرة، مثلما لا نشير إلى ما يسكن الغرب من إسلام بات كثير الهجرة إلى بلدانه وشعوبه. إننا نشير أساساً إلى وجوب إدارة البوصلة جهة الهند والصين وما يجاورهما، لنكتشف أن ثمة عالماً دينياً آخر مغاير تماماً لثنائيّة “الشرق المسلم” و”الغرب المسيحيّ”، وفي هذا العالم المختلف عن خرائطنا الشرقية والغربية المعهودة، يتحدد المسلمون والمسيحيّون قياساً إلى “أديانه” باعتبارهما أقلّيات دينيّة لا غير. وبالمثل، فإن اللا تجانس نفسه نلمسه في المعنى الحضاري والثقافي الذي يتخذه الشرق والغرب. ليس القلب للشرق والعقل للغرب، فللشّرق عقله الخاصّ، مثلما للغرب قلبه الخاصّ، بل إننا إن أقصرنا الشرق والغرب على المجال الجغرافي الذي تسيّدته المسيحيّة والإسلام على وجه الخصوص، لوجدنا أنّ للشّرق والغرب المصدر نفسه روحيا (قلبيّاً)، ولهما المعلّم نفسه فكرياً (عقليّاً)، وكلٌّ له -طبعاً- قَصَصه الخاصة، لكنه ينتسب بشكل من الأشكال إلى هذين المصدرين المؤسسين، وأعني بذلك أساساً: أثينا من ناحية، والقدس من ناحية ثانية. كلتاهما، ودفعاً لأي استحواذ استيطانيّ على رمزيّتهما ورمزيّة أعلامهما وأنبيائهما، يمكن وصفهما بأنهما كانتا تقعان في ما وراء ثنائيّة الشّرق والغرب، فلا هما بالشرقيتين المحض، ولا هما بالغربيّتين المحض، لأنّهما، ومثلما تمثّلَهُما من صنع مجدهما، مدينتان للعالمين أجمعين، وللإنسان الحرّ الطامح إلى إرواء ظمئه الروحيّ وجوعه العقليّ. سياسياً، ومنذ انهيار جدار برلين، ما بقيت الحدود على ما كانت عليه بين الشرق والغرب. بل ومنذ أن تقوّت الولايات المتحدة الأمريكية، وصار “الغرب” (الأوروبي) ذيلاً لها، تحرّكت جغرافيا الغرب والشرق من جديد، وصار جزء من “جغرافيا الشّرق وروحه” يسكن جوار “الغرب الأمريكي” نفسه (بعض أنظمة أمريكا اللاتينية)، ليس هذا وفقط، فلقد انبثق عن انهيار الاتحاد السوفييتي “غرب جديد” بإرث وذاكرة شرقيين. فهل لا يزال بعد كل هذا الاطمئنان إلى تعريف قار لماهية الشرق وماهية الغرب!؟ أينما يممنا وجهنا، وجدنا أن هذه الثنائيّة تصدّعت وتزداد تصدّعاً مع عامل التقنيّة السّاعي إلى توحيد المعمورة ولو قسراً. بات الشّرق والغرب بالتعريف عصيَّين على أي تعريف، وأضحى من الصّعب الاقتناع بالتصوّر المانوي لثنائية الشرق والغرب، وما ورّثه التصوّر ذاك من صور متخيّلة عن الطّرفين، وتبدو خلاصة محمد نور الدين أفاية وجيهة وسديدة حول هذه الثنائيّة (كتاب “الغرب في المتخيل العربي”)، إذ كتب واصفاً إياها: “كيان متعدد وتعريفات متعددة.
أن نتفق مع هذه التحديدات أو نختلف، فهذا لا يمنع في نظر البعض، من كون مصطلحي الشرق والغرب يستخدمان بشكل مشوش، يستهلكان بلا حدود، ويستعملان، أحياناً، في سياقات غامضة، منتجة بذلك صوراً نمطيّة ملتبسة عن الذات والآخر. لا ينظر إلى الغرب في واقعيته ووجوده العيني، أي بوصفه مخترقاً بالتناقضات والمفارقات والاختلافات، بل يصبح قوة منتجة للأساطير والكليشيهات والتصوّرات المغلوطة، ويغدو بالتالي كياناً متخيّلاً”. يبدو ضرورياً إذن، تحرير الشرق والغرب من الصّور النمطيّة التي هيمنت على النظرة القائمة إليهما، ولعله من مستوجبات ذلك الإقدام على إعادة اكتشافهما وكأننا ندركهما (نراهما) لأوّل مرة، إذ يسمح هذا الاكتشاف المعرفيّ المتحرّر من المسبقات من تشكيل صورة متوازنة بشأن طرفي ثنائيّة الغرب والشّرق، بعيداً عمّا ورّثته مرويّات المركزيّة الأوروبية من جهة، والمركزيّات التراثويّة من جهة ثانية، ولهذا الاكتشاف المعرفيّ فوائد جمّة ليس أقلّها سوى التثبّت ممّا في الغرب من عناصر شرقيّة متجذّرة، والتعرّف على ما في الشّرق نفسه من عناصر غربيّة راسخة، فالحضارة وقبل أن تنقسم إلى “شرق منهزم” و”غرب ظافر” هي حضارة بشريّة ناتجة عن كثير من الروافد؛ سواء أ كانت شرقيّة أم غربيّة. الخاصة، أنّ لكل من الطّرفين إسهامه في شيد بنيان الحضارة، بل إن كلاً منهما ليس إلا “لبنة” من لبنات هذا المعمار الحضاريّ الممتد في التاريخ، ومن ثمّة أهميّة الانتباه إلى حدود القول بغربيّته الخالصة، كما هي الحال نفسها بالنسبة إلى القول بشرقيَتها المحض