Skip to content Skip to footer

الاستشراق والأنثربولوجيا | د. حسن رشيق

مقدمة

ياسين: سيد حسن رشيق، هناك مفارقة أخرى أريد أن نتوقف عندها تورط فيها الاستشراق حين درس تراثنا العربي الإسلامي، وهو أنه حكم على مجتمعاتنا في القرن السابع عشر، الثامن عشر، التاسع عشر، حتى القرن العشرين، انطلاقًا من التراث. وهكذا حكم على الحاضر بالماضي. أنا بغيت أن نعرف إلى أي حد تجاوز الأنثربولوجي الغربي هذا العطب الاستشراقي؟

حسن: نقول لك بدايةً، التجاوز يعني مدرسة جديدة. لا أعني أن كل المدارس الأخرى اندثرت بسبب ما بعد الحداثة. الذي أخرجنا هو الإنصات للآخر، مفهوم التأويل، مفهوم الفهم، مفهوم المرونة الذي تكلمت عنه قبل هذا. هو الذي أخرجنا من أن آتي أنا كأنثربولوجي، أو مستشرق، أو عالم سياسة، وآتي بإطار؛ لأنه حتى الميدان لا يحسن إذا جئت أنا بنموذج مهيأ وأتيت فقط لأخذ بعض الأمثلة لتوضيح هذا النموذج. نحاول أنا مع زملائي ألا نرجعهم إلى الصورة الكبرى، وإذا لم يجدوا الصورة الكبرى، لا نعمل كل شيء أنثروبولوجيًا والمستشرقين في سلة واحدة.

ياسين: لا نرد على الاختزال بالاختزال، ولا على التعميم بالتعميم.

حسن: هذا هو الصعب بطبيعة الحال، لأنه بحث نظري بسيط. ولكن حينما تريد أن تكون هناك فروقات تميزية، فهذا يصعب. ولكن هذه البرامج وهذه الحلقات، هذه وظيفتها؛ وظيفتنا نحن الاثنين.

 

 

ما بين الاستشراق والأنثربولوجيا

ياسين: أعزائي، عزيزاتي، أهلا وسهلا ومرحبًا. تمثل الأنثربولوجيا واحدة من الحقول المعرفية التي اهتمت بمجتمعاتنا وثقافتنا ودرستها عن كثب، من خلال رحالة وعلماء زاروا المجتمعات العربية الإسلامية، وأقاموا فيها، وتعرفوا إلى أهلها، وعاداتهم، تقاليدهم، ومعتقداتهم. وفي مقابل المستشرقين الذين درسوا العالم العربي الإسلامي انطلاقًا من النصوص الدينية والتراثية التي يُحتكم إليها وتوجّهه، نزل الأنثربولوجيون إلى الميدان، قابلوا الناس، وتعرفوا على أنماط عيشهم، وتوقفوا عند أشكال معتقداتهم الشعبية وطقوسها، مقابل ديانتهم الرسمية ونصوصها. هكذا تبلور ما يمكن تسميته استشراقًا أنثربولوجيًا لدى البعض، أو أنثربولوجيا إسلامية عند آخرين. وإذا كان جل المستشرقين قد ركزوا على دراسة الثقافة العالمة للشرق بما هي تراث وإنتاج معرفي تم في الماضي، فقد درس الأنثربولوجيون الثقافة الشعبية والثقافة الراهنة لمجتمعاتنا العربية الإسلامية. وهو ما جعل الغرب، بما في ذلك مؤسساته الاستعمارية، على معرفة عميقة بشعوبنا وأوضاعنا. إنما ما الذي تغير اليوم بعد ظهور رعيل جديد من الأنثربولوجيين العرب والمسلمين الذين درسوا مجتمعاتنا دراسة أنثربولوجية غير استعمارية، وقاربوا المنجز الأنثربولوجي للباحثين الغربيين مقاربة نقدية؟

أعزائي، عزيزاتي، هذا السؤال سيكون منطلقًا وإطارًا لباقة أسئلة يسعدنا أن نطرحها اليوم على ضيفنا الأنثربولوجي المغربي البارز، والباحث المرجعي المعتمد في كُبريات الجامعات العالمية، الدكتور حسن رشيق. دكتور حسن رشيق، أهلا وسهلا ومرحبًا بك.

حسن: شكرًا، شكرًا أستاذ ياسين.

ياسين: سيد حسن، تعد الأنثربولوجيا من العلوم التي اشتغل بها المستشرقون، لكن الأنثربولوجيين كثيرًا ما وضعوا أنفسهم خارج دائرة الاستشراق. بيد أن تعريف إدوارد سعيد للاستشراق وللمستشرقين يشملهم. المستشرق عنده هو كل من يدرس أو يبحث في أمور الشرق. لنبدأ بمساءلة أولية لهذا التماس ما بين الاستشراق والأنثربولوجيا.

حسن: أجدد شكري أولًا. ثم بالنسبة للتعريف الذي تفضلت به، وهو تعريف ما بين ثلاثة تعريفات. التعريف الأوسع عند إدوارد سعيد هو: كل من يشتغل على الشرق فهو مستشرق، كان أنثربولوجيًا، أو كان رسامًا، أو كان نحويًا. هذا التعريف واسع جدًا.

ثم هناك الاستشراق كخطاب، كحقل للدراسات. هذا يدخل فيه الأنثربولوجيون، ولا يدخلون أيضًا. نقاط الالتقاء ما بين الأنثربولوجي وما بين المستشرق أنهم يشتغلون على “الآخر”، هذا معروف. المستشرق لا يشتغل على الغرب، والأنثربولوجي لا يشتغل على الغرب أيضًا. فقط، الآخر بالنسبة للأنثربولوجي هو واسع، لا يشمل فقط الشرق وحده. هناك إفريقيا، هناك أمريكا اللاتينية، هناك الهنود الحمر، إلى آخره، إلى آخره. فمفهوم الآخر كبير.

ياسين: أوسع.

حسن: أوسع جدًا. النقطة الأخرى المشتركة هي الهيمنة؛ لأن الاثنين كانا في فترة استعمارية، وكان الخطاب خارجيًا مهيمنًا. ليس مهيمنًا دائمًا بطبيعة الحال، ولكن كما كنت أتحدث، الهيمنة هي كذلك. هذه نقاط الالتقاء.

ياسين: الآن، معًا يفصلان ما بين الباحث وموضوع بحثه. هذا هو أهم مشترك، نقطة يشتركان فيها. ولكن أيضًا كأني بك تشير، دكتور رشيق، إلى أنهما معًا ينتميان إلى رؤية تكاد تكون استعمارية غربية رأسمالية، تنظر إلى هذا الموضوع، إلى موضوع البحث، نظرة إليه باعتباره “آخر”. وهنا نحس بأنه إذا كان إدوارد سعيد، وهو ينتبه إلى أهمية الخطاب الاستشراقي في علاقته بالهيمنة، فإن الأنثربولوجيا أيضًا فقط لم تجد من ينتبه إلى أنها حمّالة خطاب هو أيضًا كانت له تطلعاته التي تخدم المستعمر، والهيمنة التي يريدها المستعمر.

حسن: أنا أظن أنه انطلاقًا من سنوات السبعين بدأ التفكير في ما يسمى (مصطلح إنجليزي)، كان يعني بالأدب.

ياسين: دراسات ما بعد الكولونيالية.

حسن: إي، دراسات ما بعد الكولونيالية. كانت تهتم بالأدب، وكانت تهتم بالأنثربولوجيا. الكتاب الخاص بالدراسات التي أشرف عليها حول الكولونيالية كان قديمًا إلى حد ما، وانتبه إلى الخطاب الاستعماري، على الأقل بداية الستينيات. بداية الستينيات بدأ هنا في المغرب، في الهند، في إفريقيا الشمالية، عند العرب في المشرق أيضًا، يتحدثون عن نزع الاستعمار.

ياسين: نزع الطابع الاستعماري.

حسن: الطابع الاستعماري عن الأنثربولوجيا. فهي قديمة أيضًا، وهي بالمناسبة أقدم من كتاب…

ياسين: إدوارد سعيد؟

حسن: كتاب إدوارد سعيد، لأنه نشر في 1978. “النقد المزدوج” لعبد الكبير الخطيبي هو أقدم من هذا. يتناول “النقد المزدوج”، حيث انتقد الاستعمار، وانتقد بلدي في نفس الوقت، وانتقد ما يروج في بلدي في نفس الوقت. فأظن أن المهم هو ربما الاستشراق والاستعمار يعني بالمفاهيم التي انتقدت فقط؛ لأنها كانت استعمارية. وأنا عندي تحفظ في هذا.

ياسين: هو ممكن أن…

حسن: عندي تحفظ في هذا، تحفظ يعني أن المسائل ليست حقًا كذلك. تحفظي هو أنه لا يمكن اختزال لا المستشرق ولا الأنثربولوجي فقط في هذه القبعة الغربي الذي يدرس الآخر.

ياسين: بكل تأكيد، نحن لا نقصد أي اختزال، ولكن أيضًا لا نحب أن يُؤول تنبيهنا إلى ارتباط هذا وذاك بالسلطة والاستعمار كما لو أنه اختزال لهما. لا، أبدًا. نحن نوسع الصورة، ونحاول أن نبحث عن التعالقات الكائنة والممكنة. ومنها مثلًا أن الاستشراق بنفسه كفضاء معرفي عام وواسع يقوم على أساس، أو يكاد يقوم على أساس أنثربولوجي. فالتفرقة بين شرق وغرب تكاد تكون تفرقة أنثربولوجية.

حسن: أكيد، هذا الذي قلته قبل قليل. وسأرجع وأفصل إلى حد ما. الأنثربولوجيا بدأت كما بدأ الاستشراق. السنوات، نقول 1890، 1880، نهاية القرن التاسع عشر. لم تكن هناك أنثربولوجيا ميدانية. الأنثربولوجيا الميدانية، الأنثربولوجيا التي تدرس الميدان، في بداية القرن العشرين، 1920، 1923، 1924. فهي بدأت أيضًا كما الاستشراق في دراسة الكتب، في دراسة تقارير الرحالة، في دراسة… إلى آخره، إلى آخره. الآن، الميدان، ما الذي.. الآن يضيفه الميدان؟ أظن أن هناك مرحلة جد مهمة يجب الوقوف عليها، وهي الوضعانية في أوروبا، والوضعانية لم تكن فقط موقفًا فلسفيًا عند ديكارت وآخرين، بل كانت أيضًا موقفًا استعماريًا، بمعنى أنه يجب أن ندرس البلدان التي سنستعمرها دراسة علمية بين مزدوجتين. ليس هذا هو المهم، بل الأهم هو أننا لن نذهب هناك لنستعمر الهند أو إفريقيا الشمالية أو إفريقيا بصفة عامة، لن نذهب فقط لنستعمرها فقط، بل يجب أن نمهد لهذا. والتمهيد كان الرحالة؛ شارل دي فوكو، عام 1884، كان في المغرب وكتب كتابًا حول التعرف على المغرب. وبدأ، وهو جغرافي أصلاً، فبدأ هذا الطابع. وهذا هو ما لم يكن في الاستشراق: أن هناك طابعًا، يجب أن تجاوز كل ما هو سفسطة، وكل ما هو مسائل مجردة، وأن نذهب إلى الميدان، إلى الحقيقة الميدانية. فالضابط الاستعماري يجب أن تكون له معرفة أدنى باللغات، باللهجات، بالطقوس، حتى يمكنه أن يديرها. المستشرق لم يكن، لن يدير، وهذا الأنثربولوجي يمكن أن يكون مستشرقًا، الذي في الميدان، إلى آخره.

ياسين: هي تعالقات، هكذا نحن لا نفصل ولا نجد حدودًا…

حسن: نعم، هذا فهمته. فهمت أنه ليس هناك حدود، ولو أن هناك تمايزات بطبيعة الحال. ليست هناك حدود، ولكن هناك تمايزات. أظن أن الميدان، بداية من القرن العشرين، هو الذي إلى حد ما سيميز ما بين المستشرق الذي يشتغل حول النصوص، كما تفضلتَ قبل قليل، وبين الميداني الذي يشتغل على الثقافة الشعبية، على الثقافة غير المكتوبة، على اليومي، على المعتقدات التي ليس لها أصل كتابي، إلى آخره. وهذا تمييز فيما بينهما، ولو أنه ممكن للأنثربولوجي أن يشتغل على الثقافة الشعبية بنظرة مستشرقة. ليس بالضرورة أنه سيأتي بعلم جديد أو بنظرة جديدة، إلى آخره.

ياسين: هذا هو. ومادمنا نحن نتحدث عن التقاربات بين بلادنا في هذا اللقاء، حتى أنا فهمتُ من عندك بأن الأنثربولوجيا في الغرب لم تكن تدرس فقط المجتمعات العربية الإسلامية لكي نعتبرها كلها ذات منطلق أو أساس استشراقي، بدليل أنها اشتغلت على مجتمعات إفريقية، آسيوية، أمريكو-لاتينية، وغيرها. إذن، من الصعب وصم هذا العلم بالعلم الاستشراقي. لكن من المهم أن نسائل هذا الاشتغال على الآخر البعيد: ما الذي يميزه عن الأنثربولوجي القريب التي يشتغل فيها الباحث على بلده وثقافته؟

حسن: هذا سؤال طرحته في القريب والبعيد. الآن، للإجابة…

ياسين: لكي أطمئنك، أغلب الأسئلة نأخذها من عندك، يعني أنا فقط أجرك إلى أن توضح ما أوضحته في كتبك.

حسن: نعم، سؤال جد مهم. بالخلاصة، كان هناك فرق حول مفهوم الألفة بالنسبة للأنثربولوجي البعيد. كلود ليفي ستروس كان يتكلم عن النظرة البعيدة. بالنسبة للأنثربولوجي البعيد، ليست هناك ألفة. ممكن أن يكون هناك تمركز عرقي، ممكن أن تكون ألفة مع الثقافة الأمريكية، أو الثقافة الأوروبية، أو الثقافة إلى آخره. لكن هذا مفهوم الألفة الذي يحاول البعض، وأنا لست متفقًا مع هذا، أن يسجن الأنثربولوجي المحلي في الألفة. بمعنى أنه يعرف الدارجة المغربية، أو الدارجة السورية، أو الدارجة كذا، إلى آخره. وبحكم ألفته، هذه الألفة بالنسبة للبعض هي مورد، وأنا أتفق مع هذا. أنا كمغربي أشتغل على المغاربة، كأمازيغي أشتغل على الأمازيغ. هذا مورد. بالنسبة للبعض الوضعانيين، هذا عائق، وأتفق أيضًا مع هذا. فالألفة في نفس الوقت عائق ومورد.

الآن، إذا سجنتني في محليتي، سأقول لك لا، أنا لست فقط مغربيًا، أو أمازيغيًا، أو عربيًا، أو مسلمًا، أو إلى آخره، أو إفريقيًا. هذا مورد بالنسبة لي سأستغله، ولكن ألفتي حتى بالثقافة المغربية هي أُلفة جد ضعيفة، جد ضعيفة جدًا.

ياسين: بأي معنى هي جد ضعيفة؟

حسن: يعني أن ما تعلمته عند الفلاحين الأنثربولوجيا الغربية تتكلم عن تعب ثقافي للملاحظة؛ يعني الثقافة البعيدة. أنا أتكلم عن “دوار ثقافي” وأنا ألاحظ ثقافتي بين مزدوجتين؛ لأنني حضري، أنا أنتمي للطبقة الوسطى. أنا ليس لي أي دراية بمعجم الفلاحين، ليس لي دراية بمعجم البنية الاجتماعية، ليس لي دراية بمعجم البدو. وهنا، إذا سمحت لي سأقرأ…

ياسين: طبعًا، طبعًا.

حسن: لأن الكتابة دائمًا تكون أدق من الكلام.

ياسين: تمامًا، تمامًا.

حسن: إذا سمحت لي، كنت أجد في معظم الأحيان صعوبة في عدم تقييد ما تعلمته ورصدته على عجل. أحيانًا أجدني مضطرًا للحديث عن “دوار ثقافي”. فقد أدركت أن ما غاب عني عند أمازيغ الأطلس الكبير ورحالة المغرب الشرقي بلغ درجة كان لزامًا عليَّ فيها أن أتعلم كل شيء تقريبًا. فما عساه أن يعرفه حضري عن لغة محلية زراعية، رعوية، سياسية وعن البيئة القروية، وعن التنقلات الرعوية؟ ينبغي القول إن محاوري كانوا أشد استغرابًا مما أعرفه عن ثقافتهم، وهو شيء قليل، قياسًا إلى ما كنت أعرفه. فأن أكون مغربيًا لا يعني أنني أستطيع المشي بيدين في جيبي، أتلذذ كؤوس الشاي وأدخل في حوارات تنتهي بـ”أعرف، أعرف ذلك، أعرفه، نعم أعرفه”. أحقًا هذا؟ الأمر كما هو عندنا بالضبط. ففي نظر محاوري، إلى آخره… ولا تسنح الفرصة للحضري كي يعرف ماذا تعنيه. وأنا أضيف عددًا كبيرًا من الكلمات: صرعوفة، حلاسة، سيجة، أدغوس (بالأمازيغية)، وبالدارجة: تخصمت، تصغات، إيسجار، أزين، تعرقيبة، وألجار. والمترجم أراد أن يترجم قليلًا. يجب أن يترجم هذا إلى اللغة العربية. لا، المقصود أن لا تترجم، المقصود أن تبقى هكذا مبهمة غير مفهومة، حتى يعرف المغربي أو العربي أو المسلم بأن أُلفتك لا تسمح لك بأن تقول “أنا أعرف”. يجب أن تذهب إلى الميدان، أن تنصت إلى الناس، إلى همومهم، إلى آخره، إلى آخره، إلى معانيهم.

ياسين: هل هذا يعني أنك أيضًا في لحظة من لحظات اشتغالك الأنثربولوجي أحسست نفسك كما لو كنت وافدًا أجنبيًا غربيًا؟

حسن: معلوم، معلوم. وعندنا كلمة “براني”، معلوم. وأعامل كضيف، وتبسط لي الأشياء، حتى الأشياء التي أعرفها. لا أقول لهم “لا، هذا أعرفه لا تبسطوه”. لا، بسطوه، بسطوه إن أردتم. فبعض الأحيان، حينما تتعلم معهم، قد تبقى شهرًا، شهرين، ثلاثة شهور، تتلقن من المعجم. وحينما أسألهم بمعجمهم، يقولون: “أوه، الحضري هذا، أستاذ جامعي وكذا يعرف كل هذه الأشياء”. وأبادر وأقول: “هذا تعرفت عليه، ولكم الخير في هذا، تعرفت عليه هنا، لم أعرفه في الدار البيضاء، ولم أعرفه عن طريق الكتب”. هذه الألفة، أنا أقول وأكرر، هي مورد؛ لأني لا أتعلم كل شيء، عكس أن أتعلم الدارجة، أن أتعلم الأمازيغية، إلى آخره. ولكن أيضًا هي مورد ضعيف. وإلا، أنا أرى… كتبت عنها كل يوم. عندي عشرون، ثلاثون صفحة أدونها. ثلاثون، عشرون، ثلاثون صفحة أدونها، يعني ثلاث ساعات في اليوم أدون ما وصفته وما لاحظته.

 

الأنثربولوجية والمركزية العرقية

ياسين: وأنا سعيد أنك تقاسمت معنا الأمور إلى هذا الحد. ولكن أنا أحس الآن بأن الأنثربولوجي، بغض النظر عما إذا كان من خارج البلد أو من داخل البلد، ابن ثقافة أو ليس ابن ثقافة، فالبحث الميداني والعياني هو المحك. وفيه يكتشف غربته، حتى ولو كان ابن نفس البلد. لأنه كحضري مديني في مجتمع زراعي أو في قبيلة أمازيغية، وأنت الأمازيغي، حتى أمازيغيتك الأصلية لا تشفع لك لكي تجد نفسك تتكلم لغتهم وقادرًا على تحقيق الألفة الكاملة. إنما ما رأيك فيمن يقول بأن الأنثربولوجي، المحك الذي هو بجميع الحالات يبقى ابن الثقافة بشكل عام، يجد نفسه على الأقل متحررًا من تلك المركزية العرقية التي ارتبطت بالأنثربولوجيا الغربية الاستعمارية؟

حسن: أكيد. الآن هناك مركزية. المركزية العرقية أو المركزية الغربية واردة، خصوصًا حتى سنوات السبعينيات. مع الأنثربولوجيا التأويلية، الأشياء بدأت تتغير؛ لأن هناك تفكرًا، هناك مرونة (flexibility)، هناك انعكاسية حول تاريخ الأنثربولوجيا. الآن، كما أشرت إليه في الأول، “الاستشراق” هو تمثل لثقافتي أو لهذه الثقافة العريضة الواسعة التي أنتمي إليها. ما الذي سأفعله أنا لمناقشة ولفهم هذه المركزية؟ أول شيء: نقد هذه المركزية، وهذا ما قمت به في العديد من الكتب. المركزية العرقية، وأبعد من المركزية العرقية، كل إطار نظري، حتى ولو لم تكن مركزية عرقية، تطورية، تأويلية، كل… ولو لم تكن مركزية عرقية، فأنا أوسع من هذا. ثم النقطة الثانية: لن أبقى فقط حبيس تمثلات الآخرين أنتقدها. ما الذي تقدمه أنت كتمثلات حول بلدك، حول ثقافتك، حول الإسلام؟ حينما قمنا بالإسلام اليومي مع محمد فوزي ومع محمد العيادي، لماذا الإسلام اليومي؟ لأن هناك ضجات كبيرة حول هذه اللهجات الإسلامية، حول الإسلام العنيف، حول الإسلام… والناس يعيشون إسلامهم بطريقة جد بسيطة، وجد ساذجة، وجد… وجد… إلى آخره. فقلنا: يجب على الأقل الآن، من دورنا نحن في الأجندة الجماعية لدينا، أن نقدم أيضًا تمثلات. هناك مركزية عرقية، وهناك اختزال للإسلام: الحجاب، وكذا، والعنف. سنري. هناك 20 سؤالًا حول الصلاة فقط. فهذه تماثلات الآخر، ما الذي سأقدمه؟ ولكن لا يعني أن ليست هناك مركزية؛ لأن الباحث، الباحث المحلي هو طاهر، وله مركزيته. يمكن أن نتكلم عن “مصطلح إنجليزي” مركزية عرقية، ولكن أيضًا مركزية طبقية.

ياسين: مركزية طبقية أيضًا؟

حسن: ممكن “مصطلح فرنسي”. أنا أنتمي إلى طبقة، طبقة وسطى، وهذه الطبقة الوسطى يمكن أن ترى في العائلة الممتدة الفلاحية شيئًا غير مرغوب فيه. وأن المثل، وهذا جارٍ، ليست أشياء أخترعها أو أبتدعها، العائلة يعني المثل هو زوج، زوجة، طفل، طفلة، إلى آخره. وأن العائلة الممتدة، وأنا حضرت لهذا، يعني حضرت لـ(كلمة بالفرنسية)، يعني…

ياسين: ممرض؟

حسن: ممرض، ممرض ينصح العائلات، يعني ما يسمى…

ياسين: تحديد النسل؟

حسن: ليس تحديد النسل عندنا، ولكن تنظيم…

ياسين: تنظيم الأسرة؟

حسن: تنظيم الأسرة. ليس لدينا تحديد النسل كما في الصين، ولكن تنظيم الأسرة. ويقول لهم، كما أن هذا التمركز ليس غربيًا، ليس مستشرقًا، ولكنه يقول لهم: حدوا من هذا، من أطفال، إلى آخره. ولم أجرؤ أن أقول: هل أنت بدراية عن ما هي العائلة القروية؟ وأنا أقول إن العائلة القروية هي بنية اقتصادية، وكلما كان أعضاء هذه البنية الاقتصادية كثر، كلما كان..

ياسين: يتعاونون على الحرث وعلى الحصاد..

حسن: على الحرث، وعلى السقي، وعلى كذا، وعلى كذا. فهناك مركزيات في الأنثربولوجيا وفي العلوم الاجتماعية بصفة عامة، وأنك تسائل مركزيتك دائمًا.

 

الأنثربولوجيا الغربية وأزمة الصورة الكبيرة

ياسين: تمامًا، وغيره في إطار هذه المساءلة، وأنا أعجبتني فكرة الحديث عن الإسلام اليومي. وهنا، طبعًا، صار الحديث عن التدين، وليس فقط عن الدين؛ لأنه قد يكون الدين واحدًا، ولكن التدين يتعدد بتعدد المتدينين. ألا تحس بأن الأنثربولوجيا أحيانًا، ودائمًا أرجعها إلى الأنثربولوجيا الكلاسيكية، مارست نوعًا من الاختزال على هذا المستوى، بحيث إنها كانت أحيانًا تأتي بمجموعة من الخلاصات والملاحظات التي ينتهي إليها الأنثربولوجيون في إندونيسيا أو مصر أو فلسطين، وتُسقط على المغرب على أساس أن هذه هي أمة الإسلام. وهنا أعود، كان هناك نوع من الاختزال. والدليل هو وأنتم تتحدثون عن التدين ربما في المغرب، ليس هو التدين في إندونيسيا، وليس هو التدين في السودان.

حسن: أكيد، أكيد. هذا مُشكل بعض الأنثربولوجيين الغربيين، ليس كلهم. وفي بعض الأحيان، حتى الأنثربولوجي الذي يبحث ()، كإرنست غيلرنر، في كتابه Muslim Society. (المجتمع الإسلامي).

ياسين: المجتمع الإسلامي؟

حسن: لا أجرؤ أن أكتب Muslim Society.  (المجتمع الإسلامي) لا أجرؤ؛ لأنه ليس لها أي أساس، لا إثنوغرافي ولا تاريخي، إلى آخره. على أي.. نحن نقولها بالإنجليزية لأنه نستعملها بالإنجليزية “Big Picture” “Mega Picture” (الصورة الكبيرة).

ياسين: الصورة الكبيرة.

حسن: الصورة الكبيرة، وهذا له علاقة بموضوعية الـ”positionality” (التموضعية) من بريستون، من باريس، من إنجلترا. كله خارطة، كل شيء، يعني كله رمادي. وإذا عرفت شيئًا عن المغرب، يمكن أن تسقطه على إندونيسيا، والعكس صحيح، إلى آخره. هذا موجود. المشكل في الـ Big Picture (الصورة الكبيرة)، نحن نسميه الباحث المحلي، إلى آخره. فرصته هو أن يتخلص من هذه الـ Big Picture (الصورة الكبيرة)؛ لأنها لا يمكن أن تكون عنده، لأنه قريب. لا يمكن أن أقول إن الثقافة المغربية هكذا، أو الإسلام المغربي هكذا، إلى آخره. ولكن، كيفما كان الحال، إدوارد سعيد، لكي نرجع إلى إدوارد سعيد مرة أخرى، يقول إن كتابات كليفورد غيرتز حول الإسلام في إندونيسيا والإسلام في المغرب هي مرحلة متقدمة عن دراسة الإسلام هكذا في شموليته. وأن الإسلام في إندونيسيا، عن كليفورد غيرتز، “مصطلح فرنسي”، أو إلى آخره، شيء من هذا القبيل. ثم أن له علاقة باليوجي، عنده علاقة بالتماثلات الثقافية عند الأندلسيين. وعندنا في المغرب، وهنا يبالغ وانتقدته، وإلى آخره. ليس المجال للرجوع إلى هذه الانتقادات. في المغرب، أخذ الحسن اليوسي، يعني واليًا، وعالمًا، ومحاضرًا، وله محاضرات، إلى آخره.

ياسين: محاضرات اليوسي الشهيرة.

حسن: وقام بتقابلات غير مقبولة بالنسبة لنا. هناك اليوجي، يعني المتأني، الذي سينتظر أربعين سنة. وهناك اليوسي، الذي كان متشددًا، كان متحركًا جدًا، إلى آخره، كيفما كان الحال، المشكل الذي طرحته هو أن، وهذا أؤكد عليه، في بعض الأحيان، حينما نقول شرقًا أسطوريًا، شرقًا حقيقيًا. حينما نقول صدام الحضارات، ونحاول أن… كيف أقول لك؟ نحاول أن نتكلم ليس عن الصدام، ولكن عن الحوار. أنا، بتلخيص شديد، أقول: في بعض الأحيان، يجب ألا يكون الجواب هو ما نغيره، بل السؤال. أن أقول شرقًا حقيقيًا، فأنا ما زلت في إطار استشراق. أن أقول حوار حضارات، فأنا ما زلت في النظرة الكلية للحضارات. استبدلت صدامًا بحوار، ولكن ما زلت حبيس الإطار؛ أن هناك حوارًا. إذا كان هناك حوار ما بين حضارات، يمكن أن يكون أيضًا نزاعًا وسلامًا. إن مفهوم الحضارة، مفهوم الشرق، مفهوم مجتمع مسلم، هذه النظرة الكلية يرسمها برنارد لويس. يسجنوننا، الإسلام لا يعرف العلمانية، إذن ستبقى هكذا. بما أنك مسلم، فلن تكون علمانيًا.

ياسين: تصير صفة جوهرانية في الإسلام؟

حسن: جوهرانية وكلية أيضًا “مصطلح فرنسي”. جوهرانية وكلية. هذا هو المهم أكثر من المركزية العرقية. بالنسبة لي، المهم هو هذه النظرة الـ “Big Picture” (الصورة الكبيرة) يعني من بعيد. وهو سريع، عنده عامان أو ثلاث سنوات ليبقى في المغرب أو في إندونيسيا. يجب أن ينقل صورًا مكبرة. يعني لا يصير هناك Narrative، سردية عتدها بداية وعندها نهاية. بالنسبة للمغرب أنا، ليست لديها بداية ولا نهاية. هناك أسئلة أطرحها وأجيب عنها.

ياسين: وتنخرط في السيرورة؟

حسن: وأنخرط في السيرورة، وهذه السيرورة لا نهاية لها.

 

كيفية تجاوز تعميمات الاستعمار

ياسين: تمامًا. ما تنتبه له هو عدم التورط في الثنائيات. وأعتقد أنك تحتكم إلى سوسيولوجيا معرفة في هذا المجال، وتحرص على تجاوز ثنائيات استعمار/ما بعد الاستعمار، مثلما تفضلت الآن: شرق حقيقي، شرق أسطوري، حضارات، كذا. ولكن إذا كنت، سيد حسن، الآن تنفي مسألة صراع الحضارات وحوار الحضارات، وترى أن الصراع والحوار وجهان لعملة واحدة، إذا قبلت بالصراع، فتقبل بالحوار، والعكس صحيح. ماذا تقترح؟ جوار الحضارات مثلًا؟

حسن: لا، أنا أقول إن الحضارة هي المشكلة بالنسبة لي. ليس الجوار هو المشكلة، بل الحضارات. المشكل، أعطي مثالًا، إذا سمحت لي، بدراسة لكليفورد غيرتز حول السوق. العنوان ليس السوق، العنوان ” Le Bazaar”.(السوق) عنده وحي حمولة استشراقية، ليس السوق في المغرب. فهذا “Le Bazaar” (السوق) دراسة جد مهمة حول ما تكلمنا عنه، الكلية: المغاربة يساومون. المغاربة مساومون. الأكيد أن المغاربة مساومون. حسنًا، يدرس السوق. أنا أقول: لن أقول إن المغاربة مساومون.

ياسين: تقولها من موقعه كأنثربولوجي؟

حسن: كأنثربولوجي، بطبيعة الحال. كأنثربولوجي درس هذا البازار في سوق صفرو، ودرس صفرو بإثنوغرافية جد مهمة، إلى آخره. وبالنسبة للنموذج الذي يقترحه، أنا أحبذه. فقط، هذا النموذج لا يمكن أن أطبقه فقط على المغاربة، هذا وقت راح. أنا قلت لك البديل هو أني أشتغل بالنماذج. وهذه النماذج ليست لها علاقة لا بالثقافة المغربية، ولا بالثقافة العربية. وهناك شروط يكون فيها المرء مساومًا، كان مغربيًا أو غير مغربي. ولحسن الحظ، أنه يعطي مثالًا بسوق السيارات المستعملة. الفرق ما بين سوق السيارات الجديدة وسوق السيارات المستعملة، هو أن سوق السيارات المستعملة يكون فيه مساومة، وتكاد تخاف من الغش، إلى آخره، نفس الشيء قمت به، وسأكون سريعًا إلى حد ما. قمت به بالنسبة للولايا، قمت به بالنسبة للقربان، قمت به بالنسبة لأدلجة الدين، إلى آخره. الاشتغال بهذه النماذج، وهذه النماذج ليست حصرية على ثقافة المجد. وسأكتفي بهذا المجد “مصطلح فرنسي”، إلى آخره. الولايا، كل نماذج الولايا التي اشتغلت عليها مشتركة ما بين المسيحيين، وبين اليهود، وبين البوذيين. وبن عزي، الذي كان يأكل الربيع 18 سنة، وهو يأكل الربيع، ويأكل المسائل التي عنده علاقة، كلها نجدها. وهو قريب، قريب من الوالي الذي اشتغل عليه جيرتز، الذي اشتغل عليه جيرتز في إندونيسيا. قريب جدًا، لأنه حتى هو قد انتظر، قدم واحدًا بركي 18 سنة، إلى آخره. فالنماذج، حينما أشتغل على النماذج، هذه النماذج، نماذج القربان، وجدتُها في الأطلس الكبير، ووجدتُها عند إفريقيا الإغريقية ما قبل المسيح.

ياسين: في اليونان؟

حسن: في اليونان. أشتغل بالنماذج، وأخرج من هذه القوقعة الثقافية. نماذج الولايا، نماذج القربان، نماذج أدلجة الدين، نماذج العلمانية، إلى آخره. وما أضيفه أنا هو فقط لكم تاريخكم للعلمانية، ولنا أيضًا تاريخ للعلمانية في هذا البلد. هذا هو الذي أضيفه، من الناحية التجريبية، ومن الناحية التاريخية.

ياسين: وممكن أن نرجع معك لهذا السؤال؛ لأنه مهم أيضًا. ولكن لا أريد أن يفوتني مثال المساومة؛ لأنه دال. أتفهم مثلًا أن يشتغل الأنثربولوجي على المساومة، مثلًا كعادة، كأسلوب في البيع والشراء والتفاوض، وما إليه. أو يشتغل عليه علميًا في سوق صفرو للسيارات المستعملة.

00:33:00

ولكن فيما بعد تجد الأدب يلتقطها، حينما تقرأ “لوفيدو مراكش” أو “أصوات مراكش” لإلياس كانيتي الحائز على نوبل، تجد بأن الرجل يخصص فصلًا بديعًا للمساومة في أسواق مراكش. فهكذا تُبنى التمثلات، وهنا تصير الحدود مفتوحة ما بين المعرفي والأدبي والرحلي وما إليه، فيُبنى التمثل الذي يصير من حقنا أن نسمه بالاستشراقية.

حسن: أكيد، هناك بعض التمثلات تصمد أكثر، وهناك بعض التمثلات شديدة إلى حد أنها هي الأولى التي تتبادر إلى الذهن حتى في الثقافة الشعبية.

ياسين: تمامًا، تمثل الصور النمطية.

حسن: تمثل صورًا نمطية يصعب، يصعب تفكيكها. الآن، أنا لا أقول بأن المغربي لا يساوم. كما تعرف، هناك بالفرنسية العبارة المشهورة “مصطلح فرنسي”، وهي إلى حد ما قدحية.

ياسين: بائع الزرابي؟

حسن: هي، بائع الزرابي. بمعنى أنه إذا جئتك أساومك في السياسة وقلت لك “بائع الزرابي” أو “بائع السجادات”، فأنا أحتقرك؛ لأن…

ياسين: تمامًا، مستعد دائمًا للتفاوض.

حسن: إذا كانت هناك ثقافة، يعني ثقافة مغربية، لا يساوم في الأسواق الحرة، في الأسواق التي تكون بأثمنة محددة. كليفورد غيرتز يتكلم عن “سوق الباترينة”، يعني سوق الواجهة. سوق الباترينة هي السوق التي تكون فيه الأثمان محددة ولا يعير اهتمامًا لذلك. في صفرو، سوق الباترينة سوق محدد: عندك 18 درهمًا، خذ بـ18 درهمًا، لا مساومة. فهناك شروط للمساومة وشروط لغير المساومة بالسعر المحدد.

ياسين: بالسعر المحدد. ولكن إذا كنا نبني تمثلًا يقوم على المساومة، فهي ما نسلط عليه الضوء، ويصير خاصية جوهرية لهذا الإنسان الذي نشتغل عليه.

 

بين التراث والميدان

ياسين: سيد حسن، هناك مفارقة أخرى أريد أن نتوقف عندها، تورط فيها الاستشراق حين درس تراثنا العربي الإسلامي، وهي أنه حكم على مجتمعاتنا في القرون السابع عشر، الثامن عشر، التاسع عشر، وحتى القرن العشرين انطلاقًا من التراث. وهكذا حكم على الحاضر بالماضي، بينما في جميع الحالات يبقى الأنثربولوجيون أقرب إلى الواقع في دراساتهم الميدانية. أنا أريد أن أعرف، لأن هناك تدخلات ما بين الخطابين، ولكن إلى أي حد تجاوز الأنثربولوجي الغربي هذا العطب الاستشراقي؟

حسن: هناك مدارس كثيرة، وصعب أن ندخل في التفاصيل. التجاوز كان في بداية. أنا أقول لك: بداية التجاوز. يعني مدرسة جديدة، لا أعني أن كل المدارس الأخرى اندثرت. ما يسمى بما بعد الحداثة “Postmodernism”. كان في الأنثربولوجيا وكان في العلوم الأخرى، العلوم الإنسانية، الذي أخرجنا إلى حد ما، وأنا قريب من هذه التقاليد الأنثربولوجية، الذي أخرجنا هو الإنصات للآخر. مفهوم التأويل، مفهوم الفهم، مفهوم Flexibility (المرونة) الذي تكلمت عنه قبل هذا، هو الذي أخرجنا من أن آتي أنا كأنثربولوجي أو مستشرق أو عالم سياسة وآتي بإطار… لأنه حتى الميدان لا يُحسّن إذا جئت أنا بنموذج مُهيأ وآتي فقط لأأخذ بعض الأمثلة لتوضيح هذا النموذج. فأظن أن ما أخرجنا من قضية التراث والأنثربولوجي الغربي، بطبيعة الحال، وأنت تعرف هذا أنه لم تكن هناك أنثربولوجيا غربية واحدة، بل هناك مدارس عديدة متناحرة فيما بينها. متناحرة جدًا فيما بينها وبين غيلنر، وإرنست غيلنر، إلى آخره، الذين اشتغلوا في إفريقيا الشمالية، وبين جيرسنان في مصر وغيلنر، إلى آخره. وهناك تناحرات، إلى آخره. فالذي نحاول أيضا، أنا وزملائي، أنه إذا كان لديهم الـ “Big Picture” (الصورة الكبيرة)، فلا نعيد إنتاج نفس الـ “Big Picture” (الصورة الكبيرة). لا نضع كل شيء في سلة واحدة، الأنثربولوجيا والمستشرقين.

ياسين: لا نرد على الاختزال بالاختزال، ولا على التعميم بالتعميم.

حسن: بالتعميم. هذا صعب بطبيعة الحال، لأنه بحث نظري بسيط. ولكن حينما تكون هناك فروقات تمييزية، فهذا يصعب. ولكن هذه البرامج وهذه الحلقات، هذا هي وظيفتها. وظيفتنا نحن الاثنان.

ياسين: تمامًا. يعني حتى أنا، مثلاً، من حقي كطارح للأسئلة أن أتورط في التعميم، ولكن وظيفتك هي أن تخرجني من هذه الحالة.

حسن: هو سؤال مبدئي أن يكون معممًا، لا ضير في هذا.

ياسين: بالضبط.

حسن: المنطلق هكذا، ومن بعده نفصل، لا ضير. لأن السؤال في البداية يكون عامًا، وبعدها نعمل على تفصيله. السؤال يكون عامًا، ثم بعد: ما هي الثقافة المغربية؟ من حقي أن أضع ، وأقول لك: لا، هذه القضية، وأشرح لك المراحل.

ياسين: تمامًا.

حسن: لتجاوزها.

ياسين: تمامًا. إذن، نقول: لا، ليس هناك ثقافة مغربية، وإنما هي ثقافات.

حسن: ثقافات. وأنا أتكلم عن محيط ثقافي أكثر. لأنه يمكن أن أصفه، المحيط الثقافي للبدويين، المحيط الثقافي للمهاجرات، المحيط الثقافي للقوميين المغاربة في الثلاثينيات. ولكن أن أصف الثقافة المغربية…

 

الفرق بين النزعة الاستشراقية والنزعة الأنثربولوجية

ياسين: هذا هو في الواقع، أحس أنك دائمًا لديك هذا الحذر من التعميم، وهذا الحذر من التنميط، وهذا الحذر من الاختزال. وهذا يجعلني أشعر أنك متشبع بما يمكننا أن نسميه النزعة الأنثربولوجية. والحال أن عندنا نزعة أخرى، هي النزعة الاستشراقية، تقوم تحديدًا على هذا التنميط والتعميم والاختزال. وبالتالي، أقول: أليست الأنثربولوجيا، في النهاية، رغم أن القارئ يرى تلك الصورة العامة، يرى أن الأنثربولوجيين كانوا دائمًا في خدمة الاستشراق وما إليه؟ لا، هم لربما من داخل المعرفة الغربية، فضحوا ربما تعميمات واختزالات الاستشراق. وأنا أريد أن أعرف الفرق بين النزعتين، النزعة الاستشراقية والنزعة الأنثربولوجية.

حسن: النزعة الاستشراقية، حسب معرفتي، لأنه لا يمكنني أن أتكلم معك بصفة مطلقة. حسب معرفتي، النزعة الاستشراقية كالأنثربولوجية، ما كان يهم عند الآخر هو، إلى حد ما، أنا غربي وأرى في الآخر. لأن الهوية هي هوية عرقية، كيفما كان الحال. حينما أدرس الشرقي، فأدرسه من زاويتي أنا كغربي. والصورة التي أريد أن أصفها بالنسبة للشرقي هي معاكسة للغربي، وإلا لن أقول أي شيء. جاك بيرك، مثلاً، يقول: العرب عاطفيون. ماذا يعني العرب عاطفيون؟ هل يعني أن الغربيين ليسوا عاطفيين؟ معنى عاطفيون هو أنهم يميلون أكثر إلى الشعر منه إلى العلوم. أنا لا يمكن أن أستسيغ هذا النوع. ممكن أن أرجع أنا لست ضد التعميم. التعميم بالنماذج، ممكن أن أقول شروط هذه العاطفة، وشروط العرب والمسلمين كان لديهم وحدة زمن كانت فيه العلوم، لماذا في ذلك الوقت؟ كانت العلوم أكثر من الشعر، أو الشعر أكثر من العلوم، فليس هناك تناقض فيما بينهما. هذا هو النوع الأنثربولوجي الغربي حتى سنوات الستينيات والسبعينيات. كان همه الوحيد أزعم. لا يهمه ياسين عدنان وحسن رشيق، لأنهما يرتديان بدلاً أوروبية. ما يهمه هو “مصطلح فرنسي”، ما يهمه هو الآخر، في السوق، كذا، إلى آخره، إلى آخره. وأنا أيضًا، ولو أنني بدأت بهذا، لأنه يجب أن تتعلم. بدأت بالقرابين، بدأت بالولايا، إلى آخره. ولكن بعد ذلك، انتقلت إلى القومية، الأيديولوجية القومية المغربية، الترميز، ترميز الأمة المغربية. لم أظل فقط حبيس القرابين، حبيس البدو، حبيس هذا، وكأن الأنثربولوجيا هي حبيسة. ممكن أن أشتغل على العلمانية كأنثربولوجي. وأشتغل على الإسلام كأنثربولوجي. وأشتغل على القومية، على ترميز القومية، على طقوس، الطقوس السياسية، إلى آخره. هذا هو توسيع الآفاق الذي أحاول مع زملاء آخرين توسيع هذه الآفاق، وتوسيع حقل الأنثربولوجيا، حتى لا يصير فقط أنثربولوجيا فقط البركة والأولياء. ولو أنني لست ضد هذا، سأظل أشتغل عليه، ولكن ليست حبيسة البركة، الجن، الشوافات، المعتقدات الشعبية، إلى آخره. ممكن، إذا كنت أنثربولوجيًا، أن تدرس حتى…

ياسين: الواقع السياسي والتحولات السياسية.

حسن: القداسة حول الشرعنة والقداسة الملكية. قمت بهذا. في 1912 و1911، في الوقت الذي كان فيه “عشرين فبراير” يتكلمون عن “لا قداسة للملك”، إلى آخره. فقلت يجب أن أدلو بدلوي. اشتغلت على القداسة في الأطلس الكبير. ماذا تعني القداسة الملكية؟ وهناك من القرن التاسع عشر حتى الملك الحالي محمد السادس. ماذا تعني القداسة؟ إلى آخره. فهذه هي النماذج التي أحاول التعميم بها بالنماذج، وليس التعميم على صعيد الثقافات أو البلدان.

 

أنثربولوجيا نقد الاستشراق

ياسين: هذه هي القيمة المضافة لكم في الحقيقة، ولهذا الرعيل من الأنثربولوجيين المسلمين العرب المغاربة. وتحس بأن هذه الأنثربولوجيا ما بعد الكولونيالية، التي هي بمعنى من المعاني، توسع المدار العلمي والمعرفي، والمجال، والموضوعات، ومجالات الاشتغال. وفي نفس الوقت، تحس كما لو أنها تقدم نقدًا مُبطنًا لأنثربولوجيا الاستشراق. هل يمكن اعتبارها إذن هذه الأنثربولوجيا التي جاءت معكم أنثربولوجيا نقدية ودربًا من دروب نقد الاستشراق؟

حسن: ممكن، لا أنفي هذا. وفي بعض الأحيان، حينما أقرأ لجاك بيرك مثلًا، لا أقول… يعني يصعب: هل هو مستشرق؟ هل هو أنثربولوجي؟ هل هو سوسيولوجي؟ هل هو مؤرخ؟ هل هو… إلى آخره. ولكن أنا أمشي معك في هذا الاتجاه. كيفما كان الحال، أنا أعطي لك مثالًا فيه النزعة الاستشراقية. حينما درس القبائل، لم تكن هناك نزعة استشراقية في دراسته للقبائل، إلى آخره. ولكن في دراسات أخرى حول العرب، حول هذا، كانت هناك نزعة استشراقية. وهذا هو المشكل: أن السؤال من البداية “من هم العرب؟” السؤال من البداية فيه مطب من الأول: “من هم العرب؟” أنا هذا السؤال هو الذي لا أطرحه. ممكن أن أقول: هناك… يعني، لست أدري، هناك شبكات عربية، وهناك أيديولوجيات عربية، قومية، إسلامية، كردية، أمازيغية، سَمِّها كما شئت. ولكن الأنثربولوجيا، وأكررها، لأنني لا أتكلم فقط عن النقد، ولكن عن الفهم. أحاول أن أفهم. وأحاول أن أفهم كما حاولت أن أفهم الفلاحين، وأفهم المهاجرات، النساء المهاجرات، إلى آخره. الفهم هو أن تكون عندك معلومات كثيرة حول وضعية المستشرق، وهذا يصعب. أنا… هناك خمسة عشر أنثربولوجيًا. وضعية المستشرق معناها: هل هو متمكن من اللغة؟ هل سافر أم لم يسافر؟ طبيعة احتكاكه بالأشخاص؟ أطره النظرية؟ ومعجمه اللغوي؟ ومعجمه العلمي؟ هذه كلها أشياء تقول إن كيفما كتبت على نفسي الوضعية الإثنوغرافية لحسن رشيق، ما هي وضعيته الإثنوغرافية؟ فعلى الأقل، ثلاثة أطر نظرية. موضعك: هل جاك بيرك، الذي كان ست سنوات أو عشر سنوات وهو ضابط، أنت كضابط؟ أنت جاك بيرك؟ لست فقط عالمًا. أنت أيضًا ضابط. كتبت وأغفلت مهمة الضابط. وكانت هناك شواهد لصديقه حوله بحيث يضع هذه الشواهد التي جعلتنا نعرف جاك بيرك الضابط، ما هو جاك. ومن ثم أقول فقط هذه الوضعية، ما الذي تمكن حينما تكون ضابطًا؟ حينما تكون مقيمًا؟ حينما تكون عابرًا ورحّالة؟ حينما تتقمص شخصية اليهودي شارل دي فوكو، ما الذي يمكن أن تصفه وأنت متقمص شخصية لادو وتتكلم عن المغاربة؟ هذا هو المهم. الاستشراق موضع لأن المستشرق قريب من الأنثربولوجي القديم “مصطلح إنجليزي”، الأنثربولوجي الذي كان في مكتبه.

ياسين: تمامًا، فوق كرسيه…

حسن: روبرت تايلور، وكان يدخل مكتبة لندن، مكتبة “بريتش ميوزيم”، وكان يأخذ من هنا رحلات، كذا وكذا، ويكتب. هذا شيء، وهو قريب من المستشرق. ولكن هناك مستشرقون جاءوا إلى المغرب، ترى رسمتهم، ودرسوا ورسموا. هذا شيء آخر أيضًا. فهذا هو المشكل إنه في بعض الأحيان، في بعض الأحيان أحس بأنني أدخل حينما، يعني، أؤكد على الفروقات التمييزية..

ياسين: هذه فروقات مهمة ومن النافع أن نتبينها الآن. إذن، يمكن أن نعتبر الأنثربولوجي الذي تعلم اللغة العربية واشتغل على نصوص تراثية، وعاد إلى المكتبة، الجامعة التي يشتغل فيها في المدينة التي يقيم فيها، يكاد يكون مستشرقًا عامًا. وهناك الأنثربولوجي الزائر، الذي ربما قضى شهورًا وحتى بعض الأعوام في هذه المنطقة، وعاين، وكان له شغل ميداني، نعتبره أنثربولوجيًا زائرًا ذا قيمة مضافة. أما الذي أقام بين ظهرانينا، ربما وقضى حياة كاملة، وصار أنثربولوجيًا مقيمًا، فهو أيضًا له قيمة مضافة. إذن، بالعكس، هذه تميزات.

حسن: هذا وضع جد مهم. لأنني تكلمت على شارل دي فوكو ما قبل الاستعمار. التطورية ليس فقط في الأنثربولوجيا، بل في البيولوجيا، إلى آخره. كانت تتكلم عن البدائي: إما البدائي كمرحلة من مراحل تطور الغرب نفسه، كنا بدائيين في وقت ما. يجب أن نعرف هذا النمط الفكري، أو أن هذا المفهوم البدائي سيصبح غير ذي قيمة في الوقت الذي سيكون فيه الفرنسيون والإنجليز في الهند وفي بريتوريا وفي أماكن أخرى. لأن الضابط ما عنده يعمل بمفهوم البدائي. ما عنده يفهم، يعني أصبح براغماتيًا. يتكلم عن الوضعانية، (مصطلح إنجليزي)، لوي برينو، ضابط أيضًا، ليس ضابطاُ، لديه إطار كولونيالي. اشتغل حول التعليم. كانت مهمته هي تعليم المغاربة، من الناس الذين عملوا قطيعة مع التطورية، لأن المقيم الاستعماري له أيضًا انتظارات أخرى، له شروط أخرى. أنا الآن لست بصدد المغاربة هل هم بدائيون أم غير بدائيين؟ وهو ينفي هذا، المغاربة ليسوا بدائيين، لهم حضارة، وما إلى آخره. ربما يعيشون في القرون الوسطى، إلى آخره. هذا السؤال: أريد أن أدبر شؤون المغاربة، يجعل وصفك مغايرًا للوصف لذلك العابر، الرحالة العابر، الذي ينظر للمغاربة بصفة هكذا بعيدة، إلى آخره. يريد أن يعرف ما هو مزاج الطفل المغربي، حتى وهو عنده كتاب حول مزاج الطفل “مصطلح فرنسي”، مزاج الطفل المغربي، حتى يمكن من ملاءمة بداغوجيا الفرنسية، كذا، إلى آخره. هذه بداغوجيتنا نحن الفرنسيون، ولكن لن نطبقها على المغاربة. نحن في الاستشراق.

ياسين: تمامًا.

حسن: نحن في الاستشراق. أنتم مغايرون. سنطبق، يعني، يجب أن نعرف مزاج…

ياسين: بدون تزييف.

حسن: ويعني يجب أن نعرف مزاجكم، ومزاجكم يختصره في: المغاربة في الأول يتحمسون، وفي الآخر يهربون. بعد ذلك، العالم المغربي، والعالم العربي، والعالم المسلم، يعني يظل يكتب كتابًا في 15 سنة، يكتب جزءين أو ثلاثة في 15 سنة، والجزء الأخير يكتبه في 3 أشهر. أشياء من هذا القبيل. هذا، يعني، هذا انتقدته في كتاب القريب والبعيد. المهم، فهذا الذي جد مهم هو أن الوضعانية، ليس الوضعانية، التموضعية Positionality. الوضعية الخاصة بالمستشرق جد مهمة. المستشرق الذي يبقى في القاهرة، أو الجليس الذي يبقى في القاهرة لمدة، أو في المشرق كأنثربولوجي، لا يمكن أن أضعه في نفس المرتبة مع واحد زائر عابر، إلى آخره. المشكل في هذا النوع من التأويلات التي نسميها تأويلات انتقائية. انتقائية بمعنى أنها لا يعطيك وصفًا منظمًا لعدد كبير من العلماء، ويدخل حتى العلماء الذين كتبوا كتبهم في مدة معقولة، ويأخذ فقط بعض العلماء الذين أسرعوا في كتابتهم. هذا هو. لأنني إذا أردت أن أحكم على العلماء عن طريقة كتابتهم، إلى آخره، كتعديل للمادة الكافية، فيجب أن أصنف: هناك من يسرع، وهناك من لا يسرع. هناك التلميذ المتحمس في الأول، كما يقول: التلاميذ يأتون إلى البرنامج، يعني هذا خفيف جدًا، وهناك عطل كثيرة، وهناك كذا. وبعد هذا، يعني، ولكنك تطالع التلاميذ الذين يبقون. هذا هو المشكل الذي نقابله في بلاد النمط، أو Stereotype. يعني، شديد، إذا كان عندك، صعب أن تزوله، صعب أن تزوله.

 

الحكم والبحث الميداني

ياسين: تمامًا. ولديك أيضًا الإحساس بأن هناك نزوعًا إلى الحكم أكثر من الرغبة في الفهم. وأنت قلت في كتابك بأن علينا فهم الممارسة الاجتماعية بدل الحكم عليها. لأن المجتمع، مثلًا، الذي يتهم أفعال مواطنيه بدل فهمها، هو مجتمع جامد. أولًا، أنا ألمس ذلك. ثم إلى أي حد استطاع الأنثربولوجيون الغربيون فهم مجتمعاتنا، وليس فقط الاكتفاء بإطلاق هكذا أحكام من النماذج التي سقتها الآن؟ وإذا كانوا هم قد فشلوا، هل نجح الأنثربولوجيون المحليون فيما فشل فيه الغربيون؟

حسن: قضية الحكم هي مشكلة في العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية بصفة عامة. لأن لها علاقة بأحكام القيمة. ما علاقة أحكام القيمة بالبحث الميداني وبالبحث بصفة عامة؟ أنا أول شيء، المرحلة الأولى: أنا عندي قيم. إذا اشتغلت حول التدين الشعبي، إذا اشتغلت حول البدو، إذا اشتغلت حول هذا، فلأن عندي قيمًا، لأن هؤلاء الناس مهمشون، وكذا وكذا، إلى آخره. ولكن المرحلة الثانية، حينما أبدأ مرحلة الفهم التي تكلمت عنها قبل، لماذا الأمازيغ في الأطلس الكبير إلى حد ما، متضامنون؟ ماذا يعني التضامن؟ لن أقول الأمازيغ متضامنون، أو تلك التويزة مغاربة تويزة، إلى آخره. لا. أنا اشتغلت عليهم: متضامنون. اشتغلت أيضًا على بعض…

ياسين: التويزة، بالمناسبة، لمن لا يعرفها، هي الحرث الجماعي.

حسن: سأشرحها، ولكن هي عمل جماعي.

ياسين: هي عمل جماعي.

حسن: ولكن الحرث الجماعي هو المعروف أكثر. عمل جماعي، إذا بناء، ممكن أن يكون بناء منزل. يكون جماعيًا بمعنى أنه حينما يفوق أو يحتاج الأمر إلى عدد كبير، يعني هناك الجوار، إما الدوار أو القرية أو المتجر، إلى آخره. فكان ممكن بقيمتي أنا: المغاربة متضامنون، الفلاحون متضامنون، القرية متضامنة. أن أشتغل فقط حول هذه التويزة، العمل الجماعي، وأبرز هذا التضامن. أنا من الأول أقول النماذج. هذا كان تضامنًا. ارمي عينيك، هل التويزة دائمًا ما زالت هي هي؟ هل اندثرت؟ فعلاً اندثرت. لماذا اندثرت؟ وأقوم بوصف هذا الإطار ولماذا اندثرت؟ ولماذا الشباب الآن في هذه الحالة؟ الشباب يقول لك: أنا لن أشتغل في التويزة، لأنني أعتبر أن الاشتغال بدون مقابل نوعٌ من العبث. أبي سيجدي نفعًا، ولكن نحن.. وإزاء هذا ممكن أن أذهب 30 كيلومترًا جنوب المغرب أو مئة كيلومتر لجني الزيتون، وللحرث، إلى آخره. ويعني، مقابل عملي سأجني ستة آلاف درهم، سبعة آلاف درهم، ثمانية آلاف درهم. فهناك اندثار للتويزة. الأشغال التي كان يقوم بها الشباب بدت عبثًا بالنسبة لهم في ظل هذا النموذج الاقتصادي العام، الذي فيه الأجر. يجب أن تكون أجيرًا. ولكن بقوا متضامنين بصفة أخرى: استلفوا سبعة آلاف درهم، التي يأتون بها، ويشترون الحصير للمسجد، يبنون قنطرة أو يرممون قنطرة، إلى آخره. فهذه المسائل تبقى هكذا. أنا مع التضامن، ولكن لست مع شكل التضامن الخاص بالتويزة. أنا مع شكل آخر للتضامن يعطيني حريتي في أن آتي بمدخول، وهذا المدخول ممكن أن أتضامن معك أنت، أبي، أنت قريتي، أتضامن معكم. ولكن التضامن هكذا القديم، الذي ليس فيه الأجر، فقط أسدي لك خدمة، تسدي لي خدمة، إلى آخره…

ياسين: صار جزءًا من الماضي.

حسن: صار جزءًا من الماضي. والفهم هو هذا الفهم هو أنك ترى الشروط الموضوعية التي جعلت الفهم… ما هو في الآخر؟ في الآخر تقول: أنا حسن رشيق لو كنت شابًا مثل هؤلاء، لفعلت نفس الشيء.

 

أهمية المقاربات في الأنثربولوجيا

ياسين: أنت حسن رشيق، المغربي الإفريقي، ابن الثقافة العربية الإسلامية، ما الذي يمكن أن تقدمه اليوم من خلال علم ما زال، صراحةً، يدين في روحه ومزاجه للإرث الاستعماري؟

حسن: لست وحدي. أنا مع زملاء آخرين. الأول، كما قلت، على الأقل نقد وفهم الإرث الكولونيالي وغير الكولونيالي حول المغرب. هذا واحد. ثانيًا: الاشتغال في الميدان: البدو، إلى آخره، المهاجرات، إلى آخره. وليس الاكتفاء فقط بـ…، لأن كان كثيرون، نرى سنوات هنا في المغرب، سنوات الستين والسبعين، الاكتفاء بأنثربولوجيا كتابية، أنثربولوجيا حول النصوص. يعني يجب أيضًا أن نناقش أنثربولوجيين ميدانيين. يجب أن تعرف على الأقل ما هي شروط الميدان. ماذا نعني بالميدان؟ ماذا نعني بأن إديموند دوتيه عمل من الدار البيضاء مراكش ستة أيام، سبعة أيام، وخرج بكتاب؟ ماذا يعني موريير، مثقف وهران، يتكلم مع واحد درويش، وأنتج ستة كتب أو خمسة كتب؟

ياسين: المغربي المجهول.

حسن: المغربي المجهول.

ياسين: الذي مهّد للاستعمار المغربي.

حسن: الذي مهّد. وهذا كان من بين الوضعانيين. كل هذا. هذا ثانيًا. ثالثًا: أظن هي، كما قلت قبلًا، تجاوز الصور النمطية الكبيرة حول المسلمين، حول المغاربة، حول الأمازيغ، حول… حول… وإلى آخره. ثم مناقشة التوجهات النظرية. لأنني دائمًا، حتى عندما أكون في أوروبا أو في أمريكا، ويضعون عليّ أسئلة فقط حول المغرب، أقول لهم: لا تختزلوني في المغرب. يعني ممكن أن أناقش نظرياتكم، ممكن أن أناقش توجهاتكم النظرية، ممكن أن أناقش ماذا تعني الأنثربولوجيا التأويلية. أنا أيضًا. فهذا هو الذي ممكن أن نقدمه. هناك أشياء أخرى، بطبيعة الحال، نحاول من الناحية المنهجية، وخصوصًا في الأنثربولوجيا: ما هو المعنى؟ ما هي وظيفة المعاني؟ ما الفرق بين المعنى والحقيقة؟ وهنا، في غالب الأحيان، أستحضر… أستحضر، والآن جاءتني، لم تكن موجودة، ليس مشكلة… أستحضر أنثربولوجيًا يشتغل في الصين، وكان يتكلم مع صيني. قال له: أنتم تهدون، يعني، وعاء الأرز (مصطلح فرنسي)، وعاء الأرز تهدونه إلى موتاكم. هل تعتقدون أن موتاكم يأكلون الأرز؟ وكان المخبر، وهذا أيضًا في تاريخ الأنثروبولوجيا، كان المخبرون الذين أصبحوا أنثربولوجيين. يعني كيف يفهمون السؤال الخاص بالأنثربولوجيين، لأنه عاشروهم. حتى في المغرب، هناك معروفون: ديال جلينغر، ديال إرنست جلينغر، معروف. والمخبر قال له: وأنتم حينما تهدونه، وتضعون ورودًا فوق قبور موتاكم، هل تعتقدون أن موتاكم يشمونها؟

ياسين: رائحة الورود؟

حسن: فالأكل هنا، والاعتقاد هنا، أنتم، يعني، بالنسبة لكم، المعاني والرمزية عندكم. ونحن، كلما استعملنا رمزًا، يعني تأوّلتموه حرفيًا. فهذه الأشياء، هذا النوع من النماذج، هذا النوع من… ليس النماذج، المقاربات في الأنثروبولوجيا جد مهمة. ونحاول مع طلبتنا، نحاول مع زملائنا، خصوصًا الشباب، أن ندمج هذا النوع من المقاربات.

 

أنثربولوجيا عربية

ياسين: وربما هذا النوع من التفكير النقدي فيها، التفكير النقدي، قد يذهب إلى حدود قصوى، كما حصل مع إدوارد سعيد، مثلًا، الذي طالب بالتخلي نهائيًا عن الأنثروبولوجيا، ما دامت، يعني، معبأة بكل هذه التصورات، وما إليه. هناك أيضًا توجه آخر، وهو توجه الأستاذ عبدالله حمودي، الأنثربولوجي المغربي الشهير، الذي طالب بإنتاج بديل معرفي للأنثروبولوجيا الاستعمارية، وطالب بصياغة أنثربولوجيا عربية. أنا أريد تفاعلك مع الموقفين.

حسن: لا. مع موقف إدوارد سعيد، أنا أتفهم هذا الجيل. جيل، أرى إدوارد سعيد، ابتدأ 1930، 35، 33، 34، وشيء من هذا القبيل. بمعنى أنه عاش الاستعمار. أنا لم أعش الاستعمار. أنا فتحت عيني على الدولة اليعقوبية، الدولة التي ستدخلني المدرسة، ستدخلني المدرسة، إلى آخره، والمستوصفات. فدائمًا بالرجوع إلى وضعية، ممكن أن أتفهمه، كما ممكن أن أتفهم عبدالله العروي وموقفه، وجيرمان عياش وموقفه من الاستعمار. لن أنتقدهم. وأحاول أن أفهم: لو كنت مكانهم، لربما…

ياسين: ربما أنتجت نفس موقفهم.

حسن: نفس الموقف، لأن، الآن، بما أن هذا الموقف قد تجووِز من الناحية، ليس من الناحية الذهنية فقط، من الناحية الزمنية. الاستشراق فيه عدد كبير من المستشرقين وعدد كبير من الأنثروبولوجيين. الكتاب الأول الذي كتبته أتكلم عن الأوائل، ولم أتكلم عن الأنثروبولوجيين الاستعماريين. الأنثروبولوجي الاستعماري لا يهمني في كتاباتي، يهمني في انتقادي، إلى آخره. ولكن ما يهمني هو الأنثروبولوجي كيف وصف المغرب في ذلك الوقت؟ ما هي أطره النظرية؟ ما هي أفكاره المسبقة؟ إلى آخره. هذا هو المهم. هذا بالنسبة إلى إدوارد سعيد، أنا لن أرمي بالأنثروبولوجيا الاستعمارية كلها، ولكن أفرق ما بين الأيديولوجيا الاستعمارية وأنثروبولوجيا المستعمر. الأنثروبولوجي المستعمر عنده قبعة علمية: روبير مونتان عمل أطروحة في السوربون، جاك بيرك كتب كتبًا، برينو كتب في مجلات محكمة، إلى آخره. فأفرق ما بين الأيديولوجيا، التي يمثلها الضابط، ذلك الذي كان يقرر، والآخر الذي عنده قبعة علمية ويشتغل بالفيلولوجيا الاجتماعية، بالبنية الاجتماعية، بمفاهيم علمية، وليس فقط.

هذا بالنسبة لإدوارد سعيد. أما بالنسبة للأنثروبولوجيا العربية، هناك في تاريخ تقاليد الأنثروبولوجية هناك كتب حول الأنثروبولوجيا في بريطانيا، الأنثروبولوجيا في أمريكا، وهناك مقال حول الأنثروبولوجيا الفرنسية، إلى آخره. من الناحية النظرية، يمكن أن نتحدث، ولكن كيف؟ كينج ميرتون، عندما تحدث عن علم اجتماع المعرفة، وأنا يعني أستقي وأستلهم وأسترشد بكينج ميرتون وبكارل ماير وآخرين حول علم اجتماع، المعرفة العلمية. وهذا جد مهم، وقليل الوضعية لدينا في المجتمعات التي نعرفها. في المجتمع المغربي، والأصدقاء الذين كنت أتكلم معهم في لبنان وفي مصر، يقارن ما بين علماء الاجتماع الأمريكيين وعلماء الاجتماع الأوروبيين. نحن مازال… مازال في ثقافة أوروبا. عكس ذلك، ويقول نحن في أمريكا، علماء الاجتماع نشتغل في شبكات، نشتغل في ورشات، نشتغل في مختبرات، إلى آخره. وهذا يحتم علينا أن نحدد مفاهيمنا حتى يمكن أن نتواصل فيما بيننا. إذا قلت لي “روليجوز تيه”، إذا قلت لي “صحوة دينية”، قل لي من فضلك: ما هي مؤشراتك للصحوة الدينية؟ هل أصبح الأمريكان يذهبون إلى الكنيسة والمساجد؟ ولو أن في ذلك الوقت لم تكن هناك مساجد كثيرة، أو أنهم يقرأون كتبًا، أو أنهم… أو أنهم… أعطني المؤشرات.

ياسين: المؤشرات.

حسن: أعطني المؤشرات. فاشتغلوا على المؤشرات. وقالوا: أنتم في أوروبا، في سنوات الأربعين، خمسة وأربعين، يعني أنتم متأثرون بالفلسفة أكثر، وسوسيولوجيتكم هي فلسفية، هي تأملية “speculative”، هي تأملية أكثر. أنا ممكن أن أذهب وأقول الآن، بالنسبة للأنثروبولوجيا العربية، يمكن توصيفها من ناحية الإنتاج المعرفي، علم اجتماع المعرفة. هل هناك تواصلات؟ هل هناك مختبرات؟ هل هناك أجندة علمية حول الأنثروبولوجيا؟ أنا بالنسبة لي غير موجودة. غير موجودة. الآن إذا كان هناك، مشروع، ولو أنني أرى، كما قلت قبل، لا، لست متفقًا على أن الأنثروبولوجيا تتخذ، يعني، حدودًا سياسية وحدودًا ثقافية. الحدود الثقافية موجودة، كعربي، كأمازيغي، كإفريقي، موجودة. ولكن ليس لرسم حدود الأنثروبولوجيا.

ياسين: إذن، لعل الأمر يبقى في حدود التطلع لدى الاستشراق.

حسن: لا، إذا كنت تتطلع…

ياسين: لأنه هو عنده كتاب في هذا العنوان “من أجل صياغة…”.

حسن: أنا اطلعت عليه، اطلعت عليه.

ياسين: أنثروبولوجيا عربية.

حسن: هناك هذا المشكل الخاص بالشبكات، بالعلاقة ما بين المغارب من جهة، والمشرق من جهة، والعلاقة داخل المغارب، إلى آخره. هناك من يتحدث عن… في الوقت الذي كنت استدعِيت لهذا في الدوحة، واستدعِيت لهذا في باريس. فقط، في هذا الشهر، وتكلمت عن هذا. وهناك من يتكلم ويقول: لنبدأ بأنثروبولوجيا المغارب. وأنا عندي كتاب حول السوسيو-أنثروبولوجيا القروية في المغارب: تونس، الجزائر، المغرب. ليس فقط المغاربة، بل تونسيون وجزائريون. الناس الذين اشتغلوا: بيير بورديو، أو إرنست فينسيه، أو جاك بيرك، إلى آخره. من يشتغلون. يمكن أن يظهر هذا كمشروع، ولكن كيف؟ لا يقولون: نحن الأمريكيون، نحن كذا. لا. نحن الأمريكيون نشتغل كذا، وآثار اشتغالنا حول معرفتنا هي كذا. إذا كانت هذه ليست مشكلة بالنسبة لي، يبقى المشكلة الخاصة باللغة.

أنا أنثروبولوجي. لو كنت في مصر، لن أتحدث مع المصريين بالفصحى، أو مع السوريين. كيف سأنقل هذه اللغة اليومية إلى لغة عربية عالمة؟ كيف؟

ياسين: هناك صعوبة على هذا المستوى.

حسن: صعوبة، معلوم. منطق الدارجة ومنطق العامية ليس هو منطق.. صرت أنا، في بعض الأحيان أحتاج إلى نوع من الوقت لترجمة، يعني، عبارات بالدارجة أو أمثلة بالدارجة إلى العربية، أو إلى الفرنسية والإنجليزية. هناك منطق فالقول بأننا فقط لأننا نحن عرب، يمكن أن توجد العربية، معناها أننا كل ما هو يومي سنمحيه. في حين أنه يجب أن نطرح العلاقة ما بين اللغة العربية العالمة التي نكتب بها، كما الفرنسية والإنجليزية، نفس الشيء. وأنا، يعني، الأمازيغية أو الدارجة المغربية، إلى آخره، إلى آخره. إذن، تطرح عددًا كبيرًا من المشاكل، ليست بالسهولة التي يمكن أن نتصور.

 

الأنثروبولوجيا الإسلامية!

ياسين: ولهذا، من المهم أن ندقق. قد تكون المطالب نبيلة، ولكن يجب أن ندقق فيها ونحللها ونرى مدى إمكانية أن تتحقق. ولكن في الوقت الذي، مثلًا، الآن واجهتنا كل هذه الصعوبات التي قد تحول دون صياغة أنثروبولوجيا عربية، هناك من يتحدث عن أنثروبولوجيا الإسلام، ويرى بأنها واقع. هل تحققت عبر مشاريع فكرية وأنثروبولوجية على أرض الواقع؟ ما رأيك؟

حسن: نفس تقريبًا الانتقادات ونفس المقاربة: أنثروبولوجيا إسلامية، ليست أنثروبولوجيا الإسلام.

ياسين: لا، لا. أنثروبولوجيا إسلامية، صحيح.

حسن: إسلامية. أنثروبولوجيا الإسلام… لا تقطع. المشكلة الكبيرة لا تقطع. المهم، قد تطرح مشاكل، ولكن ليس من نفس النوع. لأن الأنثروبولوجيا الإسلامية أكبر. هي كالقواف الأدبية الأنجلوساكسونية أكثر من الفرانكفونية، أو ربما يكون خطأ، أو حتى العربية. ربما من بين رواد الأنثروبولوجيا، أظن أكبر، أحمد أكبر، شيء من هذا القبيل. أحمد أكبر، أو أكبر أحمد. المهم، ليس هذا المهم. المهم أن الأنثروبولوجيا الإسلامية، يعني ينطلقون… وهذا ليسوا أنثروبولوجيين عاديين. هؤلاء أنثروبولوجيون أنثروبولوجيون، ليسوا بصدد الأدلجة، ليسوا بصدد فقط… يعني…

ياسين: يعني هذه تطلعات لديهم من داخل العلم.

حسن: من داخل الأنثروبولوجيا، ومن داخل أنثروبولوجيا ما بعد الحداثة. أنتم تقولون، من علم اجتماع المعرفة، أن هناك علاقة ما بين الواقع، ما بين المحيط الثقافي، وما بين الأنثروبولوجيا. طيب، نحن محيطنا إسلامي. إذن، يجب أن نعترف بأن هناك آثارًا ومبادئ إسلامية يجب أن نأخذها بعين الاعتبار حتى تكون هناك أنثروبولوجيا إسلامية. من بينها: أنتم الأنثروبولوجيون تقولون إن التدين ديني إنساني. نحن لا يمكن أن نقوم بهذا. لا. من إرثهم، الدين أصله مجتمع. وبالنسبة لأنثروبولوجيين كثر، الدين أصله مجتمع. وحتى الذين اشتغلوا حول الرسالات، إلى آخره، فهم يتحدثون. ماكسيم رودينسون يعتذر للمسلمين: اسمحوا لي، إلى آخره. إذن، ولكن أنا أقول لكم بأن المعجم الخاص بالقرآن، إلى آخره. كل معجم التجارة، الميزان، والأجر، وكذا وكذا، إلى آخره. هذه هي المشكلة: يكون عندك معتقدات، وهذه المعتقدات ستؤطرك. أنا أقول: لا. ممكن أن أكون مسلمًا دون الخوض في هذه الميتافيزيقيات، في هذه الإلهيات. أنا بالنسبة لي، أنا أقدر الإلهيات، وأنا لست إلهيًا. لست تيلووجيًا. لست إلهيًا، لأني لن أقول…

ياسين: لست لاهوتيًا؟

حسن: نعم، لست لاهوتيًا. وتفضلت، كما قلت، الفرق ما بين الدين والتدين: الدين له رجالاته، له مناقشاته. أنا أشتغل حول التدين. والتدين هو تدين اجتماعي. والمغاربة، وحتى العرب، اشتغلوا حول التدين، وهناك كتابات كثيرة حول التدين. منها تكلمنا عن () اليوسي. هذا تكبير منه وصف للمغاربة، والتدين الخاص بالمغاربة، والذي كان منفتحًا كثيرًا، انفتاحًا عكس ما قاله بيرس حول التدين الشعبي.

ياسين: لا، هو في الحقيقة، أنا أحببت هذه الفكرة، أن الدين هناك من يتكلف به. ربما أنت كباحث، كأنثروبولوجي، تشتغل على التدين. وهذا هو الذي نحتاجه ربما، في عالمنا اليوم العربي والإسلامي، ونحن ننشغل بقضايا المعرفة، وأن نضع الحدود ونفصل.

حسن: ونحترم المعتقدات الخاصة بالأشخاص، يعني، أيضًا.

ياسين: لا، طبعًا. نحن ننطلق من ذلك، ولكن على أن يُحترم أيضًا المجال العلمي ويُحدد. ونحن في هذه السلسلة، في الاستشراق، نحاول دائمًا أن نبحث عن الحدود، ونشتغل عليها لكي تتضح الصورة أكثر. شكرًا، دكتور حسن رشيق، لأنك جعلت الصورة تتضح في مجال ربما العلم به والمعرفة به ليست متاحة للجميع في عالمنا العربي الإسلامي اليوم. شكرًا.

حسن: شكرًا لك.

ياسين: وأنتم، أعزائي، عزيزاتي، إلى اللقاء.