يسعى هذا المقال إلى استكشاف حدود قراءة النص القرآني في ضوء السيميائيات، بوصفها علمًا لتحليل العلامات وبناء الدلالة. كما يطرح إشكالات المنهج حين يواجه نصًّا مقدسًا بخصوصية لغوية ووحيانية، متسائلًا عن مدى قدرة الأدوات السيميائية على احترام مقاصد التنزيل وضبط التأويل.
يعدّ القرآن الكريم نصًا تأسيسيًا للحضارة العربية الإسلامية، وفضاءً واسعًا للمفاهيم العالية والقيم الرمزية ودلالاتها، تتجاوز اللغة إلى الفكر والوجدان. ومنذ القرون الأولى، كان مطلب تدبّر القرآن من منطلقات هذه الحضارة، سواء انشغل به علماء التفسير أو اللغة أو البلاغة أو الفقه أو غيرهم. لكن الانقلابات العلمية والتحولات الفكرية وما أنتجته من مدارس في تحليل الخطاب متعددة ومتنوعة، دفعت الباحثين إلى إعادة النظر في أدوات قراءة النص القرآني بحثًا عن آفاق جديدة لفهمه.
في هذا السياق برزت السيميائيات[1] بوصفها علمًا يعنى بدراسة العلامات ونظرية تهتم بالبناء الدلالي للنص[2]، وقد اقترحها بعض الدارسين، ورأوا في “آلياتها” و”تطبيقاتها” إمكانية إقامة مشروع قراءة معاصرة للنص القرآني، لأنها توفّر إطارًا معرفيًا ومنهجيًا معاصرًا يمكنُ أن يكشف عن الصلات الداخلية للمعنى. لكن هذه المدرسة تثير أسئلة منهجية، أهمها: إلى أيّ حدّ يمكن للسيميائيات، بما تملكه من مفاهيم وأدوات، أن تحترم خصوصيّة اللسان العربيّ المبين الذي نزل به التنزيل الحكيم؟ وهل تَكفُلُ هذه المقاربة الحدَّ من التأويلات المتصارعة، أم أنّها قد تفتح المجال أمام تأويلات لا متناهية تُبعِد القارئ عن أفق النص ومرجعياته الأصيلة؟
في السيميائيات: إحراجات وأسئلة
يشير عالم اللسانيات السويسري فرديناند دو سوسير Ferdinand de Saussure (1857-1913) إلى أن اللغة نسق منظم من العلامات (SIGNES)[3] تتفاعل داخليًا لتوليد المعنى الكلي، فلا تُفهم العلامات بمعزل عن سياقها داخل النظام اللغوي. ومن هذا المنطلق، أشار سوسير إلى إمكانية تأسيس علم أطلق عليه السيميولوجيا، يهتمّ بدراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية بهدف فهم الإنتاج الدلالي للمعنى.
في المقابل، ركز الفيلسوف والمنطقي الأمريكي تشارلز ساندرس بيرس بيرس Charles Sanders Peirce (1839–1914) على السيميائيات باعتبارها دراسة للمنتوج الإنساني في شتّى مجالاته، بدءًا باللغة والسلوك، مرورًا بالطقوس والرموز، وصولًا إلى جميع مظاهر النشاط البشري، مؤكدًا أن النصوص تُعد وحدات دلالية متكاملة وليست مجرد علامات متفرقة. ويكمل الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو Embero Ecco ( 1932– 2016) هذا المنظور بالقول إن السيميائيات ليست حقلًا أكاديميًا بحتًا، بل مدرسة متعددة التخصصات تهتم بدراسة جميع أنواع العلامات وتحليل سيرورة إنتاج المعاني، سواء كانت لفظية أو غير لفظية، داخل السياق الاجتماعي والثقافي. ومن هذا المنظور، فاللغة ليست وسيلة التواصل الوحيدة، بل هناك أنساق أخرى، مثل الإشارات والطقوس والرموز، تساهم في نقل المعاني. وفي كل المدارس الثلاثة السابقة تُعد العلامة ذات طبيعة مزدوجة: الدال، أي الصورة الصوتية أو الشكلية، والمدلول، أي التصور الذهني للشيء، وعلاقة الدال بالمدلول اعتباطية ثقافية، بل محكومة بالعُرف والتعاقد الاجتماعي. فهل هذا الإطار المعرفي يُوفّر أساسًا متينًا لتطبيق السيميائيات على التنزيل الحكيم؟
إنّ الإجابة عن السؤال السابق تجعلنا نرى أنّ السيميائيات في منبتها تطرح إحراجات علمية، نسردها على الشكل الآتي مع أسئلة نرى ضرورتها لرفع تلكم الإحراجات:
أ. أولا، إنّ النص القرآني وحي إلهي، يتميز بتراكيب بلاغية فريدة وأساليب لسانية عربية أو روحية مُبِينَة، أما السيميائيات فقد قامت أسسها على مواضيع بشرية، وبالتالي هل نسلِّم للسِّيميائيات بكامل أدواتها الناقدة “للنّص”؟ أم يمكنُ أن نتطلّع إلى بلورة مُقاربة لسانية سيميائية مركبة تُستلهم من النصّ القرآني وتعودُ إليه في تقويمها وتوجيهها نحو الحقيقة؟[4]
ب. النُّصوص من وجهة نظر السيميائيات «احتمالات دلاليَّة فحسب، وذاك ما يُشكِّل لازمنيَّتها في تصوُّر المؤمنين بها، وهي أيضاً مصدر طاقاتها الدَّلاليَّة في عرف من يبحث فيها عن معانٍ لا ترتبط بالمشخَّص فيها؛ إنَّها في الحالتين معاً لا تحمل معناها أو معانيها في ذاتها، بل تستمدُّ جزءاً منها من المعتقد أو من قُرَّائها. إنَّها في هذا وذاك تَسْريد للخبرة الدِّينيَّة باعتبارها تدبيراً لـ”قلق” هو ما يميِّز حضور الإنسان في العالم، انفتاحه المزدوج على ما يوجد خارجه واستيعابه في المعنى لما يتسرَّب إلى وعيه. فالسَّرد يُمكِّننا من “تشخيص” الكثير من المواقف الَّتي نتحاشى التَّعبير عنها بشكل مباشر»[5]، هذه الرؤية تطرح أمامنا مسلمة محرجة ألا وهي إمكانية النظر إلى النصوص القرآنية بوصفها احتمالات دلالية فحسب، وهذا يعني أنها نصوص لها معنى، ولكن لا تنغلق على معنى واحد، بل إن النّصّ بنية مفتوحة كما يقول أمبيرتو إيكو يقدم إشارات وعلامات وإيحاءات، يترك فراغات أو مناطق غير مصرح بها، تملأ من قبل القارئ، إن النص أثر مفتوح، والانفتاح له علاقة بالمؤول الذي يستهلكُ الأثر أو النص أو الخطاب[6].وبالتالي ألا تسقطنا هذه الرؤية في لامحدودية التأويلات وميولاتها إلى ثقافة القارئ، كل قارئ يسقط خبراته عليه، والأخطر ميولها إلى هواهُ الذي يَألهُ إليه، وبالتالي هل نحصل هنا على قراءة واضحة للنص القرآني، أم على قراءات متعددة ومتصارعة مع النص والواقع معًا؟ وبما أنّ النص القرآني له مقاصد عالية، من جملتها الرحمة والاختلاف والتسامح، ألا يمكن الحديث عن تأويلات مشروعة تتوافق مع تلكم المقاصد العالية، وتأويلات غير مشروعة لأنها لا تحترم قيم النص القرآني وتنقطع عن فهم لسانه؟ ألا يمكنُ ضبط فوضى التأويل بأدوات مستلهمة من اللسان العربي المبين نفسه؟
ت. النص القرآني لا يخلو من السرد، وهذه من طبيعة النُّصوص الدِّينيَّة عمومًا، و« لكنَّها تفعل ذلك بطريقتها الخاصَّة، إنَّها تُعيد صياغة وقائعه في شكل استعارات تختفي في الغالب في تفاصيل السَّرد»[7]. مما يطرحُ إشكال التطابق الكلِّي وتأويل حدثها في اللُّغة. زيادة على أن السرد القصصي في النص القرآني لا يأتي دائمًا في وحدة سردية كاملة، بل متفرقة في جملة من السور، على سبيل المثال قصة موسى -عليه السلام- مع فرعون. فضلا على أنّ بعض الدراسات[8] لم تر في القرآن استعارات ولا مجازات ولا تشبيهات، ولا كنايات، ولا إيجازًا أو إطنابًا، بل إنّ شرح التراكيب القرآنية وفق الاعتقاد بوجود مجاز في القرآن يعدّ عملا باطلا ! فهل افتراض وجود استعارات في القرآن مثلا يمكنُ أن يصعِّب علينا فهمه، بالمقابل خلو القرآن من الاستعارات يسهِّل علينا فهمه؟
ث. إنّ تفاوت المعنى بين العالم الخارجي وما يتم تمثيله بالكلمات في النص القرآني، ألا يمكنُ أن يسبب غموضًا في المعنى؟ مثلا صورة النخل في ذهنية متدبر مسلم كَنَدِي، هل تتطابق مع التجربة الحسية لسحرة فرعون وهم يصلَّبون في جذوع النخل[9] مع العلم أنّ السيميائيات ترى أنّ «الشَّكل الوحيد الممكن لوجود الأشياء هو وجودها في اللغة»[10]، وبالتالي نكتفي بالوصف أم لا بدّ من تقريب المعنى دلاليًا واستدلاليًا نوازنُ به بين الأشياء والنّصّ؟ ثم ألا تبقى هذه الموازنة في ذاتها تأويلا فقط؟
من الاعتباطية إلى القصدية:
رأينا سابقًا أن أول من نادى بالسيميائيات كعلم تحليلي لغوي لحياة العلامات داخل المجتمع هو فرديناند دو سوسير، وهو نفسه الذي يؤكّدُ على اعتباطية العلامة اللغوية، أي أنّ صلة الدال بالمدلول هي صلة اعتباطية، اصطلاح غير معلل بأية قاعدة، وهو تواضع بشري وعادة جماعية فقط. ويقدم لنا دو سوسير في هذا السياق مثالا عن لفظ ” أخت” فمن الجهة الصوتية لا توجد أي صلة بينها وبين صورتها الذهنية، بإمكاننا أن نستبدلها بأصوات أخرى من دون أن تتغير الصورة، كأن نقول Sister في الإنجليزية أو Soeur في الفرنسية مثلا. وبالتالي، فإنّ معنى واحدًا يمكنُ أن نعبر عنه بألفاظ متعددة؛ فاليم هو البحر، والقط هو الهر، والسيف هو الحسام .. إلخ.
تعرضت هذه الاعتباطية لنقد علمي شديد، وكان من أبرز المنتقدين لها عالم سبيط النّيلي ومحمد شحرور، حيث يرى كل منهما أنّ مقولة اعتباطيّة العلاقة بين اللفظ والمعنى – كما صاغها دو سوسير – لا تنطبق على اللسان العربي، ولا سيما على لغة القرآن الكريم. وبيانُ ذلك فيما يلي:
عالم سبيط النيلي والقصدية:
مؤسسًا بذلك منهجًا جديدًا عرف بالمنهج اللفظي.
أما خلاصة هذا النقد فيمكنُ عرضه على الشكل الآتي: إلغاء الترادف في اللغة وما يتبعه من اعتباط، وبالتالي فهم اللغة القرآنية على أنها نظام محكم داخلي؛ ففي مقابل الأدوات السيميائية التجريبية يمكنُ «فتح الأبواب للمعرفة القرآنية كي تحلّ محلّ المعرفة التجريبية العاجزة عن إحداث التغيير المنشود في النظام الطبيعي سعيًا لتغيير العالم وفق الإرادة الإلهية وتحقيق الهدف الأول من الخلق»[11]. أما مبادئ المنهج اللفظي كما قعدّها سبيط النّيلي فيمكنُ تلخيصها في الآتي:
أ. مبدأ عدم الاختلاف في القرآن؛ بمعنى أنّ هذا المنهج يؤمن بـ« أن القرآن يخلو من أي اختلاف بصفة مطلقة، ويندرج تحت ذلك إيمانه بانعدام التناقض الذي يؤمن به بعض علماء الدين. فالمنهج يرى أن الاختلاف أعمّ من التناقض، وأنّ انعدام الأول يعني بالضرورة انعدام الثاني لأنه جزء من كلّ»[12]. هذا المبدأ خرج من القرآن ويعود إليه، يمنع المتدبّر من الوقوع في “هاوية التفسير بالرأي”.
ب. مبدأ قصور المتلقي؛ بمعنى أن المتدبر «قاصر عن الإحاطة بكلام الخالق قصورًا دائمًا. ومعنى ذلك أنه مهما بلغ من المعرفة بالقرآن فسيظلّ محتاجًا إلى النظر فيه والتفكّر في شأنه»[13]، لأنه ما دمنا لم نتحقق بعدُ بمعرفة الله المعرفة النهائية فإننا لا يمكنُ أن نعرف كلامه بشكل نهائيّ أيضًا.
ت. مبدأ التغاير عن كلام المخلوقين؛ بمعنى أنّ هذا المنهج يؤمن «بأن كلام الخالق مغاير لكلام المخلوقين وإن تشابهت بعض الألفاظ اتفاقًا»[14] فشتان بين الكلام الإلهي والكلام البشري. يقوم هذا المبدأ على ثلاثة أسس، وهي:
- إنّ اللفظ عند المخلوق اصطلاحي عُرفي، أما في كلام الخالق فهو أصلي يسميه المنهج اللفظي بـ”المعنى الحركي”.
- اتساقُ العبارة القرآنية مع النظام القرآني، اتساقا تامًا. بينما العبارة عند «المخلوق منتظمة ضمن عباراته الأخرى انتظامًا ظاهريًا حسبُ، وهي مناقضةٌ في أحايين كثيرة لعباراته الأخرى»[15].
- المعنى الاصطلاحي وصفي لظاهر الشيء، بينما المعنى الحركي فهو حقيقة الشيء.
ث. مبدأ خضوع المتلقي للنظام القرآني؛ لأن القرآن نظام محكم فعلى المتدبر أن يسير وفقه ويكتشف مسالكه وطرقه. هذا المبدأ يكشفُ الآراء التي تخالف نظام القرآن، والإملاءات التي أملاها المفسرون فلم يتحركوا «وفق القرآن ونظامه، بل جرّوا القرآن وراءهم وجعلوه مترجمًا لأفكارهم»[16]، بينما الأجدر والأولى الخضوع لنظام القرآن.
ج. مبدأ التبيين الذاتي؛ أي أن النظام القرآني مبيِّنٌ لكل شيء مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾(النحل: ٨٩). كما أنه مبين لذاته لأنه: نظام محكم يُبيِّن نفسه بنفسه، فكل جزء له صلة بالأجزاء الأخرى. وأنه ﴿قُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾(الحجر: ١)[17] أي بتعبير عالم سبيط النِّيلي مبينٌ بنفسه. ثم إن القرآن آيات بيّنات أي بيّنات بنفسها، «وبالمبني للمجهول ﴿آياتٌ مبيَّناتٌ﴾ (بالفتح) بنفسها مرة وبغيرها من الآيات مرة أخرى، و﴿آياتٌ مبيِّناتٌ ﴾( بالكسر) لنفسها مرة ولغيرها من الآيات ولغيرها من الآيات مرة أخرى»[18]. والقرآن كتاب هداية، لذلك لا بدّ أن يكون مبيِّنًا وآياته بيّنات، فلو كان عكس ذلك لفقد نظام الإعجاز فيه.
ح. مبدأ العلو والشمول والحاكمية والامتناع؛ «فالقرآن ممتنع عن قبول أي علم أو معرفة غير علمه هو، فهو متعالٍ على كلّ علم آخر لأنه كلام الله الذي (أنزله بعلمه). فهو حاكم على كلّ علم غير محكوم بأي علم»[19]؛ من ثم فهو حاكم على اللغة غير محكوم بها، ويستشهدُ هنا عالم سبيط النّيلي بالحديث النبوي «القرآن يفسّرُ كلّ لسانٍ ولا يفسّره لسانٌ»، كما أنّ القرآن حاكم على عقائد المتدبِّر ولو كان مصيبًا اتفاقًا. وحاكم على العلم لا محكوم به لأنه علم شامل ويقينيّ. حاكم على السنة مصحح لمتونها.
محمد شحرور ومبادئ القراءة اللغوية للتنزيل الحكيم:
يعمل محمد شحرور على إعادة تأسيس قراءة معاصرة للتنزيل الحكيم، مستثمرًا ما توصلت إليه المعارف الإنسانية المعاصرة في مجال قراءة النصوص، خاصة اللغويات والمنطق الرياضي، مع العلم أن محمد شحرور ينطلق من فكرة معقولة نرى بأنها تشكل مسلّمة يضبِط بها منهجه المعرفي، ألا وهي: أن قراءته للتنزيل الحكيم ليست هيَ القراءة الأخيرة، لأن الادّعاء بأنها الأخيرة يوقعنا في ما وقع فيه السلف والسلفيون والآباء والآبائيون، في هذا السياق يقول محمد شحرور: «من يدَّعي فهم كتاب الله ككلّ من أوّله إلى آخره فهمًا مطلقًا، إنّما يدعي شراكة الله في المعرفة في ضوء قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٤٣)»[20]. من ثمّ فالتفاسير التاريخية لا تعني شيئًا من الناحية العلمية، بل ليس لها أي مصداقية، لأنها من جهة تفسر التنزيل الحكيم من أوله إلى آخره، ومن جهة ثانية «ترتكز في عمومها على التفاسير التوراتية وعلى أسباب النزول وأقوال السلف»[21]. أما مبادئ المنهج اللغوي التي يقترحها محمد شحرور فهي كالآتي:
أ. وظيفة اللغة التفكير ونقل ما يريده المتكلم إلى السامع، فهي حاملة للفكر وتتطور معه. لذلك فإنّ التنزيل الحكيم دقيق في تراكيبه، ومعانيه، ولا وجود لاعتباطية بين الدال والمدلون كما ذهب إلى ذلك دو سوسير. بل إنّ هذه الدقة لا تقلّ عن مثيلاتها في الكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات، أو في دقة الكون من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، أو في دقة خلق الإنسان بأعصابه وأوردته وشرايينه، فصاحب الخلق «هو ذاته صاحب التنزيل، الذي لا بدّ أن تتجلّى فيه دقة الصانع ووحدة الناموس. فكل حرف فيه وظيفة، ولكل كلمة فيه مهمة، وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (النساء: ١١) لا تعني أبدًا “ولوالديه لكل واحد منهما السدس”»[22]. فليست هناك اعتباطية بل مستوى كبير من الدقة، ومراعاة هذه الدقة من أساسيات القراءة المعاصرة.
لذلك لا بدّ عند قراءة التنزيل الحكيم من الإمساك بالخيط اللغوي الذي يصِل الشكل بالمضمون، البنية بالدلالة، فإذا انقطع هذا الخيط أصبحنا أمام احتمالات لانهائية لمعاني الآيات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفكر يمكن أن يكون صادقًا أو كاذبًا، مما يعني أن الربط المنطقي بين الاشكال اللغوية في النص وصحته لا تعني أنه حقيقي، وجمال التركيب ومتانته في النص لا تعني صدقه أيضا.
ب. في نظم التنزيل الحكيم تكمن المعاني، لا في مفرداته؛ ويقدم في هذا السياق مثالا من قوله تعالى: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾(الأعراف: ٣٣) حيث نفهم ضمنيًا وبالضرورة أنّ هناك إثمًا وبغيًا بحقّ، ولو لم نقل ذلك لفظًا بالنّصّ، وهذا ما يسمى المسكوت عنه[23].
ت. وفي مقابل دعوة عالم سبيط النّيلي إلى إلغاء الاستعارات والتشبيهات والمجاز من التنزيل الحكيم، يرى محمد شحرور أنّ البلاغة حاضرة في التنزيل الحكيم، وحضورها يحتمّ علينا قراءة المسكوت عنه الذي اقتضته، كما في آية المواريث مثلا «حيث سكت عن الذَّكر في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾(النساء: ١١)، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾(النساء: ١١)»[24].
ث. إلغاء الترادف في التنزيل الحكيم؛ فاللوح المحفوظ ليس هو الإمام المبين، والكتاب ليس هو القرآن. من ثم فإن التنزيل الحكيم نقل اللغة العربية إلى مستوى التجريد، وما القول بأن للناقة خمسين اسمًا من باب الترادف مثلا، إنما هو عودة باللغة العربية إلى ما قبل التجريد النهائي، بل «يمثل بدائية اللغة»[25] فلا نأخذ به في فهم التنزيل الحكيم. أمّا أن تكون هناك مفردة لها معنيان أو أكثر، «فهذا وارد ويدلّ على تطوّر اللغة وموجود في كلّ لغات العالم، مثل مفردة “نساء” التي تأتي كجمع لمفردة “نسيء” وقد تأتي كجمع لمفردة “امرأة”، وكذلك مصطلح “عبد” فهو أيضًا يحملُ معنى الطاعة ومعنى المعصية، ومفردة “أمر” لها أيضًا خمسة معان». وبالتالي يفهم المعنى حسب السياق العام لنظم التنزيل الحكيم.
السلطة للنص لا للقاعدة اللغوية، من ثمّ يجب أن تقوم قواعد اللغة العربية على أسس اللسان العربي المبين الذي أنزل به التنزيل الحكيم، وأن تتبعه أينما تحرَّك، «فإذا قال سيبويه إنّ الفعل يجب أن يماثل الفاعل في الإفراد والتثنية والجمع، ثم نقرأ قوله تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ (الحج: ١٩) فهذا لا يعني أنّ الله أخطأ في القواعد التي أرساها سيبويه، بل يعني أن سيبويه حين أسّس لقواعده لم يحكم ما أسّسه على ما ينبغي، وهذا ما يفسرّ لنا خلافات مدارس النحو وأهله في المئات من المسائل»[26].
هذه هي أبرز المبادئ التي شكّلت النظام المعرفي اللغوي لمحمد شحرور في محاولة فهم كلام الله، وتقديم قراءة تنهل من نتائج العلوم المعاصرة، هدفه الأكبر في ذلك هو إعادة تأسيس فكر ديني معاصر ورؤية مغايرة تتماشى مع التطور المعرفي لأيّ مجتمع.
خلاصة القول، تبقى الدراسات السيميائية للنّص القرآني لها وَجاهة ومشروعية علمية، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار الانتقادات السابقة؛ وفي مقدمتها تجنُّب الإسقاط أثناء التعامل مع تطبيقات النص القرآني؛ فآليات جربت على نصوص بشرية تفارق لا محالة إسقاطها على النصّ الإلهي، فضلا عن نقد مبدأ الاعتباطية الذي يحكم صلة الدال بالمدلول. وهو الأمر الذي نبهَا إليه؛ كل من عالم سبيط النّيلي في قصدية اللفظ، ومحمد شحرور من خلال التأكيد على الخصوصية المعرفية واللغوية للنّصّ القرآني، داعيًا بذلك إلى نفي الترادف، وسلطة اللِّسان العربي المبين الذي نزل به التنزيل الحكيم على قواعد اللغة العربية وأسسها[27].
د. بدر الحمري
أستاذ فلسفة وباحث في تحليل الخطاب الدّيني. المغرب.
الهوامش:
[1]– من بين الأعمال التي حاولت تطبيق السيميائيات على النص القرآني ينظر: سعيد بنكراد، السرد الديني والتجربة الوجودية، مركز الكتاب العربي، المغرب، الطبعة الأولى 2023.
[2]– بعض الدارسين أشار إلى أن مصطلح علم السيميائيات مضلل، «حتى الآن لا تملك السيميائية مسلمات نظرية أو نماذج أو منهجيات تطبيقية يقوم حولها إجماع واسع. لا تزال السيميائية نظرية إلى حد بعيد، يسعى كثيرون من منظريها إلى تحديد مجالها ومبادئها». دانيال تشاندلر، أسس السيميائية، ترجمة طلال وهبة، مراجعة ميشال زكريا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2008، ص31. بل هناك من عدّها فلسفة، ومن جملتهم الفيلسوف والسيميائي أمبيرتو إيكو، الذي يرى السيميائيات بحث شبكي فلسفي معاصر عن المعنى وفيه، لا من حيث أصوله وجواهره، بل من حيث انبثاقه عن عمليات التنصيص المتعددة، أي بحث في أصول السِّميوز ) السيرورة التي تنتج وفقها الدلالات( وأنماط وجودها باعتبارها الوعاء الذي تصب فيه السلوكات الإنسانية. وتجنبا للاغراق والتيه فإن تحليل الأصول أو النماذج المؤسسة يمكن أن يكون ناجعًا في هذا الفن. ينظر في هذا السياق: أومبرتو إيكو، حوار مع شونغ مين هونغ، دافيد ليوري، يرو تاينكا، ترجمة جميلة حنيفي، موقع حكمة.
[3]– يقول فردنالد دو سوسير: « اللسان عبارة عن نسق من الدلالات التي تعبر عن المعاني »، ينظر كتابه، محاضرات في علم اللسان العام، ترجمة عبد القادر قنيني، مراجعة أحمد حبيبي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى،1987، ص: 25.
[4]– عندما نقول بأن السيميائيات جربت على نصوص بشرية، وأن القرآن نص إلهي، وبالتالي يستحيل علينا تطبيق أدواتها على نصّ إلهي، فليس غرضنا تعجيز الإنسان في فعله التدبري، أو الحكم على العقل الإسلامي بعدم قدرته على الإبداع، ولكن على النظريات السِّيميائية إن نحن أردنا تطبيقها فيجب عليها على الأقل أن تعيننا على فهم النص القرآني من الداخل، وإدراك مستوياته الدلالية حيث تتخفى الحقائق وتتصارع التأويلات! وبالتالي يجب علينا التمييز بين إمكان التطبيق وفوضى التطبيق إن جاز لنا القول.
[5]– سعيد بنكراد، السرد الديني والتجربة الوجودية، المرجع السابق، ص 11.
[6]– ينظر: أمبرتو إيكو، الأثر المفتوح، ترجمة عبد الرحمن بوعلي، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سورية، الطبعة الأولى 2001.
[7]– سعيد بنكراد، السرد الديني والتجربة الوجودية، المرجع السابق، ص12.
[8]– عالم سبيط النيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، دار المحجة البيضاء، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2006.
[9]– إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ ﴿طه: ٧١﴾
[10]– سعيد بنكراد، السرد الديني والتجربة الوجودية، المرجع السابق، المرجع السابق، ص 09.
[11]– عالم سبيط النّيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، المرجع السابق، ص10
[12]– عالم سبيط النّيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، المرجع السابق، ص11.
[13]– عالم سبيط النّيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، المرجع السابق، ص11.
[14]– عالم سبيط النّيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، المرجع السابق، ص13.
[15]– عالم سبيط النّيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، المرجع السابق، ص13.
[16]– عالم سبيط النّيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، المرجع السابق، ص13.
[17]– وردت العبارة نفسها في سورة يس: ﴿ قُرْآنٌ مُّبِينٌ ﴾﴿٦٩﴾
[18]– عالم سبيط النّيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، المرجع السابق، ص16.
[19]– عالم سبيط النّيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، المرجع السابق، ص16.
[20]– محمد شحرور، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، المنهج والمصطلحات، دار الساقي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2016، ص 19.
[21]– محمد شحرور، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، المنهج والمصطلحات، المرجع السابق، ص 19.
[22]– محمد شحرور، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، المنهج والمصطلحات، المرجع السابق، ص 28.
[23] – محمد شحرور، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، المنهج والمصطلحات، المرجع السابق، ص 26.
[24]– محمد شحرور، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، المنهج والمصطلحات، المرجع السابق، ص27.
[25]– محمد شحرور، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، المنهج والمصطلحات، المرجع السابق، ص27.
[26]– محمد شحرور، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، المنهج والمصطلحات، المرجع السابق، ص 28-29.
[27]– لمزيدٍ من التوسّع، يُمكن الرجوع إلى حلقةٍ مميّزةٍ مع د. يوسف أبو عَوّاد على منصة » مجتمع « بعنوان: “قراءة القرآن بآلية اللسان العربي المبين”، قدّمها وحاورَه فيها د. باسم الجمل، بتاريخ 25/05/2024. رباط الحلقة: https://www.youtube.com/watch?v=ZeHfArzh3dc