Skip to content Skip to footer

“الجهل المقدس” مصطلح في علم الاجتماع؛ يُطْلَق على التدين الرافضَ للمعرفة العلمية التي يظنُ المتدين بأنها متناقضةٌ مع الدين؛ أو تُضعف الشعور الديني. كما أنّ الأفكار والعقائد التي قدمها البشر باعتبارها فهمًا للدين، ويعتبرها المتدين مقدسةً لا يجوز نقدها أو طرحها للنقاش؛ حيث يعتبر المتدين الشعبوي كل نقدِ لها أو مناقشتها تجديفاً وزندقة، تُعدُّ كذلك من الجهل المقدس.

أشهر من كتب حول ذلك المفكر الفرنسي المعاصر “أوليفييه روا” في كتابه “الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة” حيث يرى أن هناك انفصالاً بين التدين والثقافة؛ مما أسس تديناً قشورياً مؤدلجاً! يستمتع بالجهل المقدس؛ حتى توَلَّد التطرفُ والعنف والإرهاب، وبات المتدينُ السطحي مدافعاً عن هذا التطرف والعنف!

قصة المصطلح!

يبقى الفيلسوف الإيطالي “جوردانو برونو” (1548 – 1600) أول من نطق بالمصطلح أثناء إعدامه مطلع القرن السابع عشر؛ ومن هنا جاءت قصة الجهل المقدس؛ حيث بدأ الفيلسوف “جوردانو برونو” حياته بدراسة اللاهوت بمدرسة القديس “دومينيك”، ثم عُينَ كاهناً في خدمة أخوية “الدومينيكان”، لكنه لم يقتنع بأفكار الكنيسة، وكان أميل للفلسفة، ولما بدأ بطرح رؤيته الفلسفية المتعارضة مع الكنيسة علمياً، اشتهر كثيراً، خصوصاً بعد إصداره كتابه الذائع الصيت “عن اللانهائى والكون والعالم”؛ حيث طرح من خلاله نظريته بعلم الكون الفيزيائي الرافضة والمخالفة لرأي الكنيسة! وقال بأنَّ الكون لا نهائي، وأنّ هناك حياة على الكواكب الأخرى، والإنسان ليس محور الوجود، ولا الأرض مركز الكون! وهذا رأي متعارض مع رأي الكنيسة الكاثوليكية التي تقول بعكس ما طرح الفيلسوف “جوردانو برونو”!

وهذه الأفكار التي قدمها “جوردانو برونو”! آنذاك كانت تعدُّ هرطقة بنظر الكنيسة في القرن السادس عشر. فاشتهر جوردانو مفكرًا وفيلسوفًا، واندلعت مشاكل كثيرة بينه وبين الكنيسة، فقامت الكنيسة سنة 1592 بخداعه حينما استدعته لروما بحجة إسناد وظيفة تليق به، ثم اعتقلته بتهمة الهرطقة، ليقضي سنواته الثماني الأخيرة معتقلاً في قلعة “سانت أنجلو”؛ تعرض خلالها للتعذيب والتحقيق، ثم قدموه للمحاكمة، وطلبوا منه أن يتراجع عن أفكاره فرفض، ولما هددوه بالإعدام قال: حين تحكمون عليَّ بالموت، فإن خوفكم من هذا الحكم سيكون أكبر من خوفي منه.

لم يغضب الفيلسوف “جوردانو برونو” لذلك الحكم الظالم؛ فالكنيسة خصم وعدو لأفكاره، وهو خصم لها، ولكن ما أحزنه كثيراً عند إحراقه أنّ عجوزاً جاءت بخشبة وألقتها بالنار، وحينما سُئلت العجوز عن سبب فعلها قالت: إنه أمرُ الكنيسة. فقال لها: اللعنة على الجهل المقدس.

بدؤوا حفلة إعدامه بثقب لسانه بشوكة حديد، ووضعوا شوكة أخرى بسقف حلقه، وطافوا به في شوارع روما عاريًا، ثم أحرقوه حياً في ساحةٍ عامة تسمى بـ”ميدان النار”. ما أقبح الجهل المقدس!

كذلك عندما تم اغتيال فرج فودة لأفكاره التنويرية؛ سأل المحققُ القاتلَ: هل قرأت كتبه؟ فأجاب القاتل: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب، لكنهم قالوا لي بأنه مرتد وزنديق! إنه الجهل المقدس ذاته.

الجهل المقدس يضطهد فلاسفة التنوير!

كثيرٌ من أساتذة التنوير المعاصرين في شرقنا البائس تعرضوا للاضطهاد والتكفير والتشهير بهم! وبالوقت نفسه كثيرون من الذين كفّروا وشهروا بالدكتور محمد شحرور وفرج فودة ونصر حامد وسيد القمني وغيرهم من التنويريين، لم يقرؤوا كتبهم، إنما لعبوا دور تلك العجوز، ومارسوا جهلهم المقدس.

أثناء زيارتي لعدة مدن أوروبية، لاحظتُ تماثيلَ فلاسفةِ التنوير تملأ ساحاتها، عرفاناً بتضحياتهم ودورهم بالنهضة الأوروبية بعد أن كفرَهم وزندقَهم وأعدمَهم آباؤهم الأولون. وللعلم، فإنّ التاريخ لم يذكر لنا أن فيلسوفاً قتل رجلَ دين! ولكنْ بعضًا من رجال الدين قتلوا فلاسفة! فإسلامياً، أعدموا “السهروردي” و”الحلّاج” وهما من فلاسفة التصوف! وكفروا واضهدوا ابن رشد، والفارابي، وابن سينا وغيرهم! وغربياً منع الكهنة أن يسير الناس على الرصيف الذي يسير عليه الفيلسوف “اسبينوزا”، واضهدوا “ديكارت” “وفولتير” و”توماس هوبيز”. وعندما شكك “جان جاك روسو” بالتعليم الديني التقليدي حرقوا بعض كتبه، ولم يسمحوا بدفنه في مقبرة كاثوليكية بصلوات رسمية، بل تم دفنه في حديقة قريبة من قصر “جيراردان” بطريقة بسيطة، بعيدًا عن الكنيسة التي كانت تعتبره هرطوقيًا أو ملحدًا، رغم أنه لم يصرّح بالإلحاد بشكل صريح!

المشكلة بين كهنة الجهل المقدس والتنويرين تتمثل بمنهجية التعامل مع النص؛ فعقل رجل الدين عقل نصي ومذهبي، أما عقل الفيلسوف فبرهاني منطقي إضافة لكونه مقاصدياً. ومجتمعاتنا حتى تنهض وتتطور بحاجة للبرهان المنطقي. والنص الديني عندما يُسَخّر بعيداً عن مقاصده التي نزل من أجلها؛ ستتشوه الغاية من الإيمان لتصبح منفرةً لكل ذي عقل. وعندما يلعب رجل الدين دورَ المُحَلل والمشرعن للاستبداد، والمروّج للجهل المقدس، فهو لا يفرق عن هامان فرعون؛ ينظّم جوقة السحرة الذين يزينون الفساد والاستبداد، وكأنها قدر الله؛ ليكون طبَّالاً وشبيحاً مسوقاً الفرعنة.

إنهم يستغلون النص لممارسة جهلهم المقدس! فأثناء الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، انقسم رجال الدين إلى ثلاثة مواقف؛ مع إيران؛ وضد إيران؛ ومنهم من كان ضد إيران وإسرائيل، ليست هنا المشكلة، فكل إنسان له رأيه، إنما المشكلة أنَّ كل واحد من الثلاثة جاء بأدلته النصية، ولوى عنق النص وسياقه ليبرر موقفه السياسي حتى يجعله شرعياً! ونتيجة تمدد وانتشار ثقافة الجهل المقدس أصبحنا نعاني في شرقنا البائس من تخمة في أعداد كهنة الجهل المقدس، وفي إحصائية للمفكر “رضوان السيد” قال فيها: إنّ المحور العربي لديه (3) ملايين رجل دين. فما حاجتنا لكل هؤلاء؟

دور الدين بالنهضة

الدين جزءٌ مهم من ثقافتنا بهذا الشرق البائس؛ ولذا يجب عقلنة التدين ليكون عاملاً من عوامل التنمية والتحضر، وتحويله لأداة من أدوات النهضة والتقدم والتنمية، وهو قادر على ذلك، لنستعيد الروحانية التي فيه، بعد أنْ خطفه المنافقون من رجال دين ووظفوه كأداة لشرعنة الاستبداد والتخلف، ووسيلة لنشر الخرافة والتخلف والبلاهة العقلية.

فالدين أطهر مما يروجونه ويُسَوقونه كأداة لنشر الخرافة والجهل وتبرير الاستبداد دينياً. والفلاسفة لهم موقف من التدين الذي يروج الجهل المقدس؛ إذ يوضح الفيلسوف في علم الاجتماع “علي الوردي” في كتابه (مهزلة العقل البشري) ذلك بقوله: نيتشه يقول: الدين ثورة العبيد. وماركس يقول: الدين أفيون الشعوب. وفي الحقيقة أن الدين ثورة وأفيون في آن واحد؛ فهو عند المترفين أفيون، وعند الأنبياء ثورة. وكل دين يبدأ على يد النبي ثورة، ثم يستحوذ عليه المترفون، ليحولوه إلى أفيون.

ذكرتني حادثة جوردانو بأساتذة التنوير في شرقنا البائس، ومعاناتهم واضطهادهم من قبل أتباع الجهل المقدس، وقلتُ في نفسي: سيأتي اليوم الذي نلعن فيه الجهل المقدس، وننصب لمن له فضل في تنويرنا التماثيل عرفاناً بفضلهم، ووضعهم اللبنات الأولى في عقولنا لنهضة وتحضر شرقنا البائس، أمثال جودت سعيد، ومحمد شحرور، والصادق النيهوم، وعبد العزيز السنهوري، ومالك بن نبي، ومحمد أراكون، وغيرهم كثيرين رحمهم الله. إنني أثق كثيراً بمجيء يوم نلعن فيه الجهل المقدس.

من أنواع الجهل المقدس اليوم بيننا!

وللجهل المقدس اليوم بيننا أنواع كثيرة: فتكفير الطوائف الأخرى من الجهل المقدس، والاعتقاد بأن أهل كتاب كفار جهل مقدس، والاعتقاد بأنّ طائفة ما تملك الصواب المطلق من الجهل المقدس، والإيمان بأنّ الأموات قادرون على نفع وضر الأحياء من الجهل المقدس، والإيمان بأنّ الدعاء بلا عمل يغير ما نحن فيه من تخلف من الجهل المقدس، وتجاهل قانون السببية من الجهل المقدس، والاعتقاد بأنّ قتلَ الآخرين وإرهابَهم هو أقصر الطرق إلى الجنة من الجهل المقدس، وممارسة عقيدة الولاء والبراء مع المختلف معنا من الجهل المقدس.

وأثق كثيراً أنه سيأتي اليوم الذي يتقلص فيه دور رجل الدين ليبقى محصوراً بالمعبد، لا يتدخل بالسياسة، ولا ينافق لفرعون، ولا يملك سلطة على المجتمع. عندئذ ستتقلص مساحة فاعلية الجهل المقدس، وسنتذكر بأنهم ليسوا إلا جهلاً قدسناه لغبائنا وجهلنا.

ولكن؛ كيف نتخلص من الجهل المقدس؟

الخلاص من الجهل المقدس بحاجة إلى ثورة فكرية وثقافة عقلانية، فالجهل اليوم يتغطى بالدين؛ ليجعل منه مقدساً؛ فالتعليم الصحيح والثقافة العلمية هما الخطوتان الأوليان للخلاص من الجهل المقدس.

ويجب تحديث مناهج التعليم الديني العتيقة التي تدعم الجهل المقدس؛ كي تُبنى عقولُ الناشئة علمياً وفلسفياً. وهذا يتطلب أيضاً إحياء ثقافة النقد البناء، وليس النقد العدائي، مع الإيمان أن الدين الحنيف لا يخاف العلم ولا العقلانية، كما يتطلب عدم التوظيف الأيديولوجي للدين وتحويله إلى أداة للسيطرة على المتدينين.

كما ينبغي إعادة الدور الروحي والإنساني للدين وإبعاده عن مجال السياسة والسلطة التي تستغل الدين وتُسيء له، وهذا يتم من خلال إحياء مفهوم المقاصدية؛ حتى يستطيع الدينُ معاشرةَ المعاصرة. وكما أنّ للجهل المقدس دعاةً مؤثرين، يجب أن يكون لتيار العقلانية والعلمية والتنوير دعاةٌ مؤثرون.

وأخيراً:

يجب أنْ نعلم بأنّ الجهل المقدس لا يُهزم بالعداء للدين، بل بإحياء التدين العاقل، والتفكير العلمي والإنساني؛ والنقد والحوار الراقي، وبناء العقل المتدين وفق علوم العصر المتطورة تكنولوجياً؛ حتى لا يعود الجهل المقدس مرة أخرى ليسيطر على عقول المتدينين تديناً سطحياً، ونبقى نتخبط في دياجير ظلام التخلف والجهل والتطرف والعنف