Skip to content Skip to footer

أهل الكتاب في التنزيل الحكيم – دراسة لسانية سياقية قرآنية محايدة | د. يوسف فؤاد أبو عوّاد

منذ فجر الرسالات نزل الوحي على البشر وصايا وصحفًا محدودة لنبي مثل نوح وإبراهيم، حتى جاء موسى عليه السلام فأوتي الكتاب التام أول مرة، ثم تتابعت التوراة والإنجيل والزبور كتبًا متممة لهداياته. وبهذا تبلورت مفاهيم قرآنية دقيقة مثل أهل الكتاب، والذين أوتوا الكتاب، والذين أوتوا نصيبًا منه.

من الوصايا والصحف إلى الكتاب التمام

كانت فترة البشر بين نوح وموسى فترة عصيبة، فلم يقبل الإنسان فيها رسالة الله، بل كان يحاربها ويحارب المرسلين بها، فكانت عقوبات الله تصيبهم فتهلكهم، ولسنا نجد في نصوص القرآن الكريم ذكرًا لكتاب أوتيه أيٌّ من المرسلين قبل موسى، وإنّما كان ما أوتيه نوح وصايا فقط، وكذلك ما أوتيه إبراهيم، غير أنّها في عهد إبراهيم شكّلت صحفًا لم تبلغ مرحلة أن تسمّى بـ(الكتاب)، لاحظ قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ۞صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾ [الأعلى: 18-19].

أمّا موسى عليه السلام، فهو الرسول الأوّل الذي أوتي الكتاب تمامًا، لاحظ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 43]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنعام: 154].

والصورة إذن على النحو التالي:

    1) لم يؤتَ نوح سوى وصايا.

    2) أوتي إبراهيم وصايا شكّلت صحفًا.

    3) أوتي موسى وصايا شكّلت صحفًا تكاملت لتكوّن الكتاب التمام.

    4) أمّا عيسى، فلقد عُلّم الكتاب، ولم يؤت كتابًا جديدًا، لاحظ قوله تعالى: ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ﴾ [المائدة: 110]، وقوله تعالى عنه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ﴾ [آل عمران: 48]، ولستَ تجد موضعًا واحدًا يشير إلى أنّ الكتاب أنزل إلى عيسى أو أوتيه إلا بالاقتران مع موسى، لاحظ قوله تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]، وقوله تعالى:﴿قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 84]، وما ذاك إلا لأنّ عيسى إنمّا علّمه الله كتاب موسى نفسه.

وبهذا نفهم أنّ ما أنزل قبل موسى إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط لم يصل لمرحلة أن يكون كتابًا، بل غايته صحف فقط.

وعليه، فإنّك إذا قرأت قوله تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213]، علمت أنّ الكتاب هنا هو مجموع ما أنزل على الجميع، وقد نزل تمامًا لأول مرة على موسى عليه السلام، وفهمت لماذا جاء الكتاب بصيغة المفرد لا الجمع، كما أنّك ستعرف أنّ الذين اختلفوا في الكتاب هم البشر في عهد موسى وما بعده، أمّا من قبلهم فلم ينزل أصلا عليهم كتابٌ، فإنّهم لم يشكّلوا مجتمعًا بشريًّا يستقرّ على قبول الرسالة، وكانت نهايتهم الدائمة هي الإهلاك العامّ إلا للمؤمنين، وهم قليلون جدًّا لم يصلوا لأن يشكّلوا مجتمعا بشريًّا إلا في عهد موسى عليه السلام، لاحظ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ﴾ [هود: 110]، [فصلت: 45]، وهذه الآية -كما ترى في العزو- تكررت مرتين في التنزيل الحكيم دون أي فرق.

 

التوراة والإنجيل والزبور

وهنا يرد سؤال اضطراري: ماذا عن التوراة والإنجيل والزبور؟

والجواب أنّ التوراة إنما أنزلت من بعد موسى، ولم تنزل عليه هو، لاحظ قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ﴾ [المائدة: 44]، ولن تجد آية واحدة في التنزيل الحكيم تقرن التوراة بموسى، بل هي كما ترى، يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون والأحبار للذين هادوا، وهذه مرحلة بعد موسى قطعًا.

أمّا الإنجيل فقد أوتيه عيسى عليه السلام، وهو غير الكتاب، فالكتاب عُلّمه عيسى تعليمًا كما سبق بيانه، والإنجيل أوتيه إيتاء، لاحظ قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 46]، والضمير هنا عائد على الذين هادوا كما هو واضح في السياق عند تتبعه. ثم لاحظ الآن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ۞ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ﴾ [الحديد: 26-27]، ولاحظ كيف أنّ كلمة (رُسُلِنا) شملت جميع الرسل بين نوح وإبراهيم، كما شملت من عاصر إبراهيم، وهو لوط، وشملت أيضا مَن بعد إبراهيم، وهم موسى ومن قفّى الله بعده من الرّسل النبيين الذين نزلت عليهم التوراة، وذلك متناسق تمامًا مع ما رأيتَه في الآيات السابقة، وبعد كلّ هؤلاء المرسلين جاء عيسى بن مريم، فعلّمه الله الكتاب الذي أوتيه موسى، وآتاه الإنجيل مصدقًّا للتوراة ومحللًا بعض ما كان محرّمًا على الذين هادوا، لاحظ قوله تعالى عنه: ﴿وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: 50].

ولعلّ الزبور الذي أوتيه داود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا﴾ [الإسراء: 55] هو من هذا القبيل، قبيل التوراة والإنجيل، فهي كتب تفريعية شارحة للكتاب الأوّل بما يناسب فترات زمنية محددة، هذا هو ما نقرأه من تفاصيلها في التنزيل الحكيم.

 

مفهوم “أهل الكتاب” ومفهوم “الأميين”

إذا تقرّر هذا، فإننا الآن نفهم تمامًا أنّ مصطلح أهل الكتاب حيثما ورد في التنزيل الحكيم، فالمراد به البشر الذين وصلهم الكتاب الذي أنزل على موسى والذي عُلّمه عيسى، ويشاطرهم في تكوين المجتمع البشري الكلي الأميّون، فإنّهم الذين لم يبلغهم الكتاب من البشر، وكان يكفيهم أن يسيروا على ما أسسه إبراهيم قبل نزول الكتاب، ومن هنا جاءت هذه النسبة، فـ(أميّون) مفردها أميّ، والأميّ هو المنسوب للأمّة، والأمّة إذا أطلقت هي صفة إبراهيم عليه السلام، لاحظ قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [النحل: 120].

والذي يظهر لنا أنّ البشر الذين شكّلوا مجتمعًا كبيرًا هم الذين بلغهم كتاب موسى، فصاروا (أهل الكتاب)، وأنّ الجماعات المتفرقة من البشر التي لم تصل لمرحلة أن تشكّل مُدُنًا مكتملة كان يكفيها أن تكون أميّة تعبد الله على الفطرة الأولى. فلمّا وصلوا لهذا المرحلة من الانتشار والامتداد البشري من جهة، وبلغ تحريف الكتاب من قِبَل أهله مبلغًا كبيرًا جاءت الرسالة الخاتمة، فكانت للأميين أصالة، ولأهل الكتاب تصحيحًا، لاحظ قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الجمعة: 2]، وقوله تعالى:﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ﴾ [السجدة: 3]، ولاحظ قوله تعالى في بيان مخاطبة الرسالة الخاتمة للطرفين على حدّ سواء: ﴿فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 20].

ومن المهمّ جدًّا هنا الانتباه إلى أنّ أهل الكتاب والأميين يشكّلون معًا بني إسرائيل، وهم من بقي من البشر وتناسل من ذرية نوح، وقد فصلنا بيان هذا المفهوم في مقال سابق، فليرجع إليه، والدليل على شمول الطرفين بمظلة بني إسرائيل الشاملة للمرحلة ما بين موسى ومحمد عليهما السلام هو قوله تعالى: ﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: 78]؛ فالضمير (هم) يعود على قوم موسى الذين هم بنو إسرائيل، وهم كلّ من بقي من البشر بعد إهلاك القرى وإهلاك فرعون وجنده، وما يؤكّد صحّة عود الضمير أنّ هذا السياق في سورة البقرة بدأ بقوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]، وهو سياق ممتدّ، وقد كانت نعمة الله عليهم بالأساس هي بقاؤهم وانتشارهم في الأرض لمّا قبلوا رسالة الله، وذلك خلافًا للقرى التي أهلكت حين كذّبت المرسلين.

وهكذا يتبين لنا تمامًا مصطلح أهل الكتاب في التنزيل الحكيم، فهم كلّ من وصله الكتاب الذي أنزل على موسى، وتلاه نزول التوراة والإنجيل، ولم يكن في الأرض غيرهم سوى الأميين؛ ولذلك تجد خطاب التنزيل الحكيم لأهل الكتاب خطابًا عامًّا، وقد ورد 31 مرة في 31 آية؛ فتارة يذكر خيرهم، وتارة يذكر سوءهم، وقد انتهى الأمر ببعضهم إلى الكفر بعد الإيمان، كما هو الحال مع بني إسرائيل عمومًا، وكما حصل تمامًا مع بعض من آمن بالرسالة الخاتمة ثمّ كفر بها بعد ذلك.

 

مفهوم “الذين آتيناهم الكتاب”

أمّا مصطلح (الذين آتيناهم الكتاب)، فلن تجده في التنزيل الحكيم في سياق الذمّ أبدًا، فإنّ إضافة الإيتاء إلى المضير (نا) فيه تشريف وتقدير، فهو عائد على الله وما وضعه من أسباب لإيتائهم الكتاب بإذنه، لاحظ قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [البقرة: 121]، وبمثل هذه الصورة يرد ذكرهم في سائر الآيات، باستثناء موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]، وهو فيه يتحدث عن فريق منهم، ومع ذلك، فالحديث فيه أسلوب العتاب اللطيف اللين، وليس أسلوب الذمّ المباشر.

 

مفهوم “الذين أوتوا الكتاب”

بينما نجد خلاف ذلك تمامًا مصطلح (الذين أوتوا الكتاب) الذي ورد 18 مرة في 16 آية، فالفعل مبنيّ هنا للمفعول لا الفاعل، وضمير الفاعل (نا) العائد على (الله وما جعله من أسباب) غير مذكور هنا؛ ولذا، لن تجد هذا المصطلح في سياق المدح قطعًا، بل إمّا الذمّ والإشارة لحالة من الإهمال، أو سياق محايد. لاحظ قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187]، وهو سياق ذمّ واضح. أما ما نقصده بالسياق المحايد، فهو على سبيل الحصر قوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ﴾ [المائدة: 5]، وذلك ليشمل الحلّ كلّ أهل الكتاب حتّى المفرطون منهم بمضمونه، ولشرح هذه المسألة موضع آخر مناسب له، ومع ذلك، فأنت ترى رائحة التهديد في نهاية الآية الكريمة لمن يكفر بعقد الإيمان.

 

مفهوم “الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب”

يبقى هناك مصطلح ثالث هو (الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب)، ولعل القارئ الكريم يستنتج الآن مباشرة أنّه مصطلح ذمٍّ قطعًا وحصرًا، ولم يرد سوى في مواضع ثلاثة في التنزيل الحكيم هي:

  • ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ﴾ [آل عمران: 23]
  • ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ﴾ [النساء: 44]
  • ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 51]

وهي جميعها من الذمّ والتقريع كما ترى.

 

نتائج حاسمة

    1- لا يقرن التنزيل الحكيم ولو لمرة واحدة بين اليهود والنصارى وبين مصطلحات: (أهل الكتاب، الذين أوتوا الكتاب، الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب)، بل يعالج مفهوم (اليهود) و(النصارى) باعتبارهما ملتين سلوكيّتين، وصحيح أنّهما ظهرتا في نفس الفترة من حياة البشر، إلا أنّهما منفصلتان تمامًا عن أهل الكتاب، ورغم الخلط الهائل الذي تراه في كتب التراث بين كلّ هذه المصطلحات إلا أنّ التنزيل الحكيم بريء منه، وليس مصدره سوى الروايات التلمودية، والحقّ الذي يشير له التنزيل الحكيم هو أنّ كلّ من تبع موسى وعيسى هو من أهل الكتاب، وأنّ اليهود والنصارى مفاهيم تتعلق بسلوكات يصفها القرآن وصفًا دقيقًا، وسننشر فيها مقالًا مستقلًّا بعون الله.

نعم، قد يعترض على ما قلناه بسياق واحد لا ثاني له هو: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ۞مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [آل عمران: 65-67]، ولكن هذا اعتراض لا ينهض، فنحن نعلم أنّ كثيرًا ممّن يصفهم القرآن باليهود والنصارى يدّعون أنّهم من أهل الكتاب، ولكنّ التنزيل خاطبهم باسم أهل الكتاب هنا لإثبات الانفصال التامّ بين الملة اليهودية والملة النصرانية وبين الكتاب الذي يدّعون أنّهم أهله، فإن تركوا سلوك اليهود والنصارى عادوا ليكونوا من أهل الكتاب حقًّا، وإن لم يتركوه فلن تجد التنزيل يسميهم بغير اليهود والنصارى، وإن أردت أن تتأكّد من صحّة ودقّة هذا الردّ فاقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ۞قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ۞فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة: 135-137]، وهذا جزء من السياق الممتد من سورة البقرة في مخاطبة بني إسرائيل، فلا شكّ أنّ القائلين من حيث الأصل هم من بني إسرائيل، غير أنّهم خرجوا عن هذا المسمّى وخرجوا عن مسمّى أهل الكتاب أيضًا بسلوكهم القائم على ادّعاء انحصار النجاة في ملّتهم التي هي بالأصل سلوك منحرف عن مقتضى الكتاب ومقتضى الإسراء إلى الله، فطلب منهم التنزيل أن يعودوا لفكرة الإيمان بجميع الرسل وما أنزل إليهم، فهو شيء واحد، ثمّ بيّن أنّهم إن لم يقبلوا فهم في شقاق، وهذا تعبير دقيق كلّ الدقّة في بيان انشقاقهم ومفارقتهم لمسمّى أهل الكتاب ومسمّى بني إسرائيل.

    2- انتهى مصطلح أهل الكتاب وتفرعاته بنزول الكتاب نَزْلَتَهُ الثانية والأخيرة على قلب محمد -عليه الصلاة والسلام-، وصار الخطاب للناس جميعًا، واقتصر الوصف بعد ذلك على سلوك الإيمان أو ما هو ضدّه من الكفر او الشرك، وأعاد التنزيل الحكيم الأمور إلى نصابها بإقامة الأوصاف على السلوك، ونقّاها من كلّ تحريف أو استحواذ أو تشويه.

وقد أشار التنزيل إلى انتهاء هذا المصطلح في الآية التي سبق أن أشرنا لها، وهي التي تنظم العلاقة بين الجميع؛ من أهل الكتاب سابقًا والمؤمنين لاحقًا، أعني بذلك قوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 5]، فالعقد الجامع للبشر هو عقد الإيمان بما هو بذل كلّ أحد الأمن لغيره، وحصوله عليه من الغير، ومن يكفر بهذا العقد فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين.