Skip to content Skip to footer

أزمة ملوك أورشليم والسامرة والصمت الأركيولوجي | عباس يونس العيدي

كان السؤال الأكثر احتداماً والذي شغل وما زال فضاء النقاش؛ هو: هل يمكن عدّ التوراة كتاب تاريخ؟ وهل يمكن الركون لأسفارها في ما ترويه من أحداث وسير كونها تاريخية؟ قد يبدو الأمر بسيطاً؛ لكنه في الحقيقة أمرٌ إشكاليٌّ إلى أبعد مدى، ولأسباب كثيرة ليست ضمن مادة بحثنا.


 

بذل الكهنة اليهود والباحثون اللاهوتيون التوراتيون جهداً كبيراً في صياغة إجابة رصينة، غير متصادمة مع حقائق التاريخ المعلنة باطراد في النقوش والرقم والآثار القديمة العراقية والمصرية والسورية واليمنية؛ لكنهم اتخذوا منحًى منتخباً وانتقائياً محدداً، وأهملوا كل الطرق التي كان من الممكن أن تفضي إلى حقائق مؤكدة أركيولوجياً وأسَّسوا بنية ثقافية تاريخية استولت على الوعي العام في الشرق الإسلامي والغرب المسيحي بكامله إلى هذا اليوم، رغم أن حقائق الأركيولوجيا الحديثة وبعد عمل أثاري مضنٍ اضطلع به علماء إسرائيليون وغربيون، طيلة عشرات من السنين، أكدت أن لا صلة قط بين الحضارة والأرض السوريتَين (سوريا الكبرى بضمنها فلسطين) وبين ما يرد في النصوص التوراتية من قصص وجغرافيا. 

وممّا عقَّد الموضوع في تلك النصوص وجعله متشابكاً، الحضور الملغز والمثير للحيرة لملوك آشوريين وأقباط (مصريين) وغيرهم، ممن أثبتت الآثار وجودهم الحقيقي كما برهنت على الصحة النسبية للأحداث التي روتها أسفار التوراة، مع ضبابية شديدة في مسألة جغرافيتها. كذلك فمن الآثار العراقية والمصرية ثبت وجود حكام (ملوك أو كهنة) أوردتهم التوراة لمدن؛ مثل يهودا والسامرة وغيرهما، حيث جرت فيها صراعات متعددة الأطراف، داخلية بين دويلات (ممالك) صغيرة وخارجية، تغزو فيها الإمبراطوريات الكبرى تلك المدن والممالك، فقائمة ملوك (حكام) أورشليم عندما كانت المملكة موحدة (التي ابتدأت بشاؤول ثم داود) ومن بعده سليمان، ثم لتنقسم بعده المملكة؛ فهناك ملوك لإسرائيل أولهم يربعام وآخرهم هوشع بن إيلة، الذي في زمنه صعد شلمنصر ملك آشور، واحتل السامرة، وهناك ملوك ليهوذا في أورشليم أولهم رحبعام وآخرهم صدقيا؛ الذي على عهده صعد نبوخذ نصر واحتل ودمر أورشليم. وقد وردت أسماء ملوك آشوريين ومصريين (قبط) في أسفار التوراة؛ مثل شلمنصر وسنحاريب ونبوخذ نصر وشيشق (شيشانق)، وهم أشخاص تاريخيون حقيقيون، ذكرتهم الآثار العراقية وكتبوا عن أعمالهم وغزواتهم؛ ومنها غزواتهم ليهودا والسامرة. إن ما يتوجب التوقف عنده هو أن زمن تدوين التوراة وجمعها أوائل العصر الهلينستي أو أواخر العصر الفارسي الأخميني، ومن ثم ترجمتها إلى اليونانية في الإسكندرية لم يكن فيه آثاريون وأركيولوجيون. 

ومدونو النصوص التوراتية لم يكونوا مطلعين على التاريخ الآشوري والمصري، ولا يحسنون اللغات القديمة، كما أن آثار تلك الحضارات قد اندرست ويصعب العثور عليها، لذلك لا شك في قدم نصوص أسفار التوراة التي يحتمل أنها ترقى إلى عهود قريبة من زمن الأحداث التي ترويها، وحفظت شعبياً كثقافة دينية شفوية كذلك على يد الكهنة ورجال الدين بصيغة أناشيد شفاهية أو مكتوبة؛ سواء بالعبرية القديمة أو الآرامية، والمهم في هذا الاستنتاج أنها بالفعل نصوص قديمة لا مناص من الإقرار بقدمها؛ لكن المشكلة التي هي بمثابة عقدة البحث، تكمن في عدم وجود أي آثار تركها ملوك السامرة وأورشليم، تشير إلى أعمالهم أو منجزاتهم أو أية فعالية قاموا بها أو تسجيل لأحداث وقعت على عهودهم، فليس هناك سوى الصمت الأركيولوجي التام ولا شيء سوى نصوص التوراة، فحملة شيشانق التي أشير إليها في الأسفار اليهودية وليس في  التوراة القانونية، وثقها الملك المصري في إنجازاته الحربية، مقدماً تفصيلاً جغرافياً غريباً كلياً عن سوريا الكبرى، ولم يعثر على أي نقش في فلسطين أو غيرها من أراضي سوريا الكبرى، يشير إلى هذا الحدث الكبير. وحملات ملوك آشور المشار إليها في الأسفار اليهودية (التناخ) وثقها أولئك الملوك في نقوشهم التي تضمنت في بعضها أسماء حكام توراتيين، وردت بقوائم ملوك أورشليم والسامرة، بينما ظلت مشكلة الصمت الأركيولوجي في سوريا الكبرى ذاتها قائمة وتزداد تعقيداً. 

والملاحظ في كل البحوث والنشريات المختصة، غياب ساحة أركيولوجية مهمة للغاية، في ما توجهت إليه الدراسات والتنقيبات المتعلقة بهذه المشكلة؛ ألا وهي الساحة اليمنية، وحتى الكتاب والمؤرخين الذين اقترحوا الساحة اليمنية ميداناً للرواية التوراتية بقيت أعمالهم بعيدة عن الأركيولوجيا واعتمدت المقارنات اللغوية، وما تعلق بها وسيلة للبرهان على افتراضاتهم، إلا أن ما قدمه الدكتور فاضل الربيعي، في كتابه (إسماعيل وهاجر) مثَّل فصلاً متميزاً وتوجهاً جدياً راسخاً؛ حيث عقد مقارنةً مثمرةً للغاية بين أطراف المسألة الثلاثة (نصوص التوراة، والآثار العراقية، والنقوش المسندية اليمنية)؛ مستشهداً بنتائج أركيولوجية، لا تقبل التأويل، فتوصل إلى مشاكلة ومزامنة لأحداث وأسماء ملوك، وردت في الآثار والنصوص التي أدرجتها تلك الأطراف. وقد توصل إلى نتيجة كبيرة؛ حيث إنه لاحظ التطابق الحرفي بين (قوائم التوراة) لملوك إسرائيل ويهوذا، مع (قوائم ملوك سبأ وحمير)، كما وردت في النقوش المسندية، عندما أجرى مقارنة معمَّقة بينهما، وقد قسَّمَ تاريخَ اليمن القديم إلى أربعة أدوار: أولها دور المكاربة (الكهنة) الذي بدأ في (950 ـــ850 ق.م) وعرفتهم التوراة بالكروبيم من المفرد (كرب، يكرب، مكرب)، ولعبوا دوراً مهماً في حياة الإسرائيليين، وأمر موسى بوضع رموز تخصهم على تابوت العهد، بنفس الوقت كان المكاربة الكهنة الآباء آلهة أيضاً كما ورد في النقوش المسندية، والدور الثاني يبدأ بتأسيس مملكة سبأ الموحدة عندما تخلى آخر مكرب عن لقبه الديني عام (650 ق.م) وتسمى بالملك فقط، وهو ما يُعرف بمملكة الشمال والجنوب في التوراة، أما الدور الثالث فيبدأ بنهاية المملكة الموحدة وظهور مملكة سبأ الشمالية (أي مملكة إسرائيل في التوراة) والتي انتهت (عام 590 ق.م)، والدور الرابع يبدأ مع مملكة حمير الجنوبية (مملكة يهوذا التوراتية) التي انتهت مع حملة نبوخذ نصر. 

إن سفر أخبار الأيام بجزئيه الأول والثاني (وأسفار أخرى بالتأكيد) والذي يمثل رواية شعبية دينية تروي وقائع قديمة ومتأخرة من التاريخ السبأي، أورد أسماء وأحداث تعرفها النقوش اليمنية؛ مثل (يثع) والذي هو يشع التوراتي أو يسوع (يشوع) ومعناه المضيء أو المشع، وهو اسم الكاهن التوراتي الذي عبر جرف الأردن ووزع الأراضي على بني إسرائيل، بينما اسم (يبين) الذي يظهر في النقوش اليمنية كملك معينيّ تذكره التوراة بصيغة (بين) بحذف الياء اليمنية بوصفه ملكاً كنعانياً، وهذا يعني أن المعينيين المصريين هم الكنعانيون أنفسهم. 

وتحدث التاريخ اليمني السبأي عن ملك متآمر اسمه (يرم) اغتصب العرش وقتل أبناء قبيلته وإخوته، بينما تحدث سفر الأخبار الثاني عن شخص متآمر اغتصب عرش إسرائيل ويُسمى يهو (يرم). وطبقاً للنقوش المسندية فإن (إيلحاز) كان ملكاً على سبأ، أي ملكاً على قبائل الشمال. وطبقاً لقوائم التوراة فقد كان (إيلحاز) ملكاً على إسرائيل؛ أي المملكة الشمالية، وفي استنتاج مثير للغاية وذي قيمة علمية كبيرة؛ فقد أعلن الربيعي كشف حقيقة الملك الإسرائيلي (يهوقيم) أو كما كتبته مصادر أخرى (يهوقين)؛ حيث تتبادل الميم والنون الدور في لهجات الشمال والجنوب، فهذا الملك هو الملك السبأي المعرف في قوائم ملوك اليمن (يهوقيم بن ذمر علي ذارح) الذي ارتبط اسمه بحدث تاريخي، وثقته النقوش الآشورية (البابلية) التي ذكرت أن ملك أكد نبوخذ نصر هاجم مدينة (يهودا) وحاصرها، ثم أسر الملك الكاهن (يهويقين) الذي كان عبداً له وتمرد عليه وأطلق سراحه لاحقاً، وهذا هو نفس الحدث الذي ذكره سفرا الملوك الثاني وأرميا، وفي نقوش المسند (النقش jamme 644) يرد أن تمرداً وقع في منطقة صرواح؛ حيث حاولت مجموعة اقتحام قصر سلحين واغتيال الملك ذمار بن سمه علي وابنه الكاهن (يهوقيم)، ووقع هذا الحدث في عام (580 ق.م)؛ أي في نفس السنة التي حدث فيها الهجوم الآشوري، وحري بالذكر أن التمرد على الملوك الذين يعينهم الآشوريون حدث متكرر في التاريخ اليمني. إن هذا التزامن والتشاكل في الأسماء والأحداث يضع أساساً راسخاً لنظرية الربيعي، ويدعم استنتاجاته بقوة، وما تبقى فظهور آثار يمنية تشير إلى الغزوات الآشورية سوف يحسم الأمر بالكامل، وأظنها مسألة وقت يمر وحسب.

نعرفُ الكثيرَ عن الأندلس. عن هندستِها المعمارية، وعن تاريخها الطويلِ والمليء بالصراعات، وعن مآثِرها الحربية وثورتها العلمية. وكذلك عن هندستها الهيدروليكية الاستثنائية، وعن أسماء خلفائها، وحكَّامها، وطوائفها، وأطبائها، ورجالها، وشعرائها، ومقاتليها، وفلاسفتها. هذا كلّه معروفٌ إلى حدٍّ ما. لكن، ماذا عن نسائها؟ من كنَّ؟ وما دورهن؟ وكيف كنّ يفكرن؟ وهل أسهمن حقّاً في بناء الأندلس؟ لطالما كانت سردية الأندلس ذكوريّةً بامتياز. سواء من الجانب العربي أو الإسباني.


 

وفي حال تضمَّنت أيّة إشارة إلى النساء، فقد كانت في غالبيتها تدور في فلك الرجال، أو في أحسن حالٍ، تقتصرُ على الطّبقات المسيطرة والحاكمة، متجاهلةً بشكلٍ كامل ثراءَ المجتمع الأندلسي، وتعقيداته، وتعدديّته. اليوم، في ظلِّ التطوّرات الاجتماعية والثقافية، ينبغي إعادة قراءة تاريخ الأندلس، أو بالأحرى إعادة بناء سرديته، على أساس الأثر أو الدور الذي لعبته النساء في نسج ثوب هذا التاريخ. ولن نستغرب، في هذا الإطار، حضور المرأة بشكلٍ مستمر في الخطاب التاريخي، الذي يتشابك، أحياناً، بشكلٍ وثيقٍ، مع الأسطورة، على مدى ثمانية قرون. 

وقد لا يكون من باب الصدفة أنَّ علم التأريخ العربي الإسلامي قد ذكر، على وجه التحديد، شخصيَّتَين نسائيَّتَين لـ”فتح” تاريخ الأندلس و”إغلاقه”. أمّا عن الفتح، فقد كان عند فلوريندا، ابنة يوليان حاكم سبتة. المرأة التي لعبت دوراً مركزيّاً في سقوط مملكة القوط الغربيين في إسبانيا عام 711. تقول القصَّة إنَّ الملك القوطي الغربي رودريغو، شاهد فلوريندا تستحم في نهر تاجة (خارج طليطلة)، وبعد ذلك اغتصبها، وتركها حاملاً. ما دفع والدها يوليان، حاكم سبتة، للانتقام، طالباً مساعدة جيوش المسلمين بقيادة طارق وموسى. وفي نهاية المطاف هزيمة رودريغو وبداية التاريخ الأندلسي. لقد كانت فلوريندا – المرأة؛ سبب سقوط مملكة القوط ووقوعها في يد العرب المسلمين! وعلى غرار البداية، كانت النهاية أيضاً مرتبطةً بثريا الرومية. كما يُذكر اسمها في المصادر العربية. وهي إيزابيلا دي سوليس. المرأة التي أُخذت أسيرةً في إحدى المعارك. سُمِّيت ثريا وألحقت وصيفةً داخل قصر الحمراء. سحرت بجمالها الآسر أبا الحسن، ملك غرناطة، فتزوَّجها واصطفاها على زوجته. بعد ذلك لعبت دور البطولة في مؤامرات كبيرة؛ لإنهاء حياة أبي عبد الله وحكمه، وكانت مسؤولة عن إنهاء مملكة غرناطة ووضع نقطة النهاية على قصة تاريخ الأندلس. 

هاتان الأسطورتان الأنثويتان ليستا سوى “الألفا” و”الأوميغا” في تاريخ الأندلس. أي سبب ونتيجة مسار اجتماعي غني ومعقَّد للغاية مثل المسار الأندلسي. لكنهما، لا تجسدان، في أفضل الأحوال، سوى قمة جبل الجليد الذي ظلَّ جسده الأنثوي مطموساً في ثنيات مصادر العصور الوسطى لعدة قرون؛ حيث حُجّبت نساء متنوّعات للغاية، صنعن التاريخ أيضاً، وكنّ فاعلات في جوانب الحياة المتعدّدة: الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والاقتصادية، والتجارية، والحربية، والفكرية، والعلمية، والثقافية والمعمارية. 

من هنا كان لا بد من العودة إلى السرديات التاريخية الراسخة وإعادة قراءتها، والبحث فيها، وإعادة تفسيرها وكتابتها بما يتناسب مع تطوُّر المجتمعات، وتقدُّم العلوم، وانتشار التكنولوجيا. وقد كثرت في الآونة الأخيرة في إسبانيا الدراسات العلمية والتاريخية التي تعود إلى تاريخ الأندلس؛ من أجل قراءته وتفسيره بما يتناسب مع النوع الاجتماعي. وقد نستغرب عندما نقرأ في هذه الدراسات أن باحثيها وباحثاتها لا يتحدثون عن المرأة في الأندلس؛ بل عن النساء فيها. وهذا معناه أن ثمة حركات نسائية مهمة في صلب التاريخ الأندلسي، وأنَّ النساء كان لهن دورٌ بارزٌ على اختلاف الطبقات الاجتماعية التي ينتمين إليها أو المكان الريفي أو الحضري الذي عشن فيه. لفتتني في هذه الدراسات، وأهمُّها، في تقديري، كتاب “نساء الأندلس” للباحثة مانويلا مارين، مجموعة من الأفكار التي تُخرِجُ الأندلسَ من السرديات الذكورية، والتي ألخّصها كما يلي:

عند البحث في المصادر التاريخية سنلاحظ وجود حركة نسائية مهمة على مدى ثمانية قرون، ولا يمكن فهم تاريخ الأندلس دون الحضور النسائي فيها. وليست المسألة موضوعاً كميّاً. إنّه وجودٌ نوعيٌّ تجسَّد في أشكال مختلفة وأدوارٍ تأسيسية لتلك الفترة الزمنية.  

ثمّة الكثير من المعلومات في المصادر الأندلسية عن النساء الحضريات من الطبقة الثرية، أكثر بكثير عن النساء في المناطق الريفية. ولا تشير المصادر التاريخية العربية أو غير العربية إليهن، إلا ما ندر. 

 غالبية المصادر التاريخية الأندلسية كتبها الرجال. وهذا طبيعي في المجتمعات التقليدية؛ لكنه يكشف سبب مرور النساء على مدى ثمانية قرون “كنسمة خاطفة” أو “كسبب خاص”. 

 نَسبت الثقافةُ السائدة في العصور الوسطى إلى المرأة دوراً منزليّاً بشكلٍ رئيسي. ولكن، يمكن الحديث عن نساء تمكَّن من كسرِ هذا المشدِّ الأبوي والاجتماعي، وعملن في حقول العلوم والثقافة في الأندلس. وقد مارسن دوراً سياسياً بارزاً، رغم استياء الرجال ومعارضتهم الأمر. مثال على ذلك، والدة هشام الثاني وزوجة الحكم الثاني، التي كان اسمها صبح، وحكمت الأندلس إلى جانب المنصور قرابة عشرين عاماً. حصل هذا الأمر أيضاً في الممالك المسيحية الشمالية، وخير مثال على ذلك الملكة كاثرين.  

تميَّزت المرأة المسلمة على المرأة المسيحية في العصور الوسطى بأوروبا؛ حيث تمتَّعت بالاستقلال الاقتصادي في المجتمعات الإسلامية. 

تفوَّقت المرأة الأندلسية في مجالات الشعر والفن والغناء والأدب والقانون والخط والسياسة والسلطة، رغم محاولات تحييدها وإخضاعها لسلطة الرجل. 

تبيِّن هذه المُلاحظات ضرورة إعادة دراسة التاريخ الأندلسي، وإخراجه من السردية الذكورية المُسيطرة عليه. وهي سردية كتبها رجالٌ في مجتمعات، رغم تطوُّرها حضارياً وثقافياً، إلّا أنّها بقيت رهينة التقاليد، والأعراف، والدين، والعادات، والذكورية، والأبوية. وليس من باب الصدفة أن تُربط سردية الأندلس، بدايةً ونهاية، بخطيئة المرأة، تماماً كقصة الخلق نفسها، التي ارتبطت بخطيئة أُمِّنا حواء، التي أنزلتنا من الفردوس إلى الأرض. إنها المرأة، مرَّة أخرى، تطرد المسلمين من “الفردوس المفقود”: الأندلس. في التاريخ كما في الحياة، لا يتوقف الأمر على تصميم إرادتنا فحسب، وإنما يجب قبول مجريات ومقتضيات الحقب التاريخية. إذا كانت الحقبة الأندلسية ذكورية، وكتبت بريشة الرجال، فلماذا لا نقرأها اليوم من منظور نسوي؟