Skip to content Skip to footer

الإجماع: من العصمة إلى خلق الإمكانات | د. وجيه قانصو

ثمة مفهوم معتمد في منظومة الفكر الإسلامي يعتبره الجابري “من أقوى السلطات المرجعية في الحقل المعرفي البياني”.


 

هذا المفهوم هو الإجماع، الذي اتخذ أهمية كبرى بعد وفاة نبي الإسلام، بسبب الحاجة إلى إسباغ مشروعية دينية على الإجراءات والتدابير التي اتخذها المسلمون في تدبير أمور دينهم؛ بخاصة تدوين القرآن وجمعه.  فالإجماع يعبر وَفق منظور الرواية: “لا تجتمع أمتي على خطأ” أو “ما رآه المسلمون حقاً فهو حق عند الله”، عن أن إرادة الله متحققة ومستمرة بعد النبي، بخاصة في الأمور التي لا نص فيها.  بحيث يكون الإجماع إما كاشف عن مراد الله وإما أن الله جعل إرادته مطابقة وموافقة لمضمون ما أجمع عليه المسلمون. هذا الفهم سهَّل على المسلمين سد الثغرات والفراغات التي أحسوا بها حين أصبح تدبير أمر الدين وتنظيمه وإدارة شؤونه موكل إليهم بعد النبي؛ لكن هذه المرة مع انقطاع كامل للوحي. 

فالدين في سياقه التاريخي العام، ليس فقط ما يحققه النبي وينجزه؛ بل هو أيضاً ما تقرره الجماعة الدينية بعد رحيل المؤسس، في مسعى منها لردم الهوة بين زمن الوحي وزمن اللا وحي، ووضع قواعد وآليات عمل جديدة تناسب الوضع الجديد لما بعد النبوة. وهي مقررات ستتخذ مع الزمن، بحكم سلطة الإجماع و”قداسة” توافق السلف، مرجعية ثابتة وملزمة لكل العصور اللاحقة، لتنتقل من كونها إجراءات تاريخية لمعالجة وضع طارئ ومستجد، إلى تنصيبها جزءاً عضوياً ومقدساً داخل المنظومة الدينية نفسها، يكون التشكيك فيها، تشكيكاً في الإسلام.  فُهم الإجماع، في دلالته الدينية، على أنه عصمة الأمة عن الخطأ في تدبير أمور الدين وتنظيم شؤونها.  هذه العصمة كانت حاجة ملحة لزمن ما بعد الوحي، ولولاها تكون كل عملية توثيق لتجربة النبوة أو مأسسة لشؤون المسلمين عرضة للتشكيك. بالتالي صار ينظر إلى الإجماع على أنه أحد أهم ضمانات حفظ الشريعة، حسب قول ابن عربي (الفقيه). وصار يُنظر إلى الإجماع على أنه “أعظم أصول الدين” حسب تعبير الغزالي، و”لا يعارضه دليل أصلاً” حسب الأصفهاني. السبب في ذلك هو أنه، كما يقول البزودي، “حجة لأجل صيانة أصل الدين”. أي هو الأساس أو الأرضية التي تمنح أي دليل دليليته وصدقيته، أي صحة اعتباره دليلاً صادراً عن الله.  

ولهذا اعتبر كثيرون، من ضمنهم الفتوحي، أن دليل الإجماع متقدم على باقي الأدلة (من قرآن وسُنة)، “لوجهَين: أحدهما: كونه قاطعاً معصوماً عن الخطأ. الوجه الثاني: كونه آمناً من النسخ والتأويل بخلاف باقي الأدلة”.هذا المفهوم أخذ ينتقل بنحو متدرج وبطيء من إجماع الأمة إلى إجماع الخاصة من أهل العلم، وهم الفقهاء. حيث اعتبر البعض أن عصمة الأمة ليست نابعةً من توافق آراء وإرادات جميع أفراد المؤمنين، مع قطع النظر عن الأساس العلمي الذي يستندون إليه، بل لجهة قوة الدليل ومتانة الاستدلال.   هو فهم أدى إلى إقصاء غير الفقهاء ممن صنفوا عواماً. يقول ابن حزم: “ذهب الأكثرون إلـى أنه لا اعتبـار بـموافقة العامي من أهل الـملة فـي انعقاد الإجماع ولا بـمخالفته”. ويقول البزدوي: “فلا يعْتَبر فيهِ إلا أَهلُ الرأْيِ وَالاجتهاد أَيْ لا يُعتبر فِيه الْعوامُ.. فينعقد الإجماع بدونهم”.  وقد علل الآمدي عدم دخول العوام بأن “الأُمَّةَ إِنَّـما عُصِمَتْ عن الـخطأِ فـي استدلالـها، لأنَّ إِثبـاتَ الأحكام الشرعيَّةِ من غير استدلالٍ ودلـيـلٍ خطأٌ؛ والعامي لـيس هو منْ أهل الاستدلال، فلا يُتصورُ ثبوتُ عصمة الاستدلال فـي حقِّه”.

ينطلق إقصاء العوام في انعقاد الإجماع من فكرة أن وظيفة الإجماع هي الكشف عن الحكم الديني، وهي وظيفة علمية يعجز عنها عوام الناس ولا يقوم بها إلا الفقهاء. في حين أن الإجماع كما تبين سابقاً ليس إلا توافق الإرادات على أمر من الأمور وليس التطابق غير المدبر في الآراء العلمية، وهو موافق لأحد معاني الإجماع وهو العزم الذي هو صفة سلوك وإرادة ويتحقق بتوافق الإرادات ووحدة المواقف لا صفة معرفة وتفكير واستدلال. كذلك فإن إقصاء العوام عن مجال الإجماع لا يخلو من استناده إلى مفهوم “الخاصة والعامة”، الذي أسهم في صياغته ابن المقفع والجاحظ والماوردي، لغرض ترسيخ تراتبية اجتماعية ونظام علاقات ثلاثي الطبقات: الخليفة، والخاصة من الأمراء والعلماء، والعامة الذين يضعهم المفهوم في خانة الدهماء الفاقدة للقدرة على الاستدلال والمسلوبة حق المشاركة في أي أمر ديني ودنيوي. فالعوام مسلوبة الأهلية في إبداء الرأي أو التعبير عن موقف. هي تقاد وتؤمر وتطيع، لا غير. لم يكتفِ مفهوم الإجماع بإقصاء العوام؛ بل أقصى أيضاً من ليس من الفقهاء من أهل العلم والمتخصصين. يقول البزدوي: “ومثل العوام في عدم الاعتبار من ليسَ من أهل الرأي والاجتهاد من العلماء كالمتكلم الذي لا يعرف إلا علم الكلام والمفسر الذِي لا معرفة له بطريق الاجتهاد والمحدث الذي لا بصر له في وجوه الرأي وطرق المقايِيس والنحوي الذِي لا علم له بالأَدلةِ الشرعيةِ فِي الأَحكامِ; لأن هؤلاء باعتبار نقصان آلاتهِم في درك الأَحكام بمنزلة العوام”. ولم ينته الأمر عند إقصاء من ليس فقيهاً من بين المجمعين، بل تحول الإجماع مع الزمن إلى خاصية مذهبية، يقتصر الإجماع فيه على خصوص فقهاء مذهب معين. وبالتالي ضاق مفهوم الإجماع من “اتفاق المجتهدين من أمة محمد” إلى اتفاق فقهاء بعض الأمة، فقهاء الفرقة الناجية، ومن إجماع عام إلى إجماعات خاصة تتنافس على المشروعية، فهناك إجماع المدينة، وإجماع الكوفة، والإجماع المتفق مع قول أبي حنيفة، والإجماع الموافق للشافعي، وهكذا. 

بل إن شمولية الإجماع، لم تقف عند حدود تشخيص الحكم الديني، بل شملت آليات التفكير والفهم المتبعة. فالإلزام لا يقتصر على الحكم المجمع أو الموقف المجمع عليه؛ بل يشمل دليله وسائر الطرق المؤدية إليه، بحيث لا تجوز إعادة النظر فيها أو التشكيك في قوة إلزاميتها. فمتى حصل الإجماع على دليل معين، لم يجز عند البعض مخالفته أو إعادة النظر في دليله والأساس العلمي الذي استند إليه.  فحجية الإجماع تشمل الحكم المجمع عليه والدليل على ذلك الحكم والمبنى الذي اعتمد للوصول إليه، حسب ما نقل الشوكاني. أصبح الإجماع في دلالته الاجتماعية، يحيل إلى مؤسسة اجتماعية هي مؤسسة الفقيه، التي لم تكتفِ بابتكار آليات عملها المعرفية واللغوية والعقلية، بل عملت أيضاً على إيجاد قوة إلزام رمزية تسند قولها ومبانيها، وتحول ما كان ذات مرة اجتهاداً بشرياً خالصاً إلى تعليمات وأحكام ثابتة للدين، وهو ما منحَ المؤسسة الفقهية، بفضل الإجماع، سلطة خاصة بها مستقلة نسبياً عن السلطة السياسية، ومنحها القدرةَ على أن تبقى بمنأى عن تدخلات السلطة وإكراهاتها، بالإضافة إلى منحها صلاحية مشاركة السلطة في تدبير وضعية أوصلت فكرة الإجماع إلى الطريق المسدود، وجعلت منه عنصر تجاذب وتنافر وادعاءات متقابلة ومتناقضة. فبات الإجماع يناقض نفسه وينفي نفسه بنفسه، ما أفرغ الإجماع من إمكاناته الإيجابية، وحوله من مسلك جامع إلى عنصر تشتت، من تنوع وحوار منتج للوحدة إلى أُحادية مركزية لاغية لكل الهوامش، من تعدديات قراءة وفهم للنص إلى محددات نهائية وجازمة، من اجتهاد معرفي ناشط إلى وضعية جمود وذهنية تقليد وميل إلى التسليم الكسول. 

جوهر المشكلة يكمن في تحويل مفهوم الإجماع عن حقيقته وطبيعته الأولى، بإسباغ الدور المعرفي عليه في كشف الواقع، وتعيين مراد الله المقرر مسبقاً في علم الله، حسب تعبير الفقهاء. في حين أن الإجماع كان عبارة عن نشاط تدبيري وإجرائي في إدارة المسلمين لشؤون دينهم وحياتهم، معتبرين أن هذا السلوك ضامن لحفظ الدين وسلامته من الضياع. بالتالي هو مفهوم عمومي public concept، لا علاقة له بمستويات المعرفة ودرجاتها، من يقين أو ظن، صحة أو خطأ، ولا علاقة له بدرجة مطابقة المجمع عليه للواقع، بقدر ما هو سلوك مجتمعي عام في تدبير الأمور العامة التي تتجاوز مساحة الفرد. فالأساس في إلزامية الإجماع هو حدوث التوافق نفسه بين المجمعين، مع قطع النظر عن الدليل الذي يسنده. 

بالتالي تكون أهمية الإجماع لا في كاشفيته عن الواقع أو عن مراد الله ليصنف أداة معرفية أو علمية أو حتى تعبداً إيمانياً، بقدر ما هو سلوك جماعي يكتسب سلطته وإلزاميته من مجرد توافق الإرادات والآراء مع قطع النظر عن صوابية الدليل والاستدلال.  بعبارة أخرى، الإجماع سلوك عمومي public attitude لا يستمد قوة إلزامه من مستوى علميته ودرجة موضوعيته؛ بل لكونه كاشفاً عن الإرادة المجتمعية، التي تمثل الأصل الأول لمشروعية كل مأسسة دينية تعقب وفاة النبي. فالعلاقة بين النبي وأتباعه المؤمنين كانت علاقة كاريزمية؛ أي علاقة اتباع وتسليم، لتصبح العلاقة بين المؤمنين بعد النبي، علاقة نظراء ومتساوين لا سبيل للجمع بينهم سوى الإجماع بينهم. ما يفسر اعتبار الغزالي مفهومَ الإجماع بأنه “أعظم أصول الدين”، والدليل الذي لا ينافسه أي دليل آخر، لكونه الأساس والأرضية لكل دليل آخر. هذا الفهم يفتح الطريقَ على فهم وتداول مختلفين لمفهوم الإجماع في زماننا. من أن يكون منطقة أمان عقائدي وحالة اصطفاء إلهي لدين أو فرقة أو مذهب، وعصمة أمة عانت ما عانته في تاريخها من عثرات وإرباكات، إلى أن يكون مفهوماً محورياً في تدبير شؤون المجتمع، دينية كانت أم غير دينية. أي أن نحوله إلى مبدأ تأسيسي لكل أوجه النشاط العمومي. وهذا لا يتحقق إلا بنزع صفات القداسة عن مفهوم الإجماع، وإخراجه من دائرة التعبُّد الديني، ليصير حقيقةً مدنيةً أو اعتماده مدخلاً للانتقال من نمط العلاقات العضوية إلى العلاقات المدنية، ومفهوماً قابلاً للاستكشاف العقلي، والاستثمار الحياتي، والترشيد السلوكي، والمسؤولية الأخلاقية. هو خروج من عقيدة العصمة إلى المسعى لخلق الإمكانات.