لم يكن للبشرية لتؤلف قصصاً وأساطير خارج مسار تطورها الفعلي؛ فالعقل عاجز عن الاختراع بمعزل عن تراكم المعرفة، ومضامين الذاكرة الحاضرة والمدفونة اللا واعية؛ إنما استمدت تلك القصص من التاريخ الحقيقي في بداية نشوء المجتمعات المتنقلة، والساعية للاستقرار، وأضافت لها التجربة ما يعبِّر عن مخاوفها وتطلعها للأمن والبقاء وبما يتناسب مع توسع الخبرة الاجتماعية والفردية وتطور العقل مادياً وما استتبعه من نمو مطرد لأشكال الوعي المختلفة.
ومن بين أشهر القصص القديمة التي وردت في كتب الشرق العربي الدينية (وأهمها التوراة والقرآن)؛ هي قصة إسماعيل وهاجر، والتي جاءت أصلاً ضمن الصورة الشاملة التي قدمها سفر التكوين. والعقل الديني تعامل مع النص كونه نصاً مقدساً يروي قصصاً حقيقية لأنبياء بعثهم الله من أجل تنظيم حياتهم والارتقاء بها، وتوقف عند هذا الفهم من دون تعمق وتمحيص بأصول القصة وأبعادها الاجتماعية والتاريخية.
وإذا استثنينا النظريةَ التي وضعها سيغموند فرويد، في تحليل القصص والأساطير، التوراتية والمبثوثة في العديد من كتبه وبحوثه الثورية؛ فلم تتوفر دراسات جادة تتناول تلك القصص وحصراً الحضور المنفي لإسماعيل وأُمه في الرواية التوراتية وَفق رؤية ومعايير أنثروبولوجية، ناهيك بتتبع أحداثها وتاريخها أركيولوجياً، واكتفت معظم البحوث التي قُدمت بتكرار الشرح المباشر والتقديسي للمروية التوراتية، وبمنهج ديني تبشيري، بما تتضمنه من أبعاد غيبية وأسطورية، والاقتصار على وصف طبيعة العلاقات والصراعات التي انتابت أطراف المروية، والدور المهيمن للإله في خلق مفاصلها ومنعطفاتها وحل عقدها، والترويج لشروحاتها البسيطة التي لا تستند إلى منهج علمي موضوعي؛ إنما إلى اعتقاد ذاتي إيماني.
لكن ما قدمه الدكتور فاضل الربيعي، في كتابه المهم (إسماعيل وهاجر)، هو موقف بالغ الجدة والجدية في تناول تلك المروية بمنهج علمي رصين، تفرد به بتحليل أنثروبولوجي قرنه بعمل أكثر أهمية؛ وهو تتبع القصة وأصولها وتطورها أركيولوجياً في المكتشفات الأثرية المسندية وغيرها من آثار آشورية؛ الأمر الذي منح التحليلَ الموسعَ والثري للمروية، الذي قدمه الربيعي، مصداقيةً وعمقاً وإثباتاً موضوعياً متيناً.
وقد بيَّنَ في مقدمة أطروحته أن هذه الأسطورة (إسماعيل وهاجر) هي تصوُّر بدائي تكوَّن في الوعي الجمعي للقبائل العربية، يوصف فيه أولاً التحول التاريخي المتمثل بإزاحة المنظومة الاجتماعية الأمومية؛ حيث سيادة الأم والابن الكبير وهيمنتهما على مقدرات الوحدة القبلية البدائية، والنسب وَفق هذا النظام كان ملحقاً بالأم، وقبيلة الأم هي القبيلة التي ينتمي إليها التجمع البدائي ولا وجود لقبيلة الرجل، بينما ساد الزواج الجماعي وحرية المرأة في تعدد الأزواج، أو بعبارات أدق حريتها المطلقة بالممارسة الجنسية، وهذا ناتج أو هو ينتج عن هامشية وضياع دور الرجل الاجتماعي في تلك الوحدات القبلية، ومن البين ارتباط هذا الشكل الاجتماعي بالمستوى التطوري الذي كان فيه الوعي الإنساني وضحالة إدراكه حقائق الطبيعة، ويوصف فيه ثانياً بزوغ فجر السيطرة الأبوية عبر حسم الصراعات المصلحية ما قبل الطبقية، وما تبع ذلك من تبدلات وتغيرات هائلة في الصلات القرابية وفي سجل التحريمات والإباحات، واضمحلال العشيرة الأمومية والظهور القوي للعشائر الأبوية.
إن القصة تمثل تسجيلاً للحظة التاريخية التي انهار فيها النظام الأمومي، بطرد هاجر والابن البكر من التجمع القبلي البدائي، وحلول سلطة إبراهيم الأب وإسحاق الابن الأصغر، واختفاء دور الأم كلياً؛ حيث نلحظ الغياب الكامل للمرأة الأم في القصص اللاحقة، مثل قصة يوسف.
ومن المفيد أن نشير إلى أن الصراعات بعد هذا التغيير الكبير لم تنقطع قط، وظلت تعصف بالتجمعات البدائية حديثة الاستقرار أو التي تكاد تستقر وهي التي سمَّاها بمجتمع النقيل. ويرى الدكتور فاضل الربيعي أن كل استقرار سكني هو باعث ومولد للتوترات داخل النظام القرابي؛ حيث تنشب النزاعات حول الأرض والمواريث والنساء. ومن المؤكد أن الأطراف المنتصرة ستسن ما يلائمها من قوانين وسنن وتحريمات، بينما سيُحرم المهزومون من حقوقهم وممتلكاتهم ويتعرضون إلى التنكيل.
وهذا الطرد لإسماعيل وأُمِّه ليس الأول في العشيرة الإبراهيمية (وبالتأكيد هو متكرر في بقية العشائر الأولى)؛ فلقد طُرد من قبل لوط وهو الابن الأكبر لإبراهيم (ونرجح من أم متوفية) رغم وصف التوراة له أنه ابن أخيه، وقد انتهت قصة طرده واعتزاله السلمي بمشهد مأساوي له ولتجمعه الذكوري المتمرد؛ حيث اختفى كلياً من الرواية التوراتية، خصوصاً أن طرده لم يؤدِّ إلى إحداث تغييرات اجتماعية كبيرة، وذلك ناتج عن غياب دور الأم على الأرجح.
والربيعي يرى أن التغييرات التي حصلت بطرد الأم وابنها وانهيار المجتمع الأمومي، ترافقت مع تغيرات كبيرة في مستوى العقائد والأفكار الدينية، وأيضاً في افتراق اللغة بين الجماعتَين؛ وهو يشير هنا إلى ولادة الأمم والشعوب الجديدة، وبلغة تختلف عن تلك المشتركة رغم أصولهما الواحدة، وفي نص مركز للغاية قال: (إن نقطة الانطلاق الحقيقية في تفكيك أسطورة إسماعيل وهاجر التوراتية تبدأ هنا:
افتراق اللغة، هو أساس الافتراق التاريخي بين جماعتَين دينيتَين؛ إحداهما اعتنقت دين القبيلة الصغيرة؛ بني إسرائيل، وآمنت بالإله يهوه، وأخرى أصبحت شعباً عظيماً وآمنت بإله أعظم لأمة أكبر هو إله العقل المقه/ المكة، وهي أصبحت جزءاً من شعب سبأ، وهذا هو ذاته أساس الافتراق بين شعب إسماعيل وشعب إسرائيل).
إن الملاحظة الجوهرية في هذا النص، بالإضافة إلى ما ورد فيها، هو نسبة القصة وأطرافها إلى الأقوام والشعوب اليمنية (سبأ)، وهذه سابقة فكرية لم يجر التطرق لها من قبل.
لقد ناقش الربيعي أسباب الطرد حسبما وردت في التوراة سفر التكوين 20 : 9، 20 : 10؛ حيث ورد أن سارة وجدت إسماعيل يضحك؛ ولذلك طلبت من إبراهيم أن يطرده مع أُمه كي لا يرث مع ابنها الذي اسمه يصحق (إسحاق)، ووضع فهماً مختلفاً لمعنى الضحك كونه استهزاء بمعتقد الابن الصغير، فهناك صراع بين إلهَين أحدهما غضوب قاسٍ اعتنق عبادته الابن الأصغر، وأبوه القوي وأُمه ضعيفة الشأن، والآخر سميع مجيب توجه إلى الأم المطرودة الباكية ولابنها، لقد بات الافتراق مزدوجاً لغوياً- دينياً، ووجدت جماعتان دينيتان تعبران عن شجرتَي أنساب مختلفتَين، وقد استمر هذا الصراع والافتراق وظل يتوارث عبر الأجيال بين أسباط بني إسرائيل، وبين السبط الإبراهيمي الضائع والمحروم من الإرث، لينفجر بعد سنين طويلة بين شخص اسمه إسماعيل بن نتنيه، وبين كاهن يهودي على عهد نبوخذ نصر البابلي، سنة 605 قبل الميلاد.
ويقدم الربيعي هذا المثال ليوضح الكيفية التي حدث فيها الافتراق الإسماعيلي- اليهودي، والذي تضمن تطوراً خطيراً؛ وهو حرمان إسماعيل من إرث أبيه ومصادرة بكوريته لصالح الأخ الأصغر، بنفس لحظة إصدار الإله يهوه وعده بالأرض الموعودة. ويرى الدكتور فاضل الربيعي أن الديانة القبلية المختصة بإله صغير تبدلت في الانشقاق الإسماعيلي، وأصبحت ديانة أوسع بما يمثل نقطة انقلاب كبرى في العقائد اليمنية.
ويوضح ذلك بقوله (فقد انتقلت فكرة الله إلى فضاء معرفي جديد وغير مسبوق، ولم يعد الرب إله القبيلة الصغيرة وحسب، ولم يعد مجرد ثلاثة كواكب تعبد كثالوث كوكبي؛ الأب والابن والأم، أي القمر والشمس والزهرة؛ بل غدت عند الشعب الإسماعيلي فكرة أعم وأكثر عمقاً، لأنها ارتبطت بفكرة العقل، وهذا ما يجسده على أكمل وجه هذا الشعب سوية مع تحالف قبائل سبأ ببناء معابد الإله المقه- مكة؛ أي المخ/ العقل).
لقد ارتبطت عقيدة الإله الواحد بقصة الفداء؛ حيث ظهر ذبح عظيم حسب الرواية القرآنية، أو أيل حسب رواية التوراة؛ والذي هو الطوطم، الممثل للأب الأكبر إبراهيم؛ ليفتدي إسماعيل أو إسحاق ويغدو إله معظم القبائل الإسماعيلية وتحالفها السبأي. إن ما قدمه الربيعي في كتابه عن أسطورة إسماعيل وهاجر من تحليلات أنثروبولوجية للتفاصيل الميثولوجية التي عجت بها هذه الأسطورة مضاف إلى تناوله وتتبعه تطورات الصراع الإسماعيلي- اليهودي، وتقديمه نماذج وأمثلة عن طبيعة تلك الصراعات وانعكاسها بالآثار اليمنية والآشورية.
إن ذلك التقديم يعد إنجازاً كبيراً في طريق إعادة كتابة القصة التوراتية بمجملها وإرجاعها إلى بيئتها الحقيقية المتمثلة بالحضارة اليمنية.
وقد أضاف إلى كل ذلك شرحاً لمسائل عديدة تطلب البحثُ التطرقَ إليها، وتفكيك أجزائها والكشف عن حقيقتها؛ مثل معبد الإله الأب والابن، ودراسة نقوش الاعتراف عند الإسماعيليين اليمنيين القدماء، كما استعرض عدداً من النقوش المهمة وترجمتها، متتبعاً عبر ذلك تطور الطقوس الدينية الإسماعيلية، وعلاقتها بالمسيحية الحاضرة وجملة موضوعات ذات أهمية بالغة تعيد بناء الرواية التاريخية بموضوعية ودقة.
إن البحوث التي سطرها الربيعي في كتابه (إسماعيل وهاجر)، أكبر بكثير من أن يحيط بها مقال صغير؛ لذا وجب التنبيه إلى ضرورة قراءة الكتاب والتعمق بالأفكار الواردة فيه.