على قدْرِ أزمات العالمِ العربيّ وحاجتِه إلى الحداثةِ السياسيّةِ ودخولِ التاريخِ، على قدْرِ تعدُّدِ توصيف مواطنِ الاعتلال واقتراح الرؤى والتصوُّرات، من قبل نخبةِ الفكرِ السياسيّ العربيّ، في سبيل انتشال الدَّولة العربيّة من مِحنَتها المزمنة.
يَصعُبُ الإحاطةُ بهذهِ التَّصوُّراتِ جميعِها، وليسَ هذا من مطالبِ هذهِ المقالة ولا في طاقَتِها، وإنَّما هي أمثلةٌ نسوقها، في إيجازٍ سريعٍ، تُؤشِّرُ على مَواطِنِ الانتباهِ التي انشَدَّ إليها المفكّرُ العربيّ، وهو يَنظُر إلى جماعته السياسيّة ومشكلات اندماج المواطنين فيها؛ في أسبابِ الخللِ ومُمكناتِ الإصلاح. واقتُصِرَ، في هذهِ المقالة، على أربعةٍ من بين الأطروحات العربيّة، للنَّمذَجةِ لا للحصرِ، ويمكنُ وصفُها كالتَّالي: الأطروحةُ التَّنويريَّةُ القَطائعيَّةُ، أطروحةُ تَفكيكِ العصَبيَّة، أطروحةُ المشروعيَّةِ الديمقراطيّةِ، وأطروحةُ الدَّولة الوطنيّةِ.
الأطروحةُ التنويريَّة القطائعيَّة
تنطلِقُ الأطروحةُ التَّنويريَّةُ القَطائعيَّةُ لعبدِ اللهِ العَرويِّ من مُسلَّمةٍ تحسَبُ أنَّ مَأتى أزمةِ السياسةِ العربيّةِ من تَعايُشِ البنى التَّقليديَّةِ معَ المُؤسَّساتِ المُعاصرةِ، وما ينجُمُ منهُ من تناقضٍ بينَ خِطابٍ حداثيٍّ وحديثٍ، ومُمارساتٍ تقليديَّةٍ، وولاءاتٍ قبَليَّةٍ ودينيَّةٍ وسُلطويَّةٍ في العُمقِ. من هنا دَعوَتُهُ إلى القَطعِ مع هذهِ الازدواجيَّةِ، وإجراءِ جراحةٍ تحديثيَّةٍ جذريَّةٍ تنويريَّةٍ ليسَ باستيرادِ مُؤسَّساتٍ ودساتيرَ حديثةٍ فحسبُ، بل بإعمالِ تنويرٍ للعقلِ والثَّقافةِ العربيّينِ، واستدماجِ القيمِ الحداثيَّةِ التي أفرزَتِ المُؤسَّساتِ والدساتيرَ تلك. هكذا يَمرُّ بناءُ رابطةِ الفردِ بالدَّولة الحديثةِ، عندَ العَرويِّ (مفهوم الدولة، 2011)، بِوَعْيٍ تاريخيٍّ بها يقطَعُ معَ التَّقليدِ وبنيَاته. يَنجُمُ من هذا تغييرٌ جذريٌّ في نظرةِ الفردِ للدولةِ ولدَورهِ فيها في اتِّجاهٍ يُرسِّخُ قيمةَ الإنسانِ، ويُعزِّزُ قدرتَهُ على المُشاركةِ الفاعلةِ في الحياةِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ، ويُحرِّرُ الدَّولة من أسرِ خطابٍ تراثيٍّ انتقائيٍّ يَختزلُها في أُطُرٍ تاريخيَّةٍ لم تعُد قادِرةً على مُتابعةِ مسيرةِ التَّاريخِ. ويُشاطرُ العرويَّ في هذا التصوُّر زُمرةٌ من المُفكِّرينَ العربِ، كصادقِ جلالِ العَظم (النقد الذاتي بعد الهزيمة، 1969)، وعبد المجيدِ الشرفيّ (الإسلام والحداثة، 1998).
أطروحةُ تفكيكِ الذهنيَّة العصبويَّة
أما محمّد عابد الجابريّ فاقترح تفكيك الذهنيّة العصبويّة، باعتبار العصبيّة المعضلةَ الجوهريّة في الاجتماع العربيّ، تضرب بجذورها في بنيةٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ عميقةٍ وموروثةٍ، وتتداخلُ فيها ولاءاتٌ تقليديَّة عصبويّةٌ، تكبحُ إمكان تشييد دولةٍ حديثةٍ على قواعد عقلانيّة، وتبقيها رهينة شرعيَّةٍ تقليديَّة تستمدُّ وجودها من مرجعيات ما قبل–وطنيّة. لن تقوم للمواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطيّة قائمةٌ، برأي الجابري، من دون تفكيك هذه البنى العصبيَّة التقليديَّة، التي تَتَحكَّم في السياسة والاجتماع والاقتصاد؛ فـالقبيلة والغنيمة والعقيدة محدّدات ثلاثة حكمتِ العقلَ السياسيّ العربيّ بالأمس وما تزال. هي بنى متجذّرةً في العقل العربيّ، وراسخةً في ثقافة المُجتمع، ولا سبيل إلى تفكيكها إلَّا من طريق مراجعة التراث، والسعي إلى التوفيق بين ما يقبل التوفيقَ من قيمٍ إنسانيَّةٍ كامنةٍ في هذا التراث، وقيم الحداثة وتحدّيَاتِ العصر، والانتقال إلى تنظيمٍ مدنيّ اجتماعيّ سياسيّ حديثٍ، واقتصاد إنتاجيٍّ، والتحرُّرَ من الذهنيّة الطائفيَّة والدوغمائيّة.
أطروحةُ المشروعيَّة الديمقراطيَّة
وفي مقاربتهِ لمشكلةِ المواطنةِ وأسئلتِها العربيّةِ، اقترح برهان غليون (المحنة العربية، 2003) مدخلَ الشرعيّة الديمقراطيّة كحلٍّ للعقبةِ التي تُواجهُ علاقةَ المواطنِ العربيّ بدولته، دولةٌ وصفها غليون بـالدَّولة التسلُّطيةِ، التي احتكرت السّلطةَ والثّروةَ ووسَّعت الفجوةَ بينَ الحاكمِ والمحكومِ. وبما أنَّ الدَّولة التسلطيَّةَ كيانٌ “غير شرعيّ”، نشأ إمَّا بفعلِ عواملَ خارجيّةٍ (الاستعمارِ أو القوى الدوليّةِ)، أو عبرَ انقلابٍ أو حكمٍ حزبيٍّ أحاديٍّ، فكيف يُمكن أن يُقيمَ كيانٌ على هذه النشأة المعاقة مؤسّسات الحقِّ والقانون؟ مدخل المواطنة في أطروحة غليون، إذن، هو بناءُ شرعيّةٍ سياسيّةٍ حقيقيّةٍ مستمدةٍ من الشعبِ وتَوافُقِهِ، أيْ على أساس الديمقراطيّة (بيان من أجل الديمقراطيّة، 1978). وغير بعيدٍ عن تصوّر غليون، شيَّد عزمي بشارة (في المسألة العربية، 2008) مقاربتَهُ لمسألةِ المواطنةِ على قاعدة الديمقراطيّة وفاعليّة المُجتمع المدنيّ.
أطروحةُ الدّولةِ الوطنيَّة
وفي مقابلِ المقاربةِ الديمقراطيّةِ، يرافعُ عبد الإله بلقزيز عن الدَّولة الوطنيّةِ كمدخلٍ ابتدائيٍّ إلى المواطنةِ وتمتينِ لحمةِ المجتمعِ؛ لأنّ “كلُّ حديثٍ في المواطنةِ -عندَهُ- يقودُ، حُكمًا، إلى الحديثِ في الدَّولة الوطنيّةِ؛ إذ ما من مواطنةٍ تُمكنُ من غيرِ انبثاقٍ من تُربةِ الدَّولة الوطنيّةِ بما هي بيئتُها الخاصَّةُ” (الجماعة السياسية والمواطنة، 2020، ص. 11). قيام الدَّولة الوطنيّةِ، إذن، يجعلُ من المواطنة تحصيل حاصلٍ، في مقاربة عبدِ الإلهِ بلقزيز؛ فهي بمنزلة الأصل في الدَّولة الوطنيّة. يُفسر هذا لماذا كان مدار إنتاجِ بلقزيز في المواطنةِ غير منقطعٍ عن تفكيرِهِ في الدَّولة الوطنيّةِ الحديثةِ: في أسبابِ امتناعِها عربيّا، على الوجه السليم، وفي شروطِ قيامِها، وفي هشاشةِ وعيِ الأفراد بها وضعف الروابط الاجتماعيّة في رحابها وسبل تمتينها. وأطروحة الدَّولة أولًا وأخيرًا فكرة مركزيَّة، عندَ عبد الإله بلقزيز، وفي صميم كلِّ متْنِه في الفكرِ السياسيّ، حتى أنَّ كتابَهُ في الجماعةِ السياسيّةِ والمواطنةِ هو بمثابةِ بيانٍ في مسألةِ الدَّولة؛ في صِلاتِ الفردِ والأمةِ والمجتمعِ بها، وفي وعيِها بذاتِها ووعيِ المواطنِ بها، مُلحًّا في هذا الكتاب، وفي غيره، -مع كثير من التشديدِ- على أنَّ الدَّولة الوطنيّةَ هي السبيلُ إلى مواطنةٍ دامجةٍ للفردِ في جماعتِهِ السياسيّةِ، وجامعةٍ للمجتمعِ ومكوِّناتهِ، على أساسِ عقدٍ اجتماعيّ يفصِّل الحقوقِ والواجباتِ، يَمحضُ الفردُ بهِ الولاءَ المُطلقَ للدولةِ وليسَ لعصبيات هويّاتيَّة مُغلقةِ.
بين الأطروحتين الأولى والثانيَة، نقاشٌ على صعيد الثقافة العربيَّة، وتوتٌر حول الصّلةِ مع التراث، أتكون قطائعيَّةً تجاوزيّةً، كما في اقتراح العروي، أو نقديَّةً احتوائيَّةً لا تُقيم، بالضرورة، قطيعةً تامّةً مع التّراث، كما يُفضّل عابد الجابري؟ أما بين الأطروحتين الثالثة والرابعة، فحوارٌ على صعيدٍ سياسيٍّ، يعكسُ التوتُّر بين أسبقيَّة الاستقلاليَّة الخاصَّة للأفراد والسيادةِ الشعبيَّة، كما في تصوُّر برهان غليون، مثلًا، وأولويّة السيادةِ العامَّة مُمثَّلةً في الدولة الوطنيَّة على النحو الذي يشدِّد عليه عبد الإله بلقزيز.
هكذا تنوَّعت المقارباتُ أعلاهُ لسؤالِ المواطنةِ ومشكلاتها، عربيّا، بين الأطروحةِ التنويريّةِ القطائعيّةِ، وأطروحةِ تفكيك العصبيَّة، وأطروحةِ المشروعيَّةِ الديمقراطيّةِ، وأطروحةِ الدَّولة الوطنيّةِ. تُفيد هذه الإطلالةُ الخاطفةُ على هذه النماذجِ التمثيليّةِ، ومن دونِ كثرةِ التَّنفيلِ في القولِ، كَشْفَ الفجوةِ المهولةِ في الهواجسِ التي حكمت تصوُّراتِ فكرةِ المواطنةِ وأسئلتِها بين الأدبِ السياسيّ المعاصرِ، في سياقِ الدَّولة المتقدِّمةِ، والتفكيرِ السياسيّ العربيّ، في ظلِّ الدَّولة المتعثّرة. ما يزال البحثُ جاريًا، عندنا، عن أجوبةٍ عن أسئلةِ الصّلةِ مع التراثِ، وبناءِ الدَّولة، وترسيخِ المواطنةِ، وإرساءِ الديمقراطيّةِ، وبناءِ الأمةِ، وسيادة القانون… إلخ، وهي قضايا باتت أشبه ما تكون، بالبدائيّة والناجزة، في الدَّولة الحديثة. وهنا، لا بدّ من التشديدٍ على حتميَّة تأميم نظريّة المواطنة عربيّا، وتبييءِ مقاربتها.
ملاحظة عامَّة
في ملاحظةٍ عامَّةٍ وسريعةٍ على الأطروحاتِ العربيّةِ أعلاه، يمكن أن نسجِّل أن جميعها، اقترحت تصوّرًا واحدًا لخروج الدول العربيَّة من أزمتها، استنادًا إلى وحدة نسبية في طبيعة تكوين الدّول العربيّة ونسيجها الاجتماعيّ والثقافيّ؛ وقضاياها ومعضلاتها السياسيَّة والاجتماعيَّة؛ وتحدِّيَاتها الداخليَّة والخارجيَّة؛ و، بالتالي، وحدة وصْفات الخروجِ من الأزمة. لقد نُسجتِ التصوُّرات العربيَّة للدولة والمواطنة جلُّها على مقدِّمةٍ قَبْليَّةٍ كبرى مفادُها أنَّ الحالَ العربيّةَ تُفصحُ عن مشتركٍ عامٍّ، لغويٍّ ودينيٍّ وثقافيٍّ واجتماعيٍّ وتجانسٍ نسبيٍّ في المجتمعات العربيّة. فالتعدُّدُ اللغويُّ والدينيُّ، تحديدًا، محصورٌ نسبيًّا في البلادِ العربيّةِ؛ العربيّةُ هي لغةُ كلِّ أقطارِها، إلى جانبِ نسبةٍ ممَّن يتحدَّثونَ الأمازيغيَّةَ في شمالِ إفريقيا، والكرديَّةَ في العراقِ وسوريا. أمَّا الإسلامُ فهو دينُ البلاد العربيّة، مع حضورِ المسيحيَّةِ، في دولِ “الشرقِ الأوسطِ”، وهو حضورٌ، في عمومِهِ، متماهٍ ثقافيًّا مع بيئتِهِ الإسلاميَّةِ، حتى أنَّ عددًا من رُموزِ القوميَّةِ العربيّةِ مسيحيُّون، كـميشيل عفلق، وجورج حبش، وقسطنطين زريق، وغيرِهم. تُفسِّرُ هذه المقدِّمة (مقدِّمةُ المشتركِ العربيّ والتجانس النسبيّ، التي أطَّرتِ التصوّرات العربيّة للدّولة والمواطنة)، أسبابَ العدوى السريعةِ بأمراضِ السياسةِ، في البلادِ العربيّةِ، واستحالتِها إلى جوائحَ عَصفتْ بالدَّولة والمجتمعِ، في عددٍ منها. وتبرِّرُ (هذه المقدِّمة)، أيضًا، وصفةَ العلاجِ الأساسَ التي تطرحُها كلُّ مقاربةٍ عربيّةٍ في الدَّولة والمواطنة، بناءً على نتائجِ تشخيصِ وجهِ الاعتلالِ الرئيسِ في سياسيّاتِ العربِ. لذلك، ذهبتْ كلُّ واحدةٍ من المقاربات تلك إلى تعيينِ معضلةٍ واحدةٍ أساسٍ، حسبتها أمّ المعضلاتِ في الاجتماعِ العربيّ، ووَصْفِ علاجٍ واحدٍ لها: قد يكونُ الدَّولة الوطنيّةَ، أو الديمقراطيّةَ، أو التنويرَ الثقافيّ، أو التربيةَ، أو التنميّةَ… إلخ. غير أنَّ في هذا الطرح ذهولٌ -قليلٌ أو كثيرٌ- عن خاصيَّةٍ جوهريَّةٍ تَسمُ الدَّولة العربيّةَ هي التمايز بينَ الأقطارِ العربيّةِ، وعلى صُعدٍ شتَّى: سياسيّةٍ، واجتماعيّةٍ، واقتصاديَّةٍ. فـالدَّولة العربيّةُ دُوَلٌ، مع حفظِ المُشتركِ الثقافيّ والتاريخيِّ. لذلك قد نكون في حاجة إلى نظريّةٍ، في المواطنة، عربيَّةٍ تأخذ في الحسبان خصائصَ اجماعٍ عربيٍّ متعدّدٍ ومضطربٍ.
المراجع
بشارة، ع. (2008). في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطيّة عربيّة. رام الله، فلسطين: مواطن.
بلقزيز، ع. إ. (2020) الجماعة السياسية والمواطنة. الدار البيضاء، المغرب/بيروت، لبنان: المركز الثقافي للكتاب.
العروي، ع. (1995) الإيديولوجيا العربية المعاصرة. الدار البيضاء، المغرب/بيروت، لبنان: المركز العربي للكتاب.
العروي، ع. (2011) مفهوم الدولة (ط. 9). الدار البيضاء، المغرب/بيروت، لبنان: المركز الثقافي العربي.
العظم، ص. ج. (1969) النقد الذاتي بعد الهزيمة. بيروت، لبنان: دار الطليعة.
غليون، ب. (2003) المحنة العربية: الدولة ضد الأمة (ط. 3). بيروت، لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية.
غليون، ب. (2006) بيان من أجل الديمقراطية (ط. 5). الدار البيضاء، المغرب/بيروت، لبنان: المركز الثقافي العربي.
الشرفي، ع. م. (1998) الإسلام والحداثة. تونس: دار الجنوب.