شاع استخدام مصطلح (سُنّة) عند الأصوليين والمحدثين لتعبّر عمّا رُوي عن رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام من الأقوال والأفعال والإقرارات والصفات الخَلقية والصفات الخُلقية، أمّا المعجميّون فقد فسّروها بالطريقة عمومًا، وبعضهم قصرها على الطريقة المحمودة. والغرض من هذا البحث التحرّي عن طريقة القرآن الكريم في استخدام هذا المصطلح، وبيان مدى موافقة أو مخالفة هذين التوظيفين للاستخدام القرآني.
نقول أولّا: إنّ كلمة (سُنّة) ترجع إلى الأصل الثلاثيّ (سنن)، وقد ورد لهذا الأصل الثلاثي مشتقّان اثنان لا ثالث لهما في نصوص الكتاب الحكيم: الأولّ (سُنّة) وجمعها (سُنن)، والثاني (مسنون).
فأمّا الاستخدام الأول وهو (سُنّة/ سُنن)، فإننا نجده قد ورد مفردًا (سُنّة) في القرآن الكريم أربع عشرة مرّة في تسع آيات، وورد جمعًا (سُنن) مرّتين في آيتين، وذلك على سبيل الحصر، وأمّا الاستخدام الثاني (مَسنون)، فقد ورد في ثلاثة مواضع ضمن ثلاث آيات.
وسنقوم الآن بتتبع ورود كلمة (سنّة) في التنزيل الحكيم، وخير ما نبدأ به ليكون مفتاحًا لفهم غيره هو قوله تعالى: {وَ أَقْسَمُوا بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا*ٱسْتِكْبَارًا فِي ٱلْأَرْضِ وَ مَكْرَ ٱلسَّيِّئِ وَ لَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 42-43]. وإنّما اخترنا هذا النصّ لنبدأ به تحليل المصطلح لكونه النصّ الوحيد الذي تكرر فيه استخدام اللفظة ثلاث مرات في آية واحدة، ففي وسعنا إذن أن نعتبر هذه الآية هي الآية الأمّ في هذا الموضوع، وأهمّ ما يُلحظ في الآية أمور ثلاثة:
الأول: أنّ السنّة تضاف لله ربّ العالمين إضافة فاعلية وتحكّم؛ أي أنّ الله تعالى هو منشئ السنّة والمتحكم بها.
الثاني: أنّ أبرز ملامح السنّة أنّها لا تُبدَّل ولا تُحوَّل، والتبديل أن يحلّ غيرها محلّها؛ ودليل ذلك قوله تعالى ﴿وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾النحل:101، ولهذا النص ما يسنده، ولكن، نكتفي به هنا. أمّا التحويل، فهو أن تقع على غير الذي وُضعت له، ودليل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا﴾الإسراء:56، فالكشف للضرّ رفعه كليًّا، والتحويل نقله إلى جهة أخرى، ويؤيد هذا آيات أخرى لا مجال لذكرها هنا لئلّا ينتشر البحث فيخرج عن محلّه الأصليّ.
الثالث: أنّ إضافة السنّة للأولّين في صدر الآية الكريمة هي إضافة مفعوليّة، أي أنّ السنّة يقع أثرها ونتيجتها عليهم، ولْيلاحظ هنا أنّ الأثر الواقع على المذكورين هو عقوبة الاستكبار والمكر، فالسنّة التي تتحدث عنها هذه الآية هي قانون رباني وضعه رب العزة تبارك وتعالى مفاده أنّ من يستكبر بعد الإنذار ويمكر مكر السوء فلن يحيق هذا المكر السيئ إلا بأهله.
وبهذا الفهم المضيء لهذه الآية الكريمة سيسهل علينا تمامًا أنْ نقرأ سائر نصوص التنزيل الحكيم حول الموضوع.
وسنكمل ترتيل الآيات بدراسة ثلاث آيات يتكرر فيها ذكر مصطلح (سنّة) مرتين في كلٍّّ منها، وهي على النحو التالي:
الأولى: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62].
الثانية: {سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 23].
الثالثة: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 77].
ففي آيتي الأحزاب والفتح تأكيد على ما استنتجناه من الآيةِ الأمّ آية فاطرِ من كون السنّة لله وحده، وأنّها لا تُبدَّل بغيرها، لكنّ هناك فرقًا لطيفًا بين الآيتين؛ ففي آية الأحزاب بيان أنّ تأثير السنّة وقع في الذين خلوا من قبل، وأنّها ستبقى كذلك؛ فهي لا تُبدّل، أمّا في آية الفتح، فقد وصفت السّنّة بأنّها قد خلت من قبل؛ وذلك يعني أنّها قانون موجود وثابت بغضّ النظر عن وجود من يقع عليهم تأثير هذا القانون من عدمه، وذلك من بديع الجمال البياني في كتاب الله، فالسنّة إذن بعد أن سنّها الله تعالى موجودة إلى الأبد بلا تحويل ولا تبديل، فإن وجد من الظروف والأشخاص والمخلوقات ما تنطبق عليه هذه السنّة حصل تأثيرها لا محالة. ولمزيد من بيان دلالة (السنّة) في الآيتين وسبب هذا الفرق اللطيف بينهما، سندرسُ سياق كلٍّ من الآيتين.
لو رجعنا لسياق آية الأحزاب لوجدناها تتحدث عن قانون رباني من قوانين العقوبات، وذلك يشبه ما ذكرناه في آية سورة فاطر، وقد جاء السياق على النحو التالي: ﴿لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا* مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا* سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا﴾الأحزاب:60-62، ودلالة السنّة على قانونٍ لعقاب المنافقين والمرجفين واضح في الآية الكريمة.
أمّا آية سورة الفتح، فقد جاء سياقها كما يلي: ﴿وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا* سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ﴾الفتح:22-23، فواضح هنا أيضًا أنّ السنّة يقع تأثيرها سلبيًّا على الذين كفروا حين يقاتلون المؤمنين المبايعين لنبيهم، لكن، يلفت النظر هنا أنّ هناك تأثيرًا معاكسًا على الطرف المؤمن، وهو النصر، وذلك أثر للسنّة إيجابيّ بلا ريب، ولعله لذلك جاءت الآية بوصف السنة بأنها التي قد خلت من قبل؛ فالمظهر الغالب للذين خلوا من قبل لم يكن فيه قتال بين طرفي الإيمان والكفر، بل كان الكفر هو الطاغي، فلمّا حصل القتال في عهد الرسالة الخاتمة، ولم يذكر القرآن الكريم أنّه حصل قبل ذلك إلا في الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى، وبين الحواريين وعدوّهم، كان الأنسب أن تأتي الصفة للسنّة نفسها، إذ هي قد خلت من قبل، حتّى وإن لم يكن أثرها قد ظهر إلّا في حالات نادرة حين تحققت محدداتها، والذين خلت فيهم منهم منتصر ومنهم مهزوم، فلو وصفها كما وصف سابقتها بأنّها (في الذين خلوا من قبل) لأوهم ذلك كثرتهم من جهة، ولأوهم أنّ لها تأثيرًا واحدًا سلبيًّا لا غير من جهة أخرى، فسبحان من هذا كلامه.
أمّا آية سورة الإسراء فقد جاءت ضمن السياق التالي: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا* سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا﴾ الإسراء:76-77، ويمكننا فهمها تمامًا وفق كلّ ما سبق، فإضافة السنّة لمن أرسلهم الله إضافة انفعال، وإضافتها لله إضافة فعل، وتأثيرها هنا على من أرسلهم الله إيجابيّ بلا شكّ، وهو سلبيّ على أعدائهم، وذلك من التأثير المزدوج للسنّة كما جرى شرحه أعلاه.
يبقى لنا الآن النظر في الآيات التي احتوت مصطلح (سُنّة) مرّة واحدة، وهي الآيات الكريمة التالية:
1- {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَٰفِرُونَ}[غافر: 85].
2- {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَ كَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب: 38].
وهاتان الآيتان ستشكلان رابطًا قاطعًا لإثبات صحّة ما قررته الآيات السابقة التي تكرر فيها ورود كلمة (سُنّة) مع الآيات التي سيأتي ذكرها لاحقًا؛ فإنّهما تصرّحان بأنّ السُنّة من حيث الفِعل هي لله (سُنّة الله)، ومن حيث الأثر والانفعال هي للعباد (خلَت في عباده/ في الذين خلوا من قبل).
3- {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38].
4- {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ} [الحجر: 13].
5- {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًا} [الكهف: 55].
وفي هذه الآيات الثلاثة نلاحظ إضافة كلمة (سُنّة) إلى الأوّلين، وهي كما أوضحنا إضافة انفعال لا فِعل، فالمقصود وقوع تأثير سنّة الله على الأولين. ويلاحظ هنا أنّ الآيات الكريمات ربطت بـ(السُنّة) أفعالًا ثلاثة:
مَضَتْ: وهو فعل يشير إلى حركة متكاملة في مسارها الضابط لها كالسّكّة التي لا يحيد سالكها عن مسارها؛ وذلك بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا﴾الكهف:60، وغيرها من الآيات.
خلت: وهو فعل يشير إلى انفراد الشيء بما هو له دون غيره؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾البقرة:76، وغيرها من الآيات.
تأتي: وهو فعل مستمر يشير إلى تحرُّك باتجاه شيء ثابت، بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ﴾الأعراف:97، وغيرها من الآيات.
أمّا الآيتان الأخيرتان، فقد وردت فيهما صيغة الجمع (سُنن)، وهما:
1- {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26].
ولسنا الآن بحاجة لتكرار دلالة إضافة (سنن) إلى الذين خلوا، ولكنّ ما سنركّز عليه ارتباط كلمة (سنن) بالفعل (يهدي)؛ والهداية هنا هداية تعليم وإخبار، كتلك المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ فصلت:17.
وما نخلص به من دراسة هذه الآيات السابقة أنّ من طبيعة السّنن أنّها تسير في سِكَكٍ لا تحيد عنها أبدًا، كما أنّها تُفرّغ لمن يستحقّها تمامًا خيرًا أو شرًّا، وهي مستمرة في إيقاع نتائجها على من يستحقّها في جانبي الخير والشرّ، وقد هدى الله النّاس إليها فأخبرهم بها، وجعل نتائجها ماثلة أمامهم؛ ليكون لهم من ذلك العبرة والعظة.
أمّا الآية الأخيرة فقد ورد فيها المصطلح على هيئة الجمع أيضًا (سُنن)، وهي قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}[آل عمران: 137]. والملاحظ في هذه الآية أنّ الكلمة مجرّدة من الإضافة، وكأنّها تركن إلى أنّ المخاطب قد فهم تمامًا أنّ السنن لله فِعلا، وعلى العباد أثرًا وانفعالا.
ولم يبقَ لنا بعد هذه الجولة سوى النظر في الاشتقاق الثاني من الجذر (سنن) في القرآن الكريم، أعني بذلك كلمة (مسنون)، وقد وردت هذه الكلمة في الآيات الثلاثة الآتية:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26].
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 28].
{قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 33].
وواضحٌ فيها ترابط الكلمة بالصلصال الذي هو من حمأ، وهو مادّة خلق الإنسان الذي صار بشرًا.
وكلمة مسنون هذه اسم مفعول من الفعل (سنَّ)، أمَا وقد بان لنا معنى الفعل تمامًا من خلال ما سبق، فإنّه يسعنا القول أنّ (المسنون) ما وضع له سُنّة ثابتة لا تُبدَّل ولا تُحوّل ليسير ويصير وفق هذه السّنّة، ولعلّه ما يعبّر عنه علماء الأحياء اليوم بالجينوم البشري، فرغم التنوّع الهائل بين البشر، إلّا أنّه في نهاية المطاف (مسنون)؛ أي محكوم بالسُّنن الأولى التي وضعها الخالق سبحانه منذ اللحظة الأولى لخلق الإنسان ثمّ جعله بشرًا.
يبقى أن يُقال: إنّ تفسير المعجميين وتوظيف الأصوليين والمحدثين لكلمة (سنّة) هو تفسير واستخدام يعتبر من باب التوسّع اللغوي غير الخاضع لقواعد اللسان العربي المبين التي استخرجنا ما يخصّ هذا المصطلح منها من آيات القرآن الكريم، وهو بالتالي استخدام لُغويّ لا لسانيّ؛ لا يطابق فيه الدّالّ مدلوله. ويمكن اعتبار هذه الحالة واحدة ممّا يفارق فيه اللسان العربيّ المبين اللغة، وسيأتي في المقالات القادمة أمثلة عديدة لمثل هكذا حالة.