كانت اللغتان السومرية والأكدية في الاستعمال خلال الألف الثالث قبل الميلاد، قبل قيام الدولة الأكدية؛ التي سُميت نسبة إلى العاصمة الجديدة “أكد”؛ ولكن التدوين بكلتا اللغتَين كان في طور التطور، فلم تكن النصوص التاريخية، وبضمنها الملكية، أو الأدبية أو القانونية.. وغيرها، قد تطورت إلى شكلها الناضج بعد. وفي العصر البابلي القديم (2004- 1595ق.م) بلغت النصوص الأدبية والتاريخية والقانونية وبقية أنواع النصوص في اللغتَين السومرية والأكدية، مستواها الناضج والواسع.
واستمر ذلك طوال ألفَي عام تقريباً. وكان استعمال هاتين اللغتَين يتم من قِبل سكان وادي الرافدين القدماء؛ من أكديين وأموريين وآراميين، وأقوام أخرى من غير أي وجود للسومريين. وهذا ما يتفق عليه العلماء المختصون؛ ولكن لم يلتفت أي منهم ليقول لنا كيف استمرت لغة مثل السومرية في الوجود من دون وجود سومريين؟ وإذ ذكرنا هذه الحقيقة المتعلقة بالأدب السومري، لا بد من ذكر عدة حقائق كان ينبغي الانتباه إليها من قِبل المختصين سابقاً، والبحث عن “أجوبة علمية” عن التساؤلات التي تكتنفها. ومن هذه الحقائق نعرض هنا:
أولاً: يعود تاريخ معظم النصوص الأدبية والقانونية والتاريخية السومرية إلى العصر البابلي القديم وما بعده. ولذلك قُسِّم تاريخ اللغة السومرية إلى عصرَين؛ الأول في الألف الثالث قبل الميلاد، والثاني ما بعد الألف الثالث قبل الميلاد؛ وهو العصر الأطول والأكثر ثراء بالموضوعات والأبواب والمفردات. كما أنه دون أي اختلاف في الآراء؛ عصر لا وجود للسومريين فيه.
والسؤال المطروح هنا هو: مَن الذي كان يؤلف ويكتب بالسومرية في ذلك العصر الثاني من تاريخها طوال ألفَي عام؟ لقد مرت المرحلة الثانية من تاريخ اللغة السومرية بأربع مراحل؛ حدَّد عالم السومرية المعروف آدم فلكنشتاين، ثلاثاً، وأضفنا هنا المرحلة الرابعة في ضوء المكتشفات اللاحقة. وهذه المراحل الأربع هي:
1ـــ مرحلة العصر البابلي القديم المبكرة (2020- 1850 ق.م): ظهرت فيها النصوص الأدبية السومرية، والنصوص المعجمية التي تتضمن المفردات السومرية والأكدية المترادفة.
2ـــ مرحلة العصر البابلي القديم المتأخرة (1850- 1600 ق.م): وهي مرحلة النصوص الملكية والاقتصادية والقضائية، فضلاً عن المؤلفات السومرية المهمة.
3ـــ مرحلة ما بعد العصر البابلي القديم (1600- 1000 ق.م): وفيها ظهر الجزء الأكبر من النصوص الأدبية السومرية ونصوص العهد الكاشي الملكية والأدبية السومرية.
4ـــ مرحلة الألف الأول قبل الميلاد (1000ق.م- 79م): تواصل فيها تأليف النصوص الأدبية باللغة السومرية وظهور نصوص ثنائية اللغة (سومرية- أكدية) وازدياد استعمال الرموز السومرية في تدوين المفردات الأكدية.
ثانياً: منذ العصر البابلي القديم، أخذت القوائم المعجمية البابلية، تدرج مفردات سومرية جديدة ترادف المفردات الأكدية. كما ابتدأ وضع رموز سومرية (لوغوغرامات) لكتابة الكلمات الأكدية وقراءتها بالأكدية وليس بالألفاظ السومرية. وهكذا كان ظهور رموز سومرية تكتب بها جميع أنواع المفردات الأكدية التي تشكل أسماء الآلهة، المدن، المعالم الطبيعية، أسماء الأعلام، الأفعال واشتقاقاتها، الأشهر، النباتات والحيوانات. مَن الذي كان يصيغ هذه الرموز السومرية إن لم تكن موجودة في الزمن المفترض “لوجود” السومريين في الألف الثالث قبل الميلاد؟ وكيف أصبحت اللغة الأكدية حاضنة للسومرية بمفرداتها ورموزها؟
ثالثاً: طوال ألفَي عام بعد “الاختفاء” المفترض للسومريين كان اسم سومري يُطلق، بصيغة جمل بمعانٍ شعرية غالباً على كل مبنى ديني يشيد وعلى بعض المباني العامة، ولم تكن اللغة الأكدية تستعمل في أسماء المباني الدينية. لم يتصد أحدٌ للبحث عن السبب وراء هذا العرف، بل لم ينتبه له أحد أساساً. وإن انتبه له البعض فلم يوجد مَن يثير السؤال المحتم عن مَن الذي كان يصيغ تلك الأسماء من دون وجود للسومريين؟
رابعاً: بسبب الجهل باللغة السومرية، لم يفكر أحد بالطبيعة الغريبة لها، والتي تجعل من غير الممكن استعمالها للتخاطب وإنما للكتابة فقط. ومن خصائص هذه الطبيعة؛ أن المفردات السومرية هي عبارة عن مقاطع يُكتب كل منها بعلامة مسمارية واحدة، وهي نفسها التي تستعمل في كتابة المقاطع الأكدية. ولم يكن في السومرية إعراب للمفردات أو تثنية وجمع أو تأنيث وتذكير، وكانت العلامة نفسها ترمز للمفردة التي تستعمل اسماً وفعلاً وصفة في آنٍ واحد. ثم إن الجملة السومرية كانت تكتب بتنزيل الأسماء والصفات أولاً، ثم تنزيل الأدوات اللغوية والضمائر وأسماء الإشارة بعد ذلك بترتيب عكسي؛ أي من آخر الجملة إلى أولها. كيف يمكن الحديث عن اللغة السومرية إن كانت أبسط خصائصها مثل هذه التي ذكرناها هنا، غير معروفة من قِبل المتحدث؟
خامساً: لم يتوقف أحد عند حقيقة ما كان بالإمكان إغفالها عن “السومرية”، وهي أنه لا يوجد ذكر للسومريين في أي نص سومري ولا حتى ذكر اللغة السومرية الذي لم يرد سوى في النصوص الأكدية. أما الصفة “سومري” التي وردت في النصوص الأكدية؛ فإنها تعني الكاتب الذي يتدرب على تدوين السومرية، وهو ما تتفق عليه المعاجم المحدثة. واسم “سومر” ورد مرة واحدة في نصٍّ أكدي ليشير إلى مجموعة مدن ارتبطت في ما بينها برابط سياسي في مرحلة نشوء الدول الأولى. ويفسر ذلك عالم السومرية المعروف ثوركلد ياكوبسن، بأن الاسم لم يكن اسماً جغرافياً، وإنما “عصبة” مدن ترابطت في محاولة لم تكتمل لإنشاء دولة. وكانت بعض تلك المدن تقع إلى الشمال مما يظن أنه كان “بلاد سومر”.
سادساً: الحقيقة الأخرى التي نتوقف عندها هنا هي انتشار اللغة السومرية. كثيرون يظنون أنها لغة جنوب العراق حصراً، وفي هذا خطأ كبير؛ لأن السومرية استعملت على نطاق واسع يشمل، فضلاً عن جنوب العراق حالياً، مدن منطقة ديالى في شرقي العراق (أشنونّا وتوابعها) ومدناً سورية من منطقة الخابور، في شرقي سوريا إلى إيمار (على الفرات) وأيبلا في محافظة إدلب، وحتى أوغاريت وألالاخ في أقصى الغرب. كما استعملت السومرية في مدن بلاد الأناضول القديمة؛ مثل العاصمة الحثية حاتوشا (بوغازكوي حالياً إلى الشرق من أنقرة). وهذا الانتشار، الذي استُدِّل عليه من خلال اكتشاف الكثير من النصوص السومرية، لا يقترن بأية حال من الأحوال مع انتشار لشعب سومري ولا ببلاد سومر على الإطلاق.
سابعاً: دأب الكثيرون على تسمية عصر فجر السلالات بأنه العصر السومري الأول أو القديم، وعصر سلالة أور الثالثة بأنه العصر السومري الحديث، مع الإصرار على افتراض وجود السومريين في جنوبي العراق.
ولكن الحقيقة أن المراكز المدنية واللغوية، لعصر فجر السلالات كانت تشمل مدينة أيريش (أبو الصلابيخ حالياً) إلى الشمال من “بلاد سومر” المفترضة، ومدن منطقة ديالى؛ مثل أشنونا (تل أسمر) وتل خفاجي. والمدينة الأكثر أهمية من عصر فجر السلالات هي ماري (تل الحريري) قرب الحدود العراقية- السورية في منطقة البو كمال، ومدينة أيبلا (تل مرديخ) في محافظة إدلب السورية. وكان سكان جميع هذه المدن من الأموريين (الكنعانيين).
ثامناً: كشفت عمليات التنقيب في تلول أبو الصلابيخ (قرب الدغارة في محافظة الديوانية) عن أقدم النماذج البدائية في الأدب السومري من عصر فجر السلالات؛ وهي قطع غير مفهومة حالياً، ولكنها تحمل أسماء مؤلفيها الذين كانوا أموريين لا سومريين.
تاسعاً: يعتقد الكثيرون أن مَن يحمل اسماً سومرياً هو سومري الهوية، ومَن يحمل اسماً أكدياً هو أكدي الهوية. أولم ينتبه هؤلاء إلى أن أنخيدو- أنّا (السومرية الاسم) كانت ابنة سرجون الأكدي؟ أو أن أينَّجالدِ-نانّا، ابنة نبو نائيد، ذات الاسم السومري كانت ابنة هذا الملك البابلي الأخير؟ ومن الملوك كان إبّي- سين أكدي الاسم، ولكنه ابن شو – شين السومري الاسم وخليفته على عرش أور؛ أي أنه سليل الملك “السومري” أور – نمّو مؤسس سلالة أور الثالثة التي يصر البعض على أنها سومرية.
عاشراً: استعملت اللغة السومرية في التدوين من قِبل ملوك غير سومريين؛ مثل سرجون الأكدي والملكَين الأموريَّين حمورابي ولبت- عشتار، والأخير كتب قوانينه باللغة السومرية رغم أنه لم يكن “سومرياً”. كما أن آشور- بانيبال تعلَّم السومرية كما يُذكر في أحد نصوصه، ليدوّن بها على وجه التأكيد. وعلى العكس من ذلك نجد أن لوجال- زاجيسي، الذي قيل عنه إنه “السومري” الذي أسقطه سرجون الأكدي، قد استعمل الأكدية في تدوين بعض نصوصه.
حادي عشر: لم تكن أي من الحروب المُوثَّقة طوال الألف الثالث قبل الميلاد، عصر الوجود “السومري- الأكدي” على ما يظن مَن يظن، قد دارت بين “سومريين” وأكديين إطلاقاً؛ وإنما بين مدينة وأخرى على أساس اختلاف مصالحهما. فمَن الذي يستطيع أن يزعم أنه كان هناك نزاع على زعامة البلاد في ما بين قومَين؟
ثاني عشر: والحقيقة الأخرى التي نتوقف عندها في هذه المقالة؛ تتعلق بقائمة الملوك السومرية، أو كما يُسميها الأستاذ الراحل طه باقر، “أثبات الملوك السومرية”، وهي عبارة عن قائمة بأسماء ملوك السلالات التي حكمت منذ ما قبل الطوفان، حسب تصور الكتبة القدماء الذين جمعوا تلك الأسماء وحددوا مدة حكم كل ملك. دونت هذه القائمة باللغة السومرية في مدينة إيسن (إيشان بحريات في محافظة الديوانية حالياً) خلال عهد السلالة الأمورية التي حكمتها (2004- 1794 ق.م)، أي بعد اختفاء “السومريين” بنحو قرنَين من الزمان. لقد جعل الكتبة القدماء عنوان هذه القائمة بالسومرية “نام- لوجال” (بمعنى “الملوكية”). وأطلق عليها العلماء المحدثون اسم “قائمة (أثبات) الملوك السومرية”؛ لأنها مدونة باللغة السومرية، وباللغة الإنجليزية The Sumerian King List. والصفة Sumerian هنا لكلمتَي المضاف والمضاف إليه King List. ولذلك ترجمها الأستاذ طه باقر الترجمة الصحيحة “أثبات الملوك السومرية”. وفي يومنا هذا يكتب اسم هذه الوثيقة التاريخية في الكتابات الشائعة وعبر مواقع التواصل “قائمة الملوك السومريين”، تغذية للوهم السائد بأن أولئك الملوك المسجلين فيها سومريون، بدليل هذه الترجمة الخاطئة تعمداً أو جهلاً. والأدهى من هذا أن أصحاب هذه الترجمة الخاطئة والمضللة يجهلون أن هناك قوائم ملوك بابلية وآشورية حسب تسميات العلماء المحدثين، وليست قوائم ملوك بابليين وآشوريين.