لقد مرت خمسة عقود ونيف من عمري، ومع ذلك؛ لم أُعاصر حقبة الحربَين العالميتَين، ولا الحروب الصينية أو الإسبانية الأهلية، ولا الحرب الباردة، أو بداية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وحرب استقلال الجزائر وقناة السويس.
كما لم أكن في سن تسمح لي بفهم سياسي صحيح لما يحدث خلال حرب فيتنام أو حرب الأيام الستة، ولاحقاً الحرب السوفييتية- الأفغانية، وحروب الخليج، والحرب اللبنانية الأهلية، والبلقان والمجازر في رواندا.. والعديد غيرها؛ لكن الأزمات الطاحنة التي مرت على بعض الدول العربية فتحت عينَي بقوة على أمر عظيم، حتما رآه غيري كما رأيته أنا: إن حروب البشر هي حروب الأفكار التي لا يحبذونها أو يقبلونها، أو تلك التي يريدون أن يفرضوها بالقوة على بعضهم البعض.
خارج هذه المعادلة، قد لا يقتل الإنسان إنساناً آخر، وقد لا يوجد لديه دافعٌ للانتهاك. إن الأنظمة؛ سواءُ أكانت سياسية أم اقتصادية أم دينية، هي مجموعة من أفكار وعقائد يؤمن بها عدد محدد من الأفراد، يتطلعون إلى استمراريتها ورؤية الباقي من العالم تحت جناحَيها. قد تقوم الحروب من أجل مصالح اقتصادية بعينها أو إعادة توزيع موارد الثروة والخامات بطريقة جديدة، وذلك حسب استقطابية القوى المهيمنة وقوتها العسكرية والمادية، وهذا هو الظاهر. أما الباطن فأعتقد أنه يقول كلاماً آخر. إن النظام العالمي، على سبيل المثال، هو توليفة من الأفكار المرتبطة ببعضها بطريقة تجعلها تمثل عقيدة متكاملة بحد ذاتها؛ لها أتباعها ومريدوها والمدافعون عنها، وكذلك المناهضون لها و”لفكرتها” والذين يُطلق عليهم، كلاسيكياً، اسم “العدو” بكل صراحة ومباشرة.
والحق، إن كل فكرة الاستعمار واغتصاب الأراضي والاحتلالات حول العالم، ما هي إلا هذه الرغبة الدفينة بجعل المناطق المُحتلة “تشبه” تماماً تلك التي أتى منها المحتل. إنها أيضاً عملية نفسية كبرى ترمي إلى إعادة إنتاج هوية المُحتل كفرد وكتراث من خلال نزع تراثه الخاص وإحلال مكانه تراث وأفكار الغازي. أما محرك كل ذلك فيمكن اختزاله بالتالي: (إن العالم الذي يشبهنا هو الأكثر أماناً بالنسبة إلينا، والحياة في وسط تعددي أمر لا يمكن لنا إدارته أو التحكم به بشكل كامل، وهو غالباً ما يكون ملآن بالمفاجآت التي ربما لا يمكن تفاديها أو التعاطي معها). حتى الدول التي تؤمن بالتعددية والتسامح العنصري والإثني، تخاف من الاختلاف وتعتبره ضمناً نوعاً من التهديد الذي يمكن أن ينفجر في وجهها في أية لحظة.
إن العدوانية المستترة لهذه الدول لهي أمر واضح وضوح الشمس؛ فهي من جهة ترفع شعار الاختلاف والتعددية، ومن جهة أخرى تعتبره التهديد الوحيد الذي تجب مراقبته وضبطه بكل الوسائل المتاحة. إن فكرة تحويل الفرد إلى “شريحة بيانات” أو حتى “رقم”، يقف مسمّراً ضمن رتل طويل، ينتظر دائماً أمراً ما، إنما لم تأتِ من مخيال كتاب السينما في هوليوود أو مفكري الاتحاد السوفييتي والصين، وإنما أتت تماماً من هذا الخوف من التميز والتفرُّد والتعدُّدية والأفكار “المختلفة” التي تتطلع إلى فرض نفسها عن طريق تمردها وإعلان خصوصيتها. إذن، هناك خوف دفين من “أفكار” الآخر التي لا نراها والتي لا نعرف إلى ما ترمي حقاً.
وما دامت هذه الأفكار قابعةً في ذات الآخر غير معلن عنها؛ فهي إذن، الخصم الأكثر مباشرة واحتمالاً، وإلا لِمَ يقف الواحد منا يستمع إلى عشرات الأسئلة عن هويته وميوله وأين كان وإلى أين هو ذاهب في نقاط التفتيش المنتشرة في المطارات وعلى معابر الحدود بين الدول؟ إن الاختلافَ والتعدديةَ بالنسبة إلى العقل الإنساني ليسا أمراً مُمتعاً أو مريحاً، وإنما يتطلب الكثير من الحذر والحسابات العاجلة والجهد لتقبله. صحيح أن بعض المنظومات السياسية تتغنى به وتفرضه؛ ولكن تحت هذا الشعار “العظيم” تكمن التفاصيل الشيطانية التي يخاف منها ليس فقط هذه المنظومات بالذات، وإنما الكثير غيرها.
إن الاختلاف مهدِّد للبقاء بالنسبة إلى الخائف. هكذا تولد الحروب بدواعٍ اقتصادية وتحت مسميات كثيرة؛ أبشعها “الحروب الضرورية”، لكن الواقع هو الهيمنة والسيطرة على المناطق المجاورة، بهدف تحويلها إلى ثقافة تابعة تشبه تلك التي غزتها، وهكذا لا تعود مناطق “معادية” وإنما مناطق “آمنة وشبيهة” بمناطق الغازي. إن المطامع الاقتصادية هي تماماً مثل مَن يتطلع إلى جارته الجميلة من وراء الستارة ويشتهيها لنفسه. إن لديه زوجة وحياة كاملة؛ ولكنه في قرارة ذاته يريد زوجة جاره، ويتمنى أن يحظى ببيته وكل ما يملك. هذا ليس أمراً شاذاً مع الأسف؛ وإنما هو موجود في طبيعة الكائنات الحية، والشرائع القديمة انتبهت له ووضعت القيود عليه، مدركةً أنه في أصول النزعة البشرية.
والدول، كمثال على مستوى أعرض، تفعل الشيء نفسه، “ما لغيري أتمناه لي”، أما الآلية الشعورية فتتلخص في التالي: (سوف أجعل “هذا الغير” لي، أحتله، أضع يدي على موارده، على لغته، على إرثه الثقافي، وأعمل على تزويره وتشويهه، أجعله يشبهني.. وهكذا، بعد أن أصبت هويته في مقتل، يصبح عديم الخطر وعاجزاً عن التمرد. عندها فقط، يمكن أن أستدخل عقيدتي فيه فأحوله “إلى واقف في صفي” ومدافع عني، وهكذا أرتاح من كل “الفكرة” التي يمثلها). إن مدينة “تدمر” الأثرية السورية هي مثال على هذا الخوف من الفكرة.
إن ما حدث في تدمر (لا يعتبر معركة أخرى) في الحرب السورية المُنهكة، وإنما لأن هذه المدينة تمثل، من بين أوابد سورية غيرها، الامتداد التاريخي العميق للهوية والثقافة في هذه البقعة من العالم. إنها تمثل “الفكرة” التي يمكن أن يعتد بها السوري، “فكرة هويته” التي تشكل التحدي والخطر الكبير أمام الغازي. إن تدمير النصب والمقامات الأثرية لا يحدث فقط لأن هناك فكراً متطرفاً لا يؤمن بها -وهو موجود من دون شك ويفعل ما يقدر عليه لتدمير الإرث الإنساني- وإنما لأن المستهدف قبل هذه النصب هو ماهية الهوية بكل فرادتها التي توحي بها هذه النُّصب، والتحدي الذي تنطوي عليه هذه الفرادة. إن المخطوط الذي كتبه الرَّحالة “حنا دياب” في القرن السابع عشر، بلهجته السورية الحلبية العامية عن رحلاته في بلاد الشام وشمال إفريقيا وصولاً إلى فرنسا، حين كان مرافقاً لبول لوكان، المبعوث الخاص للملك لويس الرابع عشر إلى بلاد الشام وتركيا، إنما يشي بقوة بهذا الخوف من “فكرة الثقافات الأخرى”.
لقد كان حنا دياب يتحدث العربية والفرنسية والبروفنسية والتركية، ولهذا اقترح بول لوكا عليه أن يكون مترجمه الخاص وهو يبحث، بناءً على طلب الملك الفرنسي، عن مخطوطات، ولقى أثرية لكي يجلبها معه إلى فرنسا. في مخطوطة حنا دياب، نعثر على هذا الولع والجشع بنهب كل ما هو ثمين وأثري من تلك المنطقة التي كانت القوى العظمى، آنذاك، تتطلع إليها باعتبارها بكراً يحتلها “شعب دون المستوى”. لقد وعد لوكا حنا دياب بمنصب في المكتبة الملكية في باريس حالما يصلان إليها، ولكنه لم يفعل وإنما التقى هناك المجمعَ والمترجم الأول لليالي العربية (ألف ليلة وليلة) إلى الفرنسية، الشهير أنطوان غالان. كان هذا الأخير قد توقف عند المجلد السابع عشر من دون أن يعثر على المزيد من القصص لكي يكمل بها مجموعته.
عندما التقى دياب كان كمن عثر على كنز عظيم؛ لقد سرد له دياب خلال جلسات مطولة معه قصصاً من خياله، لم تكن موجودة في أي مكان على الإطلاق؛ من بينها علاء الدين وعلي بابا، وإنما في عقل هذا الرجل ذي الموهبة الفطرية السردية الخارقة والمُتَجَاهلة عبر العصور. إن محركات البحث التابعة للذكاء الاصطناعي تنفي أن يكون لحنا دياب أية علاقة بأي شيء يتعلق بالليالي العربية، حتى يُطلب من هذه المحركات معطيات عن أية سردية تاريخية، فإن الإجابة غالباً ما تكون مطابقةً مع وجهة نظر وفكر “مُلقمه”، وليس بالضرورة كما حدثت فعلاً في الواقع. الحق، إن هذه واحدة من الأسلحة الفتاكة التي تنفي “فكر وثقافة الآخر وتاريخه”؛ لتعيد صياغته في أحسن الأحوال أو نفيه، وهكذا يموت هذا الفكر جيلاً بعد آخر، تحت ركام التزوير المهول. في إحدى المرات، عندما كنت في صدد كتابتي روايةَ “نبي دمشق”؛ استعنت بموسوعة وبستر هنتيغتون، وهي من الموسوعات الكبيرة العريقة منذ القرن السابع عشر.
لقد أردت البحث عن معلومات تاريخية تتعلق بالخط الزمني للقديس بولس، وبظني أنني أستعين بمرجعية حيادية مهمة؛ لكن الحقيقة أن هناك يداً مُزوِّرةً عبثت بالكثير من المعطيات إلى درجة الهزل، فلقد ذكرت الموسوعة أن القديس بولس انقلب إلى المسيحية وفي طريقه إلى دمشق (على الأغلب ليست دمشق الموجودة في سوريا)، كما ذكرت الموسوعة. غريب كيف يتم التزوير عن سابق تصوُّر وتصميم بداعي هدم الفكرة التي يبني عليها الآخر وجوده وهويته. بالتأكيد هناك أمثلة تاريخية كثيرة أبكر على هذا الجشع الدفين في السيطرة على الآخر من خلال “تدمير فكرته وامتلاك ثقافته في آن”. مع ذلك، حين تتغير الأفكار؛ فإن المحيط الفيزيائي كله يتغير في لحظة. كأن الكون المادي يُعاد قولبته وتشكيله انطلاقاً من “وجهة النظر بالذات”، انطلاقاً من طبيعة التفكير وطبيعة الفكرة في آن. تتغير الفكرة، فتتغير البيئة معها وتنصاع لقوتها.
إن اختراق البرجَين في حادثة الحادي عشر من أيلول، أو اقتحام المدن من قِبل الغزاة، أو اقتحام الثقافات المختلفة من قِبل المراكز الثقافية، ووسائل الإعلام المختلفة (جدران الإنترنت، الفيسبوك، التويتر، الإنستغرام، والصحف والجرائد والتليفزيونات الفضائية، وكذلك جدران المدن والحافلات وكل ما يُكتب عليهما) إلى عمق المنازل المأهولة بسكانها؛ ما هو إلا البعد الرمزي والمباشر لدخول الأفكار واقتحامها إلى عالم “الآخرين”. إنها في الواقع حرب حقيقية كاملة؛ لكنها لا تحدث بشكل متقطع وإنما من دون توقف، وهنا تكمن خطورتها العظيمة. ومن الأمثلة الأكثر وضوحاً على ما ذكرت ربما هذا الصراع القديم بين فكرتي “الرأسمالية” و”الاشتراكية” أو “الشيوعية”. تعتبر كلمة “اشتراكي” أو “شيوعي” مثلاً اليوم في أمريكا الشمالية من الكلمات المستهجنة غير المقبولة والمليئة بالشك والتخوين .
لقد استطاعت الرأسمالية تحويل “فكرة الشيوعية” إلى وحش كاسر يخاف الجميع منه إلى هذه اللحظة. فبعد الحرب العالمية الثانية التف العالم كله حول فكرتَين كبيرتَين تحولتا بسرعة إلى نظامَين عالميَّين، جمع حولهما دول العالم ومنظماتها وأفرادها. والحق إن هاتين الفكرتَين لم تبقيا ترفاً فكرياً يتلهَّى به مثقفو العالم في أوقات فراغهم، وإنما تحولتا بحدة إلى (معسكرَين)؛ وهو التعبير الحربي المباشر الذي يعكس بقوة هذا الصراع المرير لسحق بعضهما البعض، ضمن سلسلة حروب طويلة علنية وسرية لم تنتهِ إلى اليوم.
الحقيقة، لم تخف الرأسمالية فقط من صعود المارد الأحمر بكل ثقله الأيديولوجي، وإنما أيضاً من هذا “القاموس الثقافي والفكري الكبير” الذي يملكه، والذي بدا مغرياً بشكل كبير للغالبية الساحقة من سكان العالم؛ خصوصاً العمال والمحرومين، والذي كان مناقضاً للقاموس الثقافي والاقتصادي الرأسمالي. إذن، كان لا بد من قانون “يحمي” المجتمع من هذه “الأفكار” الخطيرة، والحل لم يكن بفرض قانون (1954) الذي يجرم ويخوَّن كل مَن ينتسب إلى هذا الحزب؛ وإنما أيضاً بإعلان حرب باردة طويلة الأمد لم تنتهِ إلى هذه اللحظة. لقد اعتبر الحزب الشيوعي حزباً خارجاً عن القانون، مهدداً للأمن القومي الأمريكي، حتى لو مارس أبسط أنشطته السلمية.
أما الأدوات التي استخدمت في هذه الحرب الباردة؛ فهي التكذيب والشيطنة وإعادة الأدلجة… إلخ، إن كل فكرة العولمة إنما هي تذويب الاختلاف بحيث يتطلع الجميع في بعضهم البعض، فيرون نسخاً مكررة “غير مُهددة لبعضها البعض”. بالمقابل، يتصاعد “التفسير المتعدد للخطاب الواحد” اليوم، كنوع من الرد على عملية التذويب هذه. فالفردانية والاختلاف والتعددية تم تطويعها وترويضها من خلال “قبولهم”.
إن فكرة “قبول الآخر المختلف عني” هي في نفس الوقت تطويع وترويض لهذا الخوف من “فكرة هذا الآخر”، من اختلافه وفردانيته وتميزه، من خطابه المختلف، من ابتكاره، وإبداعه. الجميع يطلب منك أن “تقبل” بدلاً من أن “ترفض بعنف”؛ أن تكون مرتاحاً مع الآخر مهما كان تعبيره متطرفاً عن فكرته وعن نفسه. القبول هو البديل السلمي للرفض العنيف الذي تتم مراقبته وضبطه بكل ما لدى التكنولوجيا من ذكاء وحنكة؛ شرائح إلكترونية، تطبيقات مراقبة على الهواتف النقالة، الذكاء الاصطناعي المبني في الأجهزة الإلكترونية في المنازل والذي يعرف ميول وأفكار سكانها… إلخ! كل هذه تعمل من دون توقف على الاكتشاف المبكر لأي تهديد محتمل. وهكذا يلتف “القبول” برداء غير حقيقي مفرغ من أية محبة حقيقية أو شراكة غنية مع الآخر، أو احترام لثقافته ولما هو عليه.
إن الأمثلة لا تعد ولا تحصى عن صراع الأفكار في العالم الذي تحول إلى صراع مسلح دموي ما زالت جذوته متقدة وقائمة. أما الحل فيكمن، كما أعتقد بقوة، في العقل الإنساني؛ في تثقيفه وتربيته على أسس جديدة كلياً، جيلًا بعد جيل؛ بحيث تتبدل طبيعته ويصبح قادراً على تبني “فطرة جديدة” تقبل بالفكرة المختلفة واللون المختلف والعقيدة المختلفة ووجهة النظر المختلفة من دون أن يختل توازن الهوية الأصلية التي يجب أن تتطور، هي الأخرى، ضمن عملية الصيرورة الزمانية والمكانية الطبيعية، ومن دون الشعور بالتهديد لهذه الهوية من هذا الاختلاف. إن المليارات التي تهدر على سباق التسلح واختراع أوهام عن خطر محتمل هنا وهناك، وتفعيله إن تطلب الأمر، يمكنها، لو أراد أصحابها، أن تجعل هذا الحلم محققاً؛ حلم تغيير هذا العقل والعناية به بدلاً من تخريبه وأدلجته، عن طريق خبراء يعملون كموظفين لدى الحكومات؛ من أجل الهيمنة الجماعية وبث الرعب من كوارث محتملة قادمة فقط من أجل صب المزيد من النقد في حساباتهم المتضخمة.
حتى “داعش” أصبح يملك مثل هؤلاء الخبراء، لكي يعينوه على نشر (أفكاره) وفرضها بالقوة على المناطق التي يحتلها. صحيح أن هناك عقولاً بشرية اليوم استطاعت أن تحقق اختراقاً كبيراً جداً بالنسبة إلى فهم وقبول الآخر من دون أن تشعر بالتهديد؛ ولكنها تعاني الأَمَرّين في وسط ما زال يحبو على أربعة بالنسبة إلى قبول أن “هناك أحداً ما غيري مختلف عني في هذا العالم ولا يهددني اختلافه”.
ويمكننا أن نصل إلى آخر هذا النفق عندما تتوفر إرادة حقيقية وقادة رأي حقيقيون يأخذون هذه السفينة الوشيكة على الغرق إلى شط الأمان. لقد استطاع ستيف جوبز أن يغير سحنة العالم اليوم من خلال الـ(آيبود) و(آيفون).. إلخ، سامحاً لأفكار الجميع أن تنتشر مثل النار في الهشيم وفي كل الاتجاهات، مع ذلك ماذا فعل الإنسان؟ لقد استخدم هذه التقنية في حربه مع أفكار الآخر فاسحاً المجال بذلك لمخياله لكي يزدهر ويستطيل بكل ما يملك من حنكة وكره للآخر وتزوير لثقافته وفكره. ومع ذلك، ورغم كل شيء، فإن هذا العالم لم يفن إلى هذه اللحظة، ليس بفضل ثورات ستيف جوبز أو الثورة المعلوماتية أو ثورة الأقمار الصناعية أو ثورة الهندسة الوراثية أو الطبية أو الذكاء الاصطناعي، وإنما لأن هناك أفراداً قلائل ما زالوا يعملون ليل نهار؛ لكي تقول فكرتك أنت المختلفة عن فكرتهم من دون حروب أو استفزاز أو هيمنة أو قسر، والأهم من دون خوف أو تهديد.