Skip to content Skip to footer

“الدولة والمجتمع” لمحمد شحرور | حسين سعدون

الوصية الأخيرة لشحرور

أهلًا بكم مشاهدي منصة مجتمع. يسرني هنا تقديم أفكار جديدة ونوعية، لأنني أؤمن أن مشكلة العالم العربي هي مشكلة أفكار ومفاهيم بالدرجة الأولى. غياب هذه الأفكار والمفاهيم يجعل الواقع متكلسًا وفيه مشاكل عديدة. باختصار، نحن نحاول أن نلقي الضوء على مجموعة كتب وإصدارات معينة ظهرت في الثقافة العربية مؤخرًا، وعالجت أوضاعًا سيئة في المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والدينية بالدرجة الأولى، لأن موضوع الإصلاح الديني الآن هو لغة العصر.

هذه الكتب لم تلقَ رواجًا كافيًا أو جرى التعتيم عليها. وأنا بفخرٍ جدًا يسرني أن يكون هذا الكتاب للمعلم والأستاذ محمد شحرور، المفكر السوري الشهير الذي فتح سؤال القرآن من جديد. محمد شحرور، بالأصل، هو مهندس مدني سوري وُلد عام 1938 وتوفي عام 2019. بالمناسبة، الكتاب الذي بين أيدينا هو “الدولة والمجتمع: هلاك القرى وازدهار المدن”، صدر قبل عام من رحيله.

أعتبر هذا الكتاب، من وجهة نظري الشخصية، هو الوصية الأخيرة للراحل الدكتور محمد شحرور، الذي ابتدأت مسيرة الدراسات القرآنية عنده منذ عام 1970، وتوجها بصدور كتابه “الكتاب والقرآن”. فهو رجل مهموم بسؤال القرآن. من هنا، من بين ثنايا الكتاب، هناك سؤال مهم جدًا يُطرح للمشاهد الكريم عن القرآن الكريم وتعامل الأجيال معه.

القرآن الكريم هو خطاب عام لكل زمان: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}. الذي يموت في زمن بعثة النبي، والذي يموت قبل القيامة بأسبوع، الخطاب موجه له. هذا خطاب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، خطاب لجميع الناس والأجناس والعلماء والمستويات الحضارية المختلفة. ولا يصح بأي حال من الأحوال أن نجمّد فهم القرآن على عصر معين وأناس معينين.

أعترف شخصيًا أنني وجدت متعة كبيرة ولذة في قراءة هذا الكتاب، وأيضًا وجدت مشقة، لأن ما طُرح فيه من أفكار لم يسبق لي قراءتها في كتاب آخر.

نعود لكتاب “الدولة والمجتمع: هلاك القرى وازدهار المدن”. أمامنا مصطلحان متناقضان: القرية، وتعني الثبات بالمعنى القرآني (سنأتي للمدلولات)، والمدينة، وتعني التطور. بماذا أراد محمد شحرور أن يوصل رسالته؟ بالحقيقة، هو ابتدأ الكتاب بآيتين من سورة الإسراء. الأولى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}. والآية الثانية، التي أعتقد أن لبَّ الكتاب يدور حولها، سننطلق منها: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}.

 

قانون هلاك الحضارات

هناك قانون تسير عليه الشعوب والدول والمجتمعات، وكُتب عنده حتى في الفلسفة، وهو هلاك وقيام المجتمعات والدول. كتب عنه ابن خلدون، وكتب عنه أرنولد توينبي. نحن نقرأ هذا القانون: هلاك الحضارات وقيامها. وكتب عنه فرانسيس فوكوياما. نقرأه في الفكر الوضعي البشري. كيف تناول القرآن هلاك الحضارات وسقوطها وقيامها؟ يرى الراحل الدكتور محمد شحرور أن نهاية الآية التي تقول: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}، وانتبه إلى مفردة “قرية”، {أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا}. هنا العذاب تدخل خارجي أو داخلي. {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}.

هو يقف عند عبارة {فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}، ويقول: هذا قانون مثل قانون الجاذبية الأرضية. لن يفلت منه أحد، بمعنى أن الإنسان علم بهذا القانون أم لم يعلم، رفضه أم قبله، أقام الصلاة أم لم يقمها، حتى لو وصل به الأمر أن يدعو بالأدعية الجماعية في المساجد بأن الله يريد تغيير القانون، فلن يستجيب الله له. هذا قانون سارٍ كالجاذبية الأرضية. بماذا يريد أن يوصل محمد شحرور هذا القرار؟ هناك مجتمعات أحادية. ومحمد شحرور ينطلق على الأحادية بتعبير جميل، يقول: الاجتماع الإنساني في أي بقعة جغرافية. القرية، ما هي القرية؟ طبعًا هو يتناول معجم ابن فارس والتخريجات اللغوية. “وقرا فلان”، “قرَّت عينه”، أي سكنت. من هنا “قرَّت عينك”، أي سكنت. لفظة “قرى” تأتي إلى الثبات، أو القارورة: اجتماع الماء في مكان، اجتماع البشر. اجتماع البشر في حيز معين جغرافي، بغض النظر عن عدد السكان وعن المساحة. هذا الاجتماع يكون فيه البشر تحت بشر عاقلين، ناس عاقلين. هو حتى يضع هلالين تحت مفردة “العاقل”، لديهم سلوك بشري واعٍ ومحدد ثابت. قد يكون الظلم. وكذلك: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}. مجتمعة هذه القرية على الظلم، أو على الكفر بنعم الله، أو على الاستبداد. يعني هذه الأمور، هذه القرية ستحكم على نفسها بالدمار والهلاك. وبالتالي، هذا الدمار يتحدد، حسب شحرور وحسب قراءته للنص القرآني، إما يكون بفعل عامل خارجي بسبب الاستعمار (وأي شخص الآن يلقي النظرة على الأوضاع العربية يجد تحقق ذلك)، أو بفعل عامل داخلي: تتآكل وتتحلل هذه القرية أو هذا الجمهور أو هؤلاء الناس. لأن هذا ضد مبدأ التطور.

القرية تعني الثباتية، والثباتية تعني الدمار، وتعني الاستبداد. وهذا المجتمع الأحادي الذي يفكر بلغة واحدة، وبلسان واحد، ويقرأ صحيفة واحدة، ويلبس ملابس واحدة، ويظن أنه يسير في الطريق الصحيح. ويضرب أمثلة. يضرب أمثلة جميلة. هو فيه مثال هنا مركز عليه: مثال ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، عندما اعتلى هتلر سلطة الحكم. وهنا تحولت ألمانيا إلى قرية بالمفهوم النازي، لأن هتلر فرض عليها نمطًا واحدًا من التفكير. فبالحقيقة، نحن نقدر أن نناقش مجتمعات إنسانية قبل أن تكون مجتمعات عربية وإسلامية.

والمثال الثاني الذي ضربه محمد شحرور في الكتاب، الاتحاد السوفيتي وصعود الحزب الشيوعي إلى السلطة بعد أزمة القياصرة في ثورة 1917، وأدى إلى هلاك الاتحاد السوفيتي عام 1991. نحن أمام قوانين إنسانية.

 

التحذير من الأحادية

المثال الذي أخذ به شحرور يقول: هناك مجتمعات تعددية تقبل الرأي والرأي الآخر وفيها نقاشات. يضرب مثالًا بالمجتمع الأمريكي، فيقول: المجتمعات التعددية تحمل بذور بقائها في ذاتها، المجتمعات الأحادية تحمل بذور فنائها في داخلها. المجتمعات التعددية إذا مرت بأزمة، وهذا الكلام جدًا مهم، قد تلجأ للأحادية ولكنها تتدارك ذلك. ويضرب مثالًا بالمجتمع الأمريكي: هو مجتمع متعدد، مجتمع حر، يقبل جميع الأجناس بغض النظر عن اللون والعقيدة والمذهب، إلى آخره.

ما يريد إيصاله محمد شحرور في هذا الكتاب هو إيقاظ العقل الجمعي العربي وتحذيره من الذهاب إلى الأحادية. ويقول: ليست المشكلة في الأحادية بذاتها. قد يكون مجتمعًا متعددًا وتأتي الأحادية طرفًا من الزمن. المشكلة أن تتحول الأحادية إلى ظاهرة مزمنة، ظاهرة مرضية، فتتسلط على العقل العربي فيرفض الشورى، ويرفض الرأي الآخر، ويتجمد التاريخ ويتوقف. من هنا جاء كتابه “هلاك القرى وازدهار المدن”.

 

معلومات عن الكتاب

كما ذكرت، هذا الكتاب هو الوصية الأخيرة للراحل محمد شحرور. لكن أذكر بعض المعلومات حتى يكون القارئ أو المستمع في الصورة. لا يمكن تلخيص الكتاب كاملًا في حلقة صغيرة. أفكار هائلة، من وجهة نظري أنا ركزت على نقاط الإبداع الموجودة في الكتاب. الكتاب، للمشاهد الكريم، يحتوي على عشرة فصول، غير المقدمة وغير الخاتمة، و415 صفحة، وصدر قبل رحيل الراحل محمد شحرور عام 2018. أعتبره الوصية الأخيرة. أنا ركزت على الفصول الخاصة بعنوان الكتاب وما يقال، وكما يقال: نحن نسمع أن الكتاب يُقرأ من عنوانه. “الدولة والمجتمع: هلاك القرى وازدهار المدن”. ثنائية القرية والمدينة، هناك فصول عن الرق، وهناك فصول عن الأمة، عن العرقية، عن الشعب. لا غنى عنها للمشاهد. لكن أنا دائمًا أقول: كل قراءة كتاب هي طرق أبواب، وهي فتح تساؤلات. هي أشبه بمادة مشهية لجذب المشاهد للقراءة. لكن هذا الشرح لا يغني عن قراءة الكتاب. أنا فقط أعطي رؤوس أقلام، حتى لنقرأ الإهداء. أنا أتمنى أن تنتبهوا إلى إهداء الكتاب، وهو إهداء جميل للراحل محمد شحرور:

“إلى كل من يؤمن بنظرية المؤامرة. المؤامرة موجودة في عقولنا التي ترفض التعددية والتغيير. المؤامرة ابتدعها العقل العربي الجمعي ليعفي نفسه من مسؤولية التغيير، وليضع مسؤولية التخلف والأحادية على الآخر. هنا الأحادية: القرية، الفكر الأحادي”. “إلى كل الضحايا من كل الأطراف، أرجو ألا تكون قد سُفكت دماؤكم سدى”. الصراعات والنزاعات التي أحدثت في الوطن العربي في السنوات الأخيرة. “إلى كل هؤلاء أهدي هذا العمل المتواضع، وكلي أمل أن يساعد في إنارة الطريق للعقل العربي الجمعي”.

هناك ملاحظة أوردها الراحل محمد شحرور في مقدمة الكتاب تبديدًا لوهم معين: أن الكتاب يسير في استقصاء وإبراز القانون القرآني في تغيير الأمم بعيدًا عن القوانين الفلسفية العلمية.

مثلًا، هو يناقش قضية الفيلسوف الكبير كارل ماركس، قضية صراع الطبقات، وأن تأتي طبقة فتقضي على طبقة. هو يرى، أو يناقش نظرية “نهاية التاريخ” التي طرحها فرانسيس فوكوياما عام 1989. يقول: هذه أوهام، ولا تعطي حقيقة عن صورة المجتمعات. هذا الكتاب لا يقوم على أساس أن طبقة تقضي على طبقة، بل تكامل الطبقات. بمعنى أن وجود الأغنياء والفقراء في مجتمع واحد لا بد منه. لا يمكن إلغاء التعددية، لا يمكن إلغاء الملكية الخاصة، لا يمكن إلغاء الفقر. هذه كلها أوهام، ولا يمكن أن يصل التاريخ إلى حتمية، ويقول يتوقف الزمن.

هو يطرح نظريته على أساس أن هذه الصراعات تؤدي إلى تكامل البشر لاحقًا: تكاملهم في الصحة، وفي التعليم، وفي الشيخوخة. ونرى مثلًا في اليابان الآن، بعد تحسن المستوى الصحي، المستشفيات والتعليم، أن نسب الشيخوخة زادت، ونسبة الوفيات قلت. وهذا ينتقل أثره في المجتمع.

فهذا الكتاب يتناول المبدأ القرآني في إحداث التغيير بين المجتمعات بعيدًا عن النظريات الفلسفية البشرية التي قرأناها.

هو يتكلم عن نظرية قرآنية، ولكل إنسان فهمه الخاص واجتهاده الخاص. ومن هنا، فالبحث العلمي يتيح للإنسان أن يكون مجتهدًا، وأن يطرح رأيه، وبنظرية الحذف والإضافة والأخذ والرد والنقاش. فأنا أعتبر، من وجهة نظري الشخصية، أن أفضل تكريم للراحل محمد شحرور هو أن نقرأ أفكاره ونناقشها. فهي ليست أفكارًا مقدسة، هي أفكار نسبية قابلة للأخذ والرد.

 

عرض الكتاب

نبدأ الفصل الأول من الكتاب: مبدأ تغير السيرورة الاجتماعية بأسلوب واعٍ وإرادي. هنا يطرح سؤالًا مهمًا: هو يتكلم عن هلاك القرى وازدهار المدن. المدن مشتقة من المدنية، {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى}، إذن المدنية موجودة في القرآن.

ما هي الوسائل المساعدة للمدنية؟ يرى محمد شحرور أن الوسائل المساعدة للمدنية أن تكون في قانون، وتكون في دستور، والحريات تُقنَّن، توضع في إطار يضمن حق الكلام وحق الرأي وإبداء الرأي، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، والعقد الاجتماعي. كل هذا قرأناه الآن.

طبعًا هناك مسألة مهمة تضع الأفكار في سياقها التاريخي: التقدم لا يأتي دفعة واحدة. قد تقرأها الآن مرتاحًا وتقول: هذه أفكار عادية، لكن وقتها كانت أفكارًا انقلابية.

نأتي الآن إلى الفصل الثاني: موضوع الأسرة. السؤال المهم الذي يطرحه محمد شحرور: هذه الأفكار موجودة في القرآن قبل 1400 سنة، لماذا لم يتقدم المسلمون إليها ولم تتحقق؟ نحن عشنا عصر الاستبداد الأموي تقريبًا قرنًا، وعصر الاستبداد العباسي والعثماني. لماذا لم تتسرب إلينا الثقافة المدنية وبقينا أسرى الاستبداد إلى اليوم؟ لا، بل إننا لسنا فقط أسرى الاستبداد، هناك من يعشقون حكم الفرد وحكم القهر.

هنا محمد شحرور يطرح سؤالًا مهمًا جدًا، يقول: الإنسان الذي آمن واعتقد بالتطور وبالتغيير وضد الأحادية، مع فكرة المدن وفكرة التطور، هو هذا الإنسان الديمقراطي. في جانب من الكرة الأرضية، هذا الإنسان ليس موجودًا في كل الجغرافيا الأرضية. هناك إنسان في جغرافيا مغايرة  يعشق عكس هذه المفاهيم. برأي محمد شحرور، ما هي المثبطات والهزائم والأسباب التي تعرض لها العرب حتى أدى ذلك إلى فشل بناء المدينة أو البناء الديمقراطي؟

هو يقول: السبب الأول الذي يرجع إليه هو الاستبداد السياسي، والتراث والموروث الذي وصلنا. ويطرح سؤالًا مهمًا جدًا للناس المتابعين لموضوع النهضة العربية: ما هي دقة العروة الوثقى؟ ونقاش محمد عبده والأفغاني. فهو يؤرخ منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتقريبًا بدايات تآكل الرجل المريض في الدولة العثمانية. يقول: ظهر عندنا تيار أراد أن يمسك بموضوع النهضة. سؤال النهضة: لماذا تخلف العرب ولماذا تقدم غيرهم؟ وفي الحقيقة، هذا سؤال شكيب أرسلان. جمال الدين الأفغاني، هو يضع الأسماء التالية: ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم. يقول: هؤلاء كان لديهم أزمة وتصور لموضوع النهضة. يقول: التصور الخاطئ الأول الذي وقع فيه المسلمون وهؤلاء، وهذه وجهة نظر محمد شحرور وأنا أعتبرها صحيحة، أنهم حولوا أفعال الصحابة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام إلى أساسيات للإسلام.

طبعا كل كلمة دقيقة أنا أقولها حتى يكون الكلام مفهومًا، بينما هي اجتهاد بشري قابل للأخذ والرد. اجتهاد بشري إنساني ضمن ظروف الزمان والمكان. أنا لست مسؤولًا عن أي فقيه مهما كان اسمه، ويكون مُقدَّرا إنتاجه، أن يصبح جزءاً من العقيدة الإسلامية، ويصبح إسلامًا. فنحن ورثنا تراثًا هائلًا لم نقم حتى الآن بعملية تنقية له.

اثنان: أكد هؤلاء على مسألة الخلافة ومسألة الدولة الإسلامية، بينما القرآن يؤكد على الاجتماع الإنساني والقيم الإنسانية أكثر من موضوع الخلافة والسلطة. القرآن تكلم عن القيم الإنسانية التي تنتشر بين أفراد المجتمع، وتتعلق بقبول الرأي والرأي الآخر.

وثالث شيء: يقول لك: الصورة التي وصلتنا عن السلطان والخليفة صورة مشوهة. السلطان الذي يملك بيت المال، الذي يقتل، يصفي المعارضة السياسية، السلطان الذي يمثل ظل الله في أرضه. ارجعوا إلى كتابات أبي حامد الغزالي أو الجويني إمام الحرمين، أن الخليفة ظل الله في أرضه. حتى كتابات الفخر الرازي وكل كتابات الفقهاء التي تحرم الخروج على السلطان. الآن، في المؤسسات الحديثة، السلطان أجير، لديه محددات، وينتهي الأمر. في التراث الإسلامي، السلطان هو كل شيء وله الكلمة العليا. يقول: للأسف، الفقهاء لم يستخرجوا من القرآن نظريات الاجتماع الإنساني. هو يقول عبارة هائلة في نهاية الفصل الأول أو في المقدمة يقول الأنبياء أدوا رسالتهم على أكمل وجه. من الذي يقوم برسالتهم الآن؟ علماء الاجتماع –بالنص- والفلاسفة هم ورثة الأنبياء، والبرلمانات هم ورثة الرسالات. البشر المجتهدون الذين ضمن عصرهم علماء الإنسانية. حتى المؤسسات الدينية موجه لها هذا الخطاب، عليها أن تعيد صياغة نظرية إسلامية اجتماعية في علم الاجتماع، في علاقة تربط الحاكم بالمحكوم. نحن لدينا محاصرون: إما الإرث الغربي أو الإرث السلفي، بتعبير شحرور. هذان يؤديان إلى طريق مسدود.

هناك قرآن وخطابه موجه للجميع في كل زمان ومكان. أنا قبل سنوات قرأت بيت شعر أعجبني يقول: “بَيِّنٌ فيه كل شيء ومنه/ آخذٌ قدر ذهنه كل تالٍ”. هل قرأنا القرآن؟ هذا التعبير المعاصر. هل فهمنا قواعد الاجتماع الإنساني؟ لماذا القرآن دائماً يؤكد على القرى في هلاك؟ {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}. لماذا القرآن يؤكد على الازدهار، على المدينة، على قبول الرأي، على التجانس، على التنوع؟

ويضرب أمثلة رائعة. مثلاً، الأمثلة التي يضربها، الجميلة. يقول: لماذا النبي، عليه الصلاة والسلام، عندما يأتي إلى قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}، انتقل بالسلطة من القرية (مكة) إلى المدينة، وقام بإبرام المواثيق والعهود والبيعة؟ مثلاً: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}. يقول: هذه العبارة نزعت السلطة الثيوقراطية، المبايعة بين الناس، وليس مع الله. تأخذ حلاً. وهو قام بإبرام معاقدات مع اليهود في المدينة. يقول: المكان الوحيد، القرية الوحيدة، بتعبير شحرور، التي لا تتعرض إلى الهلاك هي أم القرى.

أولًا: هي مكان غير صالح للعيش. هي مكان خاص بالعبادات والشعائر من زمن إبراهيم، ويمارس به الناس طقوسًا دينية وشعائرية محددة غير موجودة في أي مكان على الأرض.  فهي المكان الوحيد الذي لا يستحق الهلاك والعقاب، بتعبير القرى. والنبي، لذلك، كان فاهمًا الموضوع، نقل الحياة المدنية إلى المدينة بشروط جديدة وترك مكة المكرمة.

في الكتاب أفكار كثيرة سنأتي عليها لاحقًا.

 

نقد التيار التجديدي

نرجع إلى معالجات الدكتور محمد شحرور في الفصل الأول، وأعتبره فصلًا مهمًا. دائمًا، عندما كنت أدرس دراساتي، كان الأساتذة يقولون: أي كاتب تحاول أن تكشف أسراره، اذهب إلى الفصل الأول. يضع به المنهجية والخطة التي تنطلق لاحقًا. محمد شحرور يقول: مع نهاية القرن التاسع عشر، ظهر عندنا تيار تجديدي. هو هنا ينظر بعين نقدية إلى إخفاقات هذا التيار. نحن ذكرنا منها. هنا يذكر نقطة جدًا مهمة، وأنا أذكرها بالنص: غياب التفكير. هذا التيار التجديدي في مراجعة أصول الفقه والتشريع الإسلامي. وبالتالي، هم أرادوا استنساخ التجربة القديمة في العصر العباسي.

أي مستمع وأي قارئ لمحمد شحرور يعرف أن هناك كلمة دائمًا يكررها في كتبه وفي أحاديثه: أننا ورثنا إسلامًا أمويًا عباسيًا، وليس إسلامًا محمديًا. في الكتاب ترد عبارة، مصطلح جدًا يعجبني، يقول: يجب أن نفرق بين الإسلام التاريخي (إسلام الواقع) – يفتح هلالين: الذي نعيشه الآن – وإسلام الوحي المتعالي، الإسلام الذي هو فوق الزمن، هو نصوص القرآن. للأسف، هذا لم يُنتبه إليه. وعندما يريد أن يناقشهم بهذا، ماذا يقولون له؟ {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}. هذه الفكرة الآبائية واحدة من أهم مهام التجديد، هي قتل الفكر الآبائي. هنا، محمد شحرور يقول عبارة جدًا مهمة: واحدة من أسباب إخفاق مشروع النهضة هو ربط الإسلام بالخلافات التاريخية وما ورثناه من الدولة الإسلامية السابقة بأشخاص، ولم يتم تحويل الإسلام إلى مؤسسات، إلى نصوص. دائمًا عندما يصير نقاش على قضايا، تُشخصن. تابعوا البرامج الفضائية والقنوات: هذا تابع لحزب، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، وهذا تابع لحزب آخر. الإسلام يتعالى على الكل. الإسلام مؤسسات، الإسلام فكرة. لا يمكن حصر الإسلام بشخص؛ إذا ذهب هذا الشخص ذهب الإسلام.

يتناول هنا – وانظر عمق محمد شحرور – يتناول في الفصل الأول، وهنا الصورة الذهنية التي تخاطب الطفل وتخاطب المرأة. وأعتقد أنه ما من مفكر انتبه إلى هذه الحالة. تناول الإسلام في الدراما التلفزيونية. يقول: الدراما التلفزيونية قدمت لنا الإسلام بأسلوب وعظي بسيط، يتناول العلاقة بين الحاكم وبين المحكومين، وأن الحاكم إذا صلح صلحت الأمة، وإذا صلح الزمان صلح الحاكم، وهذا بعيدًا عن الأفكار الكبرى والنصوص التأسيسية. فتم اختزال الإسلام في الدراما، في المسلسلات التاريخية والأفلام، وكأنه هذا هو الإسلام.

هنا يختم الفصل الأول بعبارة جدًا مهمة، وهي بها استقراء رقمي: مؤسسة الطغيان السياسي التي لم يتم فك شفرتها إلى اليوم. في نهاية الفصل الأول، بمعنى هو يلتقط التقاطًا مهمًا، يقول: الأحادية لها تجليات وهي القرى، والمدن لها تجليات. يعني أنت تأتي إلى مدينة بها تعددية، تجد بها برلمانات، وتجد فيها شورى، والشورى سيأتي عليها كيف قتل وقمع المسلمون الشورى. تجد قبول الرأي والرأي الآخر، تجد مؤسسات، تجد جدالًا، تجد نقاشًا، لا تجد تخوينًا، لا تجد أن فلانًا يقتل فلانًا أو يقمع فلانًا. في الأحادية يرى شحرور أن الوجه الأبرز للأحادية هو الطغيان السياسي: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}، {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}. يتوقف، على التقاطة مهمة: لماذا ذُكر فرعون في القرآن 74 مرة؟ -يقول: المسلمون لم يلتفتوا إليها- الوضوء ذُكر مرة، الصلاة كذا مرة، الإرث مرة، الحج مرة مذكور. يقول: هل معقول أن الطغيان السياسي يتفوق على كل هذه المفاهيم والعبادات؟ يأتي ذكر فرعون 74 مرة للتحذير، إلى هذه الأمة: إذا استمر الطغيان واستمر الاستبداد وحصر السلطات بيد شخص واحد، فإن قيامتكم لن تكون في باقي الأمور، في المعاني، في العبادات. ولذلك القرآن، حتى في التقديم والتأخير، يقول: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. قدم العدل على التوحيد؛ لأن الحياة لا يمكن أن تسير إلا بعدل. والعدل طبعًا مفهوم نسبي يسير عبر القوانين. يقول: المسلمون إلى اليوم لم يعالجوا مؤسسة الطغيان السياسي. والطغيان السياسي، بتعبير شحرور، أصبح اقتصاديًا، وأصبح اجتماعيًا، وأصبح دينيًا. وتنوع والطغيان في القرآن هو تجاوز الحد. هذا كان ختام الفصل الأول: كيف تحاول أن تستقرئ الواقع وأن تغير بإرادة ووعي.

 

الأسرة في التنزيل الحكيم

الفصل الثاني من الكتاب فصل غني جدًا بالمعلومات، سأحاول إيجازها قدر الإمكان. هو جدًا مهم: الأسرة، كيف تناولها التنزيل الحكيم وكيف أصبحت التناقلات؟. يرى محمد شحرور أنه لو أردنا تأريخ مفهوم الأسرة من آدم إلى ما قبل نوح، فإن الأسرة تتشارك مع البهائم في أسلوب العيش، والمأكل والمشرب والمسكن. لا بل يذهب إلى أكثر من هذا: إن هذا العصر كان عصرًا بهيميًا، لا تجد فيه محرمات في النكاح وغيره. لنعرف الفهم البشري، التطور هنا تطور نسبي من عصر إلى عصر. الانتقالة الكبرى، بتعبير محمد شحرور، هي عصر الأمومة. العصر الأول الذي فاق العصر الذي تبع عصر آدم. أن بدأت الأسرة. هنا يقول: دور الأب كان دوره، كما نقرأ في الحضارات القديمة، الإخصاب فقط، مثل الحيوانات. هنا بدأ عصر الأمومة من نوح، وبدأ الإنسان يكتسب مفهوم الأخلاق لأول مرة.

هو يأخذ هذا إشارة خفية من دعاء نوح في إحدى الآيات: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ}. طبعًا نحن نقرأها كدعاء نمر مرور الكرام، لكن إن تدبرنا القرآن الكريم، يقول: كلمة “والديّ” مذكورة لنوح لأن أفراد الأسرة بدأوا يميزون، فيعرف: هذا أبوه، وهذه أمه. فبالتالي هنا وصلت مسألة ما يسميه هو العلاقة بين الأم وأولادها. وصل بها التحريم بالنكاح، فلا يقربها لأنه يعرف هذه أمه. صار تمييز. لكن يقول: هناك أمور أخرى، مثلًا في هذا العصر، بتعبير محمد شحرور، كانت موجودة “النذر”، والنذر هي أنواع من الملائكة تأتي فقط للتعريف بالإله وتعريف الناس به فقط، بدون تشريعات. هذه المسألة مهمة. التشريعات لم تأتِ للآن. البينات والتشريعات لم تأتِ. وهو يذهب إلى أن التشريعات والبينات القائمة في بداية الفصل، يقول: التشريعات والبينات القائمة على مبدأ الطاعة والمعصية هي أساس الدولة المدنية. هي تعني بلغتنا القانون. وهو يستقرئ استقراءً جميلًا الآية في سورة يوسف: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}. ولماذا القرآن عبر بكلمة “دين”؟ الدين هو النظام أو القانون الذي يجمع مجموعة من الناس. فالدين هو قانون.

هنا يذهب محمد شحرور إلى حتى الأنعام التي ذللها الله للناس: {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ}. لم تكن موجودة في هذا العصر لأن الإنسان كان يمشي على الأقدام. الانتقالة الكبرى، في رأي محمد شحرور، صارت في عصر الأبوة لاحقًا، وعرف أن الأب له مسؤوليات وله امتيازات، وهو رب الأسرة.

يذهب محمد شحرور، بعد أن يقسم عصر الأمومة والأبوة، يقول: جاءت النقلة الكبرى في عصر النبي عليه الصلاة والسلام. طبعًا قبلها يتناول في مفهوم الأسرة بعض الرذائل الأخلاقية وكيف عالجها التنزيل الحكيم. هو دائمًا يقول عبارة “التنزيل الحكيم”، والحكمة وضع الشيء في موضعه. يقول: اللواط تم معالجته في عصر لوط عليه السلام، وطبعًا ذكر مفهوم القرية: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ..}. يقول: وهنا تم معالجتها وعقاب هذا المفهوم لأنها كانت علنية، فكان يأتي العقاب. أما موضوع {الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، فتم معالجته في شريعة موسى. الصورة الكاملة: الفواحش، والسحاق، واللواط، والزنا، تم معالجتها في الشريعة الخاتمة، شريعة محمد عليه الصلاة والسلام. فجاء الأمر بالتدريج من شريعة إلى أخرى.

يذهب محمد شحرور في مسألة أخرى في قضية الأسرة. يقول: الأخلاق لم تكن موجودة في العهد البدائي الأول. الأخلاق وُجدت أول مرة، كما ذكرنا، في عصر الأمومة والأبوة، عندما استطاع الإنسان التمييز بين أمه وأبيه. يقول: هذه الآية أنا أكررها دائمًا: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا}. طبعًا البيت هنا يراه المسجد، لا يرى السكن. يرى السكن جاء في مكان لاحق. هو دقيق.

 

العقل العربي الترادفي

فاتني أن أذكر موضوعًا مهمًا ذكره هو. واحدة من الأمور التي جعلت العقل العربي، برأي محمد شحرور، لا يستطيع استخراج هذه الأمور من النص القرآني، هي الترادف في اللغة. ودائمًا يقول: العقل العربي عقل ترادفي وقياسي. وينتقد في الكتاب. هو هنا ما عنده مقدسات، شخصيات. نحن في الثقافة عندنا أسماء كتبت واجتهدت، لكن صارت مقدسة. هو ينقد بصورة خاصة ابن خلدون وسيبويه، ويقول: هناك أسماء أهم، أبو علي الفارسي، معجم مقاييس اللغة لابن فارس. لأن هؤلاء عقلهم ترادفي. فمثلًا يرون أنه لا فرق بين الكتاب والقرآن، بين البشر والإنسان، بين البيت والمسكن. وبالتالي ضاعت عليهم كثير من مفردات أمور قرآنية.

مفهوم الأسرة تطور عبر التاريخ. لم تكن الأسرة بهذا.. وهذا موضوع يحيلنا لقضية الإشكالات، حتى كنا نطرحها في العراق. نحن عندنا نقاشات حول شريعة نوح: هل تتيح الزواج بين الأختين؟ في هذا الفصل يضع محمد شحرور إجابات وتطور مفهوم الأسرة، من الأسرة بمعنى الاقتراب من المملكة الحيوانية (البهائم) في عصر آدم، في كل الممارسات، إلى الأسرة التي غادرت هذا المفهوم إلى عصر الأمومة والأبوة. والقرآن رصد ذلك ابتداءً من شريعة نوح صعودًا.

 

ما سر هلاك القرى؟

الآن نذهب إلى واحد من أهم أصول الكتاب، وهو “هلاك القرى”. نذهب إلى الفصل السادس. وجهة نظر كقارئ متواضعة، بالمناسبة -يعني هذه نحن نحكيها بالقراءة- ما أذكره في هذا الكتاب للراحل محمد شحرور هو من تصوراتي أنا الشخصية، وقد تقرأه أنت بفهم آخر. نحن دائمًا نقول عبارة، مثل إنجليزي سمعته من فترة، يقول: “جهد قراءة كتاب جيد يعادل جهد كتابته”. بمعنى أنت إذا وجدت مشقة بالصدر وفي الفهم، وتعيد التأمل أكثر من مرة، فاعرف أن الكاتب بذل نفس الجهد. “جهد قراءة كتاب جيد يعادل جهد كتابته”. وهناك مثل إنجليزي يقول: “ما يُقرأ بسهولة يضيع بسهولة”. فأنت انظر إلى شحرور، كم من المعلومات لديه هذا تراكم، ولا أعتقد أن شحرور جلس صباحًا وقرر أن يكتب هذا الكتاب. هذا تراكم ثلاثين، خمس وثلاثين، أو أربعين سنة من التأمل في النصوص القرآنية وقراءة للواقع. وأعتقد أنه كان مهمومًا بهذا الموضوع.

هنا، في الفصل السادس، يتحدث عن القرى وهلاكها. يصدم القارئ بمجموعة من الآيات ويسأله سؤالًا. دعونا نقرأ الآيات ونرى ما هو الرابط المشترك: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ}. انتبه إلى كلمة “قرية”، واحد. {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ}. -هذه القرية-. {كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ} -كأين كثير-، {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا}. لم يتوقف الأمر عند هذا الشيء. {وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} -طبعًا قصة نوح يستطرد بها- {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ}. {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.

السؤال الذي يطرحه محمد شحرور: طبعًا آيات كثيرة، وأنا أخذت المهم. هل إن الله يهلك القرية لأنها قرية؟ يعني هل الله عنده عداء مع القرية هذه القرية؟ لا، هنا القرية يصير لها نمط سلوك هو عبارة تعريف: القرية أن يجتمع الناس في جغرافية ما، في مساحة ما، في حيز ما، ولديهم بالنص هذه العبارة. يقول: عقل واعٍ، ليسوا ناسًا مجانين، وليسوا مسلوبي الإرادة، لكن لديهم سلوكًا شائنًا، القرآن يعاقبهم عليه. ما هو الرابط بين قوم لوط (سلوك شائن) و{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا..}، الظلم الكفر بأنعم الله. هناك سلوك شائن أو سلوك ضد النواميس البشرية، ضد الطبيعة البشرية: الاستبداد، القهر، الجوع، الخوف. فيأتي العقاب الإلهي.

هو يرى، محمد شحرور، أن التدخل في القرية يتم بطريقتين: الطريقة الأولى: الجدال الداخلي. ما هو الجدال الداخلي؟ يقعد أهل القرية، بالتعبير الحديث، يمارسون عملية نقد ذاتي لأفكارهم. وهذا الآن القائم عليه الفكر الحديث والفلسفة، النقد الذاتي، المراجعات، دور البرلمانات، منظمات المجتمع المدني، مراجعة القوانين، الإضرابات، الاعتصامات. ما هذه؟ عملية نقد ذاتي للأفكار. يقول: القرية إذا استخدمت عملية نقد ذاتي لأفكارها ولبنيتها ولمرجعيتها الفكرية، ستنجو.

الطريقة الثانية: للأسف هي العقوبة. إما جدال داخلي (هذا النقاش وهذه الهيئات الآن يتم على صيغة برلمانات)، أو تدخل خارجي (إلهي أو قوانين بشرية). يضرب مثالًا ويستطرد به في الاتحاد السوفيتي. الاتحاد السوفيتي، الحزب الشيوعي استأثر بالسلطة بعد عام 1917. ما هو سلوك الحزب الشيوعي من عام 1917 إلى هلاك الاتحاد السوفيتي عام 1991؟

طبعًا هو يقول لك في القرآن، عندما يقول لك مثلًا: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ}، {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} يقول: هذا السؤال عملية مستمرة. يسألونك: لماذا تهدم الاتحاد السوفيتي؟ مستمرة. المسلم يجب أن يكون لديه نوع من، أسميها، الديالكتيك (الجدلية). هذه الأسئلة مستمرة. صحيح أن النص القرآني.. النص القرآني قائم.. وهذه قالها المفسرون، حتى شحرور، قائم على ثبات النص وحركة المعنى. المعنى متحرك. الآن، لماذا تهدم الاتحاد السوفيتي؟ هم يسألونك: لأنه قام بعملية فكر أحادي استبدادي ضد مفهوم التطور. الاتحاد السوفيتي كان نموذجًا لقرية في القرن العشرين. عكس القطب الآخر، الولايات المتحدة الأمريكية. كل شخص يعيش في أمريكا يرى الليبرالية، يرى الحرية، يرى النقاشات، يرى رئيس دولة يُعزل. فيقول شحرور: أمريكا نجت، وإن كان فيها بعض الأحادية، لكنها نجت لأنهم ينطبق عليها مفهوم المدينة. الاتحاد السوفيتي هلك لأنه ينطبق عليه مفهوم القرية والاستبداد والحزب الواحد؛ الذي يقرر هو الحاكم، وإلى آخره. فأدى ذلك إلى هلاكها في عام 1991. فالعملية مستمرة، استطراد. السؤال الذي يطرحه شحرور جدًا مهم، وهو سؤال مركب: هل نجد ضمن القرية مدينة؟ يعني ضمن القرية، في الفكر الأحادي، توجد تعددية؟ يقول: نعم. هناك تناقضات، مثل عملية الموت والحياة، والحياة والموت. هل نجد في المدينة، التي هي المتطورة، نجد أحادية؟ نعم. يقول: هذا الجدال مستمر. لكن من ينتصر؟ يقول: الأحادية قد تكون فيها مدينة بها نقاشات، لكن الصوت الأعلى لمن؟ يقولها بالنص، وهذه العبارة جدًا لفتت انتباهي: هنا في الكتاب، لا أنقد القرية بوصفها قرية. أنقد القرية إذا أصبحت سلوكًا وظاهرة تفكير بعقل جمعي، يعني كل البشر. لذلك يقول: {أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ}. يقول القرآن: وهنا لا يتحدث عن فرد، بل قرية ظالمة، واحد أو اثنان أو ثلاثة. القرية صار عليها سلوك عام، فالعقاب يأتي عامًا لهذه القرية.

 

فلسفة العقاب في الدنيا والآخرة

وطبعًا يتناول فلسفة العقاب في الآخرة وفي الدنيا. هناك مجتمعات تنجو في الدنيا بغض النظر عن الإسلام، يعني هنا بغض النظر عن الصبغة الدينية. وهناك مجتمعات مسلمة عندها الشريعة وتعاقب. لأنه يتكلم عن مفهوم الأمن والرفاهية والسعادة، المرتبط بالمفهوم الاجتماعي وليس المفهوم الديني. وهنا يحذر بعبارة هائلة جدًا: كلما قل تدخل الدولة في سلوك وحريات المواطنين، كانت كلمة الله العليا لهذا المجتمع، وهذا المجتمع سينجو بغض النظر عن عبادته. لأنه يرى هو بالتالي أن التدين والتقوى ظاهرة فردية، والحساب يوم القيامة فردي، والعقوبة فردية. لكن في الحياة، يرى شحرور أن الحساب جماعي. قد يأتي عقاب هائل على هيئة طوفان، على هيئة وباء. وشاهدنا نحن آيات قرآنية تتكلم عن، مثلًا، أصحاب الفيل وغيرهم. كان العقاب جماعيًا. وهنا يحذر شحرور: قال بإمكان هذه القرى أن تتجنب العقاب الجماعي بأن تخوض، بتعبير شحرور، ويضعها بين قوسين: (جدال داخلي) ينجيها من العذاب. لكن القرية التي يصبح سلوكها، مثل، موضوع الاستبداد، رفض الآخر. الاستبداد ليس فقط السلطة السياسية، بل يصبح استبدادًا في المجتمع. لا أحد يتقبل رأي الآخر. الحقيقة المطلقة، وتصير صراعات. فإن هذه القرية سينالها العقاب، كما نال هتلر بعد انتصاره بحزبه في الحرب العالمية الأولى، عندما حول الألمان كلهم إلى فكر أحادي استبدادي، وألغى العقد الاجتماعي وكل أفكار التنوير. وكما حدث في الاتحاد السوفيتي. فنحن نتكلم عن قوانين كونية، كالموت، لا يُستثنى منها أحد.

 

الطغيان العقائدي

نعود إلى كتاب محمد شحرور: “الدولة والمجتمع: هلاك القرى وازدهار المدن”. وجهة نظري الشخصية، هذه الوصية الأخيرة لشحرور، وكتاب هائل وبأفكار عديدة، لأن الراحل رحل بعد تأليف هذا الكتاب بعام واحد، عام 2019.

الفصل السابع، وبه التفاتة مهمة لقضية في التراث الإسلامي. استخدمها الأمويون، ويسميها شحرور وينحت المصطلح: “الطغيان العقائدي”. الطغيان عنوان الفكر الأحادي. كأن القرى أو القرية قائمة على عنوان بارز، هو الطغيان. ماذا يقصد بالطغيان العقائدي؟ هو يتناول قضية، ونستطيع أن نقول، بالمصطلح الشعبي، يتعارك عليها علماء أهل الكلام إلى اليوم: الفرق بين القضاء والقدر. يرى شحرور، وكما يتداول في كتب التراث، أن الأمويين استخدموها ببراعة. القضاء والقدر، القضاء هو علم الله الأزلي. هذا، لما نقول، يجانب كتب التراث. والقدر: نفاذ ذلك العلم. حسنًا، يطرح شحرور سؤالًا لهم ويتحداهم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، دعونا نرجع للتعريفات التي في التراث ورؤية شحرور. التراث، أكرر، المعلومة مهمة: القضاء هو علم الله الأزلي بالشيء قبل أن يقع (فلانة قتلت واحدًا، أو سافرت). هذا علم أزلي قبل أن يوجد آدم. القدر: نفاذ ذلك العلم. يقول: الأمويون استخدموه لكي يقولوا للناس ويمرروا ظلمهم: “نحن الله اختارنا. نحن لم نأتِ باختيارنا. الله هو الذي اختارنا لنظلم الناس ونقتلهم ونقوم بالإبادات المعروفة”. اقرأ تاريخ الأمويين من قيام الدولة عام 41 هجرية، دخول معاوية الكوفة، إلى سقوط الدولة عام 132 هجرية. دولة عمرها 92 سنة. يطرح شحرور السؤال التالي: إذا كان هذا تعريفكم للقضاء والقدر، بم تفسرون قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}؟ يقول: في الواقع، ليس كل الناس يعبدون الله. حسنًا، هي ليست قضاء. وبالواقع، ليس كل الناس بارين بوالديهم، بآبائهم وأمهاتهم. إذن، هل يكون هذا تناقضًا مع مفهوم القضاء والقدر؟ ليس هذا هو مفهوم التراث. هنا أوامر ونواهٍ قابلة للطاعة والمعصية. أنا قضيت، لكن ما أمرت كل الناس، يعني بمعنى: ما قضيتهم قهرًا. هنا بمعنى حكمت. وكذلك {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. هل كل الناس بارون؟ إذن، معنى الطغيان العقائدي هو تبرير وإرسال.

وللأسف، يرى شحرور أن هذا الفكر لا يزال إلى اليوم، هو التحدي لكل المفكرين والمؤسسات الدينية. فكرة الجبرية، أن الإنسان مجبور على أعماله. ونحن نعرف أن المعتزلة ظهروا لاحقًا، التيار العقلاني التنويري في مسألة أن الإنسان خالق لأفعاله، والكسب والاكتساب. هذا ليس موضوعنا. موضوعنا هو هناك طغيان عقائدي تسرب عبر التراث بمجموعة من المفاهيم والمقولات. ثم يرى شحرور أن التصوف لاحقًا (الديني والطرقات والدراويش والعلم اللدني). وهو في الكتاب يضرب مثالًا هائلًا للقدرية: قصة موسى والعبد الصالح. يرى فيها رؤية أخرى ليست بها قدرية. هذا الفهم التصوفي، الذي نسميه نحن الموجود بالعراق على شكل تكيات، الدراويش وما ورثناه من تراث أحمد بن حنبل وغيره، وتراث مدرسة الغزالي والمدرسة المستنصرية، و”إلجام العوام عن علم الكلام”، إضافة إلى السلطة السياسية في القرن العشرين، يقول: بعد مرحلة الاستقلال والخلاص من الدول الأوروبية المستعمرة، السلطة السياسية دخلت إلى الحقل، وصار هناك تحالف غير مقدس مع السلطة الدينية في تبرير أفعالها وإجرامها بأن الأمر مقدر، وأن الحاكم ليس بيديه شيء. فيما كان الجانب الآخر، والجزء الآخر من أوروبا، يذهب إلى تأسيس دولة الديمقراطية، دولة المؤسسات، دولة الحقوق، دولة حفظ كرامة الإنسان.

لا يمكن للبشرية أو للناس الموجودة في هذا الجزء الكئيب من الكرة الأرضية، في الشرق، أن تنتقل من موضوع القرى إلى المدينة إلا بتأسيس عقد اجتماعي، وديمقراطية، وحريات حقيقية، ونزع يد الحاكم، ومراجعة كل التراث الإسلامي.

 

أنواع الطغيان

وبالمناسبة، حتى للزيادة، هنا الطغيان هو تجاوز الحد. هنا يفسر الطغيان بستة أنواع، وبكل عنوان بشرح مفصل: الطغيان العقائدي، الطغيان الاجتماعي، الطغيان الفكري. أنك تناقش بالفكر، ولا تقبل أن يناقشك أحد. أنت مقدس. نحن نتحدث عن علوم إنسانية، علوم نسبية تقبل الرأي والرأي الآخر. أنا عندي مثل فرنسي دائمًا أقرأه ويعجبني بالفكر يقول: “لا يدوم إلا المؤقت”. لا يوجد شيء في الفكر إذا توقف توقف العلم. يعني لا يوجد شخص يوقف فكرة ويتوقف. حتى لو لم يكتبها شحرور، سيكتبها غيره. سيأتي شخص ويرد، وتصبح الأطروحة أكثر غنى.

الطغيان العقائدي، الاجتماعي، الفكري، العلمي. أن يتحول الطغيان العلمي إلى سلطة. كل قارئ بالفلسفة يعرف أن الفلسفة اليونانية أصبحت طغيانًا علميًا. كانت هناك محرمات: أن تراجع أرسطو وسقراط وغيرهما، إلى أن جاء فرانسيس بيكون وهدم هذا البناء. الطغيان السياسي وهو العامل الأبرز. والطغيان الاقتصادي. طبعًا، هذا الطغيان الاقتصادي في صفحة 190 يتناول به مسألة حصد الثروات، وموضوع أن الله هو المسعر، وأن المواضيع تخضع لقوانين السوق والعرض والطلب، وأن هذه الأسعار مقدرة عليكم. هنا يتناول شخصية قارون: {وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}. يقول: الظاهرة القارونية، الطغيان الاقتصادي. أنتم ترون في كل بلدة رجال أعمال، وأناسًا متحكمين، وأناسًا تصير لهم الصفقات والمقاولات. هذه ظاهرة قارون، مال قارون. وإن الفرص غير متساوية، وإن هناك عشرة بالمئة من الناس مختطفة للبلد. أنا قبل أيام قرأت إحصائية عن ترتيب ثروات العالم. فالأرقام مخيفة. يعني لا أدري إن كانت الأرقام صحيحة. يقول: إن العالم فيه 450 تريليون دولار. هذه يمتلكها 2% من سكان هذا الكوكب، و98% يعيشون على جزء بسيط. هذا هو تكرار لهذه الحالة: الطغيان الاقتصادي. ونحن نعرف أن الملف الاقتصادي هو أعقد ملف. هذا كان علامة بارزة من علامات هلاك القرى: الطغيان، وتقسيمه إلى ستة أنواع.

الجميل في هذا التقسيم أننا في الكتب التي نقرأها، مثل كتاب “طبائع الاستبداد” للراحل الكواكبي، يتم التركيز على الطغيان السياسي فقط. الطغيان الفكري: عبادة الأسلاف. الطغيان الاقتصادي: التحكم بالرأي العام. كل هذا تناوله بالتفصيل وقسّمه إلى ستة أقسام.

وهو يرى أن الديمقراطية الحقيقية لا يوجد فيها هذا الطغيان: تداول سلمي للسلطة، حركة المال المسموحة لكل شخص. انظر إلى الولايات المتحدة. دعنا نأخذ موضوع الطغيان السياسي مثلًا. في زحمة الأحداث، تصور أن هناك عائلة متحكمة ببلد (سوريا). عائلة واحدة، 53 سنة. وأنا أعتقد ينطبق عليها مفهوم القرية مليار بالمئة، وليس مئة بالمئة. وانظر إلى أمريكا: من السبعينات (من تولي الأسد) إلى اليوم، كم حاكمًا جاء عليها؟ تجد أغلبهم أصولهم ليست أمريكية: باراك أوباما، مادلين أولبرايت. مجتمع حر، لا يمتلك فكرة العنصر، وفكرة العشيرة، وفلان. فهنا الفرق بين سوريا، القرية التي هلكت (الفكر الأحادي)، والولايات المتحدة (فكر المدينة، الفكر المتطور، والذي يمارس عملية نقد ذاتي ومراجعة لأصولها). هذا كان الفصل السابع من الكتاب “الدولة والمجتمع”، الفصل السابع.

سأنتقل إلى الفصل الثامن، وأعتقد أنه مكمل: “نشوء المدن وازدهارها”، الفصل الثامن، هنا يعطيك الرؤية العاكسة بين الفترة السلبية التي هي الطغيان إلى الإيجابية نشوء المدن.

 

نشوء المدن وازدهارها

الفصل الثامن، وأعتبره فصلًا مهمًا، صفحة 199 من كتاب الدكتور محمد شحرور “الدولة والمجتمع: هلاك القرى وازدهار المدن”. “نشوء المدن وازدهارها”. نكمل على مرحلة النشوء، ثم كيف تزدهر هذه المدن. وهو يرى أن قراءاته، طبعًا، خاصة من التنزيل الحكيم، بتعبيره. وهو في هذه القراءات عن نشوء المدن وهلاك القرى كان المصدر والمرجع الرئيس له القرآن الكريم، الذي يتم هجره اليوم. هنا يسأل سؤالًا في بداية الفصل: يقول: أنا أتكلم عن المدن، وعن النشوء، وعن الازدهار. هل توجد مدينة أو دولة عربية أو إسلامية ينطبق عليها مثال نشوء المدن وازدهارها؟ لماذا لم تزدهر هذه المدن الإسلامية؟ لماذا بقيت حبيسة الفقر والاستبداد، والحروب الأهلية المعلنة وغير المعلنة، والانقلابات والصراعات؟ يقول: أنا لا أتحدث عن الفترة الزمنية سنة، سنتين، بل أتحدث عن 1400 عام. انظر إلى المدن الإسلامية، كيف تساقطت: من الدولة الأموية، والعباسية، والعثمانية. وقعت فريسة الاحتلال والصراعات.

يرى محمد شحرور أن سيطرة فكر العشيرة، في رأي محمد شحرور، والقبيلة، وسيطرة الحاكم، ونهاية الدول الريعية، أرجعت العرب قرونًا إلى الوراء. ولم يستطيعوا أن يدخلوا عصر المدينة ما لم يتخلوا عن فكر القبيلة. وهذه نظرية العصبية الخلدونية قائمة على ذلك، وفكر العشيرة، وفكرة الزعيم الأوحد، وأن فلانًا من الطائفة الفلانية نأتي به، وفلانًا ضد الطائفة الفلانية. فكر القرابة: ما لم يتخلَ عنه العرب، ويأتوا بصبغة، كما يسمى بعلم الاجتماع، “كوزموبوليتية” (كونية)، فلن يستطيع العرب الدخول في هذا العصر وإنشاء المدن.

هذه العلاقات، بتعبير محمد شحرور، ترجع بنا إلى الوراء، وترجعنا إلى عصر الصراعات والقتال الطائفي بين العشائر. لأن انتماء الإنسان الحقيقي الآن (العولمة) ليس انتماءً شخصيًا لأن فلانًا اسمه فلان. أصبح الانتماء كونيًا، بناءً على فكرة ما يقدمه للناس. والعالم يستقبلك. انظر إلى الفكر الأحادي. الفكر الأموي، مثلًا. تجربة الفكر الأموي أزاحت عندنا موضوع الموالي. ظهر في علم الكلام. “الموالي” هم غير العرب. وظهر عندنا مصطلح في العصر العباسي “الشعوبية”، لتمييز العرب عن غيرهم. بينما القرآن خطاب كوني إنساني: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. خطاب كوني بعيدًا عن هذه التحيزات الضيقة.

 

ظاهرة التدين

يرى محمد شحرور أن ظاهرة التدين في المجتمع العربي ساهمت بما يسميه هو ظاهرة ممارسة الطقوس والشعائر، بتعميق فكر القرية والأحادية المدمرة. لأن التدين الصحيح، هو، طبعًا، هناك عبارة دائمًا تُنقل عنه بالفضائيات ويُساء فهمها: “المجتمع المتدين هو مجتمع منافق”، لأنه أنت تُجبر هنا على إظهار شعائرك وتدينك، بينما التدين هو ظاهرة فردية، والحساب فردي: {وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}، ولكل إنسان قناعاته ورهاناته، {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ}. فبالتالي، الآن الحساب فردي. يقول: ما ممكن أن يستوي حساب جماعي وعقيدة جماعية، وطوفان من المذهب الفلاني. فبالتالي، فكر العشيرة والقرابة، الذي بدأ -بتعبير شحرور- بالانقلاب على العصر الراشدي.

شحرور يرى أن الانقلاب، حسب رؤيته، بعد عام 41 هجرية، حدث اختلال لمفهوم يسميه “العصر الراشدي”، القائم على الانتقال بالسلطة. انتبه إلى طريقة الانتقال بالسلطة في عهد الخلفاء الأربعة: انتقال بشري إنساني بدون تدخل إلهي. أبو بكر الصديق يعد له مجموعة مقربين. نحن لا نناقش الظاهرة، يعني لم يأتِ شخص قال: “الإله اختار فلانًا”. بعد ذلك، عمر بن الخطاب يأتي بطريقة مختلفة ثانية. عثمان يأتي بطريقة شورى، اجتماع مصغر. وعلي بن أبي طالب يذهب إليه الناس. يقول: هذه هي الطرق التي أسسوا عليها. نحن نتحدث عن تجربة، على عِلاتها، لكنها كانت في دائرة تأسيس اجتماعي إنساني. يختار الناس به زعماءهم وأئمتهم وقادتهم باختيار بشري. رأينا أربع طرق مختلفة. يقول: هذا ضُرب بعد 41 هجرية، بعد معركة صفين، عندما تم الاستناد إلى السيف. وجاء شخص معروف بالتاريخ الإسلامي، معاوية بن أبي سفيان. ننقد الظاهرة لا ننقد الأشخاص، وأنهي هذا الموضوع وصلح الحسن وغيرها. والقارئ للتاريخ الإسلامي يعرف ذلك. وبدأ عصر الاستبداد والتوريث.

هنا اختلت -بتعبير شحرور- القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع الناس. صار الموضوع سيفًا وبيعة. استمر هذا 91 سنة، إلى سنة 132. وكلما دخلت أمة لعنت أختها. جاء العباسيون بأبشع صور، واستمر هذا الموضوع حوالي خمسة قرون. وجاء العثمانيون لليوم بمبدأ التوريث والحاكم.

ونرى في المجتمعات العربية: لا يوجد تداول سلمي للسلطة، لا يوجد عقد اجتماعي، لا يوجد احترام للدساتير. هنا الموضوع يُحل إما بالسيف، أو انقلاب، أو تدخل خارجي. كما يقول شحرور: إما جدال داخلي أو تدخل خارجي.

يرى شحرور أن الاستعصاء السياسي يجب أن يكون له حل، وإلا، المسلمون سيبقون في غيبوبة أبدية، وسيبقون في عالم القرى ما لم يحلوا هذه المشكلة السياسية القائمة على تداول السلطة وقبول الآخر. وأيضًا قبول الآخر في المجتمع هذا يؤدي إلى تداول سلمي للسلطة.

 

التفريق بين الشهوة والغريزة

ما زلنا في الفصل الثامن. وهنا نقطة أنا أسميها “حقل الألغام”. يدخل الراحل محمد شحرور في كتابه “الدولة والمجتمع: هلاك القرى وازدهار المدن”، التفريق الدقيق بين الشهوة والغريزة. بدأ الإنسان مندفعًا في مسألة الغريزة كالحيوانات، لكن هو بمرور الوقت وتطور مؤسسة الزواج، وتفريق الإنسان بين الأب والأم، انتبه محمد شحرور إلى تعريف دقيق بين الشهوة والغريزة. وإن الإنسان استطاع تطوير مفهوم الشهوة والغريزة، حتى أصبحت شهوة واعية أو غريزة واعية. يذهب محمد شحرور إلى أن الغرائز الأساسية ذكرت في القرآن الكريم: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى}، {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى}. إن الغرائز الأساسية تتعلق بالأكل والشرب وغريزة البقاء والتملك. وبالتالي، الإنسان يسعى إليها منذ القدم. الفرق أن الإنسان طوّر هذه الغرائز لصالحه، فأسس مجتمعات ودولًا، بينما الحيوانات بقيت أسيرة غريزتها. لذلك، مجتمع النحل والنمل الآن، هو الآن ومن قبل مليون عام، لا يتطور، ثابت. وإن هذه تشكل قطعانًا، بمعنى أن إدراكها محدود. الإنسان تجاوز هذا الموضوع، واستطاع أن يوظف غريزته وشهوته في جميع مجالات الحياة، واخترع الأفكار والقوانين.

لأن موضوع الموت -وهذا الموضوع مطروح من ملحمة جلجامش- يقال إن كل الاختراعات البشرية التي قام بها الإنسان هي ضد فكرة الفناء. لأن الإنسان يبحث عن الخلود ويعيش الخلود، فأنتج كل هذا التطور البشري، وسيبقى ينتج. لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي فكرة الموت ويعرف أنه سيموت. الحيوان ليس لديه هذه الفكرة.

من هنا، بتعبير محمد شحرور، هذه الشهوات والغرائز أعطت الإنسان حافزًا أن يطور، وأن يعوض نقصه، وأن يبحث عن حياة أكمل، لأنه يعرف أن الخلود وهم، ولا يوجد خلود. بالتالي، هذه واحدة من أهم الأفكار. وطبعًا طرحت موضوع تطور مؤسسة الزواج من آدم إلى نوح إلى اليوم، وكيف الإنسان استطاع التفريق بين أبيه وأمه. وهذه المسألة تُطرح. يعني قبل أيام، للأسف، أنا صُدمت عندما وجدت أحد الدعاة السلفيين على القنوات الفضائية -لا حاجة لذكر اسمه- يقول: “لولا الإسلام لأنكح أمي”. هذا موضوع ضد الاجتماع الإنساني، وضد الفطرة البشرية: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}. هل يقوم الإنسان غير المسلم بهذه الأفعال؟

هذه الفكرة، يرى شحرور، ليست من بنات فكرة الإسلام. بدأت من عصر نوح، عندما استطاع الإنسان التمييز وعرف أمه وأباه. وبالتالي، هو أصبح كالبهائم، لا يتقرب لنكاح أمه. هو ينقل دراسة ويضع لها مصدرًا (هامشًا). هل البهائم لديها مسألة نكاح الأم؟ هو يأتي بالدراسة، ويقول: أثبتت الدراسة أن هذا الموضوع لا يوجد. وأن هذا الاجتماع الإنساني توصل إليه في عصر الأمومة، ثم في عصر الأبوة، وانتقالًا إلى عصر المدن.

 

غريزة البقاء والصراعات

هنا في الكتاب، وفي صفحة 215، طبعًا الكتاب به ميزة، بعيدًا عن الكلام النظري. به جداول ومثلثات لتقريب الصورة. هو يستخدم الذاكرة البصرية وقراءة الأحرف. مثلًا، هنا يضع جدولًا مثلثًا يسميه “غريزة البقاء، وعي الموت”. وهذا الموضوع تحدث عنه فلاسفة، آخرهم أرنست بيكر في كتابه “إنكار الموت”. والتشريعات: الأحوال الشخصية والعامة والعقوبات. يرى محمد شحرور -بالنص- أن تطور صناعة الأسلحة عبر التاريخ دفعت الإنسان إلى غريزة البقاء دفاعًا عن نفسه.

هذا يذكرني تأييدًا لكلام شحرور. وما نشاهد الآن من صراعات، بتعبير الفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه. أنه دائمًا نقرأ في الكتب هذا الكلام من القرن التاسع عشر: وزارة الدفاع. يقول نيتشه: لماذا لا تطلع وزارة تقول “وزارة الهجوم”؟ لأن كل إنسان يضمر نية سيئة للآخر، فيظن أن الآخر يهجم عليه، فبالتالي يحصن نفسه. يرى محمد شحرور أن واحدة من أسباب تطور الإنسان هي فكرة التحصين: أن يحصن الإنسان نفسه بالأسلحة ويتهيّب، لأنه يظن أن فلانًا سيقتله. هذه الفكرة لم تأتِ بعامل سلبي تدميري، أو كما يسمى في علم الاجتماع أن “القوة ألغت القوة”. بمعنى: الآن كل أقطاب العالم المتقدمة لديهم أسلحة تكفي لفناء البشرية، لكن لا يستخدمونها.

بتعبير محمد شحرور، غريزة البقاء دفعت الإنسان إلى أن يحصن نفسه. وهذا التحصين يأتي من أنه لا يتقدم على ضرب غيره، لأن هذا يؤدي إلى فنائه.

فواحدة من الموضوعات الخاصة بهلاك القرى هي فكرة الصراعات وفكرة الاقتتال الداخلي بين أفراد هذا المجتمع. كما يحدث بالاقتتال الداخلي داخل الجسم. فنعرف أن مناعة الإنسان تنهار عندما يصبح القتال داخليًا. لأن هذه الدول الأحادية لا نجد فيها برلمانات ولا رأي عام. فتجد بها صراعات وانقلابات ومشاكل داخلية وحروبًا. نحن في العراق، على المستوى الشخصي، عانينا من هذا المستوى، بحيث البلد: من عام 1980 إلى 2003 دخل ثلاثة حروب كبرى، وأدى الموضوع إلى انهيار المجتمع مع انهيار المؤسسات بالكامل. ودخل الأمريكان بدون قتال في 21 يومًا. وما حدث في سوريا: انهيار مؤسسة دولة تحكم 50 عامًا، انهارت في 12 يومًا بالضبط. هذه الانهيارات السريعة تعطيك مصداق الفكر الأحادي القائم على الهلاك.

محمد شحرور يقول عبارة جدًا مهمة يقول: “الفكر الأحادي والدولة الأحادية تحمل بذور فنائها في داخلها، بينما فكر المدينة المتطورة يحمل بذور بقائها في داخلها”. هناك فارق بين أن تحمل بذور فنائك (وأنت تقتل نفسك من الداخل)، وأنت تحمل بذور تطورك وبقائك. فالموضوع ليس قدريًا. الموضوع متروك للناس وطريقة اعتناقهم للأفكار، وطريقة تصرفهم مع الآخر. وكل هذا يمضي فيه.

 

الفرق بين الموت والهلاك

ولكن هناك مسألة. محمد شحرور يسأل سؤالًا في الكتاب جدًا مهم في هذا الفصل “الدولة والمجتمع: هلاك القرى وازدهار المدن”. يقول: لماذا لم أقل “موت القرى”؟ هل هناك فرق بين الموت والهلاك؟ يقول: فرق هائل. لماذا لم يقل “موت”؟ الموت قانون إنساني يشمل الجميع، يعني ليس به شيء معيب. أنت تعيش ثم تموت، ثم وفق الرؤية الإسلامية تذهب إلى العالم الآخر. الموت -بتعبير شحرور- يخضع لقانون التناقض الإنساني، ولا يوجد عيب يقولون: “فلان مات”. الهلاك شيء كارثي، قد يكون معنويًا، يطال المجتمعات لأنها خالفت ضرورة من ضرورات الاجتماع الإنساني. فالموت قانون عام يشمل الجميع، لكن الهلاك عقوبة. هناك فرق بين الهلاك والموت. الموت يشمل الناس الذين تخلوا عن شروط الاجتماع الإنساني، والذين ذهبوا إلى الفكر الأحادي التدميري الذي يدمر الإنسان من الداخل.

لذلك، محمد شحرور يفرق بين الموت والهلاك: الموت قانون طبيعي، أما الهلاك قانون إنساني يطال الإنسان عندما يخالف سنن الاجتماع الكوني: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}.

 

أهمية الحرية والديمقراطية

عودة إلى كتاب الدكتور الراحل محمد شحرور “الدولة والمجتمع: فناء القرى وازدهار المدن”، الفصل الأخير. ودائمًا زبدة الكتب تكون في الفصل الأخير، يعني تجميع الأفكار كلها: الحرية والديمقراطية، بين قوسين “الشورى”.

هو هنا ينقد ما أسميه أنا أسطورة أو وهمًا سائدًا. قد يقول لي قائل: المؤلف محمد شحرور، يا أخي، لماذا أنت مهتم بالديمقراطية؟ هل الديمقراطية تعطي لنا خبزًا؟ هل الديمقراطية تجعل الفقير غنيًا أو الغني فقيرًا؟ هي موضوع تداول سلمي للسلطة. هو يقول: الموضوع أعقد من ذلك. نتحدث عن مرجعيات علمية معرفية، منهج عام للمجتمعات تسير عليه، تعرف ماذا تريد.

أنا أذكر قبل سنوات قرأت دراسة عن أعظم الاختراعات التي مرت بها البشرية، مثل النقود، مثل المراحيض، مثل… فكان ضمن الاختراعات “الديمقراطية”. فسخروا من المؤلف. كان المؤلف هنديًا إماراتيًا أصلًا، تعزيزًا لكلام محمد شحرور، الكتاب اسمه “التنمية حرية”. يقول: توجد طوابير في الهند: طوابير خبز، طوابير كذا، طوابير كذا، لكن أهم طابور هو طابور الانتخابات. أن تقف أمام صندوق الاقتراع، لأنك إذا عالجت هذا الطابور، كل الطوابير الباقية ستُلغى. تقريبًا هي فكرة محمد شحرور: لن تستطيع المجتمعات النجاة من الأحادية، فكر الاستبداد، وسيطرة مجموعة من الناس على مقدرات البلد سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا، إلا إذا اتجهت -يعني أخذت- منهج الشورى. يقول: هذا المنهج ليس بدعًا عن العرب: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}. {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}. يقول: تأتي الشورى في أعقد الأمور: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}.

سؤال: هو نبي مؤيد بالوحي، كيف يشاور؟ يقول: هذه الآية جاءت في سياق سياسي، أن الرسول يجب ألا يستبد برأيه. ونعرف نحن أن الرسول في بعض الأمور كان هناك عتاب قرآني، في مسألة أسرى بدر وغيرها. ونعرف في التراث الإسلامي موضوع “الموافقات العمرية” للقرآن، وغيرها. وكان هناك جدال هائل بين الصحابة، حتى في موضوع صلح الحديبية، عندما طرح الرسول. كان هناك رفض إلى أن رأوا ما هي الرؤية الأفضل.

الديمقراطية هي حبل النجاة: أن تعرف المجتمعات ماذا تريد. وهذه الديمقراطية ليست فقط في المجال السياسي، في صناديق الاقتراع. يعني معروف أن هناك كلمة لأحد المنظرين بالديمقراطية لطيفة، يقول: “الديمقراطية لا تتوقف على صناديق الاقتراع، بل صناديق الجمجمة”، الوعي. المجتمع الديمقراطي يتطور، يحل مشاكله بنفسه. تعالَ إلى مجتمع ديمقراطي. خذ الفرق بين كوريا الشمالية والجنوبية.

قبل فترة، أنا فتحت وسائل التواصل: انقلاب في كوريا الجنوبية. والانقلاب سحل في الشوارع وقتل الخصوم. تم معالجة الأمر بواسطة البرلمان. تم سحب الجيش إلى الثكنات ومعالجة الأمر. شاهد الأمر في كوريا الشمالية. الفرق بين السماء والأرض. فالديمقراطية، بتعبير شحرور، تتسرب إلى ثقافة الناس. أنت تجلس على طاولة، تحاور وتناقش. شيخ الجامع: كيف يتعامل مع الموجودين؟ الأستاذ بالجامعة؟ الأم والأب في الأسرة؟ فالديمقراطية تصبح ممارسة وسلوكًا ينتهجه أفرادها. والناس، في التراث الإسلامي كما وردنا: “الناس على دين ملوكهم”. أنت لا تترجى من مجتمع مستبد مغلق، من قرية أحادية مدة أربعين عامًا. ماذا تنتج؟ تنتج المشاكل الاقتصادية، والفقر، والجهل، والأوبئة، والصراعات والنقاشات.

وبالمناسبة، هذا لم يقتصر عليه. يعني انظر إلى معدلات التعليم والوعي والدخل بين أفغانستان أو الصومال، أو بين اليابان وسويسرا. نحن لا نتكلم عن دول منزلة من السماء. الديمقراطية هي كانت السبب، والحرية، وقبول الآخر، وأن الجميع تحت مظلة القانون. هي هذه فكرة المدنية بالأساس. وهي، بتعبير شحرور، أراد الرسول أن يرسيها في فكرة المدينة (يثرب سابقًا). لكن، بتعبير شحرور، هذا انقطاع هائل صار، وعاش المسلمون استبدادًا طويلًا يطالهم إلى اليوم.

خوف محمد شحرور في كتابه يقول: خوفي ألا يقتنع الناس بهذه الأفكار ويعتبرونها ترفًا، وأن يبقوا أسرى الاستبداد والوهم الديني، كما ذكر في فكرة الجبرية الأموية: أننا مقهورون، أن الفرد هو عبارة عن ريشة في مهب الريح، ليس لديه أي قرار. يقول: أصعب مهمة، خاضها الأنبياء. تغيير العقل الجمعي العربي، تغيير أفكار الناس. هذه أصعب مهمة. أنت بإمكانك أن تذهب إلى أي شخص، تغير ملابسه، تغير بيته. لكن الحداثة الحقيقية بالفكر، رؤيتك للأمور، ما هي مرجعيتك؟ الشورى لها أصل قرآني، والمسلمون كانت موجودة عندهم في بدء الرسالة الإسلامية. ولكن، للأسف، حدث انقطاع.

ما يريده هذا التأسيس لمفاهيم قرآنية قائمة على الشورى. حتى انظر إلى القرآن. هو يستشهد (شحرور) بها أكثر من مرة. هنا يطرح سؤالًا مهمًا، يقول: ما حقيقة الخلاف بين محمد النبي، عليه الصلاة والسلام، وقريش؟ يقول: الوارد في الذهن أنه موضوع التوحيد. يقول: لا. محمد كان خلافه الرئيس مع قريش هو أن يخلوا بينه وبين الناس، أن ينقل رسالته للناس والناس تختار. قريش كانت تمنع ذلك. ولذلك {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. الآية القرآنية الأخرى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4)}. ما يجادلون فيه هو صراع للآخر. تلك كانت المهمة الرئيسية: أن يوصل محمد رسالته.

ولذك في التراث الإسلامي، حتى أنا قرأت كتب السيرة النبوية، النبي عندما كان يصلي ويجهر بالصلاة، كانت تُلقى عليه الأوساخ والفضلات، حتى كلامه لا يصل للآخرين. ونحن نعرف الدعوة فيها جانب علني وجانب سري. أراد محمد ليس إجبار الناس على الإيمان، {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)} {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ}، في سورة الشعراء: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}. الله لا يريد أعناقًا، يريد قلوبًا. وهذا يستوجب أن يستمع له الناس والناس تقرر في ذلك. وأعتقد أن هذه هي المهمة الآن، الفكر الحديث القائم عليها. أن الناس تستمع: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ولا تُجبر على شيء. كل هذه الأفكار الجميلة جاءت في التنزيل الحكيم قبل 1400 عام.

وأنا أعتقد من حسن حظ جيلي وأصدقائي أن محمد شحرور فتح سؤال القرآن بعد 1400 عام. وأعاد إنتاج هذه الأسئلة، ونحن يجب علينا أن نقف على أكتاف الراحل محمد شحرور لنرى أبعد مما نرى، ونضيف إلى هذا الفكر الإنساني.

كتاب مهم جدًا، لا بد أن يقرأه القارئ. هناك مفكر أحبه، فؤاد زكريا. مفكر مصري. عنده حوار في مجلة العربي مع إمام عبد الفتاح، أستاذ فلسفة مهم. فقال له: أستاذ ما الفرق بين الكتاب والمقالة؟ شاهد الإجابة من أستاذ فلسفة: قال: “المقالة طلقات سريعة، والكتاب مدفعية ثقيلة، صناعة ثقيلة”. الكتاب الآن مدفعية، صناعة ثقيلة، به أفكار هائلة. أنا أعطيت فقط رؤوس الأقلام، وفتحت تساؤلات لا غنى عنها في قراءة الكتاب. لأن الكتاب يتحدث عن موضوع مهم غاب عن فكر المسلمين، وهو التأصيل واستخراج المفاهيم من أفكارهم. كما قلت في البداية: أزمتنا أزمة أفكار ومفاهيم. أنا صرت أقرأ لعلم الاجتماع الغربي. مثلًا، موضوع الدولة. لو الطالب الآن وُجه له أن يكتب عن موضوع الدولة والدساتير، سيذهب إلى جان جاك روسو، وجون لوك، وتوماس هوبز. لكن هل سيخطر ببال هذا الطالب أن يذهب إلى القرآن ويستقرئ رأي القرآن في الاجتماع الإنساني؟ وكيف تكلم عن فكرة الدولة، وعن الصراعات، وعن موضوع القرية والمدينة. رحم الله محمد شحرور على ما قدمه في هذا الكتاب.

 

رسالة الكتاب

“الدولة والمجتمع: هلاك القرى وازدهار المدن” للدكتور الراحل محمد شحرور. ما هي الرسالة التي أراد إيصالها لنا نحن كناس معاصرين؟ الرسالة الأولى: لو لم يُنقل عن النبي، عليه الصلاة والسلام، إلا هذا القانون: قانون التطور وقانون الهلاك، لكفاه أن يكون نبيًا. أعظم شيء وصل عن النبي هذا. ثانيًا: لم يصلنا عبر التاريخ، للأسف، إلا مؤسسة الاستبداد، ومؤسسة القتل، ومؤسسة القمع. نريد أن نرجع إلى الإسلام بهاءه ونقاءه بمؤسسة التعددية. ومحمد شحرور يؤكد على العصر الراشدي: العصر القائم على الرأي والرأي الآخر، على الخلافات، على الحوارات التي فُتحت بدون استخدام السيف والقوة. وأن نتخلص من إرث الاستبداد الذي نعاني منه إلى اليوم. وأن المسلمين مفتاح نجاتهم وهلاكهم بيدهم. الموضوع ليس قدريًا. يستقرئ التاريخ الإنساني. وكما قال في مقدمة الكتاب: {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}. هذا قانون، كالجاذبية الأرضية، سيصيبكم سواء آمنتم به أم لم تؤمنوا، عرفتم به أم لم تعرفوا، أنكرتموه أم قرأتموه. القانون سيطال الجميع. لن يعرف الإنسان النجاة في هذا العصر إلا بعد قراءة قوانين الاجتماع الإنساني والقوانين الإلهية، ومعرفة أن هذا الكون لا يسير بصيغة قدرية. هو يبدي حزنه وحسرته في الكتاب على تسرب مفاهيم التراث الإسلامي إلى اليوم، وهو يسميه التراث الأموي والعباسي والعثماني، الذي يعيق المسلم عن التفكير، والذي يعفيه من التفكير، وأن الأمور مقدرة سلفًا. لا يوجد تقدير سلفي أو قديم أو تقدير أن كل شيء مكتوب، كما تُنقل على أذهان العامة. الإنسان مصيره بيده وقدره بيده، وهو يستطيع أن يعيد للقرآن نقاءه وبهاءه. ويخوض حوارًا مع القرآن. القرآن بمفاهيمه يخضع للحوار، ولا توجد محرمات في النقاش. {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. هذا الشيطان {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ}.كل شيء قابل للحوار وللأخذ والرد.

في النهاية، أفضل تكريم للراحل محمد شحرور هو أن نقرأ الكتاب ونفتح نقاشًا عنه. وبالمناسبة، كل كتب شحرور مهمة: “الكتاب والقرآن”، “الدين والحاكمية”، “موضوع فقه المرأة”. لكن هذه وصيته الأخيرة. هو يذكر: لا بد لي أن أذكر السطور الأخيرة لأنها مهمة جدًا. آخر صفحة من الكتاب يقول بالنص: “يؤكد التاريخ أن أصعب مهمة في الحياة تتمثل في تغيير العقل الجمعي في المجتمعات. وقد أداها في عصر الرسالات الرسل والأنبياء على أكمل وجه. أما في هذا العصر، عصرنا، فهي على عاتق الفلاسفة والعلماء والمفكرين، لمساعدة العقل العربي لنقله نقلة نوعية من الفكر الأحادي إلى التعددي على كل المستويات. هو أملنا في الله كبير، وأنه لا خيار أمامنا إلا ذلك، وإلا فسيكون مصيرنا الهلاك والدمار”.

 

ناقشَ الدكتور يوسف أبو عواد، أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مفاهيم”، نشوء الخلق أو نظرية نشوء الخلق في القرآن، وكيف بدأ ظهور الكائنات على الأرض؟ ومفهوم الإنبات في القرآن الكريم، وكيف أسهمت العودة إلى الفطرة الأولى في نشوء مظاهر التحضر الإيجابي؟.. وغيرها.

بداية ظهور الخلائق

قال الدكتور يوسف أبو عواد، أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين: “في الحلقتَين الماضيتَين تحدَّثنا عن خلق السماوات والأرض وما يُسمى بالمصطلح الحديث اليوم (خلق الكون)، وبعد ذلك طبعاً السياقات القرآنية تدل على أن ظهور الخلائق بدأ بعد هذه المراحل اللي هيَّ مرحلة الستة أيام. هناك آيات في القرآن الكريم تشير إلى تدرج ظهور الكائنات على الأرض، يعني أنها لم تظهر دفعةً واحدةً، وإنما ظهرت بطريقة متدرجة، مثلاً قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ).. طبعاً ربط الماء بنشوء المخلوقات النامية يعني التي تُسمى اليوم الأحياء، الكائنات الحية، هو أولاً ربط قاطع بمعنى حتى العلم اليوم يقول لك إنه لو كانت هناك خلية واحدة حية؛ سواء أكانت هذه الخلية نباتية أم حيوانية، لا بد أن تكون النسبة الأكبر من هذه الخلية هي ماء، معناها 70% تقريباً من نسبة الخلية ماء، هذا جزم كبير طبعاً”.

وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ

وأضاف د.يوسف أبو عواد: “يعني لاحظ الجملة فيها جزم (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)؛ يعني لو أنه عثر على أي شيء حي ينمو بالطريقة الحيوية المعروفة ولا يعتمد على الماء، سيكون هذا مخالفاً للآية، ولكن ذلك لم يحصل أن عُثر على كائنات لا تشرب الماء، لا تشرب الماء في حياتها قطعاً؛ ولكن طبعاً للوهلة الأولى الناس اعترضوا، قالوا والله وجدنا كائنات لا تعتمد على الماء، لكن بما أنه الخلية أصلاً 70% منها وجميع التفاعلات الحيوية في الخلية، فلذلك هذه الجملة صادقة جداً، في جميع الكائنات الحية الموجودة على سطح الأرض، إنما الآية ما يلحظ فيها أنه قال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، يعني بالماء، الآن الضمير سيعود على الماء، (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ)، لا يوجد شيء يعود عليه الضمير إلا الماء، (فَأَخْرَجْنَا بِهِ) يعني بسببه (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ)..”.

الإشكال في “نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ”

وتابع أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين: “هذه عبارة (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) فيها إشكال قد يُفهم أن معناها جميع أنواع النبات، هذا الفهم المباشر الذي فهمه معظم المفسرين القدماء؛ لكن لو كان هذا المقصود لقال فأخرجنا به كل نبات، والدليل أنه بعدها مباشرةً قال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)؛ لا يمكن أن يكون (منه) هنا عائدة على الماء، ليه؟ ليس لأنه الأبعد فقط عن الضمير، ولكن لأنه استخدم نوعَين من حروف الجر، يعنى قال، حتى نبسط الموضوع، (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، بسببه يعني، نباتَ كل شيء، فالماء سبب مهم جداً وشرط أصيل في تكون كل ما ينبت وكل ما ينمو وكل ما يوصف بأنه حيوي، ثم قال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)، يعني منه الآن ستعود على نبات كل شيء، الذي ذكر في الآية وليس على الماء”.

مفهوم الإنبات في القرآن الكريم

وقال د.يوسف أبو عواد، رداً على “يعني لفظة نبات هي أشمل من أن تكون مقصورةً فقط على النبات الأخضر اللي احنا بنزرعه”: “وكيف لا تشمل، ونوح، عليه السلام، حين خاطبَ قومه، قال (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ يعني النص قطع هنا أن لفظة إنبات في القرآن الكريم لا يقصد فيها فقط ما يُعرف اليوم بأنه نباتات، ويقصد به صفة الحيوية التي توصف اليوم بأنها الإحياء أو علم الأحياء أو علم الكائنات الحية.. كل هذا يدخل ضمن مفهوم الإنبات في القرآن الكريم، فالماء ولد ما يمكن أن نسميه الكائن الأول أو الخلية الأولى التي وجدت على سطح الأرض، فكان منها بعد ذلك نبات كل شيء؛ لأنه قال (فأخرجنا منه)، يعني من هذا النبات بتسلسل طبعاً، ومراحل متتالية، كما تثبت الآن أو يثبت علم الأحافير وعلم طبقات الأرض أن ظهور الكائنات كان متدرجاً.. طبعاً المشكلة يعني ممكن الناس تقول نظرية التطور.. وإلى آخره. هو أولاً لا يوجد مانع أن يكون أو أن تكون طريقة الله في الخلق قائمةً على التطوير”.

كل تطور في الكائنات يحدث بطريقة مقصودة

وأضاف أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “هذا الفرق؛ نحن لا نقول تطور بمعنى أنه يحصل بطريقة تلقائية أو صدفية أو عشوائية، هذا لا يكون؛ لأن العملية منتظمة وتجري وَفق قوانين وسُنن واضحة جداً، وكل تطور يحدث في الكائنات، يحدث بطريقة مقصودة؛ لذلك نسميه تطويراً.. وَفق القدر الكبير الذي ذكرناه في عدة حلقات، يعني أن كل شيء خلقناه بقدر ووَفق الكتاب الأول يعني، فهذا لا يوجد مانع أن تكون هذه الآلية يعني الفرق؛ مثلاً التطوريون الذين ينحون إلى الإلحاد، هم يقولون إن الانتخاب الطبيعي هو الذي يؤدي إلى تطور كائن عن كائن، عن طريق الطفرات العشوائية التي يعني كثير منها مضر وبعضها منافع، والطبيعة بحكم ظروفها تنتقي النافع والضار، يموت فيفنى.. وهكذا؛ لكن أصلاً عمر الكائنات الحية على الأرض وعمر الأرض وعمر الكون لا يستوعب وَفق قانون الاحتمالات أن يتشكل حمض أميني واحد، وليس كائنات، ملايين الكائنات الحية، فكيف يمكن لهذا الوقت القصير نسبياً أن يكون وَفق الانتخاب الطبيعي كما يقولون، سبباً في نشوء كل هذه الأنواع من الكائنات؟ إذن هي عملية تطوير مقصودة، وكلمة تطوير ليست ابتداعاً ولا هي سعي لأن نوافق ما تذكره النظريات الحديثة، لأ، إنما القرآن الكريم قال والله (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا).. أينعم الأطوار معناها مراحل؛ سواء أكانت هذه المراحل في وجود الكائن نفسه أو في وجود الكائنات، والتراكمية هذه أشارت إليها أيضاً في سورة فاطر، فقالت (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)، ما دام يزيد في الخلق ما يشاء”.

فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا.. سر الخضرة الموجودة في الأشجار

وتابع د.يوسف أبو عواد: “إذن ما الإشكال إذا كان الله، سبحانه وتعالى، أخبر أنه يأتي إلى خلق موجود، فيزيد فيه بالنسبة لخلق سابق عليه، يعني هذا ليس فيه أي إشكال، وهذا أصلاً يجري وَفق سُنة كما قُلنا هو لا يعني أنه فيه التدخل المباشر، لأ هو يجري وَفق سنة وقدر وضع أول الأمر واكتنزته اللحظة الأولى التي تولَّد فيها الكون، فقال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)، هذا الخضر هو الذي نعرفه اليوم بأنه النباتات، يعني القرآن فرق بين كلمة نبات؛ نبات كل ما ينمو، يدخل في هذا جميع أنواع الكائنات الحية؛ البكتريا والفيروسات والنباتات والحيوانات، الفقريات واللا فقريات، إلى الثدييات العليا، فقال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ)؛ أي بسبب هذا النبات منه من بعضه، يعني تولَّدَ منه، لاحظ منه هنا تفيد التبعيض مع السببية، هذا الفرق بين (من) و(به) في الأول، قال (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ)؛ يعني بسببه، لكن في الثانية قال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ)، يعني من هذا النبات، نبات كل شيء، الذي يمكن أن نصطلح فنسميه الخلية الأولى التي وجدت على سطح الأرض التي نقلت الميت إلى الحي، هذا هو إخراج الميت أو إخراج الحي من الميت، فتولد منها هذه خضر؛ الخضر هذا ما يمكن أن نسميه النباتات بجميع أنواعها أو ما يُسمى اليوم، لاحظ المشكلة صارت تداخل مصطلحات؛ يعني الصحيح أن تسمى خضرات يعني النباتات، إذا أردت أن تسميها تسمية قرآنية صرفة ودقيقة ستُسميها خضرات؛ لكن هذا يشمل أيضاً الفواكه، أنه أصلاً الأشجار كلها، النباتات، ما هي معتمدة على مادة الكلوروفيل، هذه هي المادة سر الخضرة الموجودة في الأشجار، حتى لو لم توجد في الثمرة فهي موجودة في الأشجار، والأشجار يعني لا تتحقق حياتها إلا بها، فهذا هو سر الخضرة الموجودة في الأشجار”.

وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا.. تَتَبُّع الكلمة

وقال أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين، رداً على “إذن الخلل صار في إنه قصر معنى اللفظ إنبات؛ بس قصره فقط على النباتات التي يعني نزرعها إحنا أو يزرعها الإنسان بشكل عام”: “بالضبط هذا يعني عملت تداخلاً لسانياً جعل الناس يسقطون المعنى الذي أنشأ بعد ذلك على مفهوم القرآن أو الكلمة التي ذكرها القرآن؛ لكن إذا تتبعنا الكلمة كما فعلنا (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ إذن الإنبات هو كل ما ينمو، الخضر، هو كل ما نسميه اليوم نباتات، يدخل فيه الخضراوات والفواكه والحبوب.. وغيرها، ولاحظ النص كيف قسَّمَه فقال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)؛ نخرج منه يعني من هذا الخضر حباً متراكباً، هذه الحبوب الآن (وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ)؛ يعني الأشجار العالية والمثمرة التي يعني يكون ساقها أقوى وأعظم، وجنات من أعناب، يعني أتكلم عن الكروم، الأشجار، تفصيل بدأ من الحبوب والنباتات الزاحفة أو الأرضية إلى أن وصل إلى أرقى أنواع النباتات (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ). طبعاً الآن، هذه أمثلة طبعاً للنباتات الموجودة على سطح الأرض، هي تعطيك نماذج يعني للأشجار الحبوبية، الأشجار الأرضية الزاحفة على الأرض أو النباتات أو للأشجار العالية، هذا هو، ومشتبهاً وغير متشابه، ثم قال (انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ)؛ والينع هو صفة للخضرة، وهذا التركيز على فكرة الينع فيه إشارة إلى أنه سر حياة النباتات قائمة على هذه الخضرة الموجودة فيها كما ذكرنا، وهي متعلقة بعملية البناء الضوئي والكلوروفيل، (إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)”.

إشكال إسقاط روايات الأسفار اليهودية على الآيات

وأضاف د.يوسف أبو عواد: “الآن لا نستغرب بعد ذلك؛ لاحظ الفهم الذي سنفهمه بناء على التدبر الآن، يعني نحن فعلنا آلية اللسان ففهمنا ما معنى الإنبات، وفهمنا ما معنى الخضر. عندنا آية تقول (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، الآن لو ذهبت يعني تفتح كتب التفسير وكذا، ستقع في إشكال اللي هم يسقطون الروايات، روايات الأسفار اليهودية على الآيات، طبعاً روايات الأسفار اليهودية تقول إنه وروح الله ترف على وجه الماء.. إلى آخر، هذا في بداية الخلق، فقال لك هذا هو معنى أنه كان العرش أول الأمر، الآية أصلاً ما قالت إنه شوف لاحظ دقة النص القرآني، قال (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، طب الرواية أنت تستدل بها الإسرائيلية، أن العرش كان على الماء قبل أصلاً فصل الجلد الذي يسمونه جلداً في تلك الكتب، وفصلنا في هذا أنه كان العرش على الماء؛ لكن هو متأثر جداً بالرواية ولم يفعل الآلية الحقيقية لتدبر النص والبحث عن الآيات المتشابهة، طب لو أكملت الآية الآن لاحظ التدبر الداخلي في الآية نفسها (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، طيب لنربط هذا مع قوله في سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)؛ لأنه فيه قاسم مشترك، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، طب في سورة الملك (خلق الموت والحياة)، هنا كان عرشه على الماء، إذن معنى كان عرشه على الماء هنا هو خلق الموت والحياة، والعرش من التعريش معناها التعريش، هو إحكام الأمر والسيطرة على الشيء من أعلاه؛ بحيث هذه السيطرة تمسكه إلى آخره، يعني حتى المعرش الآن في اللهجات العامية أنت تعرف المعرش هو شيء أنت تفعله حتى تمسك جميع عروش الشجر من أولها إلى آخرها، فتسيطر عليها، لا تتشتت يمنةً ويسرةً، وهذا على فكرة معنى التعريش، ورد في القرآن لما تحدث عن فرعون وقومه وما كانوا يعرشون، فالآن لما تقول وكان عرشه على الماء معناها أن الأمر الذي تعلق به الماء اللي هو الحياة والموت سببه ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، يعنى معناها أن لأ هو يشير في قوله كان عرشه على الماء أن جعل الماء سبباً للحياة، والموت تحت أمر الله وسلطانه، وتدبيره سببه النهائي ليبلوكم أيكم أحسن عملاً؛ لأنه الكائن الأخير الذي سيظهر هو الإنسان وهو المقصود الأول أصلاً، لأن كل ما سبق مسخر له، فهذا يعني جعل الماء سبباً للحياة الذي سينتهي وَفق امتداد العرش الذي ذكرناه إلى وجود الإنسان، هدفه أن يبلو الناس أيهم أحسن عملاً، يعني اختبار الناس في قضائهم، في القدر الذي أتاحه الله لهم..”.

كان عرشه على الماء = خلق الموت والحياة

واستكمل أبو عواد: “فإذن الفكرة بعيدة تمام البعد عن فكرة إنك تتخيل إنه كرسي، وهذا كرسي أو عرش كان موجودًا على الماء، وهذا التجسيد الذي تجعل فيه، تشبه الله فيه بأنه إنسان، وهذا سيكون له حلقة منفصلة وفيها تفاصيل كثيرة مهمة جداً.. لكن ما يعنينا الآن هو كان عرشه على الماء تساوي خلق الموت والحياة؛ يعني ما العرش المقصود هنا؟ العرش هو الأمر الكلي الذي جعل من الماء ما يتحول إلى كائنات تنتهي بوجود الإنسان، هذا هو خلق الموت والحياة. طيب هنا قال كان عرشه على الماء، لماذا هذا التعريش على الماء؟ يعني الأمر المنتشر الذي ستصل نهايته إلى وجود الإنسان، (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)”.

وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.. لماذا لم يقل على الأرض أو السماء؟

وأجاب د.يوسف أبو عواد، عن سؤال “لماذا الماء مثلاً؟ لماذا لم يقل على مثلاً الأرض أو السماء؟”، قائلاً: “هو سبب الحياة التي تولَّدت من الموت الأرض ميتة دون الماء، والآن جميع الدراسات الفلكية لما تبحث عن الكواكب الأخرى تريد أن تتأكد من وجود حياة تبحث عن الماء؛ يعني الموجات أو الأجهزة التي تستخدم في الرصد تبحث عن عنصر واحد هو الماء فقط، إذا وجد الماء عرف أن هناك حياة؛ فلذلك قال عن الماء لأن هو سبب الحياة مش قُلنا خلق الموت والحياة، ولذلك ذكر هنا العرش الذي على الماء، وإلا فالعرش الكلي هو على جميع المخلوقات لما يذكر في الآيات الأخرى (ثم استوى على العرش)، هذا العرش يشمل جميع المخلوقات؛ إنما هنا بعد خلق السماوات والأرض جاء هنا الاستواء على العرش بعد أن قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، خصَّ هنا الموضوع، وجود الأحياء؛ ليشير لنا إلى أن الحكمة من جعل الماء كائناً حياً ستكون نهايتها هي وجود الإنسان الذي يُبتلى فيعرف أيهما أحسن عملاً، وقال الذي خلق الموت والحياة كما قُلنا، الآن فيه آيات أخرى تشير إلى وجود الأنواع الأخرى من الكائنات، يقول (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)؛ كثير من الناس الذين تمحلوا يعني في قضية الإعجاز العلمي، فجعلوه يصبح أضحوكة عند يعني الناس؛ إنه يقول لك إنه كل شيء في القرآن هو ظن أن كلمة في الكتاب هنا (ما فرطنا في الكتاب من شيء) معناها القرآن، والمقصود لأ، (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)؛ المقصود كتاب الخلق الذي هو خلق السماوات والأرض وما فيه من القدر الذي ولد جميع هذه الكائنات؛ يعنى الأمر الأول، يعني ما يمكن أن نسميه اليوم الأكواد البرمجية التي مشي الكون بناء عليها، أنشأ أنواعاً من الكائنات، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ)؛ هذا معناه إلا أمم، يعنى كلمة أمة تشبه كلمة أم؛ معناها يضمها، ضام جامع، يجعلها منتظمة وتسير وَفق نظام شامل كما هي الحال بالنسبة إلى الإنسان، هذه هي المثلية المقصودة، ثم قال (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، ليه؟ حتى يشير لك إلى أن التكون هذا المبني على قضية الأطوار وعلى قضية يزيد في الخلق ما يشاء، وعلى قضية أخرجنا منه خضراً، نخرج منه ونخرج منه.. وهكذا وَفق أسس، مش قصة تدخل مباشر، وضع النظام الأول، وصار مصنع الكون وَفق الكتاب الذي لم يفرط فيه في شيء، وكما قُلنا صناعة أو بناء مصنع لا يحتاج بعد ذلك إلى تدخل بشري أقوى وأعظم إتقاناً بكثير من مصنع يحتاج في كل لحظة أو بين لحظة وأخرى إلى تدخل لتصحيح الأخطاء، حتى آلية التصحيح موجودة ذاتياً وسنأتي إلى هذا ونكرره؛ لأنه ذكرناه في حلقة سابقة وسنورد هنا ما يؤكد أن تصحيح ما يحصل من أخطاء ناتجة عن يعني تداخل المخلوقات بعضها مع بعض، موجودة أصلاً في الكتاب المبين، الكتاب الأول، في أم الكتاب الذي لم يفرط فيه في شيء؛ هي سُنن تجري، سُنن تجري لا تحابي أحداً في وجود المخلوقات وفي تنظيم أمورها.. وإلى آخره”.

وَمِن “كُلِّ شَيْءٍ” خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ

واستكمل أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وأكد هذا فقال (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ) (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، وأيضاً هناك آخر آية يمكن أن نذكرها في تكون الكائنات؛ هي قوله تعالي (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، وهذه الآية أيضاً في فترة من الفترات في القرن العشرين كانت محل استشكال؛ لأنه لما يعني اكتشفت الكائنات التي تتكاثر بطريقة لا جنسية، قالوا ها قد وجدنا كائنات ليست تسير على نظام الزوجَين، والآية فيها جزم قاطع (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)؛ لكن بعد ذلك لما دخل العلم إلى داخل الخلية فلاحظ أنه أهم شيء في الخلية الذي هو المورث أو الجين أو الكروموسوم، يتكون من زوج من الكروماتيدات، يعني دبلو كروماتيد هذا تزواج موجود داخل نواة الخلية؛ فإذا أرادت هذه الخلية أن تتكاثر ما الذي يحصل فيها؟ تنتفخ، تتفاقم، يتفاقم حجم الخلية، تنفصل الكروموسومات إلى كروماتيدات، ثم وَفق البرمجة الربانية الأولى التي يعني يشملها لفظ الكتاب؛ يتشكل كروماتيد، يزواج يعني يتشكَّل لكل كروماتيد انفصل كروماتيد آخر يتزاوج معه، فتتخثر الخلية ثم بعد ذلك تصبح خليتَين، وكل خلية يعود فيها نفس عدد الكروموسومات المتزاوجة التي يتكون كل واحد منها من كروماتيد.

إذن القضية قضية تزاوج، بل أكثر من هذا، حتى ما ليس بحي؛ لأنه الآية قالت (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، الآن العلم يعرف تماماً أنه قائم على فكرة الشحنة الموجبة والشحنة السالبة، ولذلك هناك ما يُسمى قانون الديناميكا الحرارية، الذي يعني أن هناك المناطق الحارة والمناطق الباردة في الكون؛ وهو الذي يسبب توسع الكون بالمناسبة”.

هل الزوجان ذكورة أم أنوثة أم شقان يتماثلان؟

وأجاب أبو عواد عن سؤال “مفهوم لفظة الزوجَين؛ هل الزوجان هنا ذكورة أم أنوثة أم شقان يتماثلان؟”، قائلاً: “لأ؛ ليس مشترطاً أن يكون هنا الخطأ ما هو الذي ظن أنه الموضوع يجب أن يكون ذكراً وأنثى، أخطأ في الفهم، وكلمة زوج في القرآن الكريم تعني تكاملَ نصفَين أو يعني جزء يكمل الجزء الآخر.. جزآن يكمل أحدهما الآخر لتكوين شيء، هما وجودهما لا يكتمل وجوده بالصورة المثالية إلا بوجود الجزأين معاً، هذا هو المعنى الكبير لكلمة الزوج، وهذا العلم أثبته أيضاً كما قُلنا يعني، والآية لو قالت لذكر وأنثى كان الموضوع مختلفاً، لكن هي قالت (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)”. 

لماذا لم يستخدم لفظة الخلق بدل الإنبات؟

وأجاب د.يوسف أبو عواد، عن سؤال “وأنبتاكم نباتاً؛ لماذا لم يستخدم لفظة الخلق بدل الإنبات، بينما لمّا بدأ يتحدث عن خلق الإنسان سماه خلق الإنسان، طبعاً فيه الآية في نوح وهو الذي أنبتكم في الأرض نباتاً، كان يقصد للإنسان خطاب موجه لقوم نوح، لماذا لا يتم استخدام لفظة خلق؟”، قائلاً: “بالنسبة إلى قوم نوح نعم؛ لأنه يعني لاحظ نوح، عليه السلام، لما خاطب قومه قال (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) ، وقال (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ لأنه قوم نوح كانوا متعلقين باللحظة الزمانية والمكانية التي هم فيها، فكانوا يعتقدون أنه ما قدسوه من الأشخاص وما ربطوا بها من آلهة لهم تحكم فيهم، فهو سألهم سؤالاً مفحماً، يعني قال أنتم الآن كلكم الآن موجودون، ولكنكم لستم وجودكم أولياً من الذي أوجد الأطوار السابقة لوجودكم، كان السؤال الذي يريد أن ينبه عقولهم من خلاله؛ يعني كما حصل مع إبراهيم لما خاطب ذلك الملك فقال له (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)، الآن هو لا يريد أن يدخل في نزاع ربما يطول، هم يقولون إن هؤلاء الذين يعني الأتباع (وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا)، أصحاب الجاه وأصحاب المال في القوم، لهم تحكم فيهم، في أشخاصهم، في حياتهم، في أرزاقهم.. إلى آخره، فهو لفتهم، قال دعكم من وجودكم الحالي من الزمن الفعلي الذي أنتم فيه الآن، مَن الذي خلقكم أطواراً؟ مَن الذي أنبتكم من الأرض نباتاً؟ هذا هو، ثم لفتهم إلى كائنات وأجرام سماوية علوية؛ فهذا هو السبب، هنا القضية؛ قضية تركيز على مراحل سابقة، هي ما ستجعلهم يستيقظون. طيب الآن في مرحلة خلق الإنسان؛ نحن نجد أن القرآن الكريم يقول (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، ويقول (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ)؛ الإشكالية ليست سخر لكم ما في الأرض، وإن كان ممكناً في زمن قديم لم يكن يعرف أنه كيف سخر لنا ما في الأرض؛ لكن الآن نحن نعرف أننا وصلنا بالقدرات والآلات البشرية إلى قاع المحيط، ووصلنا إلى أقوى أنواع الكائنات وسيطرنا عليها باستخدام التكريم الرباني الذي هو العقل؛ عقل الإنسان أقوى سلاح سلح به في مواجهة كل الكائنات الأخرى والسيطرة عليها والاستفادة من خيراتها في ما يمكن الاستفادة منه؛ لكن السماوات قال لك كيف؟ ما هو تسخير السماوات في الفهم البسيط إنه والله الشمس والقمر والنجوم وكذا، لكن هذا يمكن أن يُقال عنه استفادة وليست تسخيراً؛ لأن التسخير معناه أكبر من الاستفادة، حتى ظهر العلم الحديث اليوم وصار معروفاً أن الإنسان تفتق ذهنه واكتشف أجهزة صار بإمكانه أن يحلق في الفضاء فصنع محطة الفضاء مثلاً، وصار بإمكانه أن يصل إلى أطراف الكون باستخدام أجهزة، فيعني يلتقط إشعاعات تُسمى الإشعاعات الخلفية الكونية التي كان موجودة أصلاً منذ اللحظة الأولى لنشوء الكون، فصار كل الكون مسخراً لعقل الإنسان أن يرصده، فيشاهد الإبداع العظيم فيه، وطبعاً كل يعني واحد مثل أينشتاين من علماء الكونيات الذي مرة بعد أخرى يقر أن هذا الكون ينبئ قطعاً عن منظم عظيم وخالق عظيم، وإن كان طبعاً فيه التفاصيل الأخرى؛ بسبب الإشكالات التي كانت موجودة، يعني يحصل الاختلاف، فإذن فكرة خلق التسخير ما في السماوات والأرض للإنسان، العصر الحديث كرس هذه الآية ووضحها توضيحاً تاماً، ربما لم يكن بذاك الوضوح في عصور سابقة، وهذا يدلل على دقة العبارات والألفاظ القرآنية”.

التسخير والنفوذ والسلطان

وأضاف د.يوسف أبو عواد، رداً على “يعني لفظة تسخير توحي وكأن هناك قدرة للعقل البشري وإن كانت كامنة في إمكانية ليس فقط الاستفادة وإنما يعني..؟”: “أينعم؛ يعني مثلاً الجذر (سخر) أو تجده مثلاً (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا)؛ ليس معناها الهزء هنا، معناها التسخير، أن مَن يعني الناس، موجودون بالطبيعة، ولا بد أن يكون هذا، الطبقات بعضها أعلى من بعض، فطبقات منها مسخرة لأخرى، وهذا لا يعني أنه دائماً الأدنى أو الأقل مثلاً من الناحية المادية مسخر للأعلى، قد يكون الأعلى يعني مثلاً الطبيب، يحتاج إلى العامل البسيط، كما أن العامل البسيط يحتاج إلى الطبيب، بغض النظر عن اختلاف المستوى المادي؛ فهذا يستفيد من هذا بوظيفة يقدمها له وهذا أيضاً يستفيد من هذا، التسخير متبادل؛ معناها أن الإنسان أيضاً يمكن متاح له كما قُلنا أن يحدث تغييراً في الأرض وفي السماء؛ لكن في السماء الأمر مشروط بأن يكون هناك صلاح مطلق في هذا الإحداث، لأنه إذا لم يكن هناك صلاح مطلق لا بد أن يوقف تلاعب الإنسان من ناحية السماء كما ذكرت الآية (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)؛ معناها هناك إذن بالنفوذ، ما السلطان؟ أن يكون هناك صلاح أن تستخدم هذا هذه القدرة التي ستوهبها، وطبعاً الآيات تشير هنا إلى أن الإنسان مقبل على مراحل أعلى بكثير من الوصول إلى السماوات وتسخير ما فيها مما هو الآن، لأنه نحن ما زلنا في البدايات؛ يعني من ناحية أنه تسخير ما في السماوات، فيمكن له أن يؤثر ويتأثر، أن يتبادل الكون والإنسان الوظائف؛ كل منهم يستفيد من الآخر، هذا شيء يشير إليه القرآن الكريم، إلى أن الله فتح بابه ونافذته للإنسان، طبعاً تخيل هذه القدرة، ومتخيل التقزيم الذي يحصل في عقول كثير من الناس، إنه لأ إحنا …”.

ثقافة التدين وتقزيم العقل البشري

وتابع أستاذ اللغة العربية رداً على “هذه الملاحظة التي كنت بِدي يعني أحكي فيها؛ أن هناك يعني ثقافة التدين اللي سائدة في كثير من المجتمعات، هي تقوم بعملية تقزيم للعقل البشري، ومنعه عن فهم كل ما يعني خلق إله العقل ليفهم”: “بالضبط؛ فبالتالي ولد نوع من التخلف، يعني الموجات التي تسير عبر الجو عبر الأثير وبين الأقمار الصناعية وبين الأجهزة الخلوية اليوم أليست هي جزءاً من تسخير ما في السماوات، ما هو السماء كل ما علا الأرض؛ لكن إذا أنت سرت بالعقلية إنه أنا والله لن أستطيع، هو قال لك لا أنا حدودي الأرض، الخروج من الأرض هذا يعارض القرآن، هذا كفر، لن يصل أحد إلى القمر، لن.. كذا، يعني بغض النظر طبعاً عن التفاصيل، أنا قرآنياً أقول لك هذا ممكن، نعم هذا ممكن، وما نشهده اليوم ليس إلا بدايةً سيكون ما يتبعه أكثر بكثير مما هو موجود، وإذا لم تتغير العقلية الإسلامية، ستسير الأمم الأخرى تسبقها تأخذ قصبَ السبق في هذا؛ لكن إذا نحن عُدنا إلى النص وفهمنا آفاقه وأبعاده لا بد أن يكون لنا الحظ الأوفر والأعلى في أن نسهم في هذه الحضارة، بل نكون يعني في مقدمة المساهمين فيها، وربما نكون قادةً إذا أمسكنا بالنص، لأنه غيرنا ليس معه نص؛ هو فقط يسير وَفق الطبيعة الإنسانية الفطرية الطبيعية، وأول شيء يجب أن يحصل إيمان بدلالة هذا النص، إذا الناس آمنت بدلالة هذا النص، وتركت الخزعبلات والتراهات، وفهمت أنه هذا النص أتاح الله بناء عليه للإنسان أن يصل إلى آخر آفاق الكون، التي يمكنه الوصول إليها، أنا هنا الإنسان سيتولد لديه الحافز والنشاط والسعي نحو الإبداع والسعي نحو العمل؛ بما فيه الإصلاح، لأنه دائماً تجد أن الآيات (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)؛ الأرض أول ما أُنشئت واكتمل إنشاؤها، والسماوات أُنشئت على الصلاح، فالمطلوب إنه الإنسان يسير وَفق خطة الإصلاح هذه، ويسهم في الإعمار؛ يعني ممكن يقول لك يعني معناها هل خلق الله الأرض والسماوات ناقصة؟ ليس هذا المعنى، هناك رسالة للإنسان، طُلب منه أن يعمر الأرض، أصلاً هو أنشأكم من الأرض واستعمركم، كان يمكن أن يخلق الأرضَ في أكمل ما يكون، والسماء في أكمل ما يكون، لا يوجد أمراض، لا يوجد زلازل، لا يوجد براكين؛ لكن من أهم ما ابتلي به الإنسان واختبر به، أن يصلح ما يراه، أن يعمر، أن يكمل ما يراه من خلل؛ هذا نوع من الاختبار، بعضه فردي وبعضه مجتمعي.. إلى آخره”.

العودة إلى الفطرة الأولى ومظاهر التحضر الإيجابي

واستطرد د.يوسف أبو عواد: “وكثير من الأمم أدركت هذا المعنى بفطرتها؛ يعني هم تخلوا عنه، يعني أنا أتحدث الآن عن أمم تحضرت وصار عندها علوم كثيرة، هي تخلت عن نصوص ظهر أنها، يعني أدركوا أنها قطعاً لن تكون من الله؛ لأنه طبعاً هي فيها تحريف.. وإلى آخره، بحكم التطورات العلمية.. لما فعلوا هذا الآن أصبح هناك تخلية من هذه النصوص ودلالاتها التي كانت تقف حاجزاً عن التطور العلمي، عادوا إلى الفطرة الأولى، هم لم يصلهم القرآن، طبعاً هذا تقصير من ناحية المسلمين وأتباع الرسالة الخاتمة؛ لم يصلوا بالقرآن بالطريقة الصحيحة. العودة إلى الفطرة الأولى أسهمت في نشوء كل ما تراه من مظاهر التحضر الإيجابي؛ لكن أيضاً اقترن معه شيء سلبي، لأنه الآن لا يوجد رادع، لا يوجد وازع؛ بينما لو كنا نحن المسلمين متنبهين لهذه النصوص، وبعض الناس يقول لي لا تعمم، أنا لا أعمم؛ لكن هذا الأغلب، هذا لا أحد يستطيع أن يقول الآن إنه والله إحنا كشعوب مسلمة نقف في أوائل الشعوب التي أسهمت في بناء الحضارة وبناء التطور والوصول إلى السماوات وإعمار الأرض، معروف إنه نحن نقبع في مؤخرة القائمة، للأسف يعني”. 

العبادة في النص القرآني وإشكالية تفعيل الطقوس

وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “هل تعتقد أن تسويد شكل من أشكال الفهم للنص القرآني بعيداً عن آلية التدبر التي يجب أن تتبع في القرآن، قاد للعقل البشري أو بالذات للعقل الإسلامي العربي، إنه يطمس نفسه بنفسه دون الاستفادة من الإمكانات الموجودة أو التي يفتحها النص أمامه؟”، قائلاً: “مئة في المئة، هذا كلام لا غبار عليه؛ يعني هذه الاستعانة بالمرويات الإسرائيلية وغيرها من أي مكان وخلاص، هو ترك النص، تحليل النص وَفق الآلية التي طالب النص منك أن تستخدمها لتحليله، فعل ماذا؟ أحدث آلية انهيار بدل آلية الإعمار التي يحدثها النص. النص يحدث ما أحدثه خلق الله الأول للإنسان بفطرته الأولى، يريد أن يعمر ويريد أن يبني، عنده طموح أن يصل طموحه، لا يتوقف؛ لكن يأتي مَن يحدد لك هذا الطموح، بماذا؟ هذا حرام، هذا كفر، هذا كذا، هذا كذا.. الآن أنت يعني تكبح جماحك وتذهب طاقتك وتتحول إلى إنسان تغلب عليه الكآبة، ينتظر الموت، لا يريد الحياة، آلية هدم حقيقية عوضاً عن آلية البناء التي نحن نشاهدها، والتي تحث عليها آيات القرآن الكريم، يعني نحن لما ذكرنا قضية العبادة، هل وجدت القرآن من أوله إلى آخره ربط العبادة ولو في آية واحدة بقضية، مثلاً الشعائر الطقوسية؟ هل الشعائر الطقوسية.. هي استعانة في الحقيقة وليست عبادة، هي استعانة للوصول إلى هدف العبادة، هي الحياة في كل قصص الأقوام السابقة لما كان كل نبي يقول لقومه اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، كان يذكر مظاهر من مظاهر الحياة، معناها سِر في حياتك وَفق سنن الله وأنظمته ووَفق فطرتك الأولى، وفق ما فتح الله لك، وما كلفكم وما أعطاك من صلاحيات، دون أن تذهب إلى الإفساد، (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)، هذه هي العبادة في النص القرآني؛ لكن نحن العبادة ما هي في مفاهيمنا؟ إنه والله فعلت مجموعة من الطقوس، فكأنني أفرحت الله، شوف كيف الصورة أو التقزيم الذي جعلنا هو طبعاً أنت الآن”.

كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ.. حلل الكلمات وَفق المنهجية اللسانية

وأضاف أبو عواد رداً على “يعني هي صارت عملية طمس للفطرة أو عملية تشويه أو تلويث للفطرة البشرية أو العقل البشري؛ وبالتالي إعاقته عن فهم النص، وإعاقته عن التقدم”: “هو ليس فقط أعاق، هو أحدث آلية هدم تماماً؛ يعني عوض عن آلية البناء الموجودة في النص الأصلية التي تحاكي الفطرة الأصلية للإنسان، هو ابتكر، اخترع؛ حتى نقل يعني، هو نقل، كله نقل، نقل آلية، هدم فعلياً، هدمت ووصلت إلى النتيجة التي نراها اليوم في العموم، وطبعاً النتائج ماثلة؛ يعني لا يستطيع أحد أن يجادل، إن النتائج ماثلة أمام أعيننا، ما دامت النتائج ماثلة، لا توجد نتائج تطفو وتظهر على السطح إلا يكون هناك أساس ولد هذه النتائج، أساس فكري، أساس ثقافي، أساس عقدي، فلا بد من مراجعة هذه الأسس. ونحن وجدنا، يعني نحن لا نجامل، لو لم نجد في النص القرآني ما نذكره الآن لما كان أصلاً لا يمكن أن ندخل هذا؛ لكن النص القرآني من الواضح تماماً أنه يحاكي ما هو موجود في الكون، وما هو موجود في فطرة الإنسان؛ بشرط أن تنظر إليه بخلفية صافية، فقط بلسان عربي مبين، (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، حلل الكلمات وَفق المنهجية اللسانية، اجمع الآيات…”.

القدسية فقط للنص

وتابع أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين، رداً على “بعيداً عن تأثيرات تلمودية، بعيداً عن تأثير القراءات الاستشراقية الخاصة بالأسفار اليهودية، بعيداً عن كل الطقوس القديمة التي مورست للطمس أو لتحجيم قدرة العقل البشري على النفاذ إلى آلية النص أو فهم النص أو تدبره”: “طبعاً، وبعيداً أيضاً عن أن تجعل الاجتهادات، الرجال، بنفس قدسية النص؛ هي اجتهادات الرجال، جزء من التاريخ، وهو كتاريخ أية أمة؛ لكن نحن المشكلة أين؟ في ما ورد من اجتهادات، نحن لا نقصد أن نهملها أو نرميها أو لا نستفيد منها، بس نريد أن نصل إلى نقطة مهمة جداً، القدسية فقط للنص، بعد ذلك، ما بعد ذلك هو اجتهادات؛ فنحن ننظر إليها من منظار النص، إذا وجدنا أنها تكرس النص، تعطينا صورة مثلاً، قصة عملية حقيقية تمثل تطبيقاً لآية قرآنية، نعم بها ونعمت، لا بأس؛ لكن نبقي فنركز أنه ليست القدسية بها ولا بناء الأساس عليها، لو ظهر يوماً ما أنها غير صحيحة أو ضعيفة لا يهمنا، لا نكترث لهذا، إنما هي كنوع من الاستئناس بهذه الطريقة، ينبغي أن ننظر إلى كل ما نقل من التراث؛ سواء ما جاء منه من الإسرائيليات أو من الروايات أو غيره من الاجتهادات، أما أنه نحن لما نأتي إلى آية مثل (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، فأأتي إلى الأقوال المذكورة في كتب التفسير المروية عن فلان وفلان وكذا، وأجهل فهمي للآية، لاحظ كيف الفهم المتشكل، قدسية الآية، وقدسية ما نقل كله كأنه خلط في خلاط فجعل شيئاً واحداً، هذا الأسلوب غير صحيح قطعاً، يفهم النص تماماً، يغلق على فهمه، انتهي.. بعد ذلك بإمكانك أن تمحص ما ينقل، هل يتوافق مع النص ولَّا لا يتوافق؟ إذا لم تجده يتوافق، إذن بحثت، ستجد قطعاً مصدره”.

آليات الوصول إلى مقاصد الألفاظ القرآنية

وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “ما الآليات التي تتوفر للإنسان حتى إذا استخدمها يصل إلى نتيجة معقولة ومتطابقة لمرامي أو مقاصد الألفاظ القرآنية؟”، قائلاً: “هو الكتاب نفسه؛ القرآن الكريم نفسه، لم يترك هذا الأمر، يعني هو وضح الموضوع، فقال (بلسان عربي مبين)، وقال (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، لم يترك الأمر على عواهنه، يعني نحن أيضاً لا نريد إنه بعض الناس يحرف الآيات عن معانيها، فيأتي بمعانٍ غريبة جداً باطنياً وكذا، يفقد النص مكانته ودلالته فعلياً، وبالمقابل بعض الناس يفقد النص دلالته بما يطغي عليه من ضوضاء كثيرة، ويحيطها بالنص، فيعطيها نفس مستوى القدسية”. 

آدم وحوار الله مع الملائكة

وقال د.يوسف أبو عواد: “النص القرآني يشير إلى البداية الأولى لخلق آدم، في قوله تعالي (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، ولم يقل طبعاً هنا إني خالق، إني جاعل، الجعل معناه تحويل شيء إلى شيء، كما ذكرنا، يعني هذا يتوافق تماماً مع فكرة الإنبات؛ يعني هو شيء موجود، هناك تغيير وظيفي سيحصل مع نوع من التطوير، فينتج البشر؛ لأنه قال (إني جاعل في الأرض خليفة) وفي آية أخرى (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ)، وطبعاً البشر أعلى من مجرد الإنسان كما ذكرنا؛ لذلك هو لم يأمر الملائكة بالسجود، وسنشرح ما السجود، إلا لما قال لهم (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)، هذا الفيصل، هذا هو الجعل، التغيير الذي حصل على شيء موجود مسبقاً؛ التسوية معناها النفس التي (وَنَفس وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَىٰهَا)؛ النفخ في الروح هو الأمر الرباني الذي يساعد أو يؤدي إلى تفعيل آلية النفس هذه لدى الإنسان، وهو أمر مختلف كلياً عن كل الكائنات السابقة، هو الذي سيجعل الإنسان له القدرة على التصرف ضمن القدر؛ فيختار كذا ويختار كذا، هو الذي سيجعله يتجاوز مرحلة التجريدية ومرحلة الغرائز ومرحلة الشهوات، ليصل إلى الأفكار العليا والأفكار التجريدية؛ لكن قد يقول قائل: ماذا يخبر الله الملائكة أصلاً؟ يعني (وإذ قال ربك للملائكة)، يعني هل هو يستشير الملائكة ولا يفيد من إشاراتهم وهو رب العالمين، وهو لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون؟ الجواب بسيط طبعاً، الجواب هو ما ذكر في الآيات الأخرى (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)؛ هو يقصد أن الملائكة مكلفة بماذا؟ بتنفيذ أوامر الله، وقُلنا كثيراً إن الملائكة نحن لا نراها؛ ولكن مظهرها السنن الكونية المتسقة، طيب الملائكة تعلم أن هناك سنة كونية لا بد أن تسير بالطريقة التي هي عليها، معنى الكلام أن هذا الكائن سيكون من قدرته أن يخالف السنن، فهذا تنبيه للملائكة التي هي مسؤولة عن رعاية السنن الكونية..”.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.. أمر لا استشارة 

وأضاف أبو عواد: “فلذلك استغربت الملائكة فقالت (أتجعل فيها)، يعني هو قوله (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)؛ هو في الحقيقة ليس استشارة، هو أمر؛ معناها أن تخضع الملائكة لما يتطلبه هذا الأمر من منح الإرادة للإنسان والنفخ فيه، والنفخ فيه بالروح يعني خضوع الملائكة لهذا الأمر، هو سبب إخبارهم بذلك؛ لذلك قالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وطبعاً كلمة خليفة أيضاً الأصل اللغوي فيها خلف، والخلف معناها شيء يخلف شيء سابق، سابقاً له”. 

لا يوجد شيء اسمه خلافة الله في الأرض 

وأجاب أستاذ اللغة العربية عن سؤال “يعني هنا المقصود بالخلافة ليست خلافة الله في الأرض؛ إنما خلافة ما كان، ما كان يسبق الإنسان مثلاً أو البشر؟”، قائلاً: “لا، لا يوجد شيء اسمه خلافة الله في الأرض؛ الخلافة لما تقول خلف هو الخليفة، لا يجتمع مع مَن استخلفه أبداً، لا يوجد نص واحد أبداً يدل على أن الخليفة يمكن أن يجتمع مع مَن استخلفه؛ يعني مثلاً موسى لما استخلف هارون، لم يكن معه في الوقت نفسه، مستحيل، لا يكون هذا، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، فيقول لك هو أمر، المشكلة تعرف من أين تولدت الفكرة؟ إن هو أسقط مفهوم خليفة الذي يعني ظهر أين؟ الخليفة في العهد الأموي والعباسي، لا أعرف بالضبط؛ ولكن أسقط هذا المفهوم على كلمة خليفة الموجودة في القرآن، ثم يعني صار ينظر إلى أن الله هو خليفة الكون، شوف الإسقاط من أين تولد؟ هو فهم أصلاً فهم وتخيل الله أنه خليفة الكون، ليه؟ لأنه رسم لله صورة إنسانية، وبعدين قال لك إنه الإنسان بحكم إنه معه صلاحيات هو خليفة الله في الأرض، وكيف؟ كيف يمكن أن يسمي خليفة الله في الأرض وهو قادر على أن يحدث ما هو معاكس لسنن الله؟ يعني هل يُسمى خليفةً بهذه الطريقة أصلاً؟ إذن هو خليفة معناها خلف خلقاً كان يسبقه، وهذا هو الجعل، وهذا هو الإنبات الذي ذكرناه، وهذا هو التطوير الذي أحدثه رب العزة، تبارك وتعالى، في خلق أصلاً كان موجوداً، فأحدث عليه من التطوير والإنبات ما جعله مهيئاً لنفس جديدة تستطيع أن تختار الخير والشر، وأن ينفخ فيه من الروح التي تفعل هذا الأمر، فهذا معنى قوله (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فلما قالوا (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) قلنا إنه هذا مخالف لما هم عاشوه؛ يعني وأمروا به دائماً إنه كل شيء سيسير وَفق السنن التي ليس فيها إلا الصلاح، فتعجبوا يعنى كيف يكون فيها الآن مَن يفسد فيها ويسفك الدماء؟ طيب قارن هذا بما أخذ من الروايات والإسرائيليات.. لآخره، وأنا دائماً أحب هذه المقارنة، لأن هناك بون شاسع بين النص بما هو عليه وبدلالته الواضحة جداً، والتي حكمت بين بني إسرائيل في ما كانوا فيه يختلفون وبين النقل، يقول لك كان هناك قبل الإنسان الحن والجن والبن، وأفسدوا في الأرض، فقال الله لهم إني جاعل خليفة من هؤلاء في الأرض، طيب هو الفكرة غريبة يعني صدقاً لو الإنسان يفعل عقله بشكل بسيط، لو كان هذا هو المقصود، أولاً أنت تقول إنه خليفة عن الجن، طب الجن في كل نصوص القرآن لم يذكر أنه انتهى، هو موجود (يا معشر الجن والإنس)، سنأتي لنفهم المقصود التام من هذا؛ لكن لو كان خليفة عن الجن لاختفي الجن، خلاص انتهي، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ)، انتهى المستخلفون، هذه نقطة. لو كان أنهم قاسوا، وجود قاسوا، الإنسان أو البشر على الكائنات الأخرى، أنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، طب هو مَن؟ هل أنت مثلاً إذا كان الله قال لهم إني جاعل في الأرض خليفة؛ لأنه مَن سبقهم أفسد، يعني معقول إذا كان عن جد مَن سبقهم أفسد سيجعل خليفة يعود فيكمل الفساد؟! ليه سماه خليفة؟ إذن ما التغيير الذي سيحصل إذا كان هذا الخليفة، الملائكة ستستنج أنه ما دام اللي قبله أفسد، إذن هو سيفسد ويسفك الدماء، إذن لماذا تجعل خليفة معناه كأنه يرسم صورة عن الله، إن هو يكرر شيئاً موجوداً دون أية منفعة ولا أية فائدة؟! يعني الموضوع عجيب صدقاً إنه تفعيل بسيط للعقل يجعلك تعرف أن هذه الروايات يعني سقوطها يغني عن إسقاطها، لا نحتاج أن نتحدث في إسقاط، هي ساقطة أصلاً بالتفكير البسيط؛ إنما كما قُلنا هو الخليفة، هو ما جعل منه الإنسان، ما استخلف منه الإنسان؛ مما كان موجوداً قبله، ولم يكن فيه أصلاً إرادة يعني ولا كان فيه روح الإنسان التي نفخت في الإنسان؛ الأمر الذي يحقق الإرادة الإنسانية، فقالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء…”.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

وتابع د.يوسف أبو عواد: “هنا ملاحظة مهمة جداً؛ أنا لا أدري حقيقة كل مَن يسعى إلى فهم الهدف العظيم من وجود الإنسان، ويفسر قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) بأنه العبادات التي يذكرها الفقهاء في كتبهم، إنه كتاب الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج، لاحظ كيف هذا كتاب العبادات، بعدين الباقي سموه المعاملات، يعني تشعر أن الأجزاء الأخرى من الفقه ليست عبادات، خلاص يعني هذه هي العبادات، بينما الآية التي قالت (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) اقرنها مع هذه الآية (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، ستعلم أن المقصود ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، أن يصلحوا فيها ويحقنوا أو يسهموا في الحياة، يعني ما عكس سفك الدماء (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا) جميل، معناها المفهوم العظيم للعبادة، اعكس الإفساد، الإصلاح، اعكس سفك الدماء، الإحياء.. إذن المساهمة في المحافظة على حياة الموجودات بجميع أصناف الكائنات وبالإنسان نفسه أعظم عبادة، يمكن أن يتعبد بها الإنسان، مش أن يذهب إلى الموت وينتظر لحظة الموت، ويقول لك استنى أن أموت في سبيل الله، أنت خُلقت لتحيا في سبيل الله، أما الموت فهو ضرورة ملحة يلجأ إليها الإنسان إلجاءً، وليس هو الأصل، خلقت لتصلح، خلقت لتعمر ولتبني؛ لتسهم في تطور الأرض بكل ما فيها، ما يمكن أن نسميه كائنات جامدة، والكائنات الحية الأخرى”.

الرسالة الكبرى.. ما العبادة؟

واستطرد أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وهذه رسالة عظيمة تجعلنا نفهم الآن أنه بيقول لك يعني في واحد قال العلم قال الله وقال رسوله وقال الصحابة، هم أولي العرفان، مش عارف شو البيت الثاني؛ يعني منذ عهد قديم طبعاً لم أتذكره، لأني لم أقتنع به منذ اللحظة الأولى، لاحظ كيف يعني يصور لك أنه يعني أنك تنقل كل ما روي، هذا هو العلم. أما إذا ذهبت إلى علوم الطبيعيات، فأنت إنسان دنيوي، أنت تبحث عن الدنيا، أنت لا علاقة لك بالله ولا بالمقصود الذي خلقت من أجله؛ أنت منصرف ملتهٍ بما لا ينبغي أن تلتهي به، بينما القرآن يقول لك عكس ذلك تماماً؛ كل علم تدرسه تهدف به إلى إصلاح الأرض، إلى تطوير وجود الكائنات الحية في الأرض، وإلى إعمار الأرض؛ هو مما يقربك إلى الله، هذه هي العبادة، وأنت تستعين بعد ذلك بالصلاة والصيام، لتزكي نفسك، فتحقق العبادة، وليس العكس، ليست هي الغاية، الصلاة في القرآن سُميت استعانة (واستعينوا) مش هو في سورة الفاتحة قال (إياك نعبد وإياك نستعين)، طب هو لما ذكر الصلاة كالصبر، وسيلة؛ لكن الغاية الكبرى التي يُراد من هذه الوسيلة أن تهذب نفسك فتوصلها إلى أنك تذهب فتخرج في الأرض فتعمرها وتبني فيها وتسهم في تطور الأحياء وغيرها، فهذه هي الرسالة الكبرى التي استغربت الملائكة، إنه سيكون من صلاحيات البشر، طبعاً ليس كل البشر قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها، ليس المقصود الكل؛ إنما سينتج من إعطاء البشر الإرادة بطبيعة الحال، مَن يصلح ومَن يفسد، هم استغربوا طبعاً أنه كيف يصبح لأول مرة مَن يفسد فيها ويسفك الدماء، طبعاً يقول قائل طب كيف عرفت الملائكة أنه سيكون مَن يفسد فيها ويسفك الدماء، فالله أخبرهم، قال لهم (إني جاعل في الأرض خليفة)، ما معنى، يعني أكيد أنه وضح لهم ما المقصود بالخليفة، لكن تخيل أن النص قال (إني جاعل في الأرض خليفة) سأعطيه الحرية والإرادة، فيكون مَن يصلح ويفسد، فقالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها؟ سيصبح هذا إطناباً لا داعي له، والنص الذي يعطي المعنى بأبسط عبارة وأكثر عبارة لا يفعل هذا، فنص القرآن بليغ جداً يحذف ما يفهم من السياق، إذن هم أُفهموا أنه سيكون خليفة من شأنه كذا وكذا، فالتزموا بما يحقق هذه السنة الجديدة التي ستحدث في الكون، فاستغربوا، قالوا (أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء)..

إذن الأمر واضح جداً وبسيط، ثم قالوا (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)، آه، هذا يرجع بنا ويؤكد ما قُلناه، ما معنى يعني أن تقارن الآن (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، معناها جملة نسبح بحمدك ونقدس لك، معناها المفهومي الأساسي حتى هو عكس الإفساد، وعكس يعني نحن معشر الملائكة بما نمثله من سنن الكون كلها، تدل على تسبيح الله، يعني كلها تفعل ما يجري سنن الله التي تنزهه عن النقص وتقدس هذه الكلمة التي أردت أن أقف عندها؛ لأنه كلمة قدس هي ترجع إلى الأصل الثنائي (قد) والقد يقول لك أتى على الشيء من أوله إلى آخره، ولذلك يقال (قد الفتاة) يعني معناها الشكل الخارجي لجسمها أو (قد الإنسان) بشكل عام، ويُقال على قد كذا، وعلى فكرة في العاميات العربية مهنة القصارة يعني القصير، يكون معه إشي اسمه القدة، القدة والميزان، فيستخدمها لضبط المستوى بحيث يكون مستوًى واحداً، هذا معروف، طيب أضيف لها حرف السين، السين يدل على نوع من التدخل اللطيف في الأمر، يعنى ما معناه قد يحصل أثناء سيرورة الكون لأسباب معينة، إنه بعض الاختلالات، بعض الأشياء؛ لكن هناك آلية تقويم ذاتي تقوم عليها الملائكة داخل السنن نفسها، فتقدس معناها، تعيد الشيء إلى سيرته الأولى، ويكون طبعاً هذا لحكمة معينة أو لسبب؛ لكن آلية التصحيح الذاتي موجودة أولاً بأول، فالتسبيح هو الجريان الأصلي وَفق السنن، والتقديس هو آلية التصحيح الذاتي الموجودة في الكون؛ بحيث إنها تعدل كل ما يمكن أن يحصل من أخطاء”.

معنى “إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”

وأضاف أبو عواد: ” (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، معناها النتيجة النهائية لما سيحصل من وجود البشر؛ أنتم لا تعلمون نتيجتها ولا تعلمون الحكمة منها، والمطلوب ألا تعصوا الله ما أمركم، وأن تفعلوا ما تؤمرون؛ لأنه في النهاية الله عالم الغيب والشهادة، هذا يدل طبعاً أن السلطة الأولى والأخيرة لله، هذا من ضمن ما لم تعلمه الملائكة، أنه كان يقصد بوجود الإنسان، أنه يختبر، أن يمتحن، أن يدخل في مدرسة، أن يساعد في إعمار وتطوير الأرض، هذا هو اختباره؛ فمنهم مَن سيكون يعني حقق الرسالة فأحسن حمل الأمانة، ومنهم مَن سيكون فعل العكس، فأساء بالتالي حمل الأشياء، ثم قال بعد ذلك (وعلم آدم الأسماء كلها)، طبعاً أنا وجهة نظري يعني أن تعليم آدم الأسماء كلها جاء بعد، يعني جاء بعد إسجاده الملائكة له، لأنه (وإذ قال ربك للملائكة) في سياق آخر (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيتُهُۥ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ)، يعني خلاص استسلمت الملائكة، خضعت للسنة الجديدة، وخضعت للقانون الجديد الذي سينظم حياة البشر؛ إلا إبليس طبعاً، وسنذكر هذا.. انتهي الأمر. الآن سيكشف الله سبحانه وتعالى لهم بعض السبب..”.

وعلم آدم الأسماء كلها.. المرحلة الأعلى

وتابع أبو عواد: “لكن هنا قبل أن أذكر هذا؛ أريد أن أربط بين هذا السياق وسياق سورة الرحمن، ففي سورة الرحمن يعني لاحظ بعض الناس اللي يعني حتى من الطرف الآخر الذين يطعنون في القرآن الكريم لعدم.. في الحقيقة لم يعطِ نفسه فرصة حقيقية ليتدبر، يقول لك (ٱلرَّحمَٰنُ عَلَّمَ ٱلقُرءَانَ خَلَقَ ٱلإِنسَٰنَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ)، فبيقول لك هو هذا معكوس السياق، الرحمن لازم يقول الرحمن خلق الإنسان علم القرآن علمه البيان أو علمه البيان، وآخر شيء علمه القرآن، ليه؟ لأن هو مسكين يسقط الألفاظ، يسقط المعاني على الألفاظ حسب ما يتوارثه، فتولد عنده مطاعن، فقال الرحمن علم القرآن، القرآن ليس هو البيان الذي علمه آدم، بعد ذلك سأشرح هذا، القرآن معناه مجرد إعادة شيء كما هو، ولذلك جاءت الآية لما كانت تخاطب الرسول، عليه الصلاة والسلام، (لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِۦٓ إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُۥ وَقُرءَانَهُۥ فَإِذَا قَرَأنَٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُۥ)، طيب أليس أصلاً القرآن نزل عن طريق الملك، عن طريق روح القدس؟ إذن الملائكة عندها قدرة القرآن، القدرة على القرآن، علمتها الملائكة، يمكنها أن تعيد ما تسمع؛ لكن لا يمكنها أن تصل إلى البيان الذي نتج عن تعليم آدم الأسماء، هذا هو الفرق..

لذلك تعليم القرآن سابق على خلق الإنسان، لأنه بوجود الملائكة قبل أن يخلق الإنسان أصلاً، ثم خلق الإنسان، ثم جاءت المرحلة الأعلى التي هي (وعلم آدم الأسماء كلها)، علمه البيان، شوف التناسق العجيب والتعاضد في النص القرآني، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، طيب إذن ما معنى علم آدم الأسماء؟ هذه الفكرة أنه ترديد شيء موجود ككلام، معناها هم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، داخل في نفس الإطار؛ لكن تعليم البيان معناها أن يصبح لدى الإنسان القدرة، ليس فقط على التصرف في الخير والشر، لأ؛ أن ينقل هذا الأمر، فيصبح داعياً إلى هذا، إلى غيره.. الآن علم آدم الأسماء، الموضوع بدأ بتعليم الأسماء، كلمة اسم بالنص القرآني واضح جداً أنه المقصود فيها الوسم، التوسيم، ولذلك، والتعليم، موضوع التعليم مختلف عن موضوع الإقراء؛ يعني (فَإِذَا قَرَأنَٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُۥ) هذا هو التلقين، لذلك كثير من الناس يظن أن الله علم آدم الأسماء كلها، فيرجع فيذهب إلى فكرة الإقراء التي هي التلقين، وهذا ليس بصحيح، ما يمكن أن نستنتجه من تعلم الأطفال للغة أو اللسان أن التعلم يجري وَفق أولاً محاكاة الأصوات الموجودة في الخارج، فيعني معناه لذلك قُلت لك هذه مرحلة التعليم، مرحلة لاحقة، بعد أن يعني أخضعت الملائكة لسنة وجود البشر.. إلى آخره، أطلق البشر في الوجود يتعلمون الأسماء؛ فمعناها هو عاش في الطبيعة، فبدأ يحاكي الأصوات الموجودة في الطبيعة، والطبيعة فيها أصوات الحروف، ستلاحظ أنها موجودة، يعني موزعة في ثنايا الطبيعة”.

الطريقة الفطرية الصحيحة

واستكمل أبو عواد: “وهذه هي الطريقة الفطرية الصحيحة التي لم تنحرف بتشكل ألفاظ اللسان؛ إنه يسمع الصوت من الطبيعة، وطبعاً هذا بالمناسبة يعني حتى لا يقول أحد إنه أنت هذا قال به كثير من العلماء السابقين، من ضمنهم، أشهرهم يعني، قال أحمد بن فارس، صاحب معجم (مقاييس اللغة) المشهور جداً، هو تبني هذا الرأي وغيره.. على كل حال هم قالوا إنه المقصود هنا بتعليم آدم؛ أي أنه جعل في دماغه آلية، يعني ميكانيزم تجعله قادراً على أن يسمع الأصوات، فيولد يعني منها ما يتناسب مع ما سمعه، يعني هو يرى صوتاً مقترناً بصورة، مقترناً بمشهد معين.. إلى آخره. الدماغ فيه آلية أن يدرك أن هذا الصوت له المعنى الفلاني، فتبدأ الأصوات صوتاً صوتاً، يعني حرفاً حرفاً، ثم بعد ذلك يتعاضد صوت مع صوت آخر، ثم نصل إلى بعد ذلك، مرحلة الجذور الثلاثية، وأحياناً تجد أن الجذر الثلاثي لا يفي بالغرض، فيضاف إليه حرف رابع يعزز، القوي؛ ولكن هذا نادر..”. 

تشكُّل المعنى.. قدرة فطرية وضعها الله في آدم

وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “ما دام الإنسان بدأ يفهم انعكاسات الواقع، كيف أعطى لهذا الانعكاس أو لهذا الصدى نتيجة واقع، يعني كيف تشكل المعنى في ذهن الإنسان؟”، قائلاً: “هو الله سبحانه وتعالى قال (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، لاحظ الكلمة أيضاً تعلمون، (لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)، يعني الأفئدة جاءت في آخر المطاف، الأفئدة هي التي تقترن بالمخ والاستنتاج والعقل.. إلى آخره. إذن هو الإنسان يشترك عنده السمع والبصر ولا تدخل عليه الصورة الطبيعية إلا مقترناً فيها المسموع بالمبصر، فيتشكل في الدماغ صورة ذهنية يجردها الدماغ، هذه قدرة فطرية وضعها الله في آدم، ولذلك قال وعلم آدم، يعني ميزها حتى عند الملائكة، لم تكن موجودة، إنما وجدت فقط في آدم؛ إنه يدرك المسموعات ويدرك المبصرات ويستطيع، يتخيل لها أولاً معنًى تجريدياً يحاكيها بجهازه الصوتي، ثم ينقل هذا المعنى المباشر الذي رآه في الطبيعة إلى أشياء مشابهة تشترك في معنى كبير..”.

المعنى المفهومي

واختتم أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وهو ما نسميه بالمعنى المفهومي، يعني مثلاً هو سمع صوت الماء، يعني حرف الخاء وحرف الراء، إذا ركزت في صوت الماء الذي يتدفق في الطبيعة ستجد أن في صوت الماء في الطبيعة ما يشبه صوت الخاء وصوت الراء، طيب أخذ منه الإنسان هذا الصوت (خر) أول ما أطلقه ليعبر عن الماء (خر الماء)؛ لكن صار يوسع هذا المعنى فيطلق هذا على السقوط، يطلق هذا على الانهيار، يطلق هذا على معانٍ كثيرة، حتى يقال مثلاً (خارت قواه) أو (خرت قواه)، لاحظ مع أنها شيء معنوي، ويرسم للقوة صورة يتخيلها بصورة ذلك الماء المحسوس أول مرة، ثم يسقط عليها المعنى الذي أخذه بالسمع والبصر باستخدام الأفئدة وَفق آلية مزروعة، برمجة يعني، برنامج سوفت وير أساسي موجود في الدماغ البشري، وصفه تشومسكي وغيره من علماء اللسانيات العرب أصلاً قبل ذلك يعني حتى”.