Skip to content Skip to footer

التأويل المعتزلي والحرية الإنسانية | د.أشرف حزين

ربما تكون قضيةُ الحرية من القضايا المركزية التي دافعَ عنها المعتزلة. صحيح أن هذه المفردة لم ترد في نصوصهم؛ ولكن هذا لا يعني أبداً أنهم لم يهتموا بهذه المقولة بالغة الأهمية. كل ما في الأمر أن هذه المقولة تم وضعها تحت مسمى آخر هو الاختيار. لقد كان للمعتزلة نتاجٌ عقلانيٌّ غزيرٌ في إثبات الاختيار ودحض الجبر. ويذهب الكثير من المؤرخين إلى أن السبب الرئيسي لانتشار تيار الاعتزال هو محاربتهم التيارات الجبرية التي ظهرت في الحضارة العربية الإسلامية إبان الحقبة الأموية. فقد ظهرت أفكار جبرية في هذه الحقبة لتبرير الظلم السياسي والمجتمعي وإرغام الناس على القبول بالأمر الواقع.


 

كان ثمة إجماع لدى عامة المسلمين أن بني أمية قد تولوا حكم المسلمين مع أنهم لم يكونوا من السابقين في الإسلام حتى يتصدروا لإمامة المسلمين وإمامة المؤمنين، كما أن بعضهم لم يتورَّع عن سفك الدماء وغصب أموال المسلمين. وهكذا كان بنو أمية في حاجة ماسَّة إلى فكرة أو حيلة لدعم سلطانهم والتعويض عن نقص أهليتهم في قيادة المسلمين، وقد وجدوا ضالتهم في عقيدة الجبر؛ حيث أشاعوا بين الناس أن مجيئهم للحكم وكل أعمالهم وممارساتهم إنما هي بقدر من الله قد قدرها منذ الأزل ولا حيلة لأي من الناس في دفع هذا القدر الإلهي. على هذه الأيديولوجية المضللة، استند بنو أمية في سياستهم في الحكم. تشير المصادر التاريخية إلى أن عبد الملك بن مروان بعد أن قتل عمر بن سعيد، خرج إلى الناس أحد فقهاء السلطة ليقول إن أمير المؤمنين قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ. معنى هذا أن كل ما يحصل في حياة الناس هو مقدر من عند الله منذ الأزل ولا طاقة للإنسان في رد قضاء الله؛ بل من الواجب التسليم بهذا القدر خيره وشره. مما لا شك فيه أن ثمة خطأ ما في المنطق السابق، ثمة مغالطة تدعو للقلق. ولقد برز بالفعل رجال من المسلمين تنبهوا إلى هذا المنطق السقيم، وأقلقهم هذا المنطق التبريري الذي يبيح الفواحش، وأدركوا خطورةَ هذا المنطق على الدين، فجاهروا بالاعتراض على مبدأ الجبر الذي استند إليه الحكام لتبرير طغيانهم. وهكذا نشأ صراع فكري- سياسي بين أناس يرتكبون المعاصي وينسبونها لمشيئة الله، وأناس عارضوا هذا التوجه الخطير. إن القولَ بالجبرية ينفي العدلَ عن الذات الإلهية؛ لأن في عقاب الإنسان على أعمال هو مجبور عليها ظلماً وجوراً، وحاشا لله ذلك، فهو العدل المطلق. 

يعتبر الحديث في القدر من أهم المباحث التي انخرط فيها المعتزلة، ومن أشهر الأعلام الذين تصدوا لهذا المبحث، المعتزلي واصل بن عطاء، الذي يعتبر هو المؤسس الحقيقي لمذهب الاعتزال، والذي كان متأثراً بغيلان الدمشقي؛ حيث يقرر ابن عطاء أن “الباري تعالى حكيم وعادل؛ لا يجوز أن يُضاف إليه شر وظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحكم عليهم شيئاً ثم يجازيهم عليه، فالعبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والرب تعالى أقدره على ذلك كله. وأفعال العباد محصورة في الحركات والسكنات والاعتمادات والنظر والعلم”. ويتضح من رأي واصل بن عطاء السابق، النزعة العقلية عند المعتزلة؛ حيث يستعمل الأخير المحاججة العقلية والبداهة المنطقية من أجل إثبات مقولات المعتزلة في المسؤولية. وهذا النهج في المحاججة يعتبر فريداً في الحضارة العربية الإسلامية التي دأبت على المحاججة بالنصوص واعتمادها مرجعاً لإثبات المقولات. ونستطيع التقرير أن المعتزلة اعتبروا العقلَ أصلاً من أصولهم، على الرغم من أنهم لم يجاهروا بذلك بشكل مباشر.

ابتدأت السجالات في مسألة الجبر والاختيار منذ العصر الأموي؛ حيث أرسى الأمويون مذهباً جبرياً خالصاً لخدمة أهدافهم السياسية في تبرير حكمهم للناس، وانتزاعهم السلطة ممن هم أحق بها. ومن المعلوم أن الفلسفة الجبرية تعد متلازمة مع الاستبداد. ويشير الدكتور محمد عمارة إلى أن “البدايات الكبرى والمنظمة في القول بالجبر بعد ظهور الإسلام واستقراره في صورة أفكار ذات أهداف سياسية تحاول أن تتخذ لها مسحة من عقائد الإسلام، وذلك حتى تبرر أمام الناس تلك التحولات السياسية التي نقلت الخلافة الشورية التي أقامها المسلمون بعد وفاة الرسول إلى نظام شبه ملكي على يد معاوية بن أبي سفيان”.

وذهب المعتزلة إلى نهاية الشوط في الانتصار للحرية الإنسانية، وأنكروا كلَّ المواقف التوفيقية والتلفيقية التي تتخذ موقفاً موارباً من فكرة الحرية الإنسانية، كما هي الحال عند الأشاعرة الذين قالوا بمبدأ الكسب؛ والذي هو موقف تلفيقي لا يعترف صراحةً بأن الإنسان هو المنشئ لأفعاله. ورأى المعتزلة أن المواقف التلفيقية أشد تهافتاً من الجبر الخالص. وقد أعلن المعتزلة بكل جرأة ووضوح، وفي موقف لم يسبقهم إليه أي من الفرق الإسلامية، أن الإنسان هو خالق لأفعاله. وهذه المقولة عدت من أشهر مقولات المعتزلة المثيرة للجدل، والتي جرَّت عليهم الكثير من الاستهجان والانتقاد. فكيف يجوز أن يوصف الإنسان بأنه خالق؟! وصفة الخالق هي من صفات الله ولا يجوز أن يوصف غيره بهذه الصفة. ولكن المعتزلة كعادتهم قاموا بجهد تأويلي من أجل إثبات دعواهم، واستشهدوا بالآية “إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا”، والتي تفيد أن الإنسان يمكن أن يوصف بأنه خالق. وكذلك الآية “تبارك الله أحسن الخالقين”، والتي تفيد أن هناك خالقين؛ ولكن الله أحسنهم. علاوة على أن الآية التي تتحدث عن المسيح؛ أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، تفيد أيضاً جواز إطلاق صفة الخلق على غير الله. ولم يتفق المعتزلة مع القائلين إن الإنسان هو خالق بالمجاز، بل إنهم أقرُّوا أن الإنسان خالق لأفعاله على وجه الحقيقة. واستدرك المعتزلة بالقول إن الخلق لا يعني في حالة الإنسان الإيجاد من العدم؛ بل إن الخلق الإنساني عندهم هو الفعل والصنع على أساس من التقدير والتخطيط السابق على التنفيذ. ويلجأ المعتزلة إلى منهج عقلاني في التأويل من خلال الرجوع إلى التراث البلاغي العربي، والعثور على سابقة نصية تشابه الحالة موضع الجدل.  وفي مسألة الخلق يستشهد المعتزلة بقول العرب “خلقت الأديم”، والتي تعني تحويله من حالة إلى حالة دون الاعتقاد بأي مفهوم يوحي بالإيجاد من العدم الخالص. وكذلك يسوق المعتزلة قول زهير: ولأنت تفري ما خلقت/ وبعض القوم يخلق ثم لا يفري. وهذا دليل بلاغي في غاية الأهمية من شاعر جاهلي بوزن زهير، وهو يسند ما ذهب إليه المعتزلة في جواز استخدام مفردة الخلق في سياق الحديث عن الفعل الإنساني. وهذا يجعل من التأويل المعتزلي تأويلاً سلساً، وليس متعسفاً، ويتفق مع ما اعتاد عليه لسان العرب.

تعتبر الرسالة التي بعث بها غيلان الدمشقي إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، من أبلغ النصوص التي تدحض فكرةَ الجبرية المتهافتة. يقول غيلان: “هل وجدت يا عمر حكيماً يعيب ما يصنع أو يصنع ما يعيب، أو يعذب على ما قضى، أو يقضي ما يعذب عليه؟ أم هل وجدت سيداً يدعو إلى الهدى ثم يصد عنه؟ أم هل وجدت رحيماً يكلف العباد فوق الطاقة أو يعذبهم على الطاعة؟ أم هل وجدت صادقاً يحمل الناس على الكذب؟ أم هل وجدت ظالماً يحمل الناس على الظلم والتظالم؟”. احتوت هذه الرسالة على منطق بسيط؛ ولكنه منطق قوي يدحض كلَّ الحجج الفاسدة التي كان يروج لها دعاة الجبرية.  

  

لقد كان المعتزلةُ واضحين وصريحين في الوقوف والاصطفاف بجانب مبدأ الحرية، وقالوا إن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وبالتالي هو يُحاسب عليها جزاء أو عقاباً، وهذا ينسجم مع العدل الإلهي الذي لا يمكن أن يحاسب مخلوقاً مجبراً على أفعاله، ولو كانت الأفعال مقدرةً ومخلوقةً سلفاً بواسطة الله؛ لانتفى معنى الثواب والعقاب. وعندما دار جدل حول مشروعية القول إن الإنسان يمكن أن يوصف بأنه خالق، وهي صفة من صفات الله وحده، احتج المعتزلة بالنص القرآني؛ حيث أوردوا آيات تفيد جواز إثبات هذه الصفة للإنسان. ثمة آية صريحة في القرآن تقول عن غير المؤمنين “ويخلقون إفكًا”، وهذا يعني أن الإفك هو خلق بشري، ولا يجوز فعل الإفك ونسبته إلى الله.