Skip to content Skip to footer

الحاكمية في الفكر الإسلامي المعاصر (دراسة نقدية) | أحمد الرمح

كيفَ تحوَّلَ مصطلحُ “الحاكميَّة” من مفهومٍ عقديٍّ إلى أداةٍ سياسيَّةٍ دموية؟ ومَن ابتدعَ هذا المصطلحَ الذي صارَ مذبحًا للشبابِ وقربانًا للسلطة؟ وكيفَ شوَّهَ دُعاةُ الإسلامِ السياسيِّ آياتِ القرآنِ لشرعنةِ العُنفِ؟ دراسةٌ نقديَّةٌ جريئةٌ تكشفُ جذورَ “اللاهوتِ السياسي”.

الملخص التنفيذي:

الحاكمية هي المذبح الذي قَدَّم عليه دعاةُ الإسلام السياسي آلاف الشباب من المسلمين المتحمسين كقرابين كي يصلوا إلى السلطة، ليحكموا البلاد الإسلامية! ويكاد هذا المصطلح أنْ يكون من أخطر المصطلحات التي نُسِبَت للإسلام، حتى يتزعم قادة الإسلام السياسي الدولة والمجتمع، حيث استخدموا آيات من القرآن الكريم منزوعة من سياقها، ليروجوا أمام الحاضن الاجتماعي الداعم لهم بأن مسألة وجودهم بالسلطة قضية شرعية/ دينية، فدارت معارك طاحنة في شرقنا البائس بين الجماعات الإسلاموية والسلطات الحاكمة، وذهب ضحيتها المتحمسون من أبنائنا.

هذه الدراسة تطرح مفهوم الحاكمية لغةً واصطلاحاً، وتنقد المفهوم لدى دعاة الحاكمية المعاصرين، وتختم بدراسة لآيات الحاكمية التي زعموا أنها دليلهم في مشروعية جهادهم لتحقيق هذا الهدف! هذا كله نناقشه من خلال المحاور التالية:

المحاور:

  • المدخل
  • الحاكمية لغة واصطلاحاً
  • أقسام التوحيد عند ابن تيمية
  • أبو الأعلى المودودي، المبتدع الأول لمصطلح الحاكمية!
  • الحاكمية في دعوة “حسن البنا”
  • نقد حاكمية سيد قطب
  • مفهوم الحاكمية عند جماعة الإخوان المسلمين ونقدها
  • الحاكمية عند السلفية
  • نقد الحاكمية عند د. محمد شحرور
  • دراسة لآية (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
  • خلاصة القول

 

المدخل:

هناك أكاذيب كبرى منسوبة للدين الحنيف، تمت صناعتها من قبل كهنة الدين الموازي لأسباب سياسية/سلطوية، لتصبح من المسلمات في اللاهوت الإسلامي، كالقضاء والقدر، والولاء والبراء، ومفهوم الحسبة في الإسلام، والحاكمية الإلهية وغيرها!

دعونا نتوقف مع نقد لمفهوم الحاكمية المُبْتَدع حديثاً، هذا المفهوم الذي ذهب ضحيته آلاف المسلمين لمشروعات سياسية/ سلطوية باسم الدين، والدين منه براء.

ربما يظن بعضكم أن الحديث عن الحاكمية اليوم ترفٌ فكري، لكننا نلفت انتباهكم بأنّ الحاكمية هي المذبح الذي فقدنا من أجله آلاف الشباب من المسلمين، وذهبت الأوطان نحو الفوضى والخراب! وما يزال كثيرون يموتون على مذبح الحاكمية.

الحاكمية لغة واصطلاحاً

لفظ (الحاكميّة) من الألفاظ المولّدة القائمة على غير مثال سابق في اللغة العربية، وأول من استخدمه في خطابه الديني السياسي وعمل على “أدلجته” ومن خلاله اشتهر المصطلح هو “أبو الأعلى المودودي” ([1])، ثم أخذه عنه “سيد قطب” ([2]) وجعله من أقسام التوحيد، لتتبنى (السلفية) بمدارسها المختلفة المصطلحَ بعد توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، حتى أصبحت أقسام التوحيد عندهم أربعة، وعارض “قطبَ” بذلك كثيرون.

وأي مصطلح لا يُشتق من مقاصد الإسلام، يعدُّ منسوباً لها، ولو قال به مَنْ قال.

الحاكمية: مشتقة من الفعل: (حَكَمَ) ولها عدة معاني:

  • القضاء: ومنه الحكم بين الناس إذا قضى بينهم وفصل الأمر ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (سورة النساء: 58) وهذا ما ذهب إليه ابن المنظور في لسان العرب. ([3])
  • وتعني أيضاً العلم والفقه لقوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ (سورة مريم: 12) أي علماً وفقهاً.
  • وتأتي بمعنى الإتقان يقال: أحكمت الشيء إذا أتقنته.

الحاكمية اصطلاحاً

لنستمع إلى الإمام “سيف الدين الآمدي” كيف يعرفها في كتابه الشهير “الإحكام في أصول الأحكام” قال معرفاً الحاكمية: إنها طاعة الله وحده والالتزام بأوامره ولا طاعة ولا التزام بأمر أحد إلا بأمر الله. ([4])

وعرّفها “ابن أمير الحاج” في كتابه “التقرير والتحبير” قائلاً: الحكم علي الأفعال والأشياء من حيث الثواب والعقاب. أما السبكي في كتابه “الإبهاج في شرح المنهاج” فعرفها بقوله: حكم الشرع دون العقل. ([5])

وهنا لا بد من التنويه أنهم لم يسموها بمصطلح اليوم “الحاكمية” إنما تحدثوا عن الأحكام الشرعية، المتمثلة بإفعل ولا تفعل.

لكن سيد قطب ذهب بها إلى معاني عقائدية ذات مدلولات سياسية في كتابه (معالم في الطريق) إذ قال: هي إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان، إفراده بها اعتقاداً في الضمير وعبادة في الشعائر وشريعة في واقع الحياة. ([6])

وكثير من المصطلحات أصبحت تأخذ شرعيةً دينية، وحتى اعتقادية، لأن من دعا إليها إمامُ منهج معين، علماً أن هناك مخالفين كُثر لتسيس المصطلح.

أقسام التوحيد عند ابن تيمية

حينما طرح “ابن تيمية” في القرن الثامن الهجري تقسيمات التوحيد، وغدت من مُسلمات الإيمان والاعتقاد عند اتباع المنهج السلفي، أسس شرعياً لمفهوم التوحيد الذي يجب أن يلتزم به اتباع مدرسته، واتَّبَعه في ذلك التقسيم الملايين من المسلمين، حيث بيَّن أن التوحيد يقسم إلى ثلاثة أقسام:

  • توحيد الألوهية: أي افراد الله بالعبادة ونفيها عمن سواه.
  • توحيد الربوبية: أي أن الله الخالق الرازق والمعطي والمانع والمحي والمميت.
  • توحيد الأسماء والصفات: وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بما سمى الله به نفسه، ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، وذلك بإثبات ما أثبته من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل. فلابد من الإيمان بما سمى الله ﷻ به نفسه ووصف به نفسه على وجه الحقيقة لا المجاز. ومن اعتقد بسواها فقد أشرك. ([7])

ولكن “ابن تيمية” في هذا التقسيم لأنواع التوحيد، أبقاها ضمن مفهومها الديني الاعتقادي، ولم يتكلم بها من منظور سياسي. والحقيقة أنّ أساتذة الأشاعرة ([8]) ردوا عليه بشدة رافضين تلكم التقسيمات، واعتبروها بدعة ما أنزل الله بها من سلطان.

إلا أنّ “سيد قطب”، أضاف مُبْتدعاً التوحيد الرابع لهم، حينما أطلق عليه توحيد الحاكمية! رغم أن كثيراً من أتباع السلفية التقليدية خالفوه في ذلك، وهم الفريق الذي يرفض الخروج على ولي الأمر ــ السلفية الجامية أو المدخلية ــ وهؤلاء ولا ينتمون تنظيمياً للسلفية الجهادية. ([9]) 

الحاكمية في مفاهيم مختلفة!

سنقوم بجولة شمولية سريعة لمفهوم الحاكمية عند مجموعة من الذين اهتموا بهذا المصطلح، ووضعوا له أبعاداً وأصولاً إسلامية/سياسية! ثم ننقدها بعجالة، حيث إن الموضوع يحتاج لسفر عظيم للتفصيل فيه.

أبو الأعلى المودودي، المبتدع الأول لمصطلح الحاكمية!

كان المسلمون على رأس السلطة بالهند قبل الاستعمار البريطاني، وكانوا الداعم الأكبر لتحركات (غاندي) المطالبة بالاستقلال، كما أشار إلى ذلك “خير الدين التونسي” في كتابه (تاريخ الهند). ولكون الدولة الوطنية في الهند ذات الشكل الديمقراطي والبرلماني والعلماني، ستحتكم لصندوق الانتخاب، تشكلت أحزاب سياسية كثيرة، تنتمي للمكونات الأخرى كالهندوس والسيخ، وبما أن المسلمين يشكلون أقلية سكانية بالنسبة لهم، فإن خضوعهم للعملية الديمقراطية والنظام البرلماني، سيخرجهم من السلطة من جانب، ومن جانب آخر سيجعلهم يقبلون بنتائج التشريعات البرلمانية التي ستنتجها المؤسسة التشريعية في البرلمان الهندي، حينئذ ستهضم حقوقهم كأقلية سكانية، وتُنتهك شريعتهم.

في خضم تلك المتغيرات في شبه القارة الهندية، بدأت الفكرة تتبلور عند “أبي الأعلى المودودي” الذي قرأ المتغيرات السياسية في الهند من خلال منظور سياسي، وفهم تماماً ما ستنتجه الدولة الوطنية الحديثة، ونظامها البرلماني، فأعلن احتجاجه على هذا النمط من النظم السياسية، وبدأ يكتب ويدعو لمعارضتها. ([10])

في ذلك التوقيت ظهر زعيم سياسي يحمل فكرة انفصال الباكستان وبنغلادش عن الهند هو “محمد علي جناح” الذي أسس الرابطة الإسلامية، حتى يحكم المسلمون أنفسهم في دولة منفصلة عن الهند بالشكل المدني الديمقراطي الذي تأثر به جناح نتيجة دراسته للحقوق في بريطانيا.

عارض هذه الخطوة كثيرٌ من الإسلاميين الهنود ومن أشهرهم أساتذة المدرسة (الكندهلوية) وهم من أكابر علماء الهند، وأسسوا فيما بعد (جماعة التبليغ والهجرة) وكذلك عارضها بشدة فريق العالم الهندي المجدد “وحيد الدين خان” الذي لايزال اتباعه في الهند يعدّون خطوة “المودودي” و”جناح” خيانة لهم، وإضعاف لأي دور للإسلاميين في الهند، كما تحدثوا عن اتهامات خطيرة ذات بعد تخويني لجناح والمودودي! وقالوا فيهما ما قال مالك في الخمر! ([11])

وكما هي العادة عند التأطير لفكرة ما ذات هدف سلطوي أو سياسي في مجتمع متدين، لابد من إيجاد اللبوس الشرعي لها، لتغدو ذات صفة شرعية فتكون جاذبة لحامل شعبي لها، ليصبح هذا الحامل حاضناً لها، وداعماً في سبيل تحقيقها، هنا نادى “المودودي” بالحاكمية الإلهية، ليظهر هذا المفهوم وبهذا الاصطلاح لأول مرة في القرن العشرين!

أكد “المودودي” في كتابه (نظرية الإسلام السياسية) بأنّ الحاكمية ــ وهو صاحب ومؤدلج مصطلحها في العصر الحديث ــ هي أساس الإيمان وجوهره، والإيمان بها دليل على صفاء التوحيد الإسلامي من كل شرك. وهي نقطة الارتكاز التي ينطلق منها العمل لتحقيق حكم الله في الأرض! فالله هو الحاكم المالك لكونه، والمسيطر عليه، أما الأنبياء فهم مبلغون لتلك الحاكمية، والدعاة إليها، ولا يستطيع أحد من البشر الخروج عن تلك الحاكمية، وهذا هو جوهر الإيمان بالله، لذلك من الفريضة على المؤمنين بها أن يرفضوا كل الحاكميات البشرية، وأن يثوروا عليها، وينقلبوا ضدها. ([12])

ولذلك وضع “المودودي” النظرية السياسية في الإسلام من خلال مفهوم الحاكمية التي تدعو إلى نزع كل أمر أو تشريع يضعه البشر، إنْ كان على المستوى الفردي أو الحزبي أو البرلماني، ولا يخضع المؤمنون إلا لحاكمية الله فقط، وعليهم عصيان أية حاكمية أخرى.

وأكد أن أخطر الأشياء التي ابتدعها البشر، وتمثل منافسة لحاكمية الله هي العلمانية والديمقراطية والقومية! لذلك فإنّ كل من يدعو إلى هذه الأشياء التي تنازع حاكمية الله، أو يقبل بها، أو يؤمن بها، أو يخضع لها، فقد عصى الله ورسوله، وخرج عن حاكمية الله، وقبل بحكم الجاهلية. ولا توجد سلطة تحكم سلوك البشر، وتتحكم بها، سوى سلطة النص الديني المتمثلة بقال الله وقال الرسول! ولذلك لابد من الاحتكام للحجة النقلية والخضوع والانقياد لها، وإهمال والإعراض عن كل حجة عقلية.

وعندما حاول أن يفسر أفكاره إسلامياً حتى يجذب أعضاء الرابطة الإسلامية بزعامة “محمد على جناح” إليه قال في كتابه (النظرية السياسية في الإسلام) متحدثاً عن فكرته بالحاكمية:

الثيوقراطية الديمقراطية…وهي التي تكون في أيدي المسلمين عامة، وهم الذين يتولون أمرها والقيام بشؤونها، وفق ما أمر به كتاب الله وسنة رسوله وهي الحكومة الإلهية الديمقراطية…. وهي حاكمية شعبية مقيدة تحت سلطة الله القاهر وحكمه الذي لا يغلب. ([13])

الحاكمية في دعوة “حسن البنا”

في كتاب بعنوان (الخلافة) للشيخ “محمد رشيد رضا” (1865 ـ 1935) وهو التلميذ الأول للإمام “محمد عبده” طرح الحاكمية، ولكنه لم يسمها، طرحها كمفهوم لعودة الخلافة الإسلامية بعد سقوطها كسلطة للأمة وليس للخليفة، وقدم مفهومه في هذا الأمر للتأكيد على وجوب وجود الخلافة، حيث يقول:

أما السياسة الاجتماعية المدنية فقد وضع الإسلام أسسها وقواعدها، وشرع للأمة الرأي والاجتهاد فيها، لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان وترتقي بارتقاء العمران وفنون العرفان، ومن قواعده فيها أن سلطة الأمة لها، وأمرها شورى بينها، وأن حكومتها ضرب من الجمهورية، وخليفة الرسول فيها لا يمتاز في أحكامها على أضعف أفراد الرعية، وإنما هو منفذ لحكم الشرع ورأي الأمة. ([14])

وإلى الرأي ذاته ذهب الشيخ “حسن البنا” مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، إذ تحدث عن سلطة الأمة في محاولة منه لإعادة الخلافة الإسلامية بعد سقوطها عام 1924 ولكن بمفهوم متطور عن التطبيق السابق فقال:

وقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها، وأوصي بأن يكون كل مسلم مشرفاً تمام الإشراف على تصرفات حكومته، يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب، وهو كما فرض على الحاكم أن يعمل لمصلحة المحكومين بإحقاق الحق وإبطال الباطل، فرض على المحكومين كذلك أن يسمعوا ويطيعوا للحاكم ما كان كذلك، فإذا انحرف فقد وجب عليهم أن يقوموه علي الحق ويلزموه حدود القانون ويعيدوه إلى نصاب العدالة. ([15])

إذن “البنا” تحدث عن الحاكمية دون تسميتها أيضاً، إنما أشار إلى سلطة الأمة المسلمة في السياسة والاجتماع. وحتى يعود الإسلام للسلطة وتعود الخلافة، أسس “حسن البنا” تحالفاته السياسية آنذاك، ونتيجة تلك التحالفات واقترابه وابتعاده عن مراكز السلطة وخلافاته معها، وظهور جماعة الإخوان المسلمين كقوة حقيقية ومنظمة ومنضبطة في حرب فلسطين 1948 إضافة إلى التخوف من دورها المعارض في مفاوضات الانجليز مع الحكومة حول فلسطين وقضايا مصرية داخلية، جاء قرار “النقراشي باشا” – رئيس وزراء مصر حينها – في كانون الأول/ديسمبر 1948 بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة ممتلكاتها، واعتقال رجالها وزجهم في السجون. على إثر تلك الأحداث تم اغتيال “حسن البنا” عام1949.

تابعت جماعة الإخوان المسلمين عملها سراً بعد اصدار قرار بحلها، حرمها من ممارسة العمل السياسي حتى جاءت ثورة يوليو 1952 وحصل تحالف معها، كما ذكر بعض ممن أرخ لتلك الفترة، ولكن سرعان ما انتهى شهر العسل بينهما الذي لم يدم طويلاً، وقيل بأن “جمال عبد الناصر” كان منتمياً للجماعة، ثم انفصل عنها بعد تشكيله لحركة الضباط الأحرار. ([16])

في تلك الفترة الحرجة لمعت شخصية مهمة ذات صفات قيادية، تتمتع بالتأثير على من حولها، وعلى مَنْ يقرأ لها، أصبحت فيما بعد من أهمّ الشخصيات الإسلامية في القرن العشرين، إنه “سيد قطب” ذلك الرجل الذي يتمتع بقلم مبدع، وأسلوب ساحر في الكتابة، وقدم مفهوماً حادّاً للحاكمية ذا بعد سلطوي.

نقد حاكمية سيد قطب

طرح “سيد قطب” مفهومه للحاكمية من خلال كتابيه “في ظلال القرآن” و”معالم في الطريق” قائلاً: والذين لا يفردون الله بالحاكمية في أي زمان وأي مكان هم مشركون، لا يخرجهم من هذا الشرك، حتى لو نطقوا الشهادة وصلوا وصاموا وحجوا. ([17])

ينتج عن هذا الاعتقاد القطبي بداهةً تكفير المجتمعات المسلمة كلها، مهما فعلت! لذلك قال بتفسيره (في ظلال القرآن): ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم!

فعدم تطبيق الحاكمية عند “سيد قطب” يلغي وجود الإسلام! وبذلك يكون كل مسلم من أهل الجاهلية! مهما أدّى من شعائر، ونطق الشهادتين لذلك جزم قائلاً: إن وجود الإسلام قد توقّف!

ويبدو البعد السياسي لمفهوم الحاكمية واضحًا عنده فيقول في كتابه (معالم في الطريق):

ليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت إلى طاغوت، إن الناس عبيد الله وحده لا حاكمية إلا لله، لا شريعة إلا من الله ولا سلطان لأحد على أحد، وهذا هو الطريق. ([18])

لما قرأنا “ابن تيمية”، وجدنا بأنه قسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. ثم عللها لاهوتيًا، وآمن بها التيار السلفي بمختلف مدارسه، ولكن “ابن تيمية” أبقاها ضمن المفهوم اللاهوتي، ولم يتكلم بها من منظور سياسي. ورد عليه الأشاعرة رافضين تلكم التقسيمات. كما أسلفنا.

المشكلة في “سيد قطب” أنه أضاف التوحيد الرابع لتقسيمات “ابن تيمية”، وأطلق عليه توحيد الحاكمية، وبرهن عليه سياسياً! فطَرَحَ المقابلة بين حاكميّة الله وحاكميّة البشر، وهذا أمر لا يستقيم فلسفيًّا وفق منهج المعرفة القرآني للفارق الجوهريّ بين الطّبيعتين، لكنّ التنظيمات الإسلاموية المتطرفة كلها اليوم أخذت بالحاكمية القطبية، ودرَّستها “داعش” في معسكرات التوبة التي شيدتها للسوريين المعتقلين.

وذهب “قطب” بمفهوم الحاكمية بعيداً عن الخضوع العبادي لله، ونقله من التوحيدية والعبادية إلى الحياتية الشاملة بما فيها السلطة! دون أن يتحدث عن دائرة المباح المتروكة للفعل البشري وإرادته، ولا علاقة للشريعة فيها، التي قال الأصوليون أنها تشكل 90% من حياة الناس حتى قال: لا شريعة إلا من الله ولا سلطان لأحد على أحد…وهذا هو الطريق. بمعنى لا قانون ولا دستور في البلاد إلا مفهوم الحاكمية!

“سيد قطب” قدم مفهوماً ثيوقراطيًا لإدارة المجتمع والدولة، وعلى نهجه سارت التنظيمات الجهادية، وآمنت بأفكاره كلها، فحكمت بأن العلمانية والديمقراطية والقومية كفر، لكونها خروجًا عن حاكمية الله، ومن يؤمن بها دمُهُ حلال!

مفهوم الحاكمية عند جماعة الإخوان المسلمين ونقدها

الإخوان المسلمون، وإن كانوا تقيةً يخالفون “سيد قطب” في حاكميته، ولقد نقدها “مأمون الهضيبي” المرشد العام الأسبق للجماعة في كتابه (دعاة لا قضاة) إلا أنهم يؤمنون بها في أسرهم التنظيمية، ومع ذلك هم يطرحونها بطريقة دبلوماسية/ دعوية. حيث يعتقدون بأن الإسلام لا يكون إسلاماً إنْ لم يكن في السلطة يحكم الدولة، ويتحكَّم بالمجتمع في أخلاقه وسلوكه وعاداته وتقاليده، وبذلك تتحقق الحاكمية إخوانياً، وما سوى ذلك فإن حاكمية الله معطلة!

ولذلك فإن العقيدة الإخوانية الحقيقية تتمثل بالوصول إلى السلطة بأي ثمن، فإذا وصلوا إلى السلطة ولو بـ 50+1 لا مانع، لكون سياستهم بعد ذلك تقوم على أخْوَنة الدولة والمجتمع! وهذا ما أسقطهم في مصر أثناء حكمهم لها بواسطة الرئيس الأسبق “محمد مرسي”. فهم عملوا على أخونة المجتمع، وتابعوا بأخونة الدولة، ليصلوا إلى محاولة أخونة المؤسسة العسكرية التي أنهت مشروعهم.

فهم يجمعون توفيقياً ما بين إمامهم “حسن البنا” في رؤيته للحاكمية مع رؤية “سيد قطب” لها، ولكن الأولى تكون في خطابهم العام، والثانية في الأُسر الإخوانية، لاسيما عندما يكون نظام الحكم مانعاً لهم من العمل.

وهنا نتساءل: في مجتمع النبوة كان هناك مشركون ويهود مسيحيون، ولم تلزمهم صحيفة المدينة بالأسلمة أبداً، فهل حاكمية الله زمن النبوة كانت على جماعة دون الأخرى؟ ثم أنتم إنْ لم تصلوا إلى السلطة، فهل بهذه الحالة تكون حاكمية الله معطلة؟ وعاجزة عن بسط السلطان الإلهي؟

الحاكمية عند السلفية

بقيت السلفية المعاصرة منذ الصحوة الإسلامية شكلاً واحداً، حتى وقعت حرب الخليج الثانية بالعام 1990 بغزو العراق للكويت، هنا تشظت السلفية إلى سلفيات، منها العلمية والمدخلية والسرورية والحركية إلخ….

السلفية العلمية طرحت تطبيق الحاكمية بذكاء سلفي، من خلال منهج التصفية والتربية، الذي ابتدعه شيخهم “ناصر الدين الألباني”، فالتصفية تقوم بتنقية السنة النبوية من الأحاديث الضعيفة، ولذلك أنتج سلسلة الأحاديث الصحيحة والضعيفة، وكان المنهج السلفي، وليس منهج علوم الحديث في الجرح والتعديل، هو الحاكم على صحة أو ضعف الحديث! لذلك نقده “الشيخ الغماري”، ووضح ذلك بنقده. وأما التربية فتتحقق بالالتزام بالمنهج السلفي! أي بما كان عليه السلف من المظهر والجوهر والاعتقاد. ولا قيمة لاختلاف العصر إطلاقاً. ([19])

وذهبوا بعيداً بآرائهم، حتى اعتبروا التحزب السياسي محرماً، ومحصوراً بيد الحاكم، أي لا يوجد تعددية سياسية! وهذا فهم مخالف للخط القرآني العام، وسنة الله في خلقه.

ثم قالوا إنّ منَْ يشرف على تطبيق الحاكمية أهل الحسبة! فهم الرقيب على المجتمع في لباسه وأكله وكل حياته. وهذا فهم فيه خلل لمفهوم الحسبة معاصرةً، حيث إنّ ما طبقه أهل الحسبة (المطوعين)، ليس إلا عملية إكراه على التديّن بنمط سلفي، ويمنع منعاً باتاً أي نمط تدين آخر، لأنه مدعاة للشرك بحاكمية الله بحسب فهمهم.

أما السلفية الحركية فهي قطبية الحاكمية، وتؤمن بأن ما لم يتم تحقيقه بالسياسية فالعنف يحققه، فسارت بهذا الاتجاه العدمي المتطرف، وانتهت إلى ما هي عليه اليوم.

وأما مدرسة السلفية السرورية، وهم من الإخوان المسلمين أصولاً، لكنهم عبادةً واعتقاداً ومظهراً سلفية، فيؤمنون بكل ما كتبه “سيد قطب”، ويعملون بالسياسة، لذلك أطلقوا على السلفية العلمية اسم “حزب التجريح”. ([20])

نقد الحاكمية عند د. محمد شحرور

وقع الدكتور “محمد شحرور” في فخ الإسلام السياسي، عندما وافقهم على وجود مصطلح الحاكمية المنحوت من خارج القرآن، ومع افتراضنا لحسن النية عنده، كونه أراد تخيف سطوة الإسلام السياسي على المجتمع، لكنها مجاملة كان الأولى ألا يقع فيها، ويرفض المصطلح جملةً وتفصيلاً.

ورغم أن د. “شحرور” حاول تلطيف المصطلح، وإخراجه من البعد السياسي/السلطوي باتجاه المحرمات والنواهي القرآنية، ولكن منحه مشروعية تنويرية، وهذا ما نختلف به معه.

ففي حديثه عن الحاكمية، أوضح في كتابيه (الدين والسلطة: قراءة معاصرة للحاكمية) و(أمّ الكتاب وتفصيلها) أنها حاكمية إلهية ذات مرجعية أخلاقية للإنسانية جمعاء، وهي ليست بالضرورة حاكمية سياسية تطبق في الدولة. إذ فرّق بين الدين والسياسة، ورفض علاقة السياسة الشرعية بالإسلام، كونه رسالة عالمية غير مرتبطة بظروف تاريخية معينة. وبذلك يرى بأن شعار الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة فيها مفهوم تاريخي.

حيث أراد د. “محمد شحرور” التأكيد على موضوع تأسيس الدولة بأنه نتاج اجتهاد إنساني بحت، يساير التطور التاريخي للإنسانية، كما في كتابه “الدين والسلطة – قراءة معاصرة للحاكمية” وللشعب والسلطة دور كبير في ضمان استقرار الدولة وتطورها. وبيّن د. “شحرور” أنّ المشكلة تبدأ عندما تتبنى الدولة أيديولوجية دينية، وتدعي إنها من الإسلام. وقام بتقسيم الحاكمية إلى ثلاثة أقسام:

  • أولاً: الحاكمية الإلهية: وتتثمل بالمحرمات القرآنية فقط.
  • ثانياً: الحاكمية الإلهية/الإنسانية: وتتمثل بالنواهي القرآنية وخاضعة لزمكانية الرسالة، ويسن قوانينها الإنسان، مثل السُكر والتجسس مثلاً إلخ.
  • ثالثاً: الحاكمية الإنسانية: وتتمثل بتنظيم الحلال من خلال قوانين يخضع لها المجتمع كله من خلال السلطة التشريعية والتنفيذية.

إننا نشعر بأن د. “شحرور” قد تورط بتقديم تعريف مُلَطَّف للحاكمية! وكأنه يجامل الإسلام السياسي! أو يريد التخفيف من هيمنته بحيث أقرُّ بوجود المصطلح! وهذا التجميل للمصطلح وحصره بالمحرمات من قبل د. “شحرور”، اعتراف بالحاكميةَ، وإنني أتفهم محاولته لترويض المصطلح، ولكن كان الأولى أن يرفضه مع اعترافي بحسن نيته، ولكنْ كان الأولى ألا يقع في هذا الفخ أصلاً. ويبقى على طرحه المدعوم قرآنياً بأنها سنة الله.

دراسة لآية (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)

من هذه الآية نحتَ دعاة الإسلام السياسي مصطلح الحاكمية الإلهية، واستندت عليها التنظيمات الجهادية لتكفير المخالفين لها، حتى لو كانوا مسلمين! وروجتها منزوعةً من سياقها، لتبرر صراعها مع مخالفيها، فتجعل لها عمقاً شعبوياً، وحاملاً اجتماعياً. والآية موجودة ضمن سورة المائدة المكية النزول بالاتفاق، مع آيتين تشبهها، لكن بقفلة متغيرة، وجاءت خلف بعضها، والسور المكية محورها الأساس التوحيد والأخلاق.

الآيـــــــــــــــــــــــــــــــة الأولى تقول:

﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. {44}.

هذه الآية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالسلطة، وبتدبر سياقها في سورة المائدة، نجد أنها ضمن الحوار مع يهود المدينة الذين وجدوا أن نبي آخر الزمان خرج من العرب لا منهم، حيث كانوا يرفعون أيديهم للسماء من أجل أن يعجّل الله ببعثته، ويهددون العرب إنْ بُعثَ، سيذبحونهم ذبح إرم وعاد، كما ذكرت كتب التاريخ والتفسير.

وبما أن النبي لم يبعث منهم، بل من العرب، خالفوه وكذبوه وتآمروا عليه، فالكفر هنا هو تغطية الحقيقة من قبل يهود المدينة، ولا علاقة مطلقاً لغيرهم فيه. فمن لم يحكم بما بشرت به بالتوراة فقد أخفى بشارتها، بدليل الآية (85) من سورة البقرة:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

وأما الآية الثانية فتقول:

﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. {45}.

فالضمير في كتبنا عائد قطعاً إلى الآية التي سبقتها، وهم تحديداً يهود المدينة، لتبين مخالفتهم لشريعة موسى في التوراة التي قالت إن الجروح قصاص. فلما خالفوا شريعتهم، وحكموا بأهوائهم، أصبحوا الظالمين، فجاءت خاتمة الآية ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

إذن الآية تتحدث عن القضاء في الخصومات بين الناس، فإن حكم القاضي في مسألة قضائية، وهو يعلم أنه خالف الأدلة والقرائن، فهو قاضٍ ظالم.

وأما الآية الثالثة تقول:

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ {46} وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. {47}.

جئنا بالآية التي تسبقها لأهميتها وتعلقها بالحدث، حيث إن عيسى لم تكن في رسالته شريعة، إنما أخلاقيات دعا الناس إليها، وكان يحتكم إلى شريعة موسى، بدليل أنّ الآية قد ذكرت مرتين أن عيسى (مصدقاً لما بين يديه من التوراة) فهو يعمل بها، ويحتكم إليها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى الإنجيل تعاليمه أخلاقية وعظيه، ونحن نقول لمن يخرج عن خط الأخلاقيات: فاسق. ولا نقول عنه ظالماً، أو كافراً، ولهذا خُتمت الآية بالفاسقين.

ولو عدنا إلى الآيات الثلاث في سورة المائدة، سنلاحظ بأنّ لها نهايات مختلفة، مرة (كافرون) ومرة (ظالمون) ومرة (فاسقون)، ولكن لم يبين لنا أصحاب الفكر المتطرف أسباب الفروق لنهاية كل آية، وأخذوا بالآية الأولى(الكافرون) التي تخاطب اليهود، فهم ضربوا بعرض الحائط سياق الآية الأولى (الكافرون) التي تخاطب اليهود، وتخصهم، وتجاهلوا الآيتين الأخيرتين. ليؤكدوا على تشددهم من جهة، وعلى قراءتهم العضينية التجزيئية لآيات القرآن الكريم من جهة أخرى، فعقليتهم الانتقائية، لم تقم وزناً للآيتين الأخيرتين!

علماً بأنّ الآيات الثلاثة، خُتِمت بما يتناسب مع سياقها مرة (كافرون)، والثانية (ظالمون) والثالثة (فاسقون)، فيهود المدينة كفروا برسالة محمد التي يعلمون ببشارتها بالتوراة فغدوا كافرين برسالة محمد، فتمثل كفرهم بتغطية الحقيقة، وعندما تعلق الأمر بالقضاء وانحياز القاضي عن الحق، خُتمت بالظالمين، وبما أن من يخرج عن الأخلاقيات يصبح فاسقاً، خُتمت بالفاسقين. والله أعلم. ([21])

خلاصة القول:

مما تقدم يتضح لنا أن دعاة الإسلام السياسي، ابتدعوا ونحتوا مصطلح الحاكمية، ليكون وسيلتهم بالعودة للسلطة، وحُكم الدولة والمجتمع بعد سقوط الخلافة الإسلامية 1924 م، وكل فريق منهم عبّر عنها وفق ما يعتقد، مما أوقعهم بصدام مسلح مع السلطات الحاكمة، وهذا ما دفعنا للقول بأن الحاكمية كانت مذبحاً لشباب الإسلام المتحمس، وكانوا القرابين على ذاك المذبح.

إنّ الحاكمية بالمفهوم السياسي الذي قدمه “المودودي” و”البنا” و”قطب”، وسارت على خطاهم التنظيمات التكفيرية، غير معروفة تاريخياً، والقياس فيها على ما طالب به الخوارج في خلافهم مع “علي بن أبي طالب” شيء مختلف تماماً عما يطالب به الإسلام السياسي اليوم. والاستناد إلى دعوة الخوارج فيها، نوع من تأصيل التزييف، ليكون لهم سند تاريخي، فقبل سقوط الخلافة وخروج المسلمين بالهند من السلطة، الحاكمية لم تكن موجودة! وهي بالمفهوم المقدم من قبل الإسلام السياسي نوع من أنواع التدليس السياسي المؤدلج دينياً، فيكفي كذباً على المسلمين لجعلهم ضحايا لمشروعات سلطوية ليس إلا!

ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود!

[1] ـ أبو الأعلى المودودي: عالم مسلم هندي ولد في حيدر آباد عام 1903 وتوفي عام 1979 في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء علاجه من مرض الكلى! من أشد المتحمسين للخلافة الإسلامية والدعاة إليها، عمل في بداية حياته بالصحافة وأسس صحفاً كثيرة، كما ألف كتباً تعدّ المرجع الأساس لكل الحركات الإسلامية ذات الفكر الانقلابي، وتعتمد على أفكاره التنظيمات الجهادية حتى يومنا هذا، ويعتبر الأب الروحي والمنظر الفكري لها. كان مناضلاً شرساً في سبيل تحقيق أفكاره بعودة الخلافة الإسلامية، ويعدّ أول من أسس النظرية السياسية للدولة الإسلامية في العصر الحديث، فهو إمام هذه الفكرة بلا منازع، لم يقبل بالمساومة على أفكاره مهما كان الثمن، ولا يقبل بالتدرج في تطبيقها، لذلك يوصف فكره بالانقلابي والتكفيري لمخالفيه.

[2] ـ سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي (1906 م – 1966 م): مُنظّر الحركات الجهادية الإسلاموية المعاصرة، وأديب وكاتب مصري، يعد من أهم مراجع التنظيمات الحركية الإسلاموية المعاصرة، ومن أكبر ملهمي الحركات الإسلاموية الحديثة. انتمى للإخوان المسلمين وأعدم سنة 1966 بسبب ما سُمي (تنظيم 56) الشهير، خاض معارك فكرية وسياسية، وله مؤلفات ومقالات، منها تفسيره الشهير “في ظلال القرآن” الذي قدم قراءة حركية وجهادية للقرآن الكريم، وكتابه الأشهر “معالم في الطريق”.

[3] ـ راجع مادة (حكم) لابن المنظور في لسان العرب.

[4] ـ سيف الدين الآمدي (551 هـ – 631 هـ): فقيه أصولي وباحث: الأحكام في أصول الأحكام: ج:1. ص:119.

[5] ـ الإمام علي بن عبد الكافي السبكي (المتوفي: ٧٥٦ هـ) الإبهاج في شرح المنهاج (على منهاج الوصول إلي علم الأصول للقاضي البيضاوي المتوفي سنه ٦٨٥ هـ) ج:1. ص: 135. كتب هوامشه وصححه: جماعة من العلماء بإشراف الناشر. الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت. الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ – ١٩٨٤ م عدد الأجزاء: ٣.

[6] ـ سيد قطب: معالم في الطريق. ص: 42.

[7] ـ علاء حسن إسماعيل باحث في مركز سلف للبحوث والدراسات: مناقشة دعوى بِدعية تقسيم التوحيد. بحث منشور في موقع سلف للبحوث والدراسات. بإشراف د. محمد بن إبراهيم السعيدي. https://salafcenter.org/9536/

[8] ـ المدرسة الأشعرية: يُرجع المؤرخون نشأة المدرسة الأشعرية إلى تاريخ اهتمام أئمة السلف بعلم الكلام واستخدامه في مواجهة الفرق التي اعتبروها مخالفة، ويعدّون الإمام أبا حنيفة النعمان المؤسس الحقيقي للمنهج الذي يسيرون عليه، ومن بعده أئمة آخرون كالشافعي وابن كلاّب والبخاري وكان التأطير الكبير لمنهج الأشاعرة في مواجهة المعتزلة على يد أبي الحسن الأشعري الذي يعد أبرز متكلمي أهل الحديث، حيث أن أبا الحسن الأشعري كان معتزلياً يأخذ المذهب عن الجبّائي، وما لبث أن عارض شيخه، ورجع لمنهج أئمة السلف ومنهم أبو حنيفة النعمان والشافعي وغيرهما من متكلمي أهل الحديث كعبد الله بن كلاّب وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي.

[9] ـ السلفية الجامية أو المدخلية: هي تيارات سلفية متقاربة، نشأت بعد حرب الخليج الأولى، تُعرف بولائها المطلق للسلطة ورفضها للحركات الإسلاموية السياسية والجهادية الأخرى، تأسست على مبدأين رئيسيين هما: الطاعة العمياء لولي الأمر وتكفير أو تبديع المخالفين. أخذت اسمها من مؤسسيها الشيخ محمد أمان الجامي والشيخ ربيع المدخلي، واشتهرت بالتركيز على “طاعة الحاكم والدفاع عنه ضد خصومه”.

[10] ـ ذكرنا ترجمة أبي الأعلى المودودي في هذه الدراسة آنفاً.

[11] ـ وحيد الدين خان: (1925 ـ 2021) مفكر هندي مسلم تنويري معاصر، ذو فكر متميز يحاول الجمع بين المنهج الإسلامي والمنهج العلمي والفلسفي وبهذا المنهج كان يحاور الملحدين واللادينيين في العديد من كتبه. وتتميز مؤلفاته أنها تجمع بين البساطة والعمق، وبالتالي تناسب مختلف أنواع القراء، وتأثر بدايةً كثيراً بأبي الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي. كانت دعوته قائمة على مهاجمة العنف وجماعات العنف المسلح، والدعوة لتبني المنهج العلمي في الدعوة. ولعلً كثيراً من القراء العرب يعرفون وحيد الدين خان مؤلفه المشهور «الإسلام يتحدى» ولكنّه مع المؤسف مازال مجهولاً على الصعيد الفكري والمنهجي بسبب تأخر ترجمة مؤلفاته إلى العربية، ومن عرف وحيد الدين المفكر المنهجي سوف يجد أمامه نوعية فريدة من الفكر الإسلامي الايجابي. فهو مفكر عملاق يتصدى لمعالجة أعقد قضايا الفكر بأسلوب علمي يبهر العقول.

[12] ـ أبو الأعلى المودودي: كتاب الحاكمية. ص: 31.

[13] ـ المرجع السابق.

[14] ـ الشيخ محمد رشيد رضا: الخلافة. الزهراء للإعلام العربي. القاهرة. ص: 9.

[15] ـ حسن البنا: مجموعة رسائل البنا. بيروت. 1981، ص: 160.

[16] ـ بتحقيقي لتلك المسألة والبحث فيها تبين لي أن عبد الناصر لم يكن منتمياً لجماعة الإخوان المسلمين ولا لحزب آخر، ولكنه في المرحلة التي سبقت قيام ثورة يوليو مرَّ عبد الناصر بمرحلة تعرّف فيها على كل التيارات والأحزاب السياسية المتواجدة آنذاك، ومنها جماعة الإخوان مما دفع بعضهم ليقول بأن عبد الناصر كان منتمياً للجماعة وبالبحث والتحقيق تبين لي أن ذلك ليس صحيحاً.

[17] ـ راجع في ظلال القرآن. سيد قطب. ج: 3. ص: 1492. أثناء تفسيره لسورة الأنفال.

[18] ـ سيد قطب: معالم في الطريق: ص: 31. وعندما ندقق ما المقصود بالأمر سنجد أنه كان يقصد عبد الناصر.

[19] ـ راجع كُتَيب الشيخ ناصر الدين لألباني: التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليهما: https://ar.islamway.net/book/14923/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%85%D8%A7

[20] ـ أحمد الرمح: “السرورية” في الثورة السورية، ونبوءتها السياسية! المركز العربي لدراسات سورية معاصرة.

https://www.harmoon.org/researches/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9%D8%8C-%D9%88%D9%86%D8%A8%D9%88%D8%A1%D8%AA%D9%87%D8%A7/

 

[21] ـ للأمانة العلمية فإنّ المدرسية الفقهية التقليدية المعاصرة عندما وقفت مع الآيات الثلاثة التي تدبرناها قالوا بأنها تفيد العموم، لا الخصوص، فهي وإنْ كان سياقها يتحدث عن اليهود، لكن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب، ومن أعلام هذه المدرسة: الشيخ محمد رشيد رضا وعزت دروزة وعلال الفاسي ومحمود شلتوت ومتولي الشعراوي. ولقد خالفهم فريق آخر رافضاً جعلها تفيد العموم وعلى رأس المخالفين كان الإمام محمد عبده، والطاهر بن عاشور وآخرون.