في عام 2020 سوَّقت إحدى دور النشر العربية، رواية “الغريب” لألبير كامي، بترجمة جديدة باللهجة المصرية. بعد ذلك تلتها رواية “حديقة الحيوان” لجورج أوريل، ثم “الشيخ والبحر” لهمنجواي، ثم رواية “الأمير الصغير” لأنطوان دو سانت إكزوبيري.
في هذا السياق علينا أن ندرج أيضاً ترجمات بلهجات أخرى لرواية “الغريب” بمحكيَّات محلية أخرى في مختلف البلدان العربية؛ إذ كانت هناك ترجمة بالعامية الجزائرية، وثمة محاولة أخرى بالعامية التونسية. وقبل أن نسأل ما الجديد الذي قدمته الترجمة الجديدة؟ سوف أورد مقطعاً من رواية “الغريب” باللهجة المصرية. تقول ترجمة رواية الغريب بالعاميَّة المصرية، على لسان الفرنسي كامي، ما يلي: (دار المسنين مكانها في مارنجو، على بعد تمانين كيلومتر من مدينة الجزائر. هاركب الأوتوبيس الساعة اتنين وهاوصل بعد الضهر. وبالشكل ده هاقدر أسهر وهارجع بكرة بالليل. فطلبت من صاحب الشغل يومَين إجازة، وما كانش يقدر يرفضهم وأنا عندي عذر زي ده. لكن كان باين عليه إنه مش مبسوط. وأنا حتى قلت له: «دي مش غلطتي» فماردش عليَّ. وفكرت بعدها إن أنا ما كانش لازم أقول له كده. ومن الآخر ما كانش لازم أعتذر. ده هو اللي المفروض يعزّيني. لكن أكيد هيعزّيني بعد بكرة لما يشوفني حزين. ولحد دلوقتي، تقريباً، كأن ماما ما ماتتش. وعلى العكس، بعد الدفن هتبقى حكاية وخلصت، وكل حاجة هتاخد شكل رسمي أكتر).
هل يمكننا أن نتخيل الروائي ألبير كامي وهو يكتب مثل هذا المونولوج الحزين بهذه اللغة الركيكة؟ هذا يتبعه استفهام، وتعجب، ودهشة. هناك تمييز لا بد أن يُقام بين البناء النفسي للروائي وبين النص، أي بين الانطباع الداخلي، التعبير الخارجي، وهنا تخلق المتاهة، أو البلبلة؛ فالترجمة إلى لهجات محلية كارثة لغوية لا يمكن إصلاحها، عدا عن أن الترجمة تطرح في الأصل عملاً نظرياً أو تطبيقياً؛ لكنها في المقابل تطرح مشكلةً أخلاقيّةً تتمثل في تقريب القارئ من الكاتب والعكس صحيح، أي خلق ما يُسمى بالضيافة اللغوية. هذه الاعتبارات كلها تدفعنا إلى القول: إن كل هذه التجارب التي ذكرت، وتجارب أخرى تندرج تحت ما يُسمَّى ثقافة الصابون أو التعرية الثقافية، والإبادة الثقافية التي تستبدل ثقافةً بثقافةٍ، ولهجةً بلغةٍ، مما يؤثر سلباً على المعرفة والوعي العام بالهوية. لذا لا يمكن لتلك التجارب أن تكون خلاقةً، ولا أن تنتج معرفةً، وإنما يمكنها نشر وباءٍ ثقافيّ يُهدّدُ اللغةَ، والثقافةَ، والهويةَ. لقد تمنى مارك توين (في رسالة استقالته من الحكومة عام 1867) إبادةَ الهنودِ الحمر بأعنف طريقة ممكنة وباستخدام الإبادة الثقافية، واللغوية، والهوية.
حينها وقف بجانب وزير الحرب، وقال له: إن ثقافةَ الصابون والتعليم أنجعُ من المذبحة المباشرة. فالهنود قد يتعافون بعد مجزرة، أو شبهِ مجزرةٍ.. لكن حين تُعلِّم الهنديَّ وتغسله فإنك ستقضي عليه حتماً. لا شك في أن الناس يتكلمون لغاتٍ مختلفةً، ولهذا وجدت الترجمة، لكننا ننطلق هنا من تعدديةِ اللهجاتِ، وتنوّعِها كظاهرةٍ لا يمكن حصرُها، وهذه الظاهرة تقوِّض اللغةَ الصافيةَ، وتخلق اختلافاً بين أبناء اللغةِ الواحدةِ لا يمكن تجاوزه. إنها معادلةٌ دون هوية، ومع ذلك فالاستعاضة باللهجة العامية عن اللغة الفصحى أصبح شائعاً في الوقت الحاضر، فقد منحت جائزة ساويرس الثقافية في دورتها 14 لعام 2019 المركز الأول لأفضل عمل روائي لرواية (المولودة) المكتوب باللغة العامية.
واهتمّ كثيرٌ من الكتّاب والمثقفين بنشر أعمالهم من شعرٍ، وقصصٍ، ومدوّناتٍ، على مواقعَ، ومدوناتٍ شخصيّة، وعامةٍ باللهجة المحكيَّة، وأسهمت وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام لغة مدمّرةٍ بما تنطوي عليه من عموميةٍ، وركاكة، واستهلاك، وابتذال. وبذلك تصبحُ ترجمة دون جدوى، بلْ مضرّة لأنها تمسّ خاصيةَ اللغةِ في جوهرها، ومعناها، وأهدافها، وهذا يشكِّل شرخاً عميقاً في القدرة على التأثير والتفاعل على المستويَين الفردي والجماعي.
لقد كانت اللغة وما زالت أحدَ مجالات الصراع؛ لذا نحن نحتاج إلى أن نمارسَ لغتنا بصورة فعّالةٍ لنجددَ المعرفةَ بها بما يحدّد هويتنا، وليس مفارقتها، أو الانقطاع عنها، أو القطع معها. وهذا لا يعني أننا ضدُّ التحديث، لأن العالم لا ينفك عن التطوُّر والتحوًّل، واللغة ليست إلا مظهراً من مظاهر الابتكار في الأمة، ومنها تبدأ ثورة التجديد. لكن من الواضح أن هناك سياسة لغوية تنتهجها دول كبرى، وتتخذ تجاه لغةٍ ما، أو لغاتٍ حيةٍ في مناطقَ جغرافيةٍ معينةٍ سبلاً ظاهرةً، أو خفيةً لتعزيز، أو تضعيف اللغة المستهدفة. وفي السياق ذاته، لا بد من ذكر برامج التعليم في بعض جامعات الدول الأوروبية التي فرضت على طلاب الدراسات العليا من العرب كتابةَ رسائلهم في الماجستير، والدكتوراه باللهجة العامية. ونحن لا نذيع سراً إذا قُلنا: إن هناك تشنيعاً يُمارس اليوم على اللغة العربية، يهدف إلى تدمير هويتها، ويجرِّدها من مقوماتِ خصوصيّتِها وتماسكها، وذلك عن طريق تذويبها، أو دمجها بلهجات أخرى، وتحويلها من لغة حيةٍ، إلى لغةٍ ميتةٍ بائدة. وقد يحدث ذلك بالفعل.. فاللغات تموتُ أيضاً كما في حالات الاحتلال، والهجرات القسرية؛ وهذا ما حدث في المستعمرات الأوروبية في الهند، وإفريقيا، والأمريكيتين. كما أن اللغة تموت في حالة المجازر، كما حصل في السلفادور عام 1932.
مثل هذه التطورات تحدث لكل اللغات، وهذا يذكِّرنا باللغة اللاتينية التي كانت سائدةً في أنحاء الإمبراطورية الرومانية. وعلى الرغم من تدوينها؛ فإنها انهارت، ولم تعد اللغة الرسمية، واختفت لتتحول إلى أبجدية، ولغة ثانية في دولة الفاتيكان، على الرغم من أنها كانت اللغةَ المشتركة لأكثر من ألف سنة. لذا نحن في حالة قلق على اللغة العربية الفصحى؛ إذ أكدت منظمة اليونسكو أن اللغة العربية ستكون ضمن اللغات المرشَّحة للانقراض خلال هذا القرن، ومن هنا فالسؤالُ سؤالُ العجز لا سؤالُ القدرةِ: فنحن لسنا إزاء تنبؤات قد تصيب، وقد تخيب. لكنَّ بقاءَ اللغةِ، أو سقوطَها يتكوَّن في ميدان ممارستها بالذات، وعبر تحققها الفعلي، واستعمالاته؛ لذا كل ما يقيِّدها، ويدفعها إلى زاوية من التهميش هو جرس إنذار لسقوط اللغة. فعندما يتوقف المتحدثون باللغة عن استخدامها، فهي عندئذ في خطر. لذلك نقول: إن الترجماتِ التي تعتمد اللهجاتِ المحليةَ إنما تخلق مساحة انفصالٍ بين اللهجاتِ المحكيّةِ، واللغة المكتوبةِ، ولا تجعل الفصحى تنفرد بالسيادة التامة في المجالات العلمية والأدبية، على الرغم من أن آراء الكتاب، والمثقفين، والباحثين تختلف حسب اختلاف مواقفهم تجاه ظاهرة تحوُّل لغة الأدب والترجمة من الفصحى إلى العامية. فبعضهم يؤيد استخدام العامية، رافضاً هالة التقديس الديني التي أحاطت باللغة العربية على مر الزمان، مبرراً أن اختيار العامية كسرٌ لحاجز اللغة الصوري والمتعالي الذي أتاح لعدد أكبر من القراء الاطلاع على أهمّ كتب التراث العربي قاطبة؛ مثل كتاب رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، بعد أن قامت ناريمان الشاملي بتحويلها إلى العامية. وعلى الرغم من التحفظ على تلك المحاولة الاعتباطية، فنحن نقرأ المعري لكي نجد عالماً فكرياً يتشكل معه، ويتجسد ذلك في شبكة المفاهيم التي نسجها فأحدثت تغييراً في جغرافية الوعي لدينا وفي بنية المعنى. وهذا ما حجبته المترجمة إلى العامية؛ إذ راكمت كلاماً من المتعذر تملُّكهُ، والقبضُ على ماهيته؛ مما يؤكد مرة أخرى أن هذه التجاربَ ملوثةٌ ومؤذيةٌ، وهي تجسيدٌ حيٌّ للاستباحة اللغوية، نسجها متسيبون جلُّ إسهاماتهم هي ثقافة صابون. لا شكّ أننا مُحاربون بلغتنا، ولمَن يشكِّك بذلك علينا أن نذكِّره بما قاله (توماس مكولاي، مهندس سياسة التعليم الإنكليزية للشعوب المستعمرة):
“لا أظن أبداً أننا سنقهر بلداً، ما لم نكسر عظامَ عموده الفقريّ التي هي لغته، وثقافته، وتراثه الروحي”