منذ ستينيات القرن الماضي، شكّل موضوع الانتقال الديمقراطي مجالًا بحثيًا واسعًا، تبلورت حوله نظريات واتجاهات متعددة عُرفت بـ”علم الانتقال الديمقراطي” (Transitology). وفي هذا المقال، نعرض بإيجاز أبرز التصورات التي حاولت تفسير المرور من السلطوية إلى الديمقراطية، على أن يُستكمل لاحقًا بتحليل نقدي لهذه النظريات في ضوء التجربة العربية.
شهدَ النقاشُ حولَ مسألةِ الانتقالِ الديمقراطي، منذ ستينيّاتِ القرنِ الماضي، على اهتمامٍ متنامٍ من قِبَلِ الباحثين، في الغربِ والشرقِ، وغزارةٍ مُطَّرِدةٍ في أدبيّاته، أثناءَ الحربِ الباردةِ وبعدَها، إلى الحدِّ الذي نضجَ فيه عِلمُ الانتقالِ الديمقراطي (Transitology) كمجالٍ معرفيٍّ قائمٍ بذاته. لا نَزْعُمُ، في هذا الحَيِّزِ المحدودِ، تغطيةً شاملةً لحقلٍ أكاديميٍّ واسعٍ كهذا، ما فَتِئَ يتطوَّرُ، وإنّما الاكتفاءُ، هنا، سيكونُ بعَيِّنَةٍ من كُبرياتِ الاتجاهاتِ النظريّةِ التي اقترحت صِيَغًا بارزةً تُفَسِّرُ الانتقالَ، وفقَ مقاربةٍ تُعْمِلُ التحليلَ والنقدَ والقياسَ على الحالةِ العربيّةِ. وفي هذه المقالةِ الأولى، نقتصرُ على عرضٍ وتحليلٍ، خاطفَينِ، لأبرز التصوّراتِ في الانتقالِ الديمقراطي، على أن نُرْدِفَها بمقالاتٍ لاحقةٍ تُفيدُ النقدَ وتُقارِبُ هذه النظريّاتِ على الحالةِ العربيّةِ.
تنوَّعَت تصوّراتُ الانتقالِ الديمقراطي بين اتجاهاتٍ حَتْميّةٍ وبنيويّةٍ تَفْحَصُ الشروطَ الموضوعيّةَ للتحوُّل، وثانيةٍ تُقَدِّمُ فاعليّةَ النُّخَبِ السياسيّةِ وإرادتَها في العبورِ إلى الديمقراطيّة. كما ظَهَرَت تصوّراتٌ ثالثةٌ ترى في الانتقالِ الديمقراطي سيرورةً نازلةً من علٍ تَصْنَعُها النُّخَبُ، بينما اعتقدت رابعةٌ بأنّهُ عمليّةٌ صاعدةٌ من قواعدِ المجتمعِ المدنيّ والطبقاتِ الدُّنيا باتّجاهِ المؤسّسات. كما ركَّزَت فئةٌ خامسةٌ من تلك النظريّاتِ على فحصِ العواملِ الداخليّةِ المُحفِّزةِ أو الكابِحةِ للانتقال، في الحينِ الذي أعلَت أخرى من تأثيرِ العواملِ الخارجيّةِ.
يمكن حُسْبانُ النَّظريّاتِ التحديثيّةِ مُؤسِّسَةً للبحثِ في مجالِ الانتقالِ الديمقراطيّ. وقد تبلورتْ في أعقابِ الحربِ العالميَّةِ الثانيةِ، متأثّرةً بنموٍّ اقتصاديٍّ وتنمويٍّ سريعٍ لبعضِ دولِ أوروبا الغربيّةِ، واكبهُ اِنفِتاحٌ سياسيٌّ. وغيرَ بعيدٍ عن نظريّةِ التحديثِ، خرجتْ تصوُّراتٌ بنيويّةٌ، في ستينيَّاتِ وسبعينيَّاتِ القرنِ الماضي، من سياقٍ طغتْ عليهِ التيّاراتُ الماركسيَّةُ والسوسيولوجيا البنيويَّةُ على الدراساتِ الإنسانيَّةِ. وكردٍّ فعلٍ على البنيويّةِ والتفسيرِ المادّيَّ للانتقالِ، طفتْ، بين السبعينيّاتِ والثمانينيّاتِ، نظريّاتٌ ثقافويّةٌ وصلتِ التّحوُّلَ الديمقراطيَّ بالقيمِ والمعتقداتِ وثقافةِ المجتمعِ. وفي ثمانينيَّاتِ وتسعينيَّاتِ القرنِ الماضي، أينعتْ نظريَّاتٌ مؤسَّساتيّةٌ، متجاوزةً الأطروحاتِ الحتميَّةَ، بشقّيها البنيويِّ والثقافويِّ، واضعةً المؤسّساتِ السياسيّةَ في قلبِ الانتقالِ الديمقراطيِّ. غيرَ أن إهدارَ المقاربةِ المؤسَّساتيَّةِ لأدوارِ الفاعلينَ السياسيينَ وإرادةِ النخبِ، أفرزَ نظريَّاتٍ متمركزةً على الفاعليَّةِ والإرادةِ السياسيّةِ، مؤمنةً بدورِ النخبِ في صناعةِ التاريخِ. وفي نهايةِ القرنِ الماضي ومطلعِ القرنِ الحالي، فشتْ نظريّاتُ التأثّرِ الخارجيِّ في الانتقالِ الديمقراطيِّ، مُحَفَّزةً بزخمِ أُحاديَّةٍ قُطبيَّةٍ، ما فَتِئَتْ تترسَّخُ في سياقِ عَولمةٍ بلغَتْ ذُراها.
1- النظريَّات التحديثيَّة والبنيويَّة
تَقضي نظريَّةُ التحديثِ بأنَّ النُّموَّ الاقتصاديّ يَحمِلُ الدُّوَلَ على تَبنّي الديمقراطيَّةِ؛ فهو القاعدةُ الأساسُ في البناءِ الديمقراطيّ. يُعزِّزُ النُّموُّ الاقتصاديّ، وفقَ هذا التَّصوُّرِ، الطَّبقةَ الوسطى في المجتمعِ، ويَرفَعُ من مُستوى التعليمِ، و، بالتّالي، الوَعيَ بالديمقراطيَّةِ وقِيَمِها. يَعتقِدُ رائدُ هذا الطَّرحِ سيمون مارتان ليبست (Lipset, 1959) أنَّ الديمقراطيَّةَ على تَلازُمٍ وثيقٍ مع عاملين رئيسين: الأوَّلُ، النُّموُّ الاقتصاديّ، ومُؤشّراتُه الثَّروةُ والتَّصنيعُ والتَّمدُّنُ والتعليمُ؛ حيثُ إنّ الدُّوَلَ الديمقراطيَّةَ تُحقِّقُ معدّلاتٍ عاليةً في هذه المؤشّراتِ. لذلك قَطَعَ ليبست بأنَّ الثَّروةَ عِمادُ الديمقراطيَّةِ، و”كُلّما كانتِ الدَّولةُ أكثرَ ثَراءً، كُلّما ارتفعت فُرَصُها في تَعزيزِ الديمقراطيَّةِ” (Lipset, 1959: 75). أمّا الثّاني، فهو المَشروعيَّةُ السياسيَّةُ، وتَتَجَسَّدُ، عنده، في قُدرةِ النِّظامِ على إدارةِ الانقِساماتِ السياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ والأزماتِ الاقتصاديَّةِ والدينيَّةِ. وغيرَ بعيدٍ عن نظريَّةِ التحديثِ، تَقتَرحُ النّظريّاتُ البنيويَّةُ الانتباهَ إلى البُنيّاتِ السّوسيو-اقتصاديَّةِ والشُّروطِ الطبقيَّةِ المُؤثّرةِ في النِّظامِ السياسيّ. ويُعدُّ بارينغتون مور (Moore, 1966) أحدَ أبرزِ حامِلي هذا التَّصوُّرِ، من خلالِ كتابِه الأصولُ الاجتماعيَّةُ للدكتاتوريَّةِ والديمقراطيَّةِ. يُمكنُ تلخيصُ أُطروحةِ مور بكلمةٍ واحدةٍ: “لا ديمقراطيَّةَ حيثُ لا تُوجَدُ بُرجوازيَّةٌ” (Moore, 1966: xii). وفي مراجعةٍ نقديَّةٍ لتصوُّرِ مور، بنيويَّةٍ هي الأُخرى، اقترحَ باحِثونَ الانتباهَ إلى أدوارِ الطّبقاتِ العاملةِ والفِئاتِ الخاضعةِ في المجتمعِ في التَّحوُّلِ باتّجاهِ الديمقراطيَّةِ. ليستِ البُرجوازيَّةُ الحامِلَ الفِعليَّ للديمقراطيَّةِ، وإنّما هي الطّبقةُ العاملةُ (Rueschemeyer, Huber, & Stephens, 1992)؛ لا تَنزِلُ الديمقراطيَّةُ من العَلْياءِ؛ من سماءِ النُّخَبِ الاقتصاديَّةِ، بل تَصعَدُ من تحت؛ من أرضِ كِفاحِ الفلّاحينَ ونِضالاتِ العمّالِ.
2- النظريَّات الثقافويَّة
وفي سياقٍ مفعمٍ بالمقارباتِ المادِّيَّةِ والتصوُّراتِ السوسيو-بنيويَّةِ، وكردِّ فعلٍ عليه، ولَّتِ النظريّاتُ الثقافيَّةُ انتباهَها شطرَ المعتقداتِ والقيمِ والثقافةِ السياسيَّةِ للمجتمعاتِ في تفسيرِ يُسرٍ، أو عُسرٍ، الانتقالِ الديمقراطيِّ. ليستِ العوالمُ المادِّيَّةُ هي ما يُنتِجُ الواقعَ السياسيَّ، وإنّما الثقافةُ السياسيَّةُ هي ما يَصنعُ واقعَ النظامِ ويَضعُ قواعدَهُ. تُقحِمُ هذهِ النظريّاتُ التقاليدَ الدينيّةَ والمدنيّةَ، ضمنَ عواملِ تكوينِ النظامِ السياسيِّ. تُفلِحُ الديمقراطيّةُ وتترسَّخُ، وفقَ الاعتقادِ الثقافويّ، في مجتمعاتٍ تُؤمنُ بالالتزامِ المدنيِّ والعلمانيّةِ والتسامحِ والفردانيّةِ. ويُعدُّ نصُّ الثقافةِ المدنيّةِ لغابرييل أَلمون وسيدني فِربا (Almond & Verba, 1963) إيذانًا بانعطافِ التحليلِ باتّجاهِ أطروحاتٍ ما بعدَ ماديّةٍ وما بعدَ بُنيويّةٍ. يُميِّزُ هذا الكتابُ بين أنماطٍ ثلاثةٍ من الثقافةِ السياسيّةِ، الأولى تقليديّةٌ لا تُلقي للسياسةِ بالًا، أمّا الثانيةُ، فيَحضُرُ فيها وعيُ الأفرادِ بالسياسةِ وآليّاتِها لكنّهم سلبيّون، يُؤثِرونَ دورَ الرعيّةِ ويزهدونَ في المواطنةِ، بينما تَسِمُ المشاركةُ والالتزامُ المدنيُّ النمطَ الثالثَ من الثقافةِ السياسيّةِ. ويُفضي هذا النمط الأخيرُ من الثقافةِ السياسيّةِ إلى الديمقراطيِّة ويُعزِّزُها. غيرَ أنَّ المقاربةَ الثقافويَّةَ ستأخذُ ملمحًا أكثرَ مركزيّةً، منذ التسعينيّاتِ، مع صمويل هِنتِنغتون (Huntington, 1991)، الذي أَهدرَ الحدودَ بين العلمِ والإيديولوجيا لمّا نَصَّبَ الدينَ عاملًا أساسًا في إعاقةِ الديمقراطيّةِ (كما في حالةِ الإسلامِ والكنفوشيوسيّةِ)، أو تحفيزِها وترسيخِها (كما تفعلُ المسيحيّةُ، في صيغتها البروتستانتيّةِ تحديدًا)، بحسبِ زعمِه. وعلى نحوٍ ظاهرٍ أو ضامرٍ، عثرتْ فكرةُ الاستعصاءِ الثقافيِّ على الديمقراطيّةِ على من يسندها عربيًّا. عبدُ اللهِ العَروي (العَروي، 1995) وصادقُ جلالُ العَظمِ (العَظم، 1969) وعبدُ المجيدِ الشرفي (الشرفي، 1998) وغيرُهم، حَسِبوا، هم أيضًا، أنَّ الانتقالَ الديمقراطيَّ لا يتحقَّقُ إلّا على صهوةِ الانتقالِ الثقافيِّ.
3- النظريَّات النخبويَّة والإرادويَّة
في مقابلِ حتميَّةِ البنيويَّةِ والثقافويَّةِ ومركزيَّتِهما الغربيَّةِ، التفتَتِ النظريّاتُ المُتمركِزَةُ حولَ النُّخَبِ وفاعليَّتِها إلى السّيروراتِ السياسيَّةِ، بدلًا من البُنى الاقتصاديَّةِ أو الثقافيَّةِ الجامدةِ، وانتبهتْ إلى أدوارِ الفاعلينَ السياسيّينَ والنُّخَبِ تأثير قراراتِهم، خاصَّةً في فَتْراتِ الأزماتِ السياسيَّةِ، في الانتقالِ بالمجتمعِ إلى رِحابِ ممارساتٍ أَكْثَرَ ديمقراطيَّةً. ما عوَّلَتْ هذهِ النظريّاتُ على دورِ الثقافةِ والقِيَمِ في تَحفيزِ أو كَبْحِ الانتقالِ الديمقراطيِّ، ولا أعارَتِ البُنى الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّةِ اهتمامًا، وإنّما كانتْ أَكْثَرَ دِيناميَّةً ومَرونةً، تَحسبُ الانتقالَ السياسيَّ من رَحِمِ الأزماتِ الاجتماعيَّةِ والسياسيَّةِ يَخرجُ (O’Donnell and Schmitter, 1986)، ولِلفاعلينَ السياسيّينَ والنُّخَبِ في المجتمعِ السَّهْمُ الأكبرُ في إِخراجِهِ. يَنْجُمُ الانتقالُ من تَفاعُلِ النُّخَبِ، سُلطةً ومُعارَضةً. يَحكُمُ هذا التَّفاعُلَ، بِحَسَبِ هذا التَّصَوُّرِ، الخِيارُ العَقلانيُّ، الذي تَسعى النُّخَبُ السياسيَّةُ، بِمُوجِبِهِ، إلى تَعظيمِ المكْتَسَباتِ والمَصالِحِ. يَختارُ الفاعلونَ السياسيُّونَ دَعْمَ الاستبدادِ أو الديمقراطيَّةِ تَبَعًا لِمصالحِهم وأوضاعِهم. وإذا كانتِ النُّخَبُ، مُعارَضةً وسُلطةً، تَضُمُّ مُعتدلينَ وراديكاليّينَ، فإنَّ الديمقراطيَّةَ تَنْجُمُ –كما لاحَظَ غييرمو أودونيل وفيليب شميتر (O’Donnell and Schmitter, 1986)– من التَّفاوُضِ بَيْنَ المُعتدلينَ من الطَّرَفَيْنِ. أمّا آدَم بْرِزُورْسْكِي (Przeworski, 1991) فقد رَسَّخَ التَّفسيرَ النُّخْبَوِيَّ بِإِضفاءِ فِكْرَةِ الخِيارِ العَقلانيِّ وَاللَّعِبِ الاِسْتراتِيجِيِّ بَيْنَ النُّخَبِ، وَدَوْرِ الأَخِيرَةِ في تَحْريكِ عَجَلَةِ الديمقراطيَّةِ أو إِعْطابِها. كُلُّ الفاعلينَ إِنّما يُفْتِّشُونَ عن حِمايةِ مَصالِحِهِم وجَلْبِ أَكْبَرِ قَدْرٍ من المَنْفَعَةِ، وَبِناءً على ذلك، قَراراتُهم تُتَّخَذُ. على هذا النَّحوِ، تَنْقُلُنا النَّظريّاتُ المُتمركِزَةُ على الفاعليَّةِ من التَّصَوُّراتِ الحتميَّةِ إلى رُؤيةٍ تُؤمِنُ بالاختيارِ العَقلانيِّ وَالتَّحوُّلِ الإراديِّ الواعي باتّجاهِ ممارساتٍ سياسيَّةٍ أَكْثَرَ اِنفِتاحًا، كما يَزْعُمُ آدَم بْرِزُورْسْكِي.
4- النظريَّات المُتمركِزة حول المؤسّسة
بَدلًا من الاعتقادِ بفاعليَّةِ النُّخَبِ السياسيَّةِ في تَحفيزِ واستدامةِ نظامٍ ديمقراطيٍّ، أو تَعطيلِ الانتقالِ، تُؤمِنُ النَّظريَّاتُ المُؤسَّساتيَّةُ بالوظائفِ الحاسِمَةِ للمُؤسَّساتِ السياسيَّةِ في دَمقرطةٍ مُستدامةٍ للمجتمعِ. تَقْلِبُ النَّظريّاتُ المُتمركِزَةُ حولَ المُؤسَّساتِ الأُطروحاتِ البنيويَّةَ والثقافيَّةَ على السَّواءِ؛ ليسَ النظامُ الديمقراطيُّ يَنْجُمُ من سِيادةِ ثقافةٍ سياسيَّةٍ مُنفتِحَةٍ تُؤمِنُ بقِيَمِ الديمقراطيَّةِ، ولا تَصْنَعُ البُنى الاجتماعيَّةُ أو الاقتصاديَّةُ نظامَ حُكْمِ القانونِ والمُساواةِ، وإنّما العَكْسُ. من شَأْنِ المُؤسَّساتِ السياسيَّةِ أن تُرْسي أُسُسَ التَّداوُلِ السِّلميِّ على السُّلطةِ، وحُكْمٍ يَتَوَكَّأُ على المَشروعيَّةِ، وتُشيعَ ثقافةَ الديمقراطيَّةِ، وتُقَرِّرَ في نَمَطِ البنيّاتِ الاقتصاديَّةِ والاجتماعيَّةِ للمُجتمعِ. تُؤثِّرُ بُنيةُ المُؤسَّساتِ السياسيَّةِ وَقَواعِدُ اشتغالِها وَقُوَّتُها في نَمَطِ النِّظامِ السياسيِّ الَّذي تُنْتِجُهُ. بِكَلِمَةٍ أُخْرَى، وُجودُ النِّظامِ الديمقراطيِّ واستدامتُهُ وَقْفٌ على طَبيعةِ المُؤسَّساتِ السياسيَّةِ وَنِظامِ اشتغالِها. ليستِ المُؤسَّساتُ السياسيَّةُ، إذن، أَجْهزَةً دُستوريَّةً تَنْفيذيَّةً وتَشريعيَّةً وقَضائيَّةً، وفَقَط، وإنَّما هي – أَساسًا – بُنيّاتٌ تَضَعُ القَواعِدَ وَالضَّوابطَ لِلفاعِلينَ السياسيّينَ، وتَصْنَعُ الوعيَ السياسيَّ وتُوَجِّهُهُ، وتَمْنَحُ النِّظامَ السياسيَّ مَلْمَحَهُ، وتُؤثِّرُ في طَبيعتِهِ وَمُخْرَجاتِهِ. وَهَلْ في مَكْنَةِ مُؤسَّساتٍ غَيْرِ ديمقراطيَّةٍ سِوى إِعادةِ إِنتاجِ الاستِبْدادِ وَالسُّلطويَّةِ؟
5- نظريَّة العامل الخارجيّ
كُلُّ النَّظريّاتِ السّالِفَةِ انشغلتْ بالعَوامِلِ الذّاتيَّةِ أو الموضوعيَّةِ الفاعِلَةِ في الانتقالِ الديمقراطيِّ، لكنَّها، جَميعُها، عَوامِلُ داخليَّةٌ. لِذلِكَ، كانتْ هذهِ النَّظريَّاتُ في ذُهُولٍ عنِ العَوامِلِ الخارجيَّةِ الحاسِمَةِ، خاصَّةً في ظِلِّ سِياقٍ دُوَليٍّ تَسِمُهُ العَولَمَةُ وَهَيْمَنَةُ النَّموذَجِ اللِّيبِراليِّ في الاقتصادِ كما في السِّياسةِ. من بَين نَظريّاتِ العاملِ الخارجيِّ نَظريَّةُ الاِشْتِراطِ الديمقراطيِّ (Democratic Conditionality)؛ حيثُ استحالَتِ الإصْلاحاتُ الديمقراطيّةُ إلى أَدَواتِ ضَغْطٍ مِن أَجْلِ العُضويَّةِ في مُنَظَّماتٍ إقليميَّةٍ (الاِتِّحادِ الأُورُوبيِّ مثلًا)، أو شَرْطًا لِلحُصولِ على المُساعَداتِ الاقتصاديَّةِ. وقد بَحَثَ هذا الموضوعَ كُلٌّ مِن شِيمِيلْفِنْغ وَسِيدَلْمَايِر(Schimmelfennig and Sedelmeier, 2005) في سِياقِ تَوَسُّعِ الاِتِّحادِ الأُورُوبيِّ نحو أُورُوبا الشَّرقيَّةِ. تَخْضِعُ الديمقراطيَّةُ بهذا لِمَبدإٍ: “إذا أَرَدْتَ هذا فعليك أنْ تفعل هذا”. وقد وَسَّعَ كُلٌّ من لِيفِتْسْكي وَوَاي (Levitsky & Way, 1996) نَمُوذَجًا تَحليليًّا أَكثر تَعْميمًا، سَمَّياهُ بـ”الاِرْتِباطِ وَالنُّفوذِ” (Linkage and Leverage)، مَفادُهُ أنَّ كَثافَةَ وَقُوَّةَ العَلاقاتِ السياسيَّةِ وَالاقتصاديَّةِ وَالثقافيَّةِ مَعَ الديمقراطيّاتِ الغَرْبيَّةِ تَرْفَعُ، وَعَلى نَحْوٍ كَبيرٍ، فُرَصَ التَّحوُّلِ الديمقراطيِّ، حَتّى دونَ وُجودِ ضُغُوطٍ مُباشِرَةٍ أو اِشْتِراطاتٍ صَريحَةٍ. أَمَّا لورانس وايتهِد (Whitehead, 1996) فقد فَسَّرَ التَّحوُّلَ الذي حَصَلَ في أُورُوبا الشَّرقيَّةِ بِمَفهومِ “العَدْوى الديمقراطيَّةِ”، حيثُ تَنْتَقِلُ مُوَجاتُ التَّحوُّلِ عبر التَّأَثّرِ المَجالِيِّ وَالإقليميِّ الواسِعِ.
كانت هذه سياحةً سريعةً في رحابِ أهمّ نظرياتِ التحوّلِ الديمقراطي، وأبرزِ اتجاهاته ومقارباته. وقد سعت النظرياتُ هذه، جميعها، إلى الإجابةِ عن سؤالٍ واحدٍ: كيف يحدثُ الانتقالُ من نظامٍ سلطويٍّ أو استبداديٍّ إلى الديمقراطيّة؟ لكنها لم تسألِ السؤالَ المعاكسَ: كيف يحدثُ “الانتقالُ الاستبداديُّ”؟ لأنّ المقدمةَ التي تنطلقُ منها النظريَّاتُ تلك، كلّها، هي أنّ الانتقالَ يحدثُ مرةً واحدةً وإلى الأبد. تفترضُ هذه النظرياتُ، على اختلافها أو – قل – تناقضِها أحيانًا، أنّ الديمقراطيةَ، في صيغتها الليبراليَّة، هي محطَّةُ نهايةِ السّيرِ الأخيرةِ على سكّةِ تقدّمِ التاريخ. بذلك صارت نهايةُ الحربِ الباردة، مطلعَ تسعينياتِ القرنِ الماضي، إيذانًا بنهايةِ التاريخ، وسببًا للوَصل، بل المطابقة، وعلى نحوٍ آليٍّ وغريبٍ، بين النظامِ الديمقراطيّ كآليةٍ لتدبيرِ السياسة، والنظامِ الرأسماليّ كصيغةٍ لإدارةِ الاقتصاد. ألم تشهدْ ديمقراطيّاتٌ عديدةٌ اليوم، بما فيها المتقدِّمة، انحرافًا نحو اليمينِ المتطرّف؟ ألم تُذَكِّرْ أحداثُ اقتحامِ الكابيتول في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية، بعد خسارةِ الرئيسِ دونالد ترامب الانتخاباتِ قبل الأخيرةِ في السادسِ من يناير/كانون الثاني من العامِ 2021، العالمَ بأنّ الديمقراطيّةَ لا تحملُ دائمًا أخبارًا سعيدةً؟
المراجع
الشرفي، عبد المجيد. (1998). الإسلام والحداثة. دار الجنوب.
العروي، ع. (1995). الإيديولوجيا العربية المعاصرة. المركز الثقافي العربي.
العظم، ص. ج. (1996). نقد الفكر الديني. دار الطليعة.
العظم، ص. ج. (1992). ذهنية التحريم. دار الساقي.
Almond, G. A., & Verba, S. (1963). The civic culture: Political attitudes and democracy in five nations. Princeton University Press.
Carothers, T. (1999). Aiding democracy abroad: The learning curve. Carnegie Endowment for International Peace.
Huntington, S. P. (1991). The third wave: Democratization in the late twentieth century. University of Oklahoma Press.
Lipset, S. M. (1959). Some social requisites of democracy: Economic development and political legitimacy. American Political Science Review, 53(1), 69–105. https://www.jstor.org/stable/1951731
Moore, B. (1966). Social origins of dictatorship and democracy: Lord and peasant in the making of the modern world. Beacon Press.
Moore, B. Jr. (1966). Social origins of dictatorship and democracy: Lord and peasant in the making of the modern world [PDF edition]. Beacon Press. Retrieved July 1, 2025, from https://valeriaribeiroufabc.wordpress.com/wp-content/uploads/2016/10/barrington-moore-jr-social-origins-of-dictatorship-and-democracy_-lord-and-peasant-in-the-making-of-the-modern-world-penguin-books-1973.pdf
O’Donnell, G., & Schmitter, P. C. (1986). Transitions from authoritarian rule: Tentative conclusions about uncertain democracies. Johns Hopkins University Press.
Przeworski, A. (1991). Democracy and the market: Political and economic reforms in Eastern Europe and Latin America. Cambridge University Press.
Rueschemeyer, D., Huber Stephens, E., & Stephens, J. D. (1992). Capitalist development and democracy. University of Chicago Press.
Schimmelfennig, F., & Sedelmeier, U. (2005). The Europeanization of Central and Eastern Europe. Cornell University Press.
Whitehead, L. (1996). The international dimensions of democratization: Europe and the Americas. Oxford University Press.