Skip to content Skip to footer

التاريخ وغواية الهزيمة | د. نادر الحمّامي

لو أردنا تصوير كتابة التاريخ في مشهد مرئيٍّ؛ فإنه سيكون ساحةَ حرب مترامية الأطراف يتبارز فيها بطلان ميثولوجيَّان قادمان من أزمنة غابرة، واستعصيا على الزمن وتقلباته؛ هما النصر والهزيمة. بطلان برؤوس عصيَّة على العدِّ والحصر، منها ما هو سياسي أو حضاري أو اقتصادي أو أخلاقي أو نفسي أو ثقافي أو فكري أو رياضي أو فنِّي أو اقتصادي أو إعلامي أو حربي.. وهلمّ جرّا.


 

قد يبدو في هذا المشهد الكثير من الاختزال غير أنّ قارئ ما كُتب في التاريخ، شرقاً وغرباً، سيتأكَّد أن لا شيء خارج هذه المبارزة العنيفة، وأن ما يُقال في مناسبات مختلفة من أن “التاريخ يكتبه المنتصرون” يمكن فهمه أيضاً على غير ما سار عليه الفهم الشائع؛ إذ حوَّل المنهزمون في الواقع هزائمهم باستمرار إلى انتصارات لا تتعدَّى حدود المصطلحات والألفاظ لتصبح الهزيمة ابتلاءً أو محنة أو امتحاناً أو نكسة أو نكبة أو خيانة أو مؤامرة أو تراجعاً تكتيكيّاً حتَّمته الظروف في انتظار اللحظة المناسبة للانقضاض على النصر المحتوم القادم لا محالة، سواء بقدر من السماء، أو بفضل حكمة زعيم قائد أو أُمَّة لا تنكسر أو دولة لا تعرف الهزيمة. 

وإذا كان لا بد من الاعتراف بهزيمة ما فإنه كثيراً ما توصف بأنها “هزيمة مشرِّفة”، بالنظر إلى الصمود والاستبسال وبذل أقصى ما يمكن من جهد، وأن تلك الهزيمة هي في جوهرها نوع من الانتصار؛ لأنها تشكِّل فرصة تاريخية لما يسمَّى وقفة تأمُّل، أو اعتبار أو مراجعة أو نقد أو إعادة نظر، للانطلاق من جديد في رحلة الوصول إلى نصر أكيد.  لمثل هذه الأسباب كانت الهزيمة مطرودة من جنَّة المؤرخين طويلاً، فأنكروها على أنفسهم وعلى مَن انتموا إليهم إنكاراً، ولم يتم الاعتراف بها بطلاً في كتابة التاريخ إلا بعد أن تزعزع ثبات الحقيقة تحت وطأة أزمات الحداثة الكبرى التي كانت الحربان العالميتان وتصاعد القوى الفاشية والنازية والعنصرية بكلِّ أشكالها أبرز مظاهرها. ولم يكن من حل أمام فلسفات التاريخ سوى إعادة النظر في ما دأبوا عليه من تجاهل لبطولة الهزيمة ومراجعة مكانتها في نسج خيوط التاريخ بعيداً عن أوهام النصر الكاذب. 

في سنة 1940 كتب مؤسِّس مجلّة الحوليِّات، أحد أكبر المنعرجات في المعرفة التاريخية، مارك بلوخ؛ شهادته بصفته ضابطاً في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية. كانت فرنسا وقتها مهزومة أمام القوات الألمانيّة النازيّة واجتياح هتلر لبلجيكا، فحمل كتابه عنوان “الهزيمة العجيبة” (L’étrange défaite) ليكون فصله الثاني، وهو الأهمّ في الكتاب، قصيراً، تحت عنوان ملتبس جدّاً، ودالّ في الآن نفسه، إذ تصعب فعلاً ترجمته. 

لقد ورد الفصل تحت عنوان La déposition d’un vaincu، ولئن كانت الترجمة الأقرب هي “شهادة مهزوم” فإنّه علينا الانتباه إلى أنّ كلمة déposition   تتنتمي إلى المجال القضائي فهي شهادة مخصوصة بحكم أنّها تُقدّم في المحكمة أمام قاضٍ، وهي كلمة مرتبطة بالمسألة الجزائيّة والقانونيّة، ولكن الأخلاقيّة أيضاً؛ إذ تحيل إلى عقوبة الخلع من وظيفة أو منصب ما أو نزع مكانة شرفيّة. وترتبط الكلمة أيضاً بالمجال الديني من جهتَين؛ إذ هي عقوبة كنسيَّة يحرم بموجبها راهب من وظيفته في الكنيسة ومن عائداتها، وتشير أيضاً في المسيحية إلى عملية إنزال المسيح من الصليب. 

وسيجد قارئ كتاب بلوخ هذه الأبعاد مبثوثة في ثنايا شهادته على الهزيمة. لقد كانت كتابة المؤرخين قائمة باستمرار على الإنكار، إنكار الهزيمة، مع الإيهام بالشهادة والاعتراف، وها أنّ بلوخ يشهد ويعترف، وجاءت شهادته لشرح أسباب التقهقر والهزيمة، فكانت الفكرة الكبرى أنّ الهزيمة فكريّة في المقام الأوّل، فالجيش الفرنسي، حسب بلوخ، قد تصرّف بالذهنيّة نفسها الّتي كان عليها خلال الحرب العالميّة الأولى، في الوقت الّذي واكب فيه الجيش الألماني العصر. لقد وضعنا المؤرّخ إزاء ذهنيَّتَين متزامنتَين؛ ولكنّهما تنتميان إلى عصرَين مختلفَين فكريّاً. ولئن بدا الأمر قريباً جدّاً من التقييم السياسي للنظام البرلماني الفرنسي الرافع لشعار الديمقراطية، في حين أنه كان نظاماً فاسداً تحرِّكه الدسائس؛ ممّا سبَّب التفكُّك، فإن المسألة المركزية في كل ذلك لدى بلوخ كانت تفسير الهزيمة وشرح أسبابها بربطها بالمسألة الأخلاقية، ممّا جعله ينهي شهادته بالتركيز الكبير على مقولة الفضيلة. 

ربّما ستكون هذه الشهادة المباشرة من مؤرّخ حوّل وجهة الكتابة التاريخيّة العالميّة برمّتها منطلقاً أساسيّاً للحضور الّذي نراه في كتابات ما فتئت تتزايد موليةً الدورَ الأوّل للبعد الأخلاقي المحافظ في تفسير “الهزائم” العسكريّة والحضاريّة والاقتصاديّة أو غيرها. بل أبعد من ذلك نشاهد تزايد ربط القضيّة برمّتها بالمسألة الدينيّة، فبلوخ يلحّ في كثير من المواطن على يهوديّته، ويعمد إلى المعجم الديني الّذي طغى على الفصل الثالث والأخير من شهادته الحامل لمصطلح كبير جدّاً ونقصد مصطلح “الضمير” اللصيق عنده بحمل ثقيل يتمّ التعبير عنه عادة بـ”تأنيب الضمير”، وهو ليس تأنيباً فرديّاً؛ بل هو جماعيّ، جيل كامل من الفرنسيّين استعجل العودة من ساحات الحرب لاستعادة وظائفه الأصليّة بعد أربع سنوات من الحرب، ورأى في ذلك سبباً كافياً وعذراً مقبولاً حينها للتخلِّي عن المسؤوليّة. إنّنا، وبوضوح كامل، إزاء توجّه بدأ في التشكُّل في إطار “نقد الحداثة” على أساس اتّهامها باستبعاد العوامل الأخلاقيّة التقليديّة والروابط الاجتماعيّة القديمة وإعلاء منزلة الفرد؛ بل إنّ كلّ ذلك أصبح شيئاً فشيئاً مستنداً في التحليل السياسي والاستشراف، وهو ما ينطبق تماماً على كتابات إيمانويل طود منذ منتصف السبعينيات، الذي صدر له في شهر جانفي 2024 كتاباً بعنوان “هزيمة الغرب”. 

في الوقت الذي كانت فيه الجهود الغربية، وبالخصوص في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا الغربية، تضخّم من الخطر السوفييتي في السبعينيات، نشرَ الشابُّ طود، ذو الخمسة والعشرين، سنة 1976، كتاباً بقي منبوذاً، استشرف فيه سقوط الاتحاد السوفييتي واعتبره “السقوط الأخير”. ولئن بدت مستندات ما ذهب إليه ديموغرافية في المقام الأول وتتلخَّص في تراجع نسبة الولادات وارتفاع نسبة الوفيات، فإنّنا نقدّر أن الأمر يتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد، إذ إنّه يربط جوهر ذلك التراجع “الديموغرافي” بانقراض البنى الاجتماعيّة التقليديّة القائمة على مفهوم العائلة التي تفتَّتت وهو المؤشّر الأوّل لدى طود على قرب تفُّتت الاتحاد السوفييتي برمّته. ستكون “العائلة” وأنماطها الاجتماعيّة والأنثروبولوجية وتحوّلاتها نحو الفردانيّة، وأثر كلّ ذلك في السقوط والانهيار والهزيمة، بمثابة اللازمة في تحليلات طود التي بنى عليها كتابه الأضخم “اختلاق أوروبا”. 

إن القضية على ارتباط وثيق بتسبّب تقويض البنى التقليدية بكل مظاهرها، في تفكك الدول والتجمعات الإقليمية، وهو ما أوصلت إليه الحداثة بتركيزها على الحريات الفردية منذ الإصلاح البروتستانتي، ذلك التفكّك الذي سيؤدِّي في النهاية إلى فشل الاتحاد الأوروبي، وسيؤدِّي إلى “هزيمة الغرب”، وهو عنوان كتابه الأخير الذي ستبرز فيه بشكل أوضح علاقة تلك الهزيمة التي تبدو عسكرية أو اقتصادية بالتحللّ من القيم الأخلاقية التقليدية حسب طود. لقد اعتبرت الحرب الروسية- الأوكرانية لدى البعض “نبوءة” طود الجديدة بعد استشرافه سقوط الاتحاد السوفييتي، إذ إنه كان قد أعلن قبل تلك الحرب قيام حرب عالمية ثالثة، ولذلك كان منطلقه التحليلي في كتابه “هزيمة الغرب” محاولة منه للاستشراف من جديد. غير أن الأهم بالنسبة إلينا أكثر من التحليل السياسي المباشر هو قيام استنتاجات طود على عماد أخلاقي وديني في المقام الأول. إذ إن “هزيمة الغرب” الّتي يعتبرها وشيكة جداً، ويحمّل الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية الأولى عليها، تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية: 

– السبب الأول يرتبط بتراجع الإنتاج الصناعي الأمريكي، نتيجة تدهور قيمة العمل، وهو سبب لا يعود إلى المسألة الاقتصادية وحدها، بل إنه يجد جذوره في التعليم الذي تدهور مستواه منذ أكثر من نصف قرن. 

– أما السبب الثاني، وهو على علاقة بالأول، فيعيد تدهور التعليم إلى تراجع البروتستانتية الأمريكية التي كانت تشجِّع على التعليم؛ لأنها توجب على كل مؤمن أن يقرأ الكتاب المقدَّس بشكل مباشر، مما أسهم في نشر التعليم ومركزيته، وكان عاملاً أساسيّاً في الإعلاء من قيمة العمل باعتبارها قيمة أخلاقيّة. وهذا البعد الأخلاقي سيبدأ في الاضمحلال مع انتشار العنصرية في أمريكا ومعاداة اليهود في ألمانيا، ونشأة الليبرالية الجديدة. 

– أما السبب الثالث، فلئن كان مرتبطاً بتطورات الحرب الروسية- الأوكرانية، فإنه كذلك متعلّق بالتحالفات الاقتصادية مع روسيا التي مالت إليها الكثير من الدول غير الغربية، وحسب طود، فإن المحافظة الأخلاقية الروسية لعبت دوراً حاسماً في ذلك وبالخصوص قضية المثلية الجنسية التي يرى طود أنها أسهمت بقسط وافر من التنفير من الحداثة الغربية. 

تبدو تحليلات طود مغرية جدّاً في الأوضاع الراهنة؛ خصوصاً في السياقات العربية والإسلامية التي تكتسحها “الهزائم” من كل حدب وصوب، فتوهمها بصواب التوغُّل في العودة إلى المحافظة الدينية والأخلاقية، إذ تصوّر لها اقتراب “الخلاص الحضاري”، نتيجة تحوُّل الليبرالية الجديدة إلى أوليغراشيَّة لا أخلاقية لا وازع لها، مع “حتمية” العودة إلى الديني و”روحه” ليتحقَّق المعنى ويكون الخلاص. وإزاء استبعاد الديني في الغرب يؤكِّد طود أن ما يسميه “الاستقرار المعنوي” حاصل في روسيا الأرثوذكسية المحافظة في عهد بوتين، وكذا الأمر مع عودة الصين إلى التراث الكونفوشيوسي، والهند بالرجوع إلى الهندوسية. وحتى يتفادى الغرب هزيمته المحتومة، يستدعي طود ماكس فيبر؛ إذ في طرحه يجب العودة إلى المسيحية البروتستانتية في بُعدها الأخلاقي التي مكَّنت الغرب، حسب تحليله، من تحقيق الديمقراطية الليبرالية. 

بهذا المعنى تكون أطروحات طود حول “هزيمة الغرب”، وإن بدت استشرافية، فإنها في جوهرها دعوة إلى الرجوع بالتاريخ الغربي إلى الوراء، إلى ما كان عليه الأمر في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بكل ما يحمله ذلك من حنين خفي إلى مركزية غربية تقوم على المحافظة الدينية والأخلاقية وعلى خطاب الهوية المنغلق، وبذلك قد تمثِّل أطروحات إيمانويل طود في المستوى السياسي بالنسبة إلى المهزومين واقعيّاً، أي المجتمعات العربية والإسلامية، أملاً في الخلاص، بحكم الغطرسة الغربية والتنكُّر لشعارات الكونية وحقوق الإنسان وفكرة الديمقراطية، ولكنها تشكِّل حتماً بالنسبة إلى أعداء القيم الحديثة والإنسانية، مستنداً نظرياً يتم استغلاله وتوظيفه لدى دعاة الانغلاق، والأيديولوجيات اليمينية المحافظة شرقاً وغرباً، والتي نشهد تصاعدها باستمرار. وهنا مكمن الخطر.