مقدمة
طابت أوقات الجميع بخير، وقفة جديدة مع أحد الكتب المُهمة من مؤلفات الدكتور الراحل محمد شحرور. بين يدي اليوم الكتاب “الإسلام والإيمان: منظومة القيم”، وبالحقيقة صدر أكثر من طبعة، وهو كتاب مُهم جدًا، لأنه في هذا الكتاب الراحل محمد شحرور يُفكك مجموعة من المصطلحات المهمة، التي يظن القارئ للتنزيل الحكيم، أنها بمعنى واحد.
في هذا الكتاب يُجيب على مجموعة أسئلة مهمة: ما الفرق بين الإسلام والإيمان؟ هل هما واحد أم مصطلحان مختلفان؟ ما الفرق بين العباد والعبيد؟ ما الفرق بين الشهيد والشاهد أو الشهداء؟ ما الفرق بين الأبَوَيْن والوالدَيْن؟ ما الفرق بين الذنب والمعصية والسيئة؟ هناك مصطلحات تتكرر كثيراً، لماذا قال القرآن الكريم مثلاً: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ”، لم يقل “فُرِض”. هل هناك فرق بين الكتابة والفرض؟ ما معنى الموعظة؟ مصطلحات دقيقة مثل: أتى وجاء، ونظر وبصر، سنأتي عليها تباعًا.
على أننا أن ننوه تنويهًا مهمًا، أن قراءتنا لهذا الكتاب لا تغني أبدًا عن مطالعته والإمساك بالكتاب، لأننا نحاول أن نغطي، يعني معروف في التسجيل التلفزيوني أو الحوارات، يتم التركيز على الأشياء المُهمة من وجهة نظر القارئ الذي هو أنا، بالتالي هذا لا يغني أبدًا عن اقتناء الكتاب وشرائه ومعرفة أفكار الدكتور محمد شحرور.
الإسلام والإيمان: إعادة فهم
في البداية، في مقدمة الكتاب، وأنا دائمًا أنوه لأن أي قارئ عندما يبدأ بقراءة أي كتاب يذهب إلى المقدمة، المقدمة جدًا مهمة، تعطيك الأفكار الكبرى للكتاب. يرى الدكتور محمد شحرور أن مراجعته لمعاجم وكتب التراث لم تضع خطًا فاصلًا بين مفهومي الإسلام والإيمان، فالمفهومان ظهرا بمعنى واحد: الإسلام والإيمان أو الإيمان أو الإسلام. برأي الراحل محمد شحرور هذا أدى إلى خلط كبير بين هذين المفهومين، فنحن بهذا الخلط سددنا منافذ الفهم للوصول إلى أشياء مهمة. يرى الراحل الدكتور محمد شحرور أن الفهم التراثي أدى إلى تغييب مجموعة من الأمور المهمة في التنزيل الحكيم، منها اقتصار معنى الإسلام على الرعيل الأول من المسلمين عندما ظهر الإسلام في القرن الأول الهجري أو القرن السابع الميلادي في مكة المكرمة، وأن حصر الإسلام بالملة المحمدية، وتم حصر الإسلام بتعبير شحرور بالشعائر، فأصبح الإسلام عبارة عن ملة محمدية وشعائر. تناسى المفسرون أو التراثيون أن هناك عشرات الآيات التي تتحدث عن أن الإسلام هو دين الأنبياء من نوح إلى محمد عليه الصلاة والسلام: “رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ” (101) سورة يوسف. هذا الكلام يوسف عليه السلام، حتى فرعون قال بالإسلام، “قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ”. (90) سورة يونس.
إذن الإسلام دين الأنبياء كافة، الدين الوحيد الذي جاء لجميع البشرية. لماذا تم الاقتصار على الديانة على ملة محمد؟ قصر الإسلام. هذا أضاع -بتعبير شحرور- أضاع فرصة كبيرة لكي يظهر الإسلام بصيغة أكثر عقلانية وأكثر إنسانية وأكثر تسامحًا. هذا أدى إلى احتقار الناس، فأدى إلى تقسيم الناس إلى فئتين: هذا مؤمن وهذا كافر، لا، بل وصل الحد -بتعبير محمد شحرور- إلى إعداد قوائم لأهل الجنة وأهل النار بناءً على هذا الفهم التراثي المنغلق.
ما الفرق بين المصطلحات في التنزيل الحكيم؟
في هذا الكتاب، باختصار، عودة لإسلام الوحي ولاستقراء النصوص من داخل القرآن لا من خارجه. بالحقيقة، في البداية، تحدث الراحل محمد شحرور، أهم فصول الكتاب، الفصل الأول عن الإسلام والإيمان، ويتطرق أيضًا إلى أركان الإسلام والإيمان. فالكتاب مكون من أربعة أقسام، نقف عند القسم الأول بشيء من الحصر، يعني حاول، لأن هذا الفصل مهم جدًا، ألا نأخذه بصيغة سريعة.
في آيات التنزيل الحكيم نجد هناك مصطلحات مثل: الإسلام، المسلمون، الإيمان، المؤمنون، التقوى، المتقون، تقابلها في الجانب الآخر مصطلحات: الإجرام، المجرمون، الكفر، الكافرون، الشرك، والمشركون. برأي الراحل محمد شحرور، عندما نفتح كل المعاجم وكتب التفسير التراثي وكتب الأصول القديمة وكتب الفقه، نجد خلطًا واضحًا بين هذه المفاهيم، بين الشرك والكفر والإجرام. وبالتالي نحن أمام ثنائية غائمة غامضة لا تفرق بين المسلم والمؤمن: من هو المسلم؟ من هو المؤمن؟ بين الإسلام والإيمان، وتجعل المسلمين مؤمنين والعكس صحيح والمؤمنين مسلمين. والجميع أتباع محمد عليه الصلاة والسلام. عندما نعود إلى التنزيل الحكيم، ونحن متفقون على أن هذا التنزيل، كتاب صادق، ليس فيه ترادف، خالٍ من الحشو، سنجد شيئاً آخر. نقرأ قوله تعالى على سبيل المثال، طبعًا هو سارد آيات كثيرة، أنا آخذ منها المهم: “إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ” انتبه، عطف، والعطف يقتضي المغايرة، “إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا”. سورة الأحزاب (35).
ما الفرق بين الإسلام والإيمان؟
“قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا”، نص آخر، “قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا”، إذن هناك فرق بين الإيمان والإسلام بمقتضى هذه الآية: “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”. (14) سورة الحجرات. برأي الراحل محمد شحرور نفهم من هذه الآيات أمرين الأول أن المسلمين والمسلمات شيء، والمؤمنين والمؤمنات شيء آخر بما تقتضيه التفرقة بالعطف، وبالتعبير الثاني والآية الثانية. والثاني أن الإسلام يتقدم دائمًا عن الإيمان ويسبقه، الإسلام دائمًا يسبق الإيمان يعنى الإيمان مرحلة ثانية غير الإسلام مثل: “مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا”. كما جاء في سورة آل عمران. أو كما جاء على لسان سحرة فرعون عندما خاطبوا فرعون: “وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ”.
أو كما قال فرعون في سورة يونس: “قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ”.
أو كما قال يوسف عليه السلام: “رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ”.
أو كما جاء على لسان الحواريين أتباع عيسي: “فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ”.
أو كما جاء على لسان لوط: “فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ” (36). كما جاء في سورة الذاريات.
مفردة المسلمين تكررت كثيرًا في الآيات السابقة، سحرة فرعون ولوط والحوارييون كانوا من المسلمين، وإن فرعون حين أدركه الغرق نادى بأنه مثلهم أي أنه منهم من المسلمين، وهؤلاء جميعًا لم يكونوا من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام لا من الناحية العقائدية ولا من الناحية الزمنية، لأنهم لم يدركوا عصره.
نفهم من هذا كله أن الإسلام شيء والإيمان شيء آخر، وأن الإسلام متقدم عن الإيمان، وأن المسلمين ليسوا أتباع محمد حصرًا. طبعًا هذا التفريق لا تجده في كتب التراث، لذلك هذه المحاولة المهمة جدًا لتفكيك معانى المصطلحات.
وأيضًا نقرأ قوله تعالى في واحدة من أكثر الآيات إشكالية: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا”.. وهذه الآية جاءت بأكثر من صيغة: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (62). كما جاء في سورة البقرة. وقوله تعالي في سورة فصلت: “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ” (33).
“بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112). كما جاء في سورة البقرة. أو “قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ”. (108) كما جاء في سورة الأنبياء.
أو كما جاء في سورة يونس كما أسلفنا: “وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ” (90).
الإسلام هو التسليم بوجود الله
وقوله تعالى: “رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128).” في سورة البقرة.
طبعًا هذا كله سرد للآيات حتى يُبيّن أن مفردة الإسلام هي موجودة من زمن نوح إلى محمد، وقد خضعت هذه المفردة للتطور التاريخي والمفاهيمي، وليس لها علاقة – كما في كتب التراث – تم حصر مفردة الإسلام فقط بالبعثة المحمدية.
ومنها قوله تعالى: “وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125).”
أو قوله تعالى: “إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” (44). كما جاء في سورة المائدة.
من هذه الآيات نفهم أن الإسلام هو التسليم بوجود الله وباليوم الآخر، فإذا اقترن هذا التسليم بالإحسان والعمل الصالح كان صاحبه مسلمًا، سواء كان من أتباع محمد الذين آمنوا، أو من أتباع موسى الذين هادوا، أو من أنصار عيسى النصارى، أو ملة أخرى غير هذه الملل الثلاث.
أركان وأنواع الإيمان في القرآن
ملاحظة مهمة يذكرها الراحل محمد شحرور في هذا الفصل: لماذا الدين عند الله الإسلام وأنه لا يقبل دينًا غيره؟ الإجابة كانت فيما سبق: أن الإسلام هو التسليم، والتنزيل الحكيم حين تكلم عن الإيمان وعن الذين آمنوا، فهو يتحدث عن نوعين من الناس، أو لنقل بتعبير الراحل محمد شحرور: نوعين من الإيمان.
هناك في التنزيل الحكيم نوعان من الإيمان: الأول الإيمان بالله واليوم الآخر، وهو الإسلام، وهذا ما تم ذكره في الآيات السابقة. وهنا النقطة الثانية، جدًا مهمة، التي لم يلتفت لها التراثيون: الإيمان بمحمد ورسالته. فعندما يقول القرآن: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ”، يقصد بالفقرة الأولى الذين آمنوا، أتباع محمد. إذًا القسم الثاني: الإيمان بمحمد ورسالته.
وبالتالي، التنزيل يضع للإسلام أركانًا ثلاث -التنزيل الحكيم-: الإيمان بوجود الله، الإيمان باليوم الآخر، العمل الصالح والإحسان. ونتبين في هذه الأركان الثلاثة جانبين: جانب نظري بحت، هو الإيمان بالله واليوم الآخر، هذا جانب نظري. وهناك جانب منطقي عملي، هو العمل الصالح والإحسان. لا معنى للإيمان النظري دون سلوك عملي.
هذا هو، هذا الفصل المهم، قرأناه قراءة سريعة للتفرقة بين الإسلام والإيمان، وأنهما ليسا شيئًا واحدًا.
الإسلام من الحالة العمودية إلى الحالة الأفقية
أهمية ما قام به الراحل محمد شحرور في هذا الكتاب هو تفكيك المصطلحات وعزلها؛ فهو لم يقتصر الإسلام – كما هو موجود في كتب التراث – على الملة المحمدية التي آمنت بالنبي من القرن السابع الميلادي، وهو الأول الهجري إلى اليوم، لم يقتصرها فقط على المسلمين.
بتعبير بسيط نقل موضوع الإسلام من الحالة العمودية إلى الحالة الأفقية، فأصبح الإسلام دينًا إنسانيًا يتسع للإنسانية؛ لأنه دين الأنبياء ودين البشرية الوحيد الذي نزل من السماء، دين جميع الأنبياء، من نوح إلى محمد، فالذي يؤمن بعيسى مسلم، والذي يؤمن بموسى مسلم، والذي يؤمن بالملل الأخرى مسلم، وهذا التفريق جدًّا مهم بين الإسلام والإيمان، وعدم احتكار الإسلام لفئة ومجموعة خاصة تدّعي فيهم الإسلام لها. أنا أعتقد أن هذا التفكيك وفقًا للنصوص القرآنية كان مهمًا، وكما قال الراحل محمد شحرور: للأسف لم نجد هذا الفرز الدقيق موجودًا في كتب التراث.
ما هي صفات المجرم في القرآن؟
نذهب الآن إلى الفصل الآخر، وهو من الفصول المهمة، وله علاقة بالإسلام: ما هو ضد الإسلام؟ أنت الآن إذا قمت بجولة بسيطة في الشارع، في المدرسة، في أي مكان، وتسأل الناس: ما هو ضد، مضاد الحب؟ يعني ما ضد الحب؟ التفرقة، التي هي مسألة الأضداد، والضد يظهر حسنه ضده. سيقول لك: الكره. الليل النهار، حسنًا، ما ضد الإسلام؟ ستأتي الإجابة: الكفر.
هنا محمد شحرور -وفقًا للتنزيل الحكيم- يقول لك: هذا الكلام غير دقيق. إذا أردنا تعميق فهمنا للإسلام والمسلمين في التنزيل الحكيم، فعلينا -بتعبير الراحل محمد شحرور- أن ننظر في تعريف المصطلح المضاد للإسلام، وهو الإجرام، كما جاء في قوله تعالى في سورة القلم: “أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)”.
ومفردة “جَرَم” -بتعبير الراحل محمد شحرور- وهو ذهب إلى ابن فارس ومعجم مقاييس اللغة ومشتقاته، وردت سبعًا وستين مرة في التنزيل الحكيم. وهو أصل واحد في اللسان العربي: “جَرَمَ”، وتعني القطع، ومنه سميت الأجرام السماوية أجرامًا؛ لأنها منفصلة، مقطوع بعضها عن بعض. ومنه قوله تعالى: “لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ”. كما جاء في سورة النحل. أن خسارتهم في الآخرة أمر مقطوع منه، لا جدال فيه.
والمصطلح القانوني المتداول اليوم، عندما نتكلم عن السارق أو القاتل أو الغاصب، فنقول عنه مجرم، وذلك لأن المجرم قطع صلته بالمجتمع وقوانين المجتمع، وانطلق يجري على هواه، فقطع صلته بالله وأنكر وجوده، وكفر باليوم الآخر، وكذب بالبعث والحساب، وهو ما أطلق عليه في المصطلح المعاصر اسم الملحد. إذًا المسلم عكسه المجرم.
وأيضًا قوله تعالى في سورة الروم:”وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ”.
وأيضًا قوله تعالى في سورة الرحمن: “يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ”.
إذًا مصطلح المجرم هو مصطلح قد يطرق أسماعكم لأول مرة، وقد تتفاجأون أن المسلم هو عكسه المجرم. وأيضًا قوله تعالى في سورة النمل: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ”.
وفي سورة المرسلات: “كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ.”
الآيات، على ما ذكر من آيات، هناك آيات أخرى، لكن هذه للأمثلة لا للحصر. تصف مجرمين ينكرون البعث، ويكفرون بوجود الله، ويكذبون باليوم الآخر. إذن هذا هو الفرق بين المسلم وعكسه وضده، المضاد النوعي له هو المجرم، وليس هو الكافر.
لفظ الإجرام أعم من لفظ الكفر
في نهاية هذا الفصل المهم، أقول بما معنى اجتهاد شخصي، التموضع في آيات القرآن أن يكون لكل كلمة في القرآن وضعها الخاص، ولا يمكن استبدالها أبدًا. فالمجرم في الحياة الدنيا، الذي يُطلق عليه الناس مجرمًا، كالسارق والقاتل والمغتصب، هو من قطع صلته بالمجتمع. والمجرم في التعبير القرآني: “أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ”. هو من قطع صلته بالله واليوم الآخر والعمل الصالح.
بهذا الكلام يرى محمد شحرور أن لفظ الإجرام أعم من لفظ الكفر؛ قد يكون الإنسان كافرًا، لكن صلته بالمجتمع جيّدة، وهو لديه مشكلة مع الله، أو كما قال في التعبير المعاصر: هو ملحد، لكن لحاله. لكن المجرم أعم، فهو الذي يهلك الحرث والنسل، والذي يرتكب الإجرام، وهو هذا الضد النوعي لمصطلح الإسلام.
هذا تفكيك المصطلح كان جدًّا مهمًا، وبصراحة أنا كقارئ محترف -أدّعي ذلك- كنت أظن سابقًا أن المسلم عكسه الكافر، لكن بهذا التوضيح وبهذا الاستغراق والتدبر في آيات القرآن الكريم، عرفنا أن هناك فرقًا كبيرًا بين الإجرام والكفر، وبين المجرم والكافر. وكما قال تعالى: “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ”.
أنا أعتبر فضيلة الراحل محمد شحرور، والرجل رحل إلى ربه، لا ينفعه مدح ولا ذم. أنا أتكلم كقارئ بصيغة محايدة. كانت استراتيجيته الأساسية برأيي هي استراتيجية التدبر والنظر إلى القرآن من داخله، وهذا هو منهجه في كتابه هذا وفي بقية الكتب.
ما معنى أن يخاطب الله الذين آمنوا؟
نذهب الآن إلى أحد المباحث المهمة في “كتاب الإسلام والإيمان منظومة القيم” للراحل الدكتور محمد شحرور. بالحقيقة قسم أو بحث الإيمان والمؤمنون كما جاء في التنزيل الحكيم ووفق الرؤية التي قدمها الراحل. في سورة النساء آية 136 هناك آية سنقف عندها قليلًا لأن هذه الآية ملغزة:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا”. انتبه للآية، هم مؤمنون:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا”. الأولى بالفتح، الثانية بالكسر. “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدً”. كما جاء في سورة الحديد.
وقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ”.
زين، وقفة، هو مؤمن؛ كيف يأمره بالإيمان؟ سنرجع، نحن نقرأ القرآن قراءة سريعة، كأننا نقرأ جريدة، هنا معنى التدبر: “وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” أو كبيرًا، كما قال في سورة الحديد: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.
أو كما جاء في سورة محمد: “وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ”. انتبه لنرجع للآية لأنها جدًا مهمة: “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ”. إذن أثبت لهم الإيمان، “وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ”. هنا الوقفة سيقف عندها الراحل محمد شحرور، المقطع الآخر: “وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ”.
أو كما جاء في سورة الفتح: “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا”.
وكما جاء في سورة التوبة: “وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ”.
يرى الراحل محمد شحرور أن هذه الملاحظة المهمة، الآيات الثلاث الأولى “إن الذين آمنوا” أو فعل “آمنوا” يتكرر مرتين في كل آية: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا”. ما السبب؟ ما معنى أن يخاطب الله الذين آمنوا فيأمرهم بأن يؤمنوا بالله والرسول؟ السبب أن الإسلام هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. هذا الإسلام. وفهمنا بالمقصود أن الذين آمنوا في الآيات الثلاثة هم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وأن الله يطلب منهم أن يؤمنوا برسوله محمد وما نزل عليه.
إذن الوقفة المهمة: المؤمن غير المسلم وفق تعبير التنزيل الحكيم برأي محمد شحرور، المسلم هو الذي يؤمن بالله ويعمل صالحًا ويؤمن بالآخرة. “الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا”. أي آمنوا بمحمد.
السؤال الآن: أيهما أعم، الإسلام أم الإيمان؟ الإسلام أعم لأنه دين إنساني لكل أهل الأرض، ولهذا سُمي الدين الإسلامي وليس الدين الإيماني. والإسلام -برأي الراحل محمد شحرور- هو الحد الأدنى المطلوب من الناس، وذلك في قوله تعالى في سورة الحجر :”رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ”. هذا هو الحد الأعلى الأدنى، العفو. إذن الإسلام أعم من الإيمان.
الإيمان بين الأمن والخوف
ملاحظة مهمة في نهاية هذا المبحث عن الإيمان والمؤمنين، مما قرأت وشاهدت أيضًا في منصة مجتمع، وإذا جاز لي أن أكون من تلامذة الراحل محمد شحرور، توقفوا عند هذه الآية، لكن يجب ذكر ملاحظة مهمة. أي نظرية في العالم بدون جدل، بدون حذف، بدون إضافة، بدون أخذ، بدون رد، بدون نقاش تموت. بناء على ما تركه محمد شحرور وما جاء من بعده على هذا البناء الضخم، توقفوا عند هذه الآية التي أجدها مهمة وفيها مفتاح مهم في سورة النساء: “وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ”. “وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ”. مما شاهدته وأعجبني جدًّا وأقنعني أن الإيمان بمعنى الأمن: “الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ”، الإيمان بمعنى الأمن، وعكسه الخوف. فمن يلجأ إليك آمنًا هو مؤمن بك. حتى في سورة يوسف هناك إشارة: “وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ”.
فهنا صار بمعنى أن تطوير المفهوم، رؤية أكثر اتساعًا، أكثر انسجامًا مع النص القرآني، أن الإيمان يأتي بمعنى الأمن، بمعنى الأمان، وأن عكسه الخوف. وهذه من الأمور المهمة التي أردت الإشارة إليها.
أحد فصول الكتاب القادمة سنأتي إليها بإشارات، وهذه دعوة مرة أخرى إلى القارئ لقراءة الكتاب. التفرقة بين المصطلحات، فك الاشتباك، لأنك أنت تقدر تنام على مخدة وترتاح وتقول الإيمان والإسلام مترادفان، معنى واحد.
ما الفرق بين فرض وكتب في القرآن؟
في هذا الفصل يفرق الراحل محمد شحرور بين مصطلحات هامة جدًّا: الكتابة، الفريضة، الوصية، الموعظة. “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ” لماذا لم يقول فُرض؟
“كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ “. يأتي شخص مفسر تراثي سطحي يقول كُتِبَ/فُرض. حسنًا، لماذا لم يقل فُرض؟ كل كلمة في القرآن في مكانها، وهي محددة، ولا يمكن استبدالها.
للتعمق في فهم الإسلام والإيمان يجب وضع النقاط على الحروف في هذين المصطلحين: كُتِبَ وفُرِضَ. لابد من التفريق بين الصيغ التالية:
“كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ”، “يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ”، ما معنى الوصية؟ “قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ”، “ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ”.
نأتي في البداية إلى الكتابة، ما معنى الكتابة وفق التنزيل الحكيم؟ الراحل محمد شحرور وفق هذا الفصل أخذ آيات عديدة، سنقتصر على عدد منها ثم نذهب إلى سياق “كتب”. معنى “كتب”: “إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا”، كتابًا. “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا”، كتابًا. ضع تحتها خطًا. “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ”، “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ”، “وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا”.
هو هذا الذي أشرنا له في بداية الحلقة قبل هذه، بمعنى الترتيل؛ رتّل أي وضع الأشياء المتناسقة والمنسجمة في كتاب واحد.
الكتاب -بتعبير الراحل محمد شحرور- هو مجموعة عناصر متشابهة، اجتمع بعضها مع بعض لإخراج معنى جديد، والكتابة والتأليف: شخص قام بتأليف كتاب، أي جمع مفردات في جمل تحت عنوان واحد. هذا معنى الكتاب. والطبيعة عبارة عن كتب، وظواهر تقع، هذه الظواهر تحدث بعيدًا عن معرفة الإنسان وجهله بها، قبلها أم لم يقبلها، عرفها أم لم يعرف. لذلك سمى الله سبحانه وتعالى الموت كتابًا مؤجلًا: “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا”، أي أنه مجموعة شروط موضوعية إذا اجتمعت حصل الموت، والموت ظاهرة طبيعية.
هل الموت ضد الفطرة الإنسانية؟
المهم، محمد شحرور، والحقيقة أنا تفاجأت، وقبل أن أقول تفاجأت، أنا مرة قرأت بيتًا شعريًا لأحد الشعراء الأمريكان، يحق لي أن أذكره هنا، روبرت فروست، يقول: إذا لم يتفاجأ الكاتب لا يتفاجأ القارئ، وإذا لم يتفاجأ القارئ لا يتفاجأ الكاتب. بمعنى أنا أقرأ نصًا فأتفاجأ لعمقه ولدقة معناه، نفس الموقف مر به المؤلف. المؤلف، أنا دائمًا أقول عن هذه المسألة، هو لا يضع سيناريو كاملًا عندما يأتي لتأليف الكتاب، حتى كاتب الرواية قد ترد له خواطر ومعانٍ أثناء التأليف، أو ما يُسمى فتوحات أو إلهامات. هنا محمد شحرور، وأنا أعتبرها واحدة من الإلهامات المهمة عندما تكلم عن أمور الصيام والصلاة والموت، وقال إنها ضد الفطرة الإنسانية. بالحقيقة، هذه أول مرة، لم تمر علي في كتاب سابق. بمعنى بتبسيط مهم: الموت ظاهرة طبيعية، لكنه بتعبير الراحل محمد شحرور ضد الفطرة الإنسانية. السبب: لأن الفطرة عند الإنسان هي التمسك بالحياة وحب البقاء ومقاومة الموت. الفطرة الإنسانية عند الراحل محمد شحرور كما جاء في التنزيل الحكيم وتبين ذلك خاصة في آيات القتال والصلاة، هي التمسك بالحياة وحب البقاء ومقاومة الموت. هذا ما لا يختلف عليه أي شخص. لكن جميع التكاليف التي وردت في التنزيل الحكيم تحت باب “كُتِبَ عَلَيْكُمُ” هي ضد الفطرة الإنسانية، ولا يتعصب علينا المشاهد حتى نكمل توضيح الفكرة.
لماذا هذه الأبواب: “كُتِبَ عليكمُ الصَّلاةُ”، “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ”، “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ”؟ لماذا جاءت ضد الفطرة الإنسانية؟ ومن هنا تدخل الاستطاعة في التكاليف الواردة تحت باب “كُتِبَ عَلَيْكُمُ”. فيأتي قول الله تعالى: “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”.
بتعبير الراحل محمد شحرور، مثلًا في سورة البقرة، الله تعالى يصف القتال بأنه “كُره”، ثم يضيف مباشرة: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ”.
أما في سورة النساء، فالصلاة قال :”وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ”. فالصلاة عناء ومشقة بوضوئها وقيامها وقعودها، تجلس أنت منتصف الليل، تقعد الفجر، والماء بارد تتوضأ، تسعى إلى الجامع، تترك أعمالك، تذهب إلى الصلاة. قال: “وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ”.
كذلك الأمر في آيات الصيام جاءت تحت باب “كُتِبَ عَلَيْكُمُ”، وذلك لما فيه من تعنت ومن تضاد ضد الفطرة؛ فالفطرة أن يأكل الإنسان حين يجوع ويشرب حين يعطش.
ما المقصود بالفريضة؟
أما مفهوم الفريضة هنا يختلف عن مفهوم “كتب”. الآن تركنا مفهوم كتب. مفهوم الفريضة جاء من فعل “فرض”. وإذا استعرضنا الأفعال في اللسان العربي التي تبدأ بحرف الفاء في أولها تراها تعطي معاني مشتركة: فرج، فك، فكر، فصل، فرق، فرح، فتح. فهذه كلها تشترك بمعنى واحد هو الفتح والانفراج. أما إذا أخذنا الأفعال التي تبدأ بالفاء والراء مثل: فرض، فر، فض، ترى أن فيها معاني متقاربة: فر يعني الانكشاف، وفض التفريق، تقول انفضوا بمعنى ذهبوا فرقًا، والفضفضة سعة الثوب، والفيضان جريان الشيء بسهولة مثل: جريان الماء. وهنا ترى كيف جاء فعل فرض ليعني عطاء وفرجة. ومن هنا نقول بوجود فرضة في الباب أي ثقب.
وقوله تعالى عن البقرة بقرة بني إسرائيل: “إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ”. فالفارض من البقر هي التي حملت وولدت وأعطت حليبًا.
إذن وفق التنزيل الحكيم، الفريضة جاءت بمعنى العطاء، أو في قوله تعالى: “وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً”. هنا بمعنى العطاء كما أسلفنا. “وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ”. أي من بعد العطاء، “إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا”. هنا جاءت الفريضة من الله مخرجًا من مأزق وقع فيه الإنسان، كأن يقسم يمينًا بأن لا يفعل شيئًا حلالًا ثم يفعله، كما خاطب الله نبيه: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ”.
فض الاشتباك بين كُتب وفُرض
إذن قبل أن ندخل في موضوع مبحث الوصية، مبحث مهم، نتوقف قليلًا لنعطي ما أسميه ملخصات مكثفة سريعة: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ” تعني أنها ضد الفطرة فيما بعدها؛ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام لمشقته، كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال لأنه ضد الفطرة، إزهاق الأرواح. فكُتب كما تأتي في القرآن: القرآن مجموعة كتب، كما بين الراحل محمد شحرور، كتاب الصلاة، كتاب الموت: “إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا”. تجمع كل الآيات الخاصة بالصلاة في كتاب واحد، أو آيات القتال، أو آيات الطلاق، أو آيات الموت.
وأسلفنا سابقًا في قوله تعالى: “رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ”. فالقرآن مجموعة كتب.
لنفي الترادف في منهج محمد شحرور. “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ” ليس معناها فُرِضَ عليكم الصيام، الفرض معنى آخر، كما جاء في اشتقاق الأحرف الثلاثية تعني عادة معنى العطاء، أما الكتابة فتعني معنى المشقة، وهي ضد الفطرة الإنسانية.
هاتان الكلمتان وفك الاشتباك والارتباط بينهما، أنا أعتبره من أهم مباحث الكتاب، وهذا ما يدعو للقارئ الكريم، لأنني اختصرت جدًا، أن يذهب إلى الأمثلة العديدة التي ذكرها الراحل محمد شحرور في هذا المجال.
الوصية في القرآن
لذلك، قبل الدخول في آية الوصية، وهي من الأمور المشتبكة في كتب التراث وبها معارك طاحنة. عزيزي المشاهد، نحن نعطي كبسولة مكثفة، كبسولة فيها أهم الأفكار مضغوطة، كما تطلب مني نشرة الأخبار أعطيك ملخصًا، لكن إن أردت التفاصيل، الشيطان لا يكمن في التفاصيل، المحبة تكمن في التفاصيل، تفاصيل التفاصيل، تذهب إلى قراءة الكتاب، وأعدك أنك ستستمتع به كثيرًا.
في آية الوصية، وهي آية ملغمة وفيها معارك كثيرة في كتب التراث، كما جاء في سورة البقرة: “كُتِبَ عَلَيْكُمْ”، انظر كُتب بمعنى المشقة، لأن وراءها موت، وراءها مصيبة، ضد الفطرة، فهنا تداخلت الكتابة مع الوصية “كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ” وهذه “حضر” سنأتي عليها لاحقا لأن بها مشاكل، حضر معنى الشهيد والشاهد بعد آن نأتي عليها. “كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ”.
نفهم من هذه الآية الكريمة أن الوصية التي كتبها الله على من يحضره الموت، هي حق على المتقين، وليست منسوخة بمبدأ “لا وصية لوارث”، لأن الموجود في كتب التراث “لا وصية لوارث”، فبالتالي لا تعطيه الحق. الراحل محمد شحرور قال: لا، الوصية هنا تأتي بمعنى مختلف، وهي له حق لأن يتصرف في أمواله قبل رحيله.
للتفرقة بين المصطلحات توقفنا عند الكتابة والموعظة، توقفنا عند الكتابة والوصية والفرض.
الموعظة، كيف جاءت في التنزيل الحكيم؟ وفق رأي الراحل محمد شحرور. يرى الراحل محمد شحرور أن الموعظة هي التخويف والإنذار، وهي أيضًا التفكير بالخير، يعني تحمل شق الخير وشق الشر، مثل قوله تعالى: “ادْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”، هذا شق الخير.
في التخويف والإنذار قوله تعالى: “وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ”. وقوله: “وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ”.
قبل الذهاب إلى الفصل الآخر المهم، وهو أركان الإسلام والإيمان، نعطي ملخصًا سريعًا لما قلته: إننا برأي الراحل محمد شحرور ضحايا لفكر ساد في الإسلام، لا أقول فكرًا إسلاميًا، فكر ساد بالإسلام، رؤية معينة سادت، هذه الرؤية خطفت من عندنا التنزيل الحكيم، أعطت هي رؤاها، وهم الناس، حتى نكون صادقين مع أنفسنا ومعهم، ليس ذنبهم، ذنب الأتباع، بمعنى ما وصل إلينا من كتب التراث ومن كتب التفسير هي أدت مهمتها في وقتها، الآن بحاجة إلى رؤية معاصرة وقراءة معاصرة تخلص النص القرآني وتنقذه من أسر عيون التراث.
نحن نقولها، وقالها الراحل محمد شحرور: نقرأ القرآن بعيون الموتى، وهذا كلفنا كثيرًا. المطلوب أن نقرأ القرآن بعيوننا ونفكك المصطلحات ونستفيد من كل العلوم الحديثة: الفيزياء والكيمياء والكوسمولوجيا واللسانيات وغيرها والتاريخ والجغرافيا واللغة، حتى نقرأ القرآن بقراءة معاصرة، وهذا هو أقل شيء يفعله المسلم تجاه دينه.
أركان الإسلام وأركان الإيمان
الآن إلى الفصل الآخر: أركان الإسلام وأركان الإيمان. لو ذهبت إلى أي شخص لديه ثقافة دينية عميقة أو ثقافة بسيطة وقلت له عن أركان الإسلام، سيسرد لك الأركان الخمسة التي نسمعها دائمًا. بتعبير الراحل محمد شحرور هناك فرق كبير بين أركان الإسلام وأركان الإيمان، فهو كما ذهب أن أركان الإسلام هي التسليم بالله واليوم الآخر، فأركان الإسلام عند محمد شحرور تشمل منظومة القيم: التوحيد، بر الوالدين، هذا كله من أركان الإسلام، عدم قتل الولد: “وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ”. عدم ارتكاب الفواحش: “وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ”. “وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ”. البر باليتيم، الحفاظ على ماله، والكيل والميزان بالقسط: “وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ”. “إِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ”. “وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا”. كل هذه الوصايا العشر. أداء الأمانة، تحريم السُكر، تحريم الأنصاب والأوثان، الإرث فريضة ووصية وليست نسخت بـ”لا وصية لوارث”، عدم قذف المحصنات. هذه كلها عند محمد شحرور في الكتاب تصل حوالي إلى 55 ركنًا من أركان الإسلام. وبالحقيقة إذا ذهبت إلى قراءة الآيات من 151 إلى 153 في سورة الأنعام ستعطيكم الجواب المفصل لذلك.
عزيزي المشاهد، هناك خريطة في الكتاب، نحن كما قلنا لا نأتي على الكتاب كله، والعرب قديمًا قالت: ما لا يُدرك كله لا يُترك جُلُّه. هناك خريطة جدًّا مهمة في الكتاب، تقريبًا صفحة 107، حتى أُبيِّن للقارئ، أنا الذي موجود بين يدي طبعة دار الساقي، الطبعة الرابعة 2020، والكتاب يخضع لزيادات منقحة، وهذا ذكره الراحل محمد شحرور في كل طبعة. هناك فكرة أو شيء فات الراحل أو شيء انتبه إليه من خلال التنزيل الحكيم. هذه الخريطة جدًّا مهمة، هو صانع أعمدة خريطة يمين وشمال: الإسلام والإيمان بمقتضى التنزيل الحكيم. فيرى أن الإسلام هو القيم، وهو دين الفطرة والصراط المستقيم. انظر، انتبه للآيات التالية:
“قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ”.
هنا ما زلنا في الإسلام. والإسلام عند محمد شحرور هو منظومة القيم، هو دين الفطرة والصراط المستقيم، وهو دين الأنبياء جميعًا. الإسلام العمل الصالح والإحسان: “بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ”. كما جاء في سورة البقرة.
“إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ”. سورة البقرة. هذا الإسلام.
الإيمان، المؤمنون، هذا الكلام جدًّا مهم، هم المسلمون أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. هنا اختلف معنى الإسلام عن الإيمان، آمنوا برسالته التي ختم الله بها الإسلام، والدليل أنه مكمل الأديان ومتمم الأخلاق: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ”.
برأي الراحل محمد شحرور، أن “أول المسلمين” تعني آخر المسلمين وخاتم الأنبياء، لأن “أول” من الأضداد، أي أن الإسلام الذي بدأ بنوح آل إليه، أي إلى محمد.
يختم هذا الفصل بالتالي: المسلمون الذين آمنوا هم أتباع محمد، المسلمون الذين آمنوا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”. يؤكد الراحل محمد شحرور أن معظم أهل الأرض لن يكونوا مؤمنين: “وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا”. ولا يسمح لنا بإدخالهم في الإيمان بالقوة، وإنما هو دفاع عن الحرية والوطن.
أما المسلمون الذين هادوا أتباع موسى، والمسلمون النصارى أتباع عيسى، فجاء بهم قوله تعالى: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”. أعطى الإسلام الكافة، والمسلمون الصابئون، كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا، تعاليم الإسلام الفطرية مهما كان اسمهم. هذه الخريطة المهمة كان يجب الإشارة إليها.
أما أركان الإيمان وفق الراحل محمد شحرور فهي: شهادة أن محمدًا رسول الله، انتبه هذه أول شرط، شهادة أن محمدًا رسول الله: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”.
اثنان: إقامة الصلاة المكتوبة. ثلاثة: إيتاء الزكاة، الإنفاق.
هذه هي أبرز الفروقات بين الإسلام والإيمان. الإسلام أعم من الإيمان: “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا”. الإسلام عام يبدأ من نوح عليه الصلاة والسلام أو بعثة كل الأنبياء، أما الإيمان فيختصر بالنبي محمد والشروط التي ذكرناها.
العبادة أم العبودية؟
الآن نذهب إلى القسم الثاني من الكتاب، وهو منظومة القيم: العباد والعبيد والشهيد والشهداء، وما الفرق بين هذه المصطلحات الدقيقة.
طبعًا ستجدون هناك مفاجآت في الكتاب، مثل جاء وأتى، طبعًا هناك أرقام دقيقة تُذكر: بصر ونظر، هل هي نفس المعنى؟ هل هي مترادفات أم لكل عبارة، لكل لفظ معناه الخاص به؟
بالحقيقة ورد مصطلح العبد على تعدد اشتقاقاته: عبد، عباد، عبيد، عُبّاد، يعبد، عابدون، ورد 275 مرة في التنزيل الحكيم، رقم كبير. نسأل أنفسنا ونحن نقرأ الذكر المبارك ونحاول قراءته قراءة معاصرة وبتدبر بعيدًا عن قراءة التراث: هل المصدر في عَبَدَ ويعبد ويعبدون هو العبادة أم العبودية؟ وهل يختلف الحال حين تجمع عبد على عباد أو على عبيد؟ مثلًا: “وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا”، “وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ”. هناك فرق؟
كل التراث يعتبر العبادة عبودية والعبيد عبيدًا ويسوغ الرق ويبرره. السؤال الآن، برأي الراحل محمد شحرور: كيف نفهم هذه الآيات؟ عندما ننظر إلى المعاجم فنراها تجمع العبد على عبيد وعُبّاد، أو عبد وعُبّاد. وثانيًا، هناك جمع لا مفرد له، مثل كلمة عبابيد. وننظر في اللسان العربي بفعل عَبَدَ بين الأضداد. هو يذهب، طبعًا محمد شحرور استفاد هنا من ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، كلمة عَبَدَ، يجب التركيز هي تحمل الأضداد، فهي تعني الطاعة والمعصية في نفس الوقت، مثل قوله تعالى: “قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ”. بمعنى أول العاصين. هنا، برأي الراحل محمد شحرور، ليست معنى العبادة بمعنى الطاعة، بل أتت بمعنى المعصية.
ما هو مفهوم العبادة؟
من الأمور الهامة في كتاب “الإسلام والإيمان: منظومة القيم العميقة” هي تفكيك مفهوم العبادة كما جاء في التنزيل الحكيم. ما هو مفهوم العبادة بالتحديد كما رآها الراحل محمد شحرور؟ وبالحقيقة، هنا محمد شحرور يستند إلى القرآن فقط، لم يأتِ بشيء خارج القرآن. لنقرأ نظريته ثم نناقشها.
بدأ الدكتور محمد شحرور بسورة الفاتحة، وهي هذه: “بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيم (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)”.
وهذه نرددها كل يوم، يرددها الصغير والكبير، المسلم يقرأها على الأقل 17 مرة. يتوقف الراحل محمد شحرور عند قوله تعالى: “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ”. فكيف نعبد الله ونستعين به؟ فهم السادة الفقهاء، كما يرى الراحل محمد شحرور، وهذا المفهوم الدارج بين الناس والمؤسسة الدينية أيضًا، أن العبادة هي إقامة الصلاة وصوم رمضان والحج. لكن الله تعالى -وفق التنزيل الحكيم- فصَل بين العبادة والشعائر، والدليل على أن العبادة غير الشعائر قوله تعالى في سورة البينة: “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ…”. إذًا عطف الصلاة على العبادة، والعطف يقتضي المغايرة. “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ”. كما جاء في سورة البينة.
وقول الله لموسى نبي الله موسى عليه السلام: “إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي” فـ”فاعبدني” عطف عليها الصلاة، إذًا العبادة شيء، والصلاة شيء آخر، كما جاء في سورة طه. فالعبادة سبقت الصلاة في كل الآيات، والدليل موجود من القرآن، وليس من فلان عن فلان.
وقال تعالى على لسان الشيطان: “قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ”. كما جاء في سورة الأعراف.
يواصل الدكتور شحرور قائلًا: ونفهم أن “اعبدني” تعني بطاعة أوامري، فما هي هذه الأوامر؟ هل هي الشعائر والعبادات؟ يأتينا الجواب في هذه الآيات التالية: معنى العبادة: “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ”.
أو قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ”
وقوله: “أَنْ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ”.
فالعبادة تكون في اتباع الصراط المستقيم، فما هذا الصراط؟ هو ما ورد في الآيات التالية في سورة الأنعام، فاعرفوا الصراط جيدًا.
إذًا العبادة ليس لها علاقة بالطقوس والصلاة والصيام، بل لها علاقة بالوصايا العشر: “قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152). انتبه إلى نهاية الآية في سورة الأنعام، 153 “وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”. الأنعام 151 إلى 153.
الصراط المستقيم الذي ندعو في كل صلاة أن يهدينا الله إياه ولم نهتدِ، هو الوصايا التي بدأت بنوح، تراكمت مع الرسل، ويتفق عليها كل أهل الأرض، ولا يوجد في الصراط المستقيم صلاة أو صيام، بل أخلاق وعمل صالح. من هنا نفهم آيتي البينة وطه، والله لا يهدي لصراطه متكبرًا ولا ظالمًا.
الصلاة أمر مختلف عن العبادة
فبحسب الراحل محمد شحرور وقراءته العميقة للتنزيل الحكيم، الصلاة أمر مختلف عن العبادة، هي وسيلة واحدة من وسائل العبادة فقط، ويعطف بعضهما على بعض كما سبق، وكما في الآية في سورة الحج، يجب أن نقرأ القرآن بتدبر. سورة الحج آية 77: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.
وعلى هذا، فمن يؤلف مجلدات في فقه العبادات عليه أن يؤلفها في بر الوالدين، والقسط في اليتيم، والوفاء بالعهد، وعدم الاقتراب من الفواحش، وعدم قتل النفس، وعدم الغش بالمواصفات، إلى آخره مما ذكره الله في تفصيل الصراط المستقيم. فهذه هي العبادات التي نحتاج لأن نفقهها ونفهمها وفق القرآن الكريم، كما يرى الراحل محمد شحرور.
هذه الصفات فقط هي التي من خلالها يمكن الحكم على الناس وإن كانوا يعبدون ربهم أم لا.
وانتبه، انتبهوا، الشيطان يتموضع في أماكنها لا في المساجد: “فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ”.
ويواصل الدكتور محمد شحرور قائلًا: أما الصلاة والصيام والحج فلا مكان للشيطان فيها، فالله تعالى يُعبد في الأسواق وأماكن العمل لا في المساجد، والعبادة عمل وظيفي بحت، بينما الصلاة حالة وجدانية بحتة، تأتيها من نفسك لا خوفًا ولا طمعًا، وبها تتمثل الاستعانة التي نطلبها في الفاتحة. ولذلك قال الله :”وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ”. فنحن نعبد الله بالصراط المستقيم ونستعين به بالصبر والصلاة، فهما وسيلتنا إليه.
ما الفرق بين الشهيد والشهادة؟
أحد فصول الكتاب المهمة بعد تفكيك معنى العباد والعبيد، نأتي لتفكيك مصطلح خطير جدًا: الشهيد أو الشهيد، الشهادة والشهداء والشهيد، أو بمصطلح أدق الشهادة والشهيد، ننظر الآن في مصطلح الشهيد. والشهيد اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، من أسماء الله الحسنى. الشهيد، وفق التنزيل الحكيم، من يشهد على غيره شهادة حضورية سمعية وبصرية. من هنا نفهم قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”. “وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”، “وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد”. هذا بالنسبة لله، معنى الله شهيد هنا شهادة سمعية وحضورية، وليس لها علاقة بالقتل.
أما الرسول عليه الصلاة والسلام، كيف خوطب بمصطلح الشهادة؟ “فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَؤُلَاءِ شَهِيدًا”. إذًا مصطلح الشهادة نُسب إلى الله مرة ونُسب إلى الرسول.
وبالنسبة للإنسان العادي، كما جاء في سورة ق: “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ”.
وحتى بالصيام: “فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ”.
الشهيد هنا بمعنى الحضور، أو الشهادة على الزنا: “لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ”.
للأسف، لم ترد الشهادة في القرآن بمعنى القتل، إنما قال القرآن: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”.لكن الفهم التراثي الذي قتل القرآن، والذي جعلنا نقرأ القرآن بعيون الموتى، سلَّح هذه العبارة وصدرها لنا: على أن الشهيد هو الذي يُقتل في سبيل الله، ثم بدأوا باختراع الروايات الخيالية عن الحور العين وأنهار من عسل ولبن وخمر، فرأينا العمليات الانتحارية، ورأينا الانفجارات، ورأينا تشويه صورة الإسلام، وأي شخص حتى يمشي في الشارع وتأتيه طلقة تائهة نقول عنه “شهيد”، أو يصير عنده معركة في الشارع أو مباراة كرة قدم أو حرب بين دولتين، إذا بها آلاف الضحايا، توزع هذه بطاقات الشهداء وتوزع كروت الغفران وأن فلانًا.. تعطي الألقاب: فلان شهيد وفلان مقتول على مزاجك.
برأي الراحل محمد شحرور، لم ترد مفردة الشهادة في القرآن بالقتل أبدًا، وكما استعرضنا أن مفردة الشهادة تأتي من الحضور: “فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَؤُلَاءِ شَهِيدًا”، “إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”. حتى عيسى عليه السلام يقول: “فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”.
الشهادة تأتي بمعنى الحضور، وليس لها علاقة بما يسوق له القرآن بمعنى القتل والحور العين، وأن الشهداء لهم كذا وكذا، وحتى قوله تعالى: “فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ”. لم ترد بمعنى القتل، بينما تأتي بمعنى الإنسان المشاهد الذي يشهد على عصره.
هذا، وهناك فصول أخرى مهمة في الكتاب. ما نقلناه هو كبسولة مكثفة مضغوطة لاستعراض أهم الأفكار، لا يمكن قراءة الكتاب هو بمعنى أنا أعطيت المستمع، المشاهد الكريم، فتح شهية وأفتح الأبواب، وهذه دعوة لقراءة كتاب “الإسلام والإيمان: منظومة القيم”، لأن في الكتاب أفكارًا جديرة ومهمة بأن يلتفت إليها الإنسان، وهذا أيضًا من واجبه أن يتدبر القرآن الحكيم.
وفي القرآن الكريم هناك آية جميلة تتكلم عن عتاب الرسول يوم القيامة على قومه، وقال الرسول: “يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا”. والهجر الأكبر هو أن نعني نهجر معانيه ونلتجئ إلى كتب التراث وتفوتنا معانٍ كثيرة. هذه كانت وقفة مختصرة ومكثفة مع كتاب “الإسلام والإيمان: منظومة القيم”.
الفرق بين “جاء” و”أتى”
من المفاهيم المهمة جدًّا التي وردت في كتاب “الإسلام والإيمان: منظومة القيم” لفت انتباهي موضوع أنا أعتبر أن الراحل محمد شحرور بذل فيه جهدًا كبيرًا، الفرق بين “جاء” و”أتى”. فعل “جاء” ورد مع مشتقاته 278 مرة في القرآن الكريم. فعل “أتى” مع مشتقاته ورد 549 مرة، أي أكثر من 13٪ من آيات القرآن الكريم. والتنزيل الحكيم إذا فهمنا الفرق بين “جاء” و”أتى” يعني فهمنا 828 آية من التنزيل الحكيم.
هنا نسأل أنفسنا سؤالًا: لماذا يستعمل الله فعل “جاء” في قوله: “فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63)”. فعل “جاء”.
ثم يستعمل فعل “أتى” كقوله: “هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا”.
وفي آية واحدة استعمل الله سبحانه وتعالى “جاء” و”أتى: “يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا”، في سورة مريم لماذا لم يقل: إني قد أتاني من العلم ما لم يجئك؟ لماذا استخدم، فرق بينهما؟ أو في آيتين متتاليتين:” قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ”. (31) “. كما جاء في سورة الشعراء.
برأي الراحل محمد شحرور، كل كتب التراث والمعاجم لم تتطرق إلى الفرق بين فعل “جاء” و”أتى”. برأي الراحل محمد شحرور، الفعلان “جاء” و”أتى”، وهذا التفريق جدًّا مهم، كلاهما يعبر عن حالة بين متكلم ومخاطب، كقوله تعالى: “وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ”. كما جاء في سورة الحجر. والمخاطب هنا محمد عليه الصلاة والسلام: “وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ” الخطاب للرسول.
وقوله تعالى: “أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ”. هنا الخطاب للناس. أو يكون المتكلم طرفًا غير الله والمخاطب هو الله سبحانه وتعالى، “فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا”. الناس هنا تخاطب الله بفعل “أتى””: آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) “.
وسواء أكان المتكلم هو الله والمخاطب غيره، أم كان المتكلم غير الله والمخاطب أيضًا غيره، أم كان المتكلم غير الله والمخاطب هو الله، فالعبرة بالدائرة التي تأتي منها المعلومات.
انظر إلى قوله تعالى: “إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ”. لم يقل “أتى”، “وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا”. ترى المتكلم هو الله: “إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ”. والمخاطب رسوله الكريم، لكن النصر أمر من خارج دائرة المخاطب، بل هو من دائرة المتكلم، أي الله. بدلالة قوله تعالى: “وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ”.
أما قوله تعالى: “فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ”. هنا نرى أن المتكلم هو الهدهد والمخاطب سليمان، والنبأ أمر خارج دائرة معلومات سليمان. ولهذا قال الهدهد: “جِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ”. أما قوله تعالى: “وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ”. نجد أن المتكلم هو الله والمخاطب هو الرسول، والسبع المثاني أمر من دائرة معارف الله. ولهذا قال: “آتيناك” نسبة إلى دائرة معارف الله وهو يتكلم.
هنا، الراحل محمد شحرور يضع مثالًا دارجًا حتى يوصل المعنى إلى المشاهد أو إلى القارئ عن الفرق بين “جاء” و”أتى”.
وللتوضيح أكثر، حين يتكلم الله نسبة إلى دائرة معارف المخاطب الذي يخاطبه نجده يستعمل فعل “جاء”، كما في قوله تعالى: “فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ”.
ومثال على ذلك، إذا كان المتكلم والمخاطب ضمن دائرة واحدة هي البيت، يقول المتكلم للمخاطب: ائتنا بخبز. ائتنا. يتصور أن الخبز في البيت، فإن أجابه المخاطب: لا خبز لدينا، قال له: جئنا به إذًا من السوق. إذًا الإتيان دائرة أضيق من المجيء، إذا كان ضمن الدائرة الواحدة يقول: “أتى”، لكن إذا كان من دائرة أوسع يقول: “جاء”. هذا هو الفرق بين “جاء” و”أتى” في التنزيل الحكيم.
طبعًا هناك في الكتاب الفرق بين “نظر” و”بصر”، وكل الجمل الأخرى. هذه دعوة إلى القارئ الكريم إلى مراجعة الكتاب بأبوابه الأربعة: الإسلام، والإيمان، ومنظومة القيم، والتفرقة الدقيقة بين المصطلحات، وأيضًا تخليص المصطلحات من الفهم الشائع لها: كمصطلح الشهيد، ومصطلح الشهادة، ومصطلح العبيد، والعبادة، ومصطلح الوالد والوالدان، ومصطلحات الذنب والمغفرة والسيئة. لا يوجد ترادف في التنزيل الحكيم، كل معنى له دلالته من داخل النص. هذه دعوة لقراءة الكتاب المهم “الإسلام والإيمان: منظومة القيم”.
وكما أسلفت سابقًا، جهد قراءة كتاب جيد يعادل جهد كتابته. رحم الله الدكتور محمد شحرور، وإن شاء الله يواصل المحبون والمتخصصون في هذا النهج إلى الاستمرار به، الوقوف على أكتاف محمد شحرور، لكي يروا أبعد مما رأى الراحل، هي هذه المدرسة الحقيقية. وهو هذا ما قاله رب العالمين، أو كما جاء في الحديث الكريم: “العلماء ورثة الأنبياء”. أنا أعتقد خير تكريم للراحل محمد شحرور هو أن نناقش أفكاره، وأن نواصل في منهجه، فيمن بعده من غير تقديس ولا تبخيس. والسلام عليكم ورحمة الله.