Skip to content Skip to footer

التأويل في الحضارة الإسلامية بوصفه ضرورة سياسية | د. أشرف حزين

لم يظهر التأويل المعتزلي كترفٍ فكري أو نتيجة مساجلات فكرية خالصة؛ بل جاء في سياق صراع سياسي ظهر في الحضارة العربية الإسلامية، تمثَّل في عاملَين؛ أحدهما خارجي تمثل بالعقائد السابقة على الإسلام في البلاد المفتوحة كالمانوية والزرادشتية، والثاني داخلي تمثَّل في الصراع السياسي ضد السلطة المستبدة التي كانت تروج لمقولة إن أفعالها الظالمة هي من نوع القضاء والقدر الذي لا مفر منه، وعلى المسلم الحق ألا يعترض على أمور هي مقدرة في علم الله منذ الأزل، وأن الأصوب له ترك هذه الأمور وإرجاؤها إلى يوم الحساب.


 

وقد تصدَّى المعتزلة لكلا التيارَين بكفاءة عالية كانت مثار إعجاب لكل مَن اطلعوا على محاججاتهم ونقاشهم الفكري الناضج. وقد كان التأويل هو السلاح الفعال الذي أجاد المعتزلة توظيفه؛ للخروج من كل المآزق التي ترتبت على الفهم الظاهري للنصوص الدينية المؤسِّسة من الكتاب والسُّنة. 

ويمكن القول إن المعتزلة دشنوا تياراً عقلانياً في الحضارة العربية الإسلامية يستند إلى مسلمة أنه إذا كان هناك نص ديني يناقض في ظاهره العقل والمنطق، فهذا يعني أن هذا النص لم يتم فهمه بالشكل الصحيح، وأنه يتوجب علينا نبذ المعنى الظاهري والنفاذ إلى المعنى الحقيقي من خلال عملية التأويل. ويمكن القول إن ثمة مبررات كافية لتغليب المعنى التأويلي على المعنى الظاهري؛ لأن النصوص الدينية قد وظفت البلاغة في صياغة التعاليم والأفكار ولم تعبر عن هذه الأفكار بالطرق الظاهرية. والبلاغة ملازمة للنصوص الدينية حتى قبل الإسلام، وعندما جاء الإسلام تجذرت العلاقة بين النص الديني والبلاغة استناداً إلى حقيقة، أن المعجزة القرآنية معجزة بلاغية بالدرجة الأولى. فإذا كان الأمر كذلك، فإن التأويل وليس التفسير هو المعول عليه في فهم النصوص الدينية. يستشهد أصحاب هذا الرأي بحقيقة أن كلمة تفسير لم ترد في النص القرآني إلا مرة واحدة، بينما وردت كلمة التأويل ومرادفاتها سبع عشرة مرة. وهذا بالطبع يمنح المشروعية لتأويل النصوص لكي تصبح دلالتها متطابقة مع العقل والمنطق. ومن الملاحظ أن فيلسوف الإسلام القاضي ابن رشد، قد تبنَّى هذا الرأي العقلاني وقرر أنه في حالة تعارض ظاهر النص مع العقل، فإن اللجوء إلى تأويل النص هو المخرج من هذا التناقض. لقد كان ابن رشد يعتقد أن النص الديني لا يمكن أن يتعارض مع العقل، وأن الشريعة متوافقة مع الحقيقة ولا تتناقض معها. 

يتوجب علينا عند المقارنة بين التأويل الرشدي والتأويل المعتزلي الانتباه إلى اختلاف العصور. فالمعتزلة دشنوا النشاط التأويلي في القرن الثاني الهجري، بينما جاءت مؤلفات ابن رشد حول التأويل في القرن السادس الهجري، ومن المؤكد أن الكثير من الأمور قد استحدثت خلال هذه الحقبة البالغة أربعة قرون. الأمر المستحدث والأكثر أهمية خلال هذه الحقبة هو الإسراف في عملية التأويل؛ مما شكَّلَ خطراً على الثوابت الدينية الإسلامية، حيث إن التأويل غير مطلوب إذا كان ظاهر النص لا يتنافى مع العقل. علاوة على ذلك، فقد أصبح التأويل يُمارس من قِبل أناس غير مؤهلين مما يحرف بوصلة النصوص الدينية. ومن هذا المنطلق أخذ ابن رشد بالرأي القائل إن من الأفضل منع العامة من التأويل وقصره على الراسخين بالعلم، انسجاماً مع فهم خاص للآية القرآنية التي تقول “وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم”. يقول ابن رشد في فصل المقال: “يجب ألا تثبت التأويلات إلا في كتب البراهين؛ لأنها إذا كانت في كتب البراهين لم يصل إليها إلا مَن هو من أهل البرهان”. 

إن من يصفهم ابن رشد بأهل البرهان هم أهل النظر والفلسفة، وهم الراسخون في العلم الذين يحق لهم التأويل. وعلى الرغم من النقد الذي يبديه ابن رشد تجاه الفرق الكلامية، بما فيها المعتزلة؛ فإنه لا يمكن إنكار أن ابن رشد أخذ عن المعتزلة المبادئ الأساسية للتأويل العقلي. ذهب الجابري في كتابَيه بنية العقل العربي وتكوين العقل العربي، إلى أن السبب الرئيسي لاستيراد الفلسفة اليونانية هو الدفاع عن العقائد الإسلامية الرسمية، والتي كانت بمثابة الأيديولوجيا الرسمية للدولة العباسية، وهي مسألة تخص تثبيت دعائم الدولة، وليست مسألة فلسفية خالصة كما أُشيع. يعتقد الجابري أن الدولة العباسية كان لها خصمان لدودان؛ أولهما: هو الخصم الإلحادي الدهري والمانوي القادم من بلاد الفرس، والذي كان ندّاً ثقافياً لا يستهان به، وقد أوضحنا أن المعتزلة كانوا نداً قوياً في محاربة هذا التيار بالحجة والبرهان العقلي، وثانيهما هو التيار الشيعي الإمامي بزعامة الإمام جعفر الصادق.

إن عملية تنصيب العقل في الثقافة العربية الإسلامية لم تكن بالأمر الهين؛ إذ كان لا بد من مواجهة الغنوص المانوي والعرفان الشيعي. كان الإمام قد عقد هدنةً سياسية مع الدولة العباسية بعد الصدام الحاد بين الطرفَين، واستطاع جعفر الصادق، أن يجمع حوله الأشياع من آل البيت، وأقام دعائم المذهب الإمامي على أُسس متينة. وقد حصل الإمام على امتيازات واسعة بسبب هذه الهدنة؛ كان من ضمنها الحصول على حقه في جباية الخمس من أشياعه من أتباع آل البيت بوصفه وريثاً لآل محمد. ولكن الإمام، وعلى الرغم من توقف نشاطه السياسي فقد بدأ هو وأتباعه نشاطاً دينياً ثقافياً قائماً على نشر المذهب الإمامي بين الجماهير. ومن الملاحظ أن هذا المذهب بدأ ينتشر بين عامة المسلمين كالنار في الهشيم، واتضحت خطة الإمام المتمثلة في السيطرة الثقافية على المجتمع، وإضعاف دور الدولة الاجتماعي؛ تمهيداً لإضعاف دورها السياسي. وعلينا دائماً أن نعي أن المذهب الشيعي الإمامي هو مذهب سياسي بالدرجة الأولى، قائم على فكرة مركزية؛ هي استلام السلطة السياسية ووضعها في يد آل البيت، الورثة الشرعيين للرسول الجد محمد، وبخصوص الإمام جعفر الصادق يؤكد الجابري “أن جميع المصادر تؤكد ما يفهم منه أن استراتيجيته العامة كانت ترمي إلى السيطرة الثقافية أولاً وصولاً في ما بعد إلى السيطرة السياسية. 

وهكذا اختار العباسيون أن يستوردوا الفكر اليوناني لكي يحققوا نصراً مزدوجاً على الباطنية الإمامية والإلحادية المانوية، الأرسطية واليونانية كانت تحتوي على ملمحَين مهمَّين؛ الملمح الأول أنها فلسفة مؤمنة تعترف بإله واحد، صحيح أن مواصفات الإله الأفلاطوني والأرسطي مختلفة عن مواصفات الإله الإسلامي؛ ولكن ذلك ليس مهماً، إذ كان الهدف هو تكريس صورة خالق وإله لدحض الدهريين والملاحدة، والملمح الثاني للفلسفة اليونانية هو كونها فلسفة عقلانية بامتياز، تعتمد العقلَ غايةً ووسيلةً في كل ما أنتجته من فكر، وهذا العقل هو وحده الكفيل بمحاربة التيار الإمامي الغنوصي، اللا عقلاني الباطني الذي كان يكتسح المجتمع الإسلامي بفضل جهود ومكانة الإمام جعفر الصادق وقربه من النبي. ولإدراك الخطر الأيديولوجي الذي مثلته المانوية في العصر العباسي الأول؛ فإننا نورد هنا مقولة هنريش بيكر “يستطيع المرء أن يدرك اليوم أن المانوية والزرادشتية كانت للإسلام عدوتين خطيرتين كالمسيحية على أقل تقدير، وأن غنوص المانوية والمذاهب الشبيهة بها كانت خطيرة على الإسلام خطراً مباشراً، ولذلك فإننا نرى أن أول مدرسة كلامية في الإسلام، ونعني بهم المعتزلة قد استفادت بعضاً من أصولها ومسائل بحثها عن طريق كفاحها ضد المانوية. 

نجحت عملية ترجمة ونقل الفلسفة اليونانية نجاحاً كبيراً بفضل الجهد الممتاز الذي بذله الرواد الأوائل من الفلاسفة من أمثال الكندي، والذي استطاع تبيئة المفاهيم والأفكار الأرسطية والأفلاطونية في المجتمع الإسلامي، ولم تكن هناك أية صدمة أو ممانعة جراء ذلك؛ نظراً لأن أرسطو وأفلاطون كانا يؤمنان بوجود إله، كل على طريقته، وكانت هناك ممانعة خفية من قِبل التيار الفقهي المحافظ، ولكن هذا التيار لم يكن هو التيار السائد في هذا الحقبة. لقد كان التحالف العباسي المعتزلي في أوجه في ذلك الوقت، والمعروف عن المعتزلة أنهم كانوا أصحاب نزعة عقلية وأصحاب أفق واسع في الأمور العقيدية. 

التوفيق بين الفلسفة اليونانية والثقافة والعقائد الإسلامية أتى بنتائج ممتازة استطاعت أن تؤسس لتيار فلسفي إسلامي، تيار قلبه ووجدانه عربي إسلامي وعقله يوناني، وقد أدى هذا التيار كل الأهداف التي أُنيطت به في هذه الحقبة التاريخية الحرجة. ولكن هذا التيار لم يلبث أن تعرض إلى التصفية من قِبل التيار المحافظ، وتعرض المعتزلة الذين حملوا لواء العقلانية إلى الملاحقة والتنكيل، وتم إحراق كتب المعتزلة وحرموا من حقوقهم المدنية والتي كانت في ذلك الوقت تتمثل في عدم قبول شهادتهم في المحاكم، كل هذا يثبت أن التيار الفلسفي العقلاني لم يستطع التجذر بالبيئة العربية الإسلامية؛ لأنه لم يكن نتاج هذه البيئة، بل كان مستورداً، وهذا يثبت ما ذهب إليه الجابري؛ أن الدولة العباسية قامت باستيراد الفلسفة لأسباب غير معرفية، وعندما أدت الفلسفة العقلانية دورها وحققت أغراضها، عمدت هذه السلطات إلى تصفيتها والوقوف إلى جانب التيار الفقهي المحافظ الذي كان يتربص بالعقلانية العربية الناشئة”.