Skip to content Skip to footer

“الإسلام المبكر” بين مغالطات المستشرقين واستبعاد النص القرآني | د. آمنة الجبلاوي

مقدمة

باسم: أنتِ أثرتِ تساؤلين متضادّين بهذا العنوان: “الإسلام المبكر”. أيُّ قارئٍ للنصّ القرآني سيردّ عليكِ بكلمة واحدة: إنّ الإسلام الذي تسمّينه “مبكرًا” هو آخر مرحلة في الرسالة، والمرحلة الأولى سابقة، بينما –بين قوسين- بالنسبة للأصوليين الإسلاميين اعتبروا أنّ هذا هو الإسلام المبكر، وطالبوا الناس بالعودة إليه، واعتبروا ما قبله جهلًا.

آمنة: لذلك قلتُ في المقدمة: إنّ سقوط المستشرقين في نوعٍ من الماهوية يشبه بعض الأصوليين، لأنّهم يبحثون…

باسم: أو ليس الأصوليين، المؤرخون العرب كلّهم…

آمنة: مرحلة البحث في “ما هو الإسلام المبكر” أو “الإسلام الأول” هي من جهة مساءلة الكتب التاريخية لفهم ما حدث زمن الدعوة، زمن الهجرة، في الغزوات الأولى، لأننا لا نُمسك نصوصًا معاصرة.

باسم: لكن القرآن نصّ معاصر.

آمنة: النص القرآني لم يكن من ضمن المصادر التي اعتمدها الباحثون. طبعًا، البعض في تلك الفترة اتّهم كرون بأنّها لا تُجيد العربية، وأنّها كانت تقرأ ترجمات. دراسة النص القرآني تقتضي معرفة باللغة العربية. أيضًا هناك مسألة التفاسير، وأغلبها – بحسبهم – متأخرة. هناك تفاسير مبكرة، إن أردنا، تفسير مجاهد مقاتل، إلى آخره، وأيضًا التفسير الأكثر رواجًا واعتمادًا، تفسير الطبري، متأخر.

باسم: الطبري ناقل.

آمنة: ناقل، وكان في ذلك نزيهًا.

باسم: بارك الله فيه، ناقلٌ نزيه.

آمنة: كان نزيهًا لأنّه ذكر كلّ ما رُوي دون أن يتدخّل.

 

ماذا يعني “الإسلام المبكر”؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم، نستضيف الدكتورة الباحثة التونسية، دكتورة آمنة الجبلاوي. دكتورة، أهلًا وسهلًا بكِ.

آمنة: أهلًا أستاذ.

باسم: أنت اسمكِ يسبقكِ من الأبحاث، ما شاء الله، نشيطة جدًّا، الله يرضى عليكِ. حابّ أسمع منكِ عن تجربتكِ في بحثكِ الذي قدّمتِه حول “الإسلام المبكر”. ماذا تقصدين بـ”الإسلام المبكر”؟ يعني هل هناك “إسلام مبكر” و”إسلام متأخر” مثلًا؟ أم نتحدث عن فترة زمنية محددة؟ أم عن فترة فكرية محددة؟

آمنة: المقصود من “الإسلام المبكر” هو إسلام القرن الأول، أو إسلام النشأة. وطبعًا يرتبط بالقرن الأول، أي فترة زمنية محددة، ويرتبط أيضًا بسياق فكري وثقافي، وهو سياق نشأة الإسلام. أي عندما نتحدث عن “الإسلام المبكر”، أو المصطلح الذي استعمله المستشرقون الأنجلوساكسونيون، الذين تناولتهم بالبحث في العمل “early Islam”، يعني “هذا الإسلام الأول”. أحيانًا هناك من يقول “الإسلام الأول” أو “الإسلام المبكر”، أي القرن الأول. وربما ما سبق، يعني الدعوة المحمدية، يعني أواخر القرن السادس الميلادي. قبيل الدعوة المحمدية. يعني الاشتغال على ما سُمِّي “الإسلام المبكر” هو الاشتغال على سياقات نشأة الإسلام: السياقات الدينية، الفكرية، ومساءلة هذه السياقات، وخاصة ما تناوله، مايكل كوك، وباتريسيا كرون، من خلال أعمالهم: السياق الأركيولوجي الذي يمكن أن يقدّم نظرة جديدة أو ربما طريفة، أو يعطي معلومات جديدة عن نشأة الإسلام.

باسم: يعني أنتِ أخذتِ ما قدّمه مايكل…

آمنة: كوك وباتريسيا كرون.

باسم: كمِعيار للدراسة، أم دراسة نقدية، مثلًا؟ أو دراسة تبنٍّ، مثلًا؟ أو استخدمتِ نفس الأدوات التي استخدموها، مثلًا، في قراءة المرحلة الأولى من نشوء الإسلام؟

آمنة: لا، أنا لم أُحاكِ المستشرقين. بل حاولتُ أن أقدّم أعمالهم، ثم ناقشتُها. يعني، الكتاب، كتاب “الإسلام المبكر”، يتكوّن من خمسة أبواب: ثلاثة أبواب لتقديم أعمالهم، وبابان لمناقشة الأعمال ونقدها؛ بيان بعض الأخطاء، وبعض وجوه التهافت في أعمالهم.

 

تيارات المستشرقين وعلاقتهم بالإسلام

باسم: ما هي مثلًا النتائج أو المخرجات التي خرجوا بها ووصفوا هذه المرحلة الأولى من الإسلام؟

آمنة: طبعًا، إذا أردنا أن نفهم، ربما، الاستشراق في سياقاته الأولى، معروفٌ أنّ القرن التاسع عشر أتى بمستشرقين اقترنوا بالاستعمار. وكانوا، منذ حملة نابليون على مصر، كانوا جغرافيين، علماء آثار، لغويين، جاؤوا مع الحملات المختلفة، وجاؤوا لفهم المجتمعات، وربما لمرافقة الدبلوماسيين، لكتابة مذكّرات سفر، إلى آخره. ولكن هي نصوص كانت، ربما، تُعضّد جهود المستعمِر، إلى آخره. ولكن إذا أردنا أن نُؤرّخ لمراحل الاستشراق الأنجلوساكسوني… ولكن طبعًا تحدّثتُ في عملي، في البداية، عن تقسيمات مختلفة. هناك الاستشراق الألماني، وهو استشراق عريق.

باسم: نحن ليس موضوعنا هنا تقسيم الاستشراق، موضوعنا نتائج هذه الدراسات. يعني، ما هي المخرجات؟

آمنة: حتى نصل إلى مايكل كوك، وباتريسيا كرون، وهم تلامذة برنارد لويس، وهو مَن هو. يجب أن نذكر بأنّ المستشرقين السابقين مثلًا مثل مارجليوث، الذي تحدّث عن…

باسم: ديفيد مارجليوث.

آمنة: نعم. الأدب وتاريخ الأدب. يمكن أن أتحدث عن تيار له علاقة إيجابية بالنصوص العربية، أو بالمصادر العربية، وتيار يثق بالمصادر العربية، ويتعامل معها وفق نوعٍ من الميل، وينظر إلى المصادر العربية نظرة إيجابية. ثمّ هناك مونتجمري وات، والكلّ يعرف، 1955 تقريبًا، في خمسينات القرن العشرين، مارجليوث كتب “محمد في مكة”، “محمد في المدينة”. وكانت هناك، في تلك الفترة -إن أردنا- مقاربات اقتصادية. هو تحدّث عن صعود التجارة المكيّة، وتأثيرها في صعود الدعوة المحمدية، وارتباط نشأة الإسلام بدواعٍ اقتصادية. وكانت خمسينات القرن العشرين فترةً يعتمد فيها الباحثون القراءة الاقتصادية للكتابة التاريخية. ثم في السبعينات وثمانينات القرن العشرين، ظهر تيار آخر، من رواده جون مونسبرو، وباحثون آخرون، منهم مايكل كوك وباتريسيا كرون.

هي تيارات، اختلفت علاقتها بالمصادر العربية، وأصبحت تقدّم رؤية تشكيكية، ورؤية نقدية للمصادر العربية، ووضعت المصادر العربية أمام محكّ المصداقية، على الأقل في العلاقة بتاريخ المصادر، والمعلوم.. وقد قدّموا في كتابهم “Hagarism”، وفي الكتابات الأخرى، رؤية تستند إلى أن القرن الأول للهجرة هو قرن مهم في التأريخ لنشأة الإسلام، وقرن مفصلي، ونحتاج إلى العودة إليه لفهم سياقات النشأة، لأن السياق مهم جدًا في فهم أسباب النشأة، إلى آخره.

 

تأخر التدوين عند العرب

آمنة: المعلوم أن مسألة التدوين لدى العرب هي مسألة متأخرة، على الأقل، التدوين المسترسل في شكل كتاب. كان العرب، ربما، يدوّنون على عظام الجمال، ربما يدوّنون بعض العقود التجارية على جلود الماعز، إلى آخره، أو على بعض الصخور، إلى آخره. ولكن كانت كتابات متفرقة، ونصوصًا مقتضبة. لم توجد الكتابة بالشكل المسترسل في شكل كتب أو صحف، إلا في أواخر القرن الأموي وبدايات العصر العباسي.

من هذا الإقرار بدأ الباحثان يُسائلان علاقة المصادر المتأخرة بالكتابة حول النشأة. يقولون: هذه كتابات جاءت بعد خمسة أجيال من موت الرسول. خمسة أجيال بعد موت الرسول، بدأت كتابة — مثلًا — ابن إسحاق للسيرة النبوية.

باسم: ابن إسحاق.

آمنة: ابن إسحاق، أو ابن هشام للسيرة النبوية. كتابة السيرة، مثلًا، هي كتابة جاءت بعد خمسة أجيال من موت الرسول. ثم كثير من الكتابات الأخرى، أيضًا: التفاسير الأولى، ابن مقاتل، إلى آخره، هي أيضًا نصوص وُجدت، ودُوّنت، ورُتّبت بشكل متأخر.

 السؤال هنا: إذا أردنا أن نفهم، ونُسائل النصوص المعاصرة للقرن الأول، التي كُتبت وشهدت الفتوحات الأولى، واختلطت بالعرب في سنوات الدعوة الأولى، يجب، ربما، أن نستفيد، وأن نُسائل النصوص — نصوص غير العرب — ربما، اليونانيين، الأقباط، إلى آخره، الذين كتبوا..

 

النصوص غير العربية التي وثقت الإسلام المبكر

باسم: هل هناك نصوص، غير عربية، وثّقت لتلك الفترة؟ أو لهذا القرن الأول؟

آمنة: أنا بدأت مغامرة البحث عن مسألة الإسلام المبكر من خلال كتب مايكل كوك، وباتريسيا كرون، وانتظرت أن أجد مدوّنة كبرى تُحدّثنا عن إسلام النشأة، وانتظرت أن أجد نصوصًا مهمة، ونصوصًا قد تُحدث ثورةً في معرفتنا بالإسلام الأول، ولكن لم أجد ذلك. ثلاث سنواتٍ ونيّف، وتقريبًا أربع سنوات من البحث.

باسم: لم تجدي أي نصوص، مثلًا؟

آمنة: لم أجد.

باسم: طيّب، مايكل كوك والآخرون، ما النتيجة التي خرجوا بها؟ حسنًا، ما كُتب عن الإسلام، أو بداية عصر التدوين، والعهد العباسي، يعني، في فترة متأخرة: مئة وخمسين، مئة وستين، مئة وثمانين سنة. حسنًا، ما النتيجة التي جرى الوصول إليها؟ حسنًا، استُثنيَت هذه المصادر، ما هي المصادر التي اعتمد عليها حتى يخرج بنتيجة، مثلًا، تُحاكي، أو تُخبرنا، أو تُحدّثنا كيف كان العصر الأول؟

آمنة: هناك نوعان من المحامل. النوع الأول هو نوع الكتابات. طبعًا، كانت كتابات مقتضبة، بعض الرسائل التي تصف الفتوحات، وكما قلتُ لك، لبعض الآباء الأقباط، أو المسيحيين من المسيحيين الشرقيين، أو بعض النصوص الأرمنية، أو بعض النصوص اليونانية. وأيضًا، ما اكتشفتُه، من خلال العودة إلى هذه النصوص، هو أنّ هذه النصوص أيضًا، إن أردنا البحث عن شهادات لها مصداقية، وشهادات تتحلّى بشيءٍ من الموضوعية، هي أيضًا نصوص في علاقة عداء بالفتوحات العربية. إن تحدّثنا عن…

باسم: ألا يمكن اعتبارها كمصادر موثوقة للتأريخ لتلك الفترة؟

آمنة: يمكن اعتمادها، ولكن إلى جانب اعتماد النصوص العربية المتأخرة. ومحاولة وضعها في سياقها. هي نصوص كُتبت في وضعية عداء للفتوحات العربية، وهي تكتب من وجهة نظر العرب أيضًا.

 

كيف قرأ كوك وكرون المرحلة الأولى؟

باسم: بالتأكيد، بالتأكيد. طيب، كيف قرأ مايكل كوك المرحلة الأولى، بعيدًا عن هذه.. إذا هو استثنى هذه المصادر، كيف قرأ المرحلة؟

آمنة: المسألة الطريفة، أو المهمة، هي أيضًا إلى جانب هذه النصوص التي لم تكن بالكثافة التي أُعلن عنها الباحثان في البداية، هي ما سمّياه الحقيقة الأركيولوجية، أو الواقعية الأركيولوجية. هما انطلقا من فرضية أنه طالما أن الكتابات المدونة متأخرة، هل يمكن أن نجد في اللقى الأركيولوجية، أشياء معاصرة لإسلام النشأة، للإسلام المبكر، قد تُخبرنا بشكل أكثر وضوحًا؟

باسم: يعني، ما كتبه الآخرون عن..؟

آمنة: لا، اللقى الأركيولوجية قد تكون نقودًا. مثلًا، قطعة نقدية، وجدوا، كُتب عليها “محمد رسول الله”، تعود إلى تسعين تقريبًا للهجرة. تحدّثوا عن هذه اللقى النقدية، تحدّثوا عن بعض اللقى من جلود حيوانات، من جلود جمال، عظام جمال، كانت تُكتب عليها بعض النصوص. تحدّثوا عن النقوش الصخرية، إلى آخره، وطبعًا ما يُسمّى بالحفريات الأثرية حول تلك الفترة. أعتقد هي مسألة ما زالت مفتوحة، ونحن نحتاج إلى اليوم إلى، ربما، مزيد من البحث.

 

ما النتيجة المرجوّة من دراسة العصر الأول في الإسلام؟

باسم: طالما لا توجد أدوات بحث، أو عناصر البحث غير مكتملة، لماذا أُجريت دراسة؟ يعني، ماذا كان يريد؟ ما هي النتيجة المرجوّة من دراسة العصر الأول في الإسلام طالما أنك استثنيت كل مصادر البحث؟

آمنة: لا، هناك علاقة بالجهود البحثية. طبعًا، هناك أخطاء وقعوا فيها وناقشناها. من بين هذه الأخطاء أنهم أحيانًا قاموا ببعض الخلط التاريخي، قاموا باعتماد نصوص أو رسائل اعتبروها رسائل تعود إلى القرن الأول، بينما هي نصوص متأخرة تعود إلى القرن الرابع. مثلًا تحدّثوا عن رسائل بين ليون الثالث وعمر بن عبد العزيز، واعتبروا أنها رسائل تعود إلى القرن الأول، واعتمدوها في الحديث عن أدوار الحجّاج في القراءات القرآنية، إلى آخره. وكما قلت، اعتبروا أن هذه المراسلات يمكن أن تُخبرنا عن بعض المعطيات التي حدثت في القرن الأول. ولكن، هذه الرسائل اشتغل عليها المستشرق الفرنسي جودول، ويتضح من خلال ما استنتجه أنها متأخرة، وأنها رسائل منحولة، لأنها تتحدث عن…

باسم: يعني، تبيّن أن دراستهم كانت، دراسة — بمعنى — دراسة كذابة في النهاية؟

آمنة: هذه رسائل تتحدث عن الجاحظية؛ يعني، من غير الممكن أن تكون الجاحظية وُجدت في القرن الأول، ولأن الرسائل تحدّثت عن التيار المعتزلي، وتحدّثت عن الجاحظية، بينًا أن هذه الرسائل متأخرة، وأن ما اعتمده الباحثان، باعتبار أن بحث الرسائل…

باسم: كان خاطئًا؟

آمنة: كان خاطئًا.

باسم: يعني، هو كباحث، حين يُقدِم على بحث مرحلة زمنية، وغنية طبعًا بالحراك، وليس لديه أدوات البحث، لماذا يُقدم على بحث مثل هذا؟

آمنة: يعني، الباحثان ينتميان إلى جامعة عريقة، إلى برينستون، ويشتغلان في قسم دراسات الشرق الأدنى، الذي كان يترأّسه برنارد لويس.

باسم: يعني، دراسة موجهة؟

آمنة: يعني، الكل يعرف أن برنارد لويس لديه، ربما، مواقف غير لطيفة، أو ليس صديقًا…

 

الرد على أخطاء الدراسة

باسم: بالتأكيد. يعني، أنتِ قدّمتِ كتابًا في تاريخ المرحلة الأولى للإسلام. ما كان ردّك عليهم؟

آمنة: طبعًا، بيّنتُ أوجه؛ نقاط، ربما النقاط التي يمكن أن نستفيد منها، لأنهم أفادونا ببعض الأشياء حول النقود، حول أيضًا ضرورة اعتبار أن المصادر المتأخرة هي مهمة، ولكن ربما فهم السياقات التي كُتبت فيها هذه النصوص. مثلًا، التفاسير الأولى، كُتب السيرة، كُتب التاريخ، كُتب المغازي، إلى آخره، هي نصوص ومصادر مهمة. وبيّنت أنّ لها موثوقية، ولها جدية، ولكن…

باسم: لكن هذه النصوص ومصادر…

آمنة: بعدية.

باسم: زمنيًّا، كما ذكرتِ، أنتِ، في مرحلة متأخرة.

آمنة: متأخرة، ولكنها مهمة، لأنّ العرب…

باسم: تحتفظ بالأخبار.

آمنة: العرب كانوا يعتمدون ثقافة شفوية، ولكن كانت لهم ذاكرة، وكان هناك نوع من الاحترام لسلاسل نقل الأخبار، إلى آخره. وجزء من هذه الأخبار تبقى أخبارًا مهمة. طبعًا، يجب أن نعتبر أن هذه المصادر لها موثوقية، موثوقية من حيث إنها تنقل شفاهةً، الأخبار، ولكنها متأخرة، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذه النصوص أحيانًا تحتوي على أيضًا معطيات تُخبرنا عن الصراعات بين الأمويين والعباسيين، وتُخبرنا عندما كُتب عن التنافس بين، بني أميّة في دمشق، وبني العبّاس في بغداد آنذاك.

 هناك جوانب تاريخية مفيدة، ولكن هناك أيضًا السياق الذي وُضعت فيه هذه المصادر، التي جاءت بعد قرن ونصف من نشأة الإسلام.

باسم: طيب، دراستهم كانت تهدف إلى إثبات وجود المرحلة الأولى، أم إلى نفيها مثلًا؟

آمنة: وجود ماذا؟

باسم: مرحلة الإسلام المبكر. هل كانوا يقصدون نفي وجود نبي، مثلًا، أو أنه كان هناك مرحلة أولى للإسلام، أم كان الهدف ليس الإثبات؟ يعني، أقصد، هم أجروا الدراسة، هل كانت بهدف الإثبات أم بهدف النفي؟

آمنة: لا، النفي ليس سهلًا، لأنّ الإسلام متأخر. يعني، هو ليس مثل…

باسم: هذا موقفكِ، أنا أقصد بالنسبة لوجهة نظرهم هم.

آمنة: من وجهة نظرهم، هم حاولوا أولًا التشكيك في جدية المصادر العربية، وموثوقية المصادر العربية. وفي هذا الصدد، بيّنا من خلال بحثنا أنّ هذه المصادر متأخرة، ولكن…

باسم: ذات قيمة.

آمنة: مهمة، ذات قيمة. كان هناك نوع من التعديل. كان عندهم غلوّ في تناول المصادر العربية، ونوع من الاحتقار، إلى آخره. وبيّنا في كتابنا أن هذه المصادر مهمة. ثم كانوا يعتمدون ما يُسمى بالواقعية التاريخية، الواقعية الأركيولوجية، أنّ كل ما يجب اعتماده قبل المكتوب هو…

باسم: الأركيولوجيا.

آمنة: الأركيولوجيا.

وطبعًا، لهذا المنهج أهميته، ولكنها أهمية محدودة، ومربوطة باللقى. هل هناك لُقى أم لا؟ هل هناك حفريات؟

باسم: صحيح، يعني، يمكن أن تكون لُقى غير مكتشفة.

آمنة: نعم. الحفريات التي اعتمدوها أيضًا هي غير كافية.

يعني، بعض من النقود، بعض الكتابات على الصخور، هي غير كافية لإعادة بناء، ربما، تصوّر جديد عن القرن الأول.

 هما انطلقا في بداية البحث من فرضية أنهما سيُحدثان ثورة في تصوّرنا للإسلام الأول، وأنهما سيُغيّران ما جاءت به المصادر تمامًا، وأنهما سيُقدّمان الجديد. ولكن كانت فرضية انطلاق. طبعًا، نحن نعرف أن مغامرة البحث تكون فيها فرضية انطلاق، ومسار أو سيرورة بحث، رحلة الباحث، والنتيجة. إذا ما رأينا ما وعدا به في بداية البحث أنّه إحداث ثورة في علاقتنا بالتأريخ للإسلام الأول، إلى آخره، وما وصلا إليه في نهاية البحث، نجد أن النتيجة ضعيفة بالمقارنة…

باسم: مع الفرضية.

آمنة: نعم.

باسم: الهدف منها نفي وجود هذه المرحلة؟ أو التشكيك في وجودها؟

آمنة: ربما محاولة التشكيك، ربما باعتبار أنّ النصوص التي وُضعت، وضعها بنو أميّة في أواخر العهد الأموي، وبنو العبّاس في بدايته.

باسم: أنها نصوص مختلقة؟

آمنة: ربما نصوص تؤسّس لمشروعية الدولة الأموية والعباسية أساسًا. وربما أيضًا محاولة قلب التصورات التي فرضتها النصوص الأموية والعباسية.

باسم: أنتِ في كتابكِ، رددتِ عليهم بإثبات أن المصادر العربية ذات صلة في الموضوع؟

آمنة: هم حاولوا التشكيك في جدية المصادر، وحاولوا التشكيك في موثوقيتها، وحاولوا أيضًا جعلها فقط، مصادر تُحدّثنا عن ما أراده بنو أميّة أو بنو العبّاس من التأسيس للتاريخ الأول. ولكن بيّنا أن هذه المصادر تُخبرنا عن أشياء مهمة. مثلًا، كتاب “المغازي” للواقدي يُخبرنا عن وقائع وغزوات بطريقة مهمة. وأنّ هذه المصادر لا غِنى لنا عنها. ربما يمكن أن نُثري معرفتنا بالقرن الأول بمساءلة اللقى الأثرية، ربما بمتابعة البحوث الأثرية في المناطق المختلفة. ونحن نعلم أنه اليوم، أعتقد، في “مدين” هناك تجارب في البحث الأثري، إلى آخره، التي يمكن أن تُخبرنا عن…

 

التشكيك في أهمية التجارة المكية

باسم: يعني، هم كانوا مفترضين أنّ هذه المرحلة غير موجودة في النهاية، وأنّ العباسيين والأمويين اختلقوا مادة لتثبت وجودها؟ يعني، هو كان افتراضه أنّ هذه المرحلة لم تكن موجودة، لا يوجد إسلام أول، بمعنى، وأنّ هذا تم اختلاقه في العهد العباسي والعهد الأموي.. هذه فرضية بحثهم…

آمنة: هناك فرضية فرضها بعض المستشرقين، ليس بطريقة مباشرة، ولكن، مثلًا، في كتابها “Meccan trade”، باتريسيا كرون تريد أن تُشكك في أهمية التجارة المكية. ونحن نعرف أنّ التجارة المكية كانت تجارة تقع في الفصلين: الشتاء والصيف، وهي تجارة هامة، وتجارة لها أبعاد، بين…

باسم: يعني، حتى لو حدث تشكيك في التجارة، هل نزول الرسالة كان مرتبطًا بانتعاش التجارة في مكة، مثلًا؟ دعينا نفكّر بهذه الإجابة. يعني، هل السماء ربطت حركة تواصلها مع الأرض؟

آمنة: من الأخطاء التي وقعت فيها في كتاب التجارة المكية أنها عادت إلى كتاب لمستشرق اسمه موسيل، كتاب يصف التجارة المكية في القرن التاسع عشر. يعني، لا يمكن أن تعود إلى خبر لمؤرخ أو رحالة يصف الحركة التجارية في الجزيرة العربية آنذاك، في القرن التاسع عشر..

باسم: وتعكسه على القرن السابع.

آمنة: وتُسقطه بطريقة، بنوع من التهافت، على القرن السابع. غير ممكن هذا. ناقشتها في ذلك. هي تقول إنّ التجارة في الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر كانت تجارة محلية، وتجارة توزيعية، وليست تجارة بين الدول، ولها بُعد هام.

باسم: طيب، يعني، الباحث لماذا افترض أن وجود حركة تجارية يستدعي وجود دين، مثلًا، أو تديّن، أو رسالة، أو نبي؟ يعني، أين الرابط؟

آمنة: هي فرضية مونتجمري وات، أنّ العرب، بعد مراكمة الأموال، بالأموال التي كانت تأتيهم عن طريق التجارة، وبعد تركيز نفوذهم على حدود الدولة الساسانية من جهة الشرق، وعلى حدود الدولة البيزنطية من جهة الغرب، العرب احتاجوا إلى نوع من المروية، أو السردية، التي تُضيف إلى جاه المال وجاه التجارة جاهًا رمزيًّا، ربما. هذه نظرية اعتمدها بعض المستشرقين.

باسم: لا، بالعكس، حتى اعتمدها بعض الباحثين العرب، أنه لإنشاء مجتمع ما مع دولة، نحتاج إلى سردية دينية تكون حاضرة فيها. أنا أعرف باحثين عرب، حتى أنثروبولوجيين عرب استخدموا هذه النظرية.

 

المادية التاريخية والرد عليها

لكن، السؤال كالتالي: هل، مثلًا، كان التواصل بين نزول الرسالة يشترط وجود، مثلًا، رُقي اقتصادي أو تطوّر اقتصادي؟ يعني، الآن، أوروبا فيها تطوّر، أو الصين، الآن، أصبح عندها تطوّر اقتصادي، فهل نتوقّع نزول رسالة، مثلًا، دينية في الصين؟ هذا دليل تهافت هذه الفكرة.

آمنة: كما قلت لك، نوع من الواقعية أو المادية التاريخية. هي مدرسة تعتمد المادية التاريخية، وتعتمد نظرة لا تنظر إلى المسألة الروحية، أو لا تنظر إلى المسألة الفلسفية، تريد أن تُبرّر الظواهر الفكرية والروحية والدينية تبريرًا اقتصاديًّا. هو تيار، تيار في نهاية الأمر. وأنا ناقشتهم في ذلك.

وطبعًا، التمرين الذي قمتُ به هو تمرين فيه نوع من محاولة خدمة القارئ العربي، لأنّ كتاباتهم كانت كتابات لها وزن في العالم الأنجلو-ساكسوني، وكان لها تأثير. وطبعًا، فيها نقاط ضعف. فأنا قمت بعمل، من جهة، تقديم أعمالهم للقارئ العربي، لأنه من الضروري أن نناقشهم. فقدّمتُ في الأبواب الثلاثة الأولى: كتاب التجارة المكية، كتاب [مصطلح إنجليزي] لباتريسيا كرون ومارتينيز هينز، وكتاب “Hagarism”، الذي أحدث ضجة آنذاك، في عام77 أعتقد، في جامعة برينستون، وأثّر، وهو إلى اليوم يُؤثّر في مختلف أقسام الدراسات الشرقية في العالم الغربي.

 

مراجعة فرضيات الاستشراق واستبعاد القرآن من البحث

باسم: يعني، أنتِ، كتابكِ كان ردًّا على فكرة… هذه هي، أصبحت فكرة متهافتة..

آمنة: طبعًا. هم تراجعوا عن فرضيتهم في “Hagarism”، وفي الكتب التي نُشرت في الثمانينات، وأوائل التسعينات، وبسنوات الألفين. الكتابات المتأخرة لباتريسيا كرون، هناك نوع من التراجع عن التشكيك المفرط في المصادر العربية الإسلامية، ومراجعة لأعمالهم، وقالوا إنها أعمال شباب، فيها نوع من الحماسة، إلى آخره.

باسم: عند ذِكر المصادر العربية، يعني، هم، مثلًا، اتّخذوا المصادر، هل كان النصّ القرآني جزءًا من هذه المصادر؟ رغم أنّ النصّ القرآني موجود. يعني، هل اعتُبر النصّ مصدرًا من هذه المصادر أم استُثني أيضًا من فرضية أن يكون مصدرًا؟

آمنة: لم يتم التطرّق إلى النصّ القرآني، بالمرة طبعًا. وربما كما قلتُ، بعض الملاحظات. الحديث كان أساسًا عن الفتوحات، الجانب العسكري، عن الجانب الاقتصادي من خلال التجارة. وبالنسبة لـ الهاجرية، عن السياقات الثقافية والدينية، والفِرق الدينية المختلفة، التي كانت موجودة بالجزيرة العربية إبان نشأة الإسلام، وفهم السياق الديني، إلى آخره. واعتبروا أن بعض النصوص غير العربية الخارجية — هم تحدثوا عن المصادر الخارجية والمصادر الداخلية — [Internal sources] المصادر الداخلية: من داخل المنظومة العربية الإسلامية، [External sources] المصادر الخارجية: من خارج المنظومة، التي تتحدث عن…

باسم: هل كان هناك، مثلًا، نسبة للمصادر الخارجية مثلًا، سواء بيزنطة، أو روما، أو حتى فارس.. يعني، نسبتها، هل كانت موجودة بوفرة في هذه المصادر؟

آمنة: لا، لا، ليست كثيرة، ولكن بعضها تحدّث عن الهاجريين. وصفوا العرب، أو جزءًا من العرب، أو مجموعة بـ “Hagarenes”. ووجدوا في بعض النصوص: “Hagarenes” ، لذلك كان عنوان كتابهم “Hagarism”.

باسم: طيب، ما المقصود بـ “الهاجريين”؟ “مهاجرين” يعني؟

آمنة: هناك التعريف الذي اعتمده الباحثون..

باسم: أنا أول مرة أسمع هذا التعبير.

آمنة: “Hagarenes” موجود في بعض المصادر الخارجية، بين قوسين: “Hagarenes”. طبعًا، حسب تأويل مايكل كوك وباتريسيا كرون، “الهاجريون” قد تكون نسبة إلى هاجر، زوجة النبي إبراهيم.

باسم: إي، نسبة للعرب؟ ممكن، نعم، ممكن.

آمنة: أبناء هاجر، نسبة إلى أم إسماعيل، أمّ سيدنا إسماعيل. وإذًا: “Hagarenes”.

باسم: معقول هذا… معقول. كلامك سليم.

آمنة: وهناك أيضًا حديث عن “الإسماعيليين” أو “أبناء إسماعيل”، هناك بعض الإشارات إلى هذه الأشياء. طبعًا، قد يكون اللفظ يحمل أوجه تأويل أخرى، “المهاجريين” أو… ولكن أساسًا كانت الفكرة: أبناء هاجر.

باسم: لا، هو مقبول، نعم، هذا استنباط مقبول، لأنه فعلًا يتوافق مع لفظ “الهاجريين”، لأنها هذه هي التقسيمة الموجودة في الأسفار اليهودية: أبناء هاجر أو أبناء إسماعيل، العرب واليهود، هذا التقسيم العِرقي الموجود وفقًا للنص…

آمنة: أبناء سارة وأبناء هاجر.

باسم: أبناء سارة، نعم. وبالنسبة للأسفار اليهودية، هذا التقسيم موجود عندهم، وهو مُتبنّى ضمن الرؤية التي قَبِلَت أن يتم بناء “New Testament” على ” the Old Testament”، دمج الكتاب المقدس الجديد والكتاب المقدس القديم، الإنجيل والتوراة، هذه النظرة الموجودة عندهم. لكن طالما أن هذه المصادر كانت قليلة نسبة إلى المصادر العربية، على أي أساس استثنوا هذه المصادر العربية أو اعتبروها غير ذات صلة؟

آمنة: الاستثناء لم يتم على أساس أنّ هذه المصادر غير ذات صلة، بل تم على أساس أنّ المصادر زمنيًّا متأخرة. أنّ هناك نوعًا من التأخّر الزمني، وطبعًا، هذا المعطى هو معطى هام بالنسبة للباحث العربي الذي يريد مساءلة نشأة الإسلام.

 

لماذا لم يتخذ القرآن كمصدر؟

باسم: صحيح، كلامك صحيح. لا، هنا أعود إلى سؤالي: إذا اعتُبرت المصادر متأخرة، وفعلاً كانت متأخرة، لماذا لم يُتخذ من القرآن مصدرًا؟ وهو نصّ، بغضّ النظر عن كونه كتابًا مقدّسًا أو غير مقدّس، هو نصّ موجود، ويتحدّث عن المرحلة التي يبحث عنها. يعني، فيه دلائل كثيرة، إخبارية، تُنبئ عن المرحلة التي يُبحث فيها. لماذا لم يُتخذ كمصدر من المصادر؟

آمنة: طبعًا، لكل عمل بحثي أو عمل أكاديمي منهج يختاره للبحث، والأعمال البحثية تنطلق من إشكالية، من مصادر معتمدة، ومنهج معتمد في البحث. هم اعتمدوا المصادر التي أسموها “خارجية”، من خارج المنظومة العربية الإسلامية، وتُلقي الضوء على نشأة الإسلام، واعتمدوا اللقى الأثرية. وطبعًا، من الطبيعي ألّا يعودوا إلى النصوص.

باسم: بالتأكيد. لكن أنتِ وصفتِ أنهم تراجعوا، هذه الجماعات.

آمنة: طبعًا، تراجعوا.

باسم: وضعوا عملهم في سلّة المهملات، يعني، أتعبوا أنفسهم على شيء غير موجود. لكن أنتِ رددتِ عليهم بكتابك الإسلام المبكر.

 

الإسلام المبكر والبحث عن العصر الذهبي

باسم: أنا كقارئ، يُواجهني هذا العنوان: الإسلام المبكر، سيوحي إليّ وكأنه هناك شيء اسمه “إسلام غير مبكر”، أو “إسلام بعد المبكر”، وكأنه هناك خصوصية في هذه المرحلة.

آمنة: أنا في مقدّمة البحث تحدّثتُ عن سقوط الباحثين في أعمالهم فيما يُسمّى “الماهوية” ]مصطلح فرنسي[ البحث عن…

باسم: ماهيّة الإسلام.

آمنة: ماهيّة الإسلام، وسقوطهم في نوع من الغلو، مثل غلوّ المتطرّفين من جهة الثقافة الإسلامية. هناك تطرف وغلوّ في نظرتهم، وأنهم، مثل أتباع الأطروحات المتطرّفة، يبحثون عن عصر ذهبي، ويبحثون عن قرن ذهبي للإسلام. وهذا القرن الذهبي، أي القرن الأول، والعصر الذهبي، فيه كل أسرار التاريخ الإسلامي. هو نفس التمشّي الذي يعتمده بعض الأصوليين، الذين يعتبرون أنّنا في حاجة إلى…

باسم: العودة إلى العصر…

آمنة: استحداث واستجلاب واستقدام هذا “الإسلام الأول”، كي نسير على نهج السلف الصالح، إلى آخره، يجب أن…

باسم: نعود إليه.

آمنة: نعود إليه، أو نتشبّه بما كان يعيشه المسلمون في القرن الأول.

 

الإسلام المبكر أم الإكمال؟

باسم: أنتِ أثرتِ تساؤلين، يعني، متضادين، بهذا العنوان: “الإسلام المبكر”. أي قارئ للنصّ القرآني سيردّ عليكِ بكلمة واحدة، أنّ الإسلام الذي تُسمّينه “مبكر” هو آخر مرحلة في الرسالة، هو قال “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ”. مرحلة الإكمال والإتمام. والمرحلة الأولى سابقة. بينما، بالنسبة لما يُسمّيه — بين قوسين — “الأصوليون الإسلاميون”، أو العرب نُسميهم، اعتبروا أنّ هذا هو الإسلام المبكر، وطالبوا الناس بالعودة إليه، واعتبروا ما قبله جاهلية.

آمنة: اعتبروا ما قبله جهلًا، وربما…

باسم: هناك إشكالية، مثلًا، في استخدام حتى اللفظ: “الإسلام المبكر”. أنا أقول إنّ هذا خطأ، لأنّ الإسلام، هذه المرحلة الأخيرة من الإسلام، آخر مرحلة، المرحلة التي أَكملت النصّ أو الرسالة. بينما المسلمون أنفسهم الذين تلقّوا الرسالة، اعتبروا أنّ هذه هي البداية، وما قبلها كان جاهلية.

آمنة: لذلك قلتُ في المقدّمة إنّ سقوط المستشرقين في نوع من الماهوية يشبه..

باسم: سقوط الأصوليين.

آمنة: بعض الأصوليين، لأنّهم يبحثون…

باسم: أو ليس الأصوليين فقط، العرب، المؤرّخون العرب كلّهم.

آمنة: لا أضع الكلّ في نفس السياق.

باسم: لكن كلّ المؤرّخين اعتبروا مرحلة إتمام النصّ أو اكتمال الرسالة، أنّها هذه المرحلة الأولى. بدأوا يُؤرّخون.. لدرجة، العرب أنشؤوا التاريخ الهجري كبداية لهجرة النبي، وهي لم تكن هجرة، هي كانت إخراجًا؛ النبي أُجبِر على الخروج من مكة، ولم يُهاجر من تلقاء ذاته. واعتبرنا ما قبل هذه المرحلة هي مرحلة الجاهلية، يعني شطبنا كلّ التاريخ العربي والثقافة العربية، حتى شطبنا الإسلام الأول.

آمنة: هو، مرحلة البحث فيما يُسمّى “الإسلام المبكر” أو “الإسلام الأول”، هو من جهة، يعني، مساءلة الكتب التاريخية لفهم ما حدث زمن الدعوة، زمن الهجرة، في الغزوات الأولى، لأنّنا لا نُمسك نصوصًا معاصرة لتلك الفترة.

باسم: لكن القرآن نصٌّ معاصر.

آمنة: هو، نوعًا ما، نعم.

باسم: لكن القرآن يتحدّث عن ما يمكن تسميته بالغزوات، أو الحروب، يتحدّث عن كلّ شيء، حتى عن الحركات الدبلوماسية التي كانت تتمّ. يعني القرآن مليء بالأخبار التي تُخبر عن هذه المرحلة.

آمنة: النصّ القرآني…

باسم: يعني، يحكي عن غزوة حُنين، يحكي عن أحد، يعني، فيه أخبار.

آمنة: النصّ القرآني، أعتقد، لم يكن من ضمن المصادر التي اعتمدها الباحثون. طبعًا، البعض في تلك الفترة اتّهم كرون بأنّها لا تُجيد العربية، وأنّها كانت تقرأ ترجمات، وطبعًا، هذا لا أدري إن كان صحيحًا أم لا، ولكن دراسة النصّ القرآني تقتضي معرفةً باللغة العربية، وتقتضي جهدًا في التأويل. وطبعًا، بالنسبة إلى النصّ القرآني، أيضًا هناك مسألة التفاسير، وأغلبها أيضًا بعديًا. هناك تفاسير مبكرة إن أردنا: تفسير مجاهد مقاتل، إلى آخره، ولكن أيضًا، مثلًا، التفسير الأكثر رواجًا واعتمادًا: تفسير الطبري، متأخّر. وإن كان الطبري يضع كلّ الروايات، ويضع روايات أحيانًا تتضارب.

باسم: هو الطبري ناقل.

آمنة: ناقل، هو يجمع، جمع..

باسم: هو يجمع كلّ شيء، ويضعه ضمن ما يقع.

آمنة: وكان في ذلك نزيهًا.

باسم: بارك الله فيه، ناقل نزيه لا شك.

كان نزيهًا، لأنّه ذكر كلّ ما رُوي، دون أن يتدخّل.

باسم: ليس مطلوبًا أن يتدخّل.

 

آمنة: هو يقدّم مادّة مهمّة. ربّما إعادة مساءلة النصّ القرآني، إعادة اكتشافه، قراءته. ربّما إعادة التدرّب على النظر من جديد للنصّ القرآني، أمرٌ لم نقم به بالشكل الكافي، ومن الجيّد أن نطرح على أنفسنا مشاريع جديدة بحثيّة.

 

نقد الأكاديميين العرب

باسم: هل يمكن اعتبار هذا نقدًا للأكاديميين العرب الذين يتصدّون للتأريخ لهذه المرحلة، مثلًا أنّه استُثني النص؟

آمنة: لا، لا. الباحث الأكاديمي يقوم أحيانًا بجهود، أحيانًا يُصيب، وأحيانًا ربما لا يُصيب. ولكن أعتقد أنّ الاشتغال على التراث، والاشتغال على التاريخ والحضارة العربية الإسلامية هو مشروع في بدايته. وأنّنا ربما وضعنا بعض اللَّبِنات الأولى، ويجب أن ننظر إلى المستقبل بنظرة إبداعية. وربما مع وضع رؤية تضع أولويات جديدة. أنا أميل إلى ألّا أَنْقُد جهود الأكاديميين، أنا أكاديمية أوّلًا وأخيرًا، وأن ننظر إلى ما تطرحه، ربما، هذه المرحلة من رهانات، يمكن أن نضع معها مشاريع جديدة وأولويات جديدة.

باسم: أنا أتفق معكِ، وأنا سعيد جدًّا أنّي أسمع أكاديميًّا يكون منفتحًا على التجديد بهذا الشكل. لأنّ السؤال المطروح، ودائمًا هو مُحرج، حتى الإجابة عليه، أنّه: كيف استُثني النصّ القرآني من الأكاديميين العرب، وحتى من السلفيين الدينيين، من البحث؟ حتى السلفي، كلّ التيارات السلفية كلّها، عندما تبحث في القرآن تدرسه من الخارج: قالَ ماذا فلان، وقال فلان. يعني، يأتي بالآية، ويقول: قال ابن عباس كذا كذا كذا. أيضًا الأكاديمي يقول: قال الفارابي، قال ابن رشد، قال فلان، قال فلان، دون الالتفات إلى ما يقوله النصّ، ويستنطقه بذاته. يعني، الأكاديميون العرب، والسلفيون العرب، أيضًا ساروا على نفس النهج الذي سار عليه الاستشراق الأوروبي، أو العرب، أو الأوروبيون الباحثون الذين أرادوا أن يهتموا بقراءة الإسلام، وبالتعرّف على الإسلام، دون المرور بالنصّ نفسه.

آمنة: يعني، في نهاية الأمر، العمل الأكاديمي يجب دائمًا أن يتقيّد بمصادر، بمناهج، إلى آخره. هناك المدرسة، إن أردنا، التقليدية، التي تعود إلى، مثلًا، تدريس النصّ القرآني من خلال “العلوم الوسائل” أو “العلوم المقاصد”. المدارس التقليدية تعتمد التفاسير، مثلًا، تعتمد بعض التفاسير التقليدية المهمّة. ومنذ إحداث المدارس الدينية، بقي النهج، نهج التدريس الديني، نهجًا تقليديًّا. ندرس الحديث، ندرس التفسير، تقريبًا بنفس الطريقة: أسباب النزول، الناسخ والمنسوخ… هذه أساليب التدريس التقليدية.

بعض الجامعات الحديثة، منها طبعًا الجامعة التونسية، حاولت، في قسم العربية، في اختصاص الحضارة العربية الإسلامية، أن تستعمل وسائل التحليل الحديثة، والمناهج الحديثة، في دراسة الحضارة العربية بشكل عام، وهو مشروع كبير وطموح.

 

ضرورة إعادة دراسة القرآن

باسم: دعينا نُميّز ما بين دراستنا للنصّ كنصّ، لأنّ لدينا منظومة فقهية كاملة مبنيّة على هذا النص، لكن هذه المنظومة الفقهية، 70% من تَشكّلها، تَشكّل من خارج النص، وليس من داخل النص. ونحن نعيشه في حياتنا اليومية؛ حتّى الكثير من الأحوال الشخصية لا علاقة له بالنص، وإن يُنسب إليه، لكن لا علاقة له بالنص. يعني، هناك قطيعة ما بين الفقه، بشكل أو بآخر، وما بين النصّ كنصّ مباشر. والأكاديمية أيضًا، كذلك، هناك قطيعة بينها وبين قراءة النصّ، أو حتى استنطاق النصّ لإثبات مقولاتها. فتوجد مشكلة. أمّا عن الحضارة، فنختلف. يعني، قراءة التراث العربي بشكل عام، التراث العربي جميل، لكن فيما يتعلق بقراءة النص: كيف أجاز الأكاديميون العرب وكيف أجاز أهل الدين والمدارس الإسلامية الفقهية كلّها، أن تُقدّم دراساتها عن الإسلام دون المرور بالنصّ؟

آمنة: أعتقد، الجامعات العربية بشكل عام، إذا اعتبرنا أنّ الدول العربية جزء كبير منها أخذ الاستقلال في أواخر الخمسينيّات والستينيّات، يعني، تُعتبر جامعات حديثة.

باسم: أنا لا أتحدث…

آمنة: التجربة لم تكن هناك، أو لم تحظَ بالمسافة التاريخية الكافية لتقييم، ربما، ما حدث. ولكن، ما يمكن أن نقوله، هو أنّ النصّ القرآني يحتاج إلى البحث فيه، ويحتاج، ربما، اليوم إلى مراكز بحث.

باسم: آلية جديدة.

آمنة: وآليات جديدة لمساءلته، باستعمال اللغة، باستخدام…

باسم: اللسان.

آمنة: اللسان، إلى آخره. وربما نحن نحتاج إلى مراكز بحثية، وربما كراسي في الجامعات تهتم بهذه المسألة وتوليها حقها، وقد يكون قد آن الوقت للقيام بذلك.

باسم: أنا أتفق معكِ، الوقت أصبح ضرورة؛ لماذا يُستثنى هذا النصّ، بينما كلّ الحركة حوله؟ يعني، كلّ النشاط الفقهي الدراسي…

آمنة: نحن نحتاج إلى موسوعات، ربما، تتناول النصّ القرآني، موسوعات حضارية. نحتاج إلى، كما قلت لك، ربما معجم يتناول اللغة القرآنية، ويحاول أن يشرح بعض الألفاظ القرآنية بطريقة طريفة ومُستحدَثة. ويكون البحث قائمًا على مجموعات بحثية جدّية، تتناول، إن أردنا، الألفاظ القرآنية. ربما، بطريقة طريفة ومجدَّدة، دون العودة إلى، ربما، بعض المعاجم التي وُضعت بشكل متأخِّر. كما قلت لك، هناك معاجم وُضعت بعديًا. من الضروري أن نُسائل بعض العبارات القرآنية، خاصة الألفاظ المتشابهة، إلى آخره، بطريقة مُجدَّدة وطريفة. وهذا، ربما، يقتضي أن يجلس الباحثون اليوم بطريقة طريفة، ويجلسون اليوم، ويحاولون إعادة زيارة النصّ واستكشافه، دون تأثير المعاجم المتأخرة، ودون تأثير التفاسير، ربما، الاحتكاك بالنصّ ومساءلته مباشرة، دون أن يؤثِّر في الباحث، ربما، تفسير متأخِّر أو معجم متأخِّر، يكون وضع الشرح للفظ، ولكن في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر، بينما النصّ يعود إلى القرن السابع. لا يمكن أن نشرح لفظًا قرآنيًا بمعجم وُضع في القرن الثالث عشر، يعني هناك أشياء، ربما، اليوم، بعد النضج الذي وصل إليه البحث في بعض الجامعات العربية، يمكن أن نتحدّث عن ضرورة إحداث نواة بحثية في هذه المسائل.

أيضًا أعتقد من الضروري الاشتغال على أكثر من معجم تاريخي، لأننا نعرف أن الألفاظ تُسافر في الزمن. كما قلت لك، مثلًا، كلمة “لا أدري” أن كلمة “رسالة”، قد يكون لها معنى في القرن السابع، ومعنى مختلف في الزمن العباسي.

باسم: بالنص، حتى في النصّ ذاته، لما تقول الآية: “أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ”، “أطيعوا الله” مفهوم، و”أطيعوا الرسول” والرسول لم يعد بيننا، فالمقصود هنا الرسالة، الرسول هنا الرسالة.

آمنة: مثلًا، لفظة “مؤمنون”…

باسم: حتى لما نُرسل رسالة، “إن جاءكم رسولي هذا”، هذا معناها، المقصود هنا أن الرسالة، أيضًا، هنا الرسالة، التي بين أيدينا التي هي النصّ.

آمنة: مثلًا، لفظة “مؤمنون”، “مؤمنون” نجد لها، مثلًا، صدى في صحيفة المدينة. نصّ صحيفة المدينة يتحدّث عن علاقة تعاقدية بين المسلمين وغير المسلمين في المدينة.

باسم: علاقة إعطاء الأمان.

آمنة: نعم، وهناك وصف لكيف يُعاقَب السارق، وكيف يُعاقَب القاتل، إلى آخره، ووصف دقيق، لـآلية ترتيب العقاب بين، المِلل.

باسم: سؤالي: هل الأكاديميون العرب، والمؤسسات الدينية بشكل عام، المؤسسات الدينية، هل هم افتقروا، مثلًا، لآلية قراءة النص، ولهذا استُثني القرآن، أو النصّ القرآني، من أن يكون جزءًا أساسًا من قراءة، من تقديم صورة للإسلام، مثلًا؟

آمنة: يعني، البحوث التي أعرفها لا تشتغل، ربما، مباشرة على النصّ القرآني، بل تعود إلى التفاسير. مثلًا، عندما نعود…

باسم: متفقان على أنّ هناك سلفية طاغية على البحث الأكاديمي، والبحث الديني، يعني…

آمنة: أنا لا يمكن أن… أنا أتضامن مع الأكاديميين، لا يمكن أن أتخلى عن جلدتي وأبناء جلدتي.

باسم: وأنا متضامن معكم، لكن مشكلتي أنّني دائمًا أسأل أكاديميًا، هذه خلّة في البحث الأكاديمي؛ أن تبحث في شيء دون أن تستنطقه ذاته.

آمنة: ربما، هناك، أيضًا، نوع من التفكيك في الاختصاصات. اللغويّون لهم مدار بحثهم، ولا يتواصلون كثيرًا مع علماء أنثروبولوجيا الدين، أو علماء الحضارة. ومن الضروري…

باسم: صحيح، هناك تجزئة.

آمنة: نعم، هناك تجزئة، وهذه التجزئة، ربما، لا تخدم البحث. وضرورة، ربما، جمع النظريات. وجمع للنتائج، وربما الوصل والتحليل الجيّد.

 

آلية موحَّدة لقراءة النصّ القرآني

باسم: دعينا نتّفق أنه قد حان الوقت لأن يكون لدى العرب المسلمين آلية موحَّدة لقراءة النصّ القرآني، بعيدًا عن تأثيرات الفقه. ليس ضدّ الفقه، إنّما أصبح قديمًا، أصبح غير ملائمٍ لحياة الناس، والنصّ بين أيديهم.

آمنة: مع وجود اليوم آليات التواصل عبر العالم السيبراني، مع وجود الذكاء الاصطناعي، يجب أن يستبق العرب والمسلمون برامج الذكاء الاصطناعي، وأن يُعدّوا، ربما، برمجيّات قد تفيد المسلمين. إما عندما يطرحون أسئلةً حول حياتهم اليومية، أو يطرحون أسئلة حول عبارةٍ ما أو سياقٍ ما في آيةٍ ما. أعتقد أنّه من الضروري أن نعتمد الذكاء الاصطناعي، ولكن أن يشتغل فريق بحثي، أو مركز بحثي، يستفيد من الذكاء الاصطناعي، ويعيد تشكيل المادة، عوض أن نترك “شات جي بي تي” يُجيب عن الباحثين. يجب أن تكون هناك هيئة أو هيئات تأخذ هذه المسألة على محمل الجد.

باسم: ضروري أن تكون هناك مؤسسة خاصة بهذا الشأن.

آمنة: ربما يمكن أن تضع في برمجيةٍ ما الكتب والمصادر الهامّة، لأننا نجد في الإنترنت الآن كمّية كبيرة من المصادر الهامّة، ولكن أيضًا هناك الغثّ والسّمين، والعربيّ المسلم الذي من غير المختصّين قد يضيع ويتوه في هذا العالم السيبراني الواسع. كيف يمكن أن…؟ وكثيرًا ما يسألني الطلبة والشباب حول: أيّ مرجع؟ ما هو التفسير الجيّد؟ ما هو الكتاب الجيّد الذي أقرؤه لتناول هذه المسألة أو لفهم هذه المسألة؟

باسم: لو أعطيناهم آلية…

آمنة: نعم، من الضروري…

باسم: هم يقرؤون بأنفسهم أيضًا، ولا يكونون بحاجة إلى أن يسألوا الآخرين.

آمنة: يجب أن نفكّر في الآلية.

باسم: نزوّدهم بآلية خاصّة لقراءة النصّ.

آمنة: تجمع النصوص الجدّية، والمصادر الجدّية.

باسم: لا، ولكن القرآن يقول: “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ”، يعني القرآن يُبين، يعني الآلية التي…

آمنة: هناك مشاريع اليوم في أوروبا، أعتقد، تشتغل على القرآن، وتشتغل على القراءات القرآنية، وهناك مراكز بحثية تشتغل على هذه الأشياء. أعيد وأكرّر: نحتاج إلى موسوعات حديثة، يمكن أن تكون متاحة للشباب اليوم، الذي يريد أن يُعيد قراءة النصّ القرآني.

باسم: خاصةً أن لدينا الكثير من الوسائط التي تمكّنها من التوصيل بسهولة إلى الناس.

آمنة: اليوم يمكن أن نستعمل هذه الوسائل لنقدّم مادةً جدّية، ولكن لا بدّ من تدخّل الباحث الأكاديمي لترتيب…

باسم: أكيد، لن نستغني عنكم.

آمنة: لترتيب هذه المادة وصياغتها بطريقة قد تكون سهلة للعربية.

باسم: دكتورة آمنة، شكرًا جزيلًا، الحديث معكِ لطيف، ومهذّب، وممتع.

آمنة: شكرًا أستاذ باسم، ومرحبًا بك.

باسم: شكرًا، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. إلى اللقاء.