Skip to content Skip to footer

أسئلة الطائفة والطائفية في الفكر العربي | عبد الرحمن نعسان

ليس من قبيل المصادفة أن تفتتح مجلة نفير سوريا (1860)، وهي أول مجلة غير رسمية في المشرق، عددها الافتتاحي بنقد الطائفية، فمنذ تشكل الوعي العربي الحديث بدت الطائفية سؤالاً مستعصياً والعقدة التي تتقاطع عندها إشكاليات الدين والسياسة والتاريخ.

إزاء ذلك تنوعت المقاربات الفكرية حول الطائفية، فتارة يُنظر إليها كامتداد مباشر للبنية الاعتقادية الدينية، وتارة أخرى تُحلل باعتبارها ظاهرة سياسية. ويتبدى لنا، من خلال هذا التباين، أن الجدل حول الطائفية لم يكن فقط جدلاً حول هوية الجماعة، بل حول طبيعة الدولة، وحدود المواطنة، ومعنى الأمة. ومن سياق هذا الجدل الفكري حضرت العلمانية لا باعتبارها فصلاً بين الدين والدولة، بل إجابة على معضلة الطائفية.

نسعى في هذا المقال إلى رسم خارطة أولية لأسئلة الطائفة والطائفية كما تبلورت في الفكر العربي، من خلال تحليل المسارات الفكرية المختلفة التي قاربت هذه المسألة. وسنتتبع كيف تطور الوعي النقدي تجاه الطائفية، وكيف تغيرت أدواته ومنطلقاته المفهومية محاولين رصد التحولات النوعية التي طالت المنهج والرؤية. وسنقف عند بعض النقلات المفصلية التي أفرزت مقاربات جديدة، أو كشفت عن حدود المقاربات التقليدية، ونأمل أن يكون هذا النص بمثابة مدخل لطرح أسئلة جديدة حول المسألة الطائفية، من خارج ثنائية “العلمانية/الطائفية”، ومن داخل النقد المتجدد للمجتمع والدولة معاً.

1- التيار التحديثي الثقافوي (العلمانية الشاملة هي الحل):

         يقدّم التيار التحديثي مقاربة جذرية لا ترى في الطائفية مجرد خلل سياسي، بل بنية ثقافية متجذرة، فلا تُفكك إلا عبر مشروع تحديثي شامل. يتبلور هذا الاتجاه بوضوح مع المفكر ناصيف نصار، ولا سيما في كتابه (نحو مجتمع جديد: مقدمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي)؛ إذ يُعد من أوائل المحاولات لفهم الطائفية باعتبارها “نظاماً اجتماعياً وسياسياً شاملاً”. من هذا المنظور، لا تُفهم الطائفية كاختلال في توزيع السلطة، بل انعكاساً لغياب العلمنة، أي لغياب المشروع المدني الذي يؤسس لفضاء سياسي يتجاوز الولاءات الأولية (الطائفة، العائلة، العشيرة) نحو انتماء وطني. ولا تعني العلمنة، هنا، فصل الدين عن الدولة فحسب، بل بناء رؤية للعالم تخرج من إسار الرؤية الطائفية الضيقة، وتؤسس لثقافة علمية تتجاوز البنى التعصبية التي تتشربها الذات منذ النشأة.

في خط موازٍ يتقدم ياسين الحافظ برؤية نقدية جذرية في كتابه في المسألة القومية والديمقراطية، وهو لا يرى الطائفية مجرد عَرَض سياسي، بل تجلياً للوعي المتخلّف، “المفوّت”، الذي يعيش في ظل بنى ذهنية قروسطية رغم ادعائه الحداثة. ولذلك، لا تكفي العلمنة الجزئية أو الشكلية (كتعديل في قوانين الدولة) لمواجهة الطائفية، بل المطلوب هو “علمنة شاملة” تخلخل البنى التحتية الطائفية في المجتمع ذاته، إذ لا معنى لعلمنة السياسة بينما يظل المجتمع محكوماً بمنطق الانتماء الطائفي. ينبه هذا التيار إلى مفارقة مركزية وفيها نقد ضمني للتوجهات السياسية مفاده: لا يمكن بناء دولة وطنية حديثة ما دام المجتمع نفسه يعيش على أنقاض ولاءات ما قبل وطنية. من هنا، لا يكون الحل الطارئ في قوانين انتخابية أو تحالفات فوقية، بل في إعادة بناء الذات الاجتماعية على أسس عقلانية ومدنية.

لكن، ألا يشكل هذا التصور تبسيطًا لمشكلة مركبة، بل قد يكون مفاقمة لها، فالعلمنة التي تتحول إلى سياسات تفرض من الخارج على المجتمع قد تنقلب إلى رد فعل عكسي، أي أن اغتراب الدولة عن المجتمع وفرض علمانية قسرية سينقلب إلى مزيد من التدين. هنا، لا تعود الطائفية مجرد بقايا الماضي المتخلف، بل تصبح ردّ فعل على حاضر عاجز عن تمثيل مواطنيه. فماذا لو كانت الطائفية نتيجة لاختلال الدولة الحديثة نفسها؟

2- التيار السياسي (من العطب الثقافي إلى العطب السياسي):

في مقابل التيار التحديثي الذي ردّ الطائفية إلى بقايا ثقافية تقليدية تبرز مقاربة أكثر تماساً مع الواقع السياسي للدولة الحديثة، كما تتجلى في كتابات برهان غليون، خصوصاً في كتابه المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات (1979) ونظام الطائفية: من الدولة إلى القبيلة (1990). بالنسبة لغليون، فالطائفية نتاج لفشل مشروع الدولة الحديثة العربية في التأسيس لفضاء سياسي يقوم على المواطنة، فلا تُعدّ الطائفية سببَ تعوّقِ الدولة، بل هي نتيجة مباشرة لتعثر الدولة نفسها. فالدولة الاستبدادية بعجزها عن إدارة التعدد ودمج المواطنين في مشروع وطني جامع تعيد إنتاج الطوائف كآليات لضمان ولاءات زبائنية، وبالتالي فإن مشكلة الأقليات والطائفية هي جزء من إشكالية أكبر تمسّ الدولة الحديثة نفسها: “إن الحديث عن الأقليات ليس شيئاً آخر غير الحديث عن الأمة التي لا تنتج الأقليات الدينية أو الأجناسية، إلا لأنها تعجز عن إنتاج أغلبية سياسية”، الطائفية هنا أشبه بـ “سوق سوداء للسياسة”، فكلما فشلت الدولة في تنظيم المجال السياسي، لجأ الأفراد إلى الطائفة كبديل، فحين تفشل الدولة في بناء آليات حكم حديثة قائمة على المواطنة، تصبح الطائفة الرابط الذي يضمن بقاء الفاعلين السياسيين في اللعبة السياسية السوداء.

وإذا كان التيار السياسي نقل الطائفية من كونها (عطباً ثقافياً) إلى كونها (عطباً سياسياً) ناجمًا عن فشل الدولة الحديثة أو ما يطلق عليه غليون (الدولة التحديثية) في كتابه (دولة ضد الأمة)، فإنه مع ذلك أبقى الطائفة رهينة التصور السياسوي (التصور المفرط في التشخيص  السياسي).

3- التيار الاجتماعي (من السياسة الطائفية إلى نظام الإنتاج الكولونيالي التابع):

في مقابل التيار التحديثي الذي رأى في الطائفية امتداداً لإرث قروسطي يتطلب القطع الجذري معه، والتيار السياسي الذي اعتبرها نتاجاً لفشل الدولة في دمج مواطنيها، ينهض التيار الثالث  الذي يمثله مهدي عامل بنقد جذري للطائفية من منظور اجتماعي-اقتصادي، إذ لا يكتفي بإزاحة (الطائفة) عن كونها جماعة دينية، ولا يعتبرها فقط بنية سياسية كما فعل غليون، بل يذهب إلى ما هو أبعد: إلى كون الطائفية علاقة سياسية داخل بنية الدولة الكولونيالية التابعة، فالطائفية كما تمارس حديثاً في ظل الدولة الحديثة ليست جماعة دينية، بل علاقة سياسية؛ أي أنّ الطائفية تؤمن إعادة إنتاج الطوائف بوصفها كيانات سياسية، وبالتالي الطوائف هي طوائف فقط بعلاقتها بالدولة وليست عبارة عن جواهر وكيانات قائمة بذاتها.

ينقض مهدي عامل في كتابيه: (مدخل إلى نقض الفكر الطائفي) و(في الدولة الطائفية) المنظور البرجوازي اللبناني الذي يرى الطائفية في جوهرها (جماعة دينية)، ويقترح (التوافقية الطائفية). هذا الطرح يراه عامل إيديولوجياً مضللاً يخدم الطبقات المسيطرة التي تسعى لإعادة إنتاج سلطتها عبر آليات الطائفية.

وعلى خلاف التحديثيين الذين رأوا الطائفية موروثاً يجب اجتثاثه عبر العلمنة، أو السياسيين الذين حمّلوا الدولة مسؤولية فشل مشروع المواطنة، يُعيد مهدي عامل السؤال إلى بنية الدولة نفسها، بوصفها جهازاً يعيد إنتاج الطوائف ككيانات سياسية تُنظّم عبرها الولاءات وتُضبط من خلالها الصراعات الطبقية، فيفكك بذلك فكرة (الدولة المحايدة) التي تزعم إدارة التنوع ليظهر أن الدولة في ذاتها هي منتج الطائفية، لا مجرد ضحية لها.

ومن هذا المنطلق، فإن الطائفية ليست موروثًا قروسطيًّا، بل نتاج معاصر وحديث، وقد صيغت بعناية لخدمة رأس المال التابع. في ضوء هذا الفهم، فإن الخروج من الطائفية لا يتم عبر العلمنة ولا عبر إصلاح الدولة فقط، بل عبر تغيير جذري في طبيعة النظام السياسي الاقتصادي، أي إنهاء التبعية، وتفكيك الدولة التي تنتج الطوائف بوصفها وسيطاً في تمويه الصراع الطبقي.

4- المقاربة الأنثربولوجيّة (من الجماعات الدينية إلى الجماعات الطائفية المتخيلة):

مما يثير الانتباه في مسار نقد الطائفية في الفكر العربي هو أنّ تطوّره لم يقتصر على الانتقال من تشخيص ثقافوي إلى تحليل سياسي، أو من خطاب إصلاحي إلى طرح تقويضي، بل شهد تحوّلاً لافتاً مع تيار رابع أخذ على عاتقه تعقيد السؤال الطائفي بإدخال بُعد لم يكن حاضرًا: البعد الرمزي–الخيالي في تشكّل الهوية الطائفية. فالطائفية ليست محض تصور اعتقادي أو علاقة سياسية، بل بنية متخيلة ذات فاعلية نفسية. هنا، لم تعد “الطائفة” مجرد بنية أُنتجت في ظل علاقة مع الدولة، بل أصبحت كياناً يُعاد إنتاجه أيضاً عبر رموز، وسرديات، وتمثيلات، ومخيال جمعي يُكسب الطائفة حضورها المتوهَّم بوصفها “جماعات أصيلة”. ويمثل هذا الاتجاه كتاب “الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2018)، تنطلق فرضية الكتاب من افتراض يقلب التصور السائد، فليست الطوائف هي التي تنتج الطائفية، بل الطائفية هي التي تنتج الطوائف. هذا الافتراض هو مفتاح لفهم كيفية تشكّل “الطوائف” لا بوصفها كيانات اجتماعية ثابتة، بل بُنى رمزية مخترعة عبر عملية تسريد. ولكن كيف يتجلى ذلك؟ الطائفية هنا، تُفهم بوصفها آلية خطابية ورمزية تُنتج “جماعات متخيلة” عبر سرديات التاريخ، وتمثيلات الهوية، والذاكرة الانتقائية، والعداوات المصنّعة.

ولعلّ الصراع السنّي–الشيعي بعد الاحتلال الأمريكي من الأمثلة البارزة التي تجسد العلاقة بين الطائفة والطائفية، فرغم أن الهوية السنية والشيعية كانت حاضرة تاريخياً، إلا أن الطائفية كما تمظهرت بعد 2003 لم تكن استمراراً لانقسام عقائدي تاريخي، بل كانت إعادة اختراعٍ للانقسام، وتسريدًا جديدًا له بلغة العداوة والصراع. فبعد إسقاط نظام صدام حسين جرى تفكيك بنية الدولة المركزية، وتحوّلت السلطة إلى غنيمة موزعة على أسس طائفية من خلال (مجلس الحكم الانتقالي) الذي أنشأه بول بريمر، ووزّع المناصب على أسس طائفية وعرقية صريحة. بدأت في سياق ذلك عملية تسريد جديدة للهوية: أصبح السنّي يُعرَّف بمظلوميته في (العهد الجديد)، والشيعي يُعرَّف بـ(استرداد حقوقه التاريخية)، وبدأت سرديات الظلم، والدم، والثأر تعيد تشكيل الجماعتين لا بوصفهما مذهبين عقائديين، بل كجماعتين متخيلتين تتجسدان في رموز وشعارات وانقسامات مجتمعية. ويمكن القول: إن الصراع الطائفي الذي اجتاح العراق كان نتاج الطائفية كمنظومة سردية ومؤسسية أنتجت “الشيعي” و”السنّي” ككائنين سياسيين-هويّاتيين جديدين، ضمن تخيّل متبادل قائم على الخوف، والتخوين، والمظلومية، والتهديد. بهذا المعنى، فإن الطائفية هي “مصنع هوياتي”، يؤسس لتخيل الجماعة ذاتها بوصفها وجوداً مغايراً لغيرها.

هكذا فإن المسارات الأربعة في نقد الطائفية أظهرت جدلاً حول معنى الاجتماع السياسي العربي وتعوّقه، وقد عكست من جهة حركية الفكر العربي وتطور الواقع فيه، ومن طرف آخر عكست تعقُّد الظاهرة الطائفية وتعدد جوانبها، فالتيار التحديثي دعا إلى القطع الثقافي مع الموروث، على حين أن التيار السياسي رأى في الطائفية فشلًا للدولة العربية، أما التيار الاجتماعي فقد حلل الأساس الاجتماعي لإنتاج الطائفية واستثمارها، على حين أن المقاربة الأنثروبولوجية ركّزت على البُعد الرمزي المتخيل، ولكن: هل يمكن تفكيك الطائفية دون تفكيك الدولة التي تنتجها، والخطاب الذي يشرعنها، والخيال الذي يُغلفها، والبنية الاقتصادية التي تستثمرها؟ يلزم عن ذلك كله مقاربة مركبة متعددة المستويات المنهجية تعكس تعقُّد الظاهرة الطائفية في حضورها الاجتماعي والسياسي والرمزي.

ختاماً، إذا كانت المقاربات الأربع قد قدّمت تفكيكاً ثقافياً للطائفية وتقويضاً اجتماعياً سياسياً لها، فثمة جانب مُلحٌّ، وهو مساءلة السرديات المؤسسة التي تمنح الطائفية شرعيتها الرمزية، وتحوّل الانتماء الديني إلى تصور مغلق. فالطائفية المذهبية ليست مجرّد شكل سياسي أو اجتماعي للتمايز، فهي أيضاً احتكار لتأويل خاص للدّين، أي إعادة إنتاج مستمرة للاهوت الخصوصي الذي يُقصي الاختلاف ويُقنّن الطاعة داخل حدود الطائفة. من هنا، فإن مقاومة الطائفية لا يمكن أن تُختزل في نداءات أخلاقية أو مشاريع سياسية فوقية، بل تستلزم أيضاً نقداً جذرياً للسرديات الطائفية التي رسّخت فهماً اختزالياً للدين، وهذا يتطلب أدوات معرفية علمية ولسانية تُعيد تمكين الجمهور -بتنوعاتهم المعرفية والمذهبية- من قراءة النص الديني قراءة تعددية منفتحة، بما يفتح المجال لاستعادة النص من يد السرديات المغلقة، ويحرّره من التوظيفات الطائفية.