Skip to content Skip to footer

أزمة تأويل الخطاب الدّيني اليوم: أي سبيل إلى التجديد؟ | أسماء عريش

لا غرابة إن غَذَا التفكيرُ في مسألةِ تجديدِ الخطابِ الإسلاميِّ، في الفكرِ العربيِّ المعاصرِ، مطلبًا فكريًّا راهنيًّا أو استجابةً ظرفيّةً لتحدٍّ آنِيٍّ، إنَّهُ، بالأحرى، استجابةٌ لدعوةٍ تاريخيّةٍ مؤجَّلَةٍ، وبحثٌ عن منفذٍ نظريٍّ للخروجِ من هذا الانسدادِ الفكريِّ والعَمايةِ الحضاريّةِ التي يتخبَّطُ فيها العالمُ الإسلاميُّ المعاصرُ؛ مَأزِقٌ لم يصنعْهُ الحاضرُ وحدَهُ، بل هوَ نتاجُ إرثٍ ثقيلٍ من تراكُمِ انغلاقِ التأويلِ…

لا غرابة إن غَذَا التفكيرُ في مسألةِ تجديدِ الخطابِ الإسلاميِّ، في الفكرِ العربيِّ المعاصرِ، مطلبًا فكريًّا راهنيًّا أو استجابةً ظرفيّةً لتحدٍّ آنِيٍّ، إنَّهُ، بالأحرى، استجابةٌ لدعوةٍ تاريخيّةٍ مؤجَّلَةٍ، وبحثٌ عن منفذٍ نظريٍّ للخروجِ من هذا الانسدادِ الفكريِّ والعَمايةِ الحضاريّةِ التي يتخبَّطُ فيها العالمُ الإسلاميُّ المعاصرُ؛ مَأزِقٌ لم يصنعْهُ الحاضرُ وحدَهُ، بل هوَ نتاجُ إرثٍ ثقيلٍ من تراكُمِ انغلاقِ التأويلِ؛ حيثُ احتشدَ الوعيُ الجمعيُّ العربيُّ على التأويلاتِ المغلقةِ التقليديّةِ التي ألبستِ النصَّ الإسلاميّ (= التأسيسيَّ والثانويَّ) لُبُوسًا أَشْوَهَ، وحجبتْ عنهُ (= الوعيَ العربيَّ المعاصرَ) إمكانَ الانفتاحِ على أفقٍ تأويليٍّ جديدٍ، فصارتِ الثقافةُ العربيّةُ الإسلاميّة ثقافةَ اجترارٍ لمُدَوَّناتِ الشروحِ والمختصراتِ. وباتَ الوعيُ العربيُّ يتأرجحُ بينَ تكرارِ التفاسيرِ الإسلاميّةِ الموروثةِ والعَوَزِ المعرفيِّ الذي أحاطَ به، وحالَ بينَهُ وبينَ فَهْمِ تحوُّلاتِ العصرِ ومجابهةِ تحدّياتِهِ. لم يكنِ العقلُ العربيُّ، من داخلِ هذا الانغلاقِ، في منأى عن الفصامِ الفكريِّ؛ إذ وجدَ نفسَهُ مُمزَّقًا بينَ ماضٍ يفرِضُ سَطْوَتَهُ باستمرار وحاضِرٍ يفرِضُ عليهِ أسئلتَهُ المعقدة؛ فدخلَ في صراعاتٍ فكريّةٍ ونفسيّةٍ مع ذاتِهِ، من جهةٍ، وأبانَ، من جهةٍ ثانيةٍ، عن خُفُوقٍ معرفيٍّ واضطرابٍ فكريٍّ يعتري مَناحِيَ المجتمعاتِ الإسلاميّةِ المعاصرةِ. وعليه، هل يمكن تجاوز هذا التعثّر بإعادة النظر في مناهج التأويل وحدها، أم يستلزم إقامة ثورة في فهم النصّ الدّيني ذاته؟ وأيّ أفقٍ تأويليّ يمكن أن يحرّر النصّ من قيوده، فيمنحه انبعاثاً جديدًا، ويفتحه على إمكاناتٍ دلاليّةٍ متجدّدة؟

1-   أزمَة التأويل في الراهنِ العربيِّ المُعاصر

أضحى الحديثُ عن تجديدِ الخطابِ الدينيِّ ضرورةً وجوديّةً ومعرفيّةً، لا نُدْحَةَ عنهُ، ولا يَسْتَقِيمُ (الحديثُ عنهُ) إلّا إذا استندَ إلى وعيٍ مُتَبَصِّرٍ فَطِنٍ، يتجاوزُ القراءاتِ التي أنتجَتْها المنظومةُ التفسيريّةُ الإسلاميّةُ التي نَسَبَتْ إلى نفسِها الحقَّ في امتلاكِ الحقيقةِ المطلقةِ، وبالتّالي، وَأَدَتْ كلَّ اجتهادٍ أو إصلاحٍ دينيٍّ يتَغَيَّا فَهْمَ طبيعةِ العلاقةِ بينَ النصِّ والتاريخِ، بينَ المطلقِ والنِّسبيِّ، بينَ الثابتِ والمُتغيِّرِ. لذلك، انهجسَ الفكرُ العربيُّ المعاصر، بهذهِ المسألةِ (= تجديدُ الخطاب الإسلاميِّ)، منذُ الحركة الإصلاحية النهضوية، ساعيًا إلى تقديمِ تأويلٍ معاصرٍ وجديدٍ للإسلامِ. إلَّا أنَّ هَذِهِ التأويلاتِ، على تنوُّعِ انتماءاتِها المعرفيّةِ وتعدُّدِ مشاربِها الإيديولوجيّةِ، غالبًا ما كانتْ تصطدمُ بالاستنكارِ والرفضِ والشَّجْبِ، وكأنَّ هذا النصَّ ملكيّةٌ مغلقةٌ لا تُتَاحُ إلّا لأوصياءَ بعينِهم، الذينَ يلعبونَ دورَ حُمَاةِ الدِّينِ وسَدَنَةِ قداستِهِ، وكلُّ محاولةٍ لقراءتِهِ خارجَ إِسَارِ التفسيرِ الموروثِ تهديدٌ لثباتِهِ وانتهاكٌ لقدسيّتِهِ. والحالُ، أنَّ النصَّ، أيَّ نصٍّ، لا يَتَعَالَى عن التاريخِ، ولا يَنفَصِلُ عن الزمنِ، ولا يَستَقِيمُ تأويلُهُ مِن دونِ استحضارِ تحوُّلاتِ الواقعِِ. وما دامَ هذا الواقعُ مُتَغَيِّرًا باستمرارٍ، فإنَّهُ يُحَتِّمُ إعادةَ طرحِ المسألةِ، من جديد، والتفكير في سبل قراءتِهِ وتأويلِهِ، في ضوء منهجي جديد، بغيةَ إعادةِ تفكيكِ العلاقةِ بينَ العقلِ والتُّرَاثِ، وبينَ الدِّينِ وسياقاتِهِ المُتَحَوِّلَةِ.

 وقد تَبَوَّأَ مفهومُ الاجتهادِ مكانَهُ في بِنْيَةِ الفكرِ الإسلاميِّ، فلم يكن مجردَ أداةٍ لاستكناهِ الأحكامِ واستنباطِ التعاليمِ الدينيّةِ، بل غذا عنوانًا على لياحِ التقدُّمِ التاريخيِّ، وعلامةً على النضجِ الفكريِّ، في الحضارةِ الإسلاميّةِ؛ إذ شهدَ الفكرُ الإسلاميُّ القديمُ حركيّةً عقليّةً تبتغي سَبرَ أغوارِ النصِّ وغوائلِهِ، وَوَصلَهُ بسياقِهِ التاريخيِّ. غيرَ أنَّ هذهِ الحركيّةَ أَفَلَ تَوَقُّدُهَا الفكريُّ، وأُقصيتْ لصالحِ تأويلاتٍ مغرضةٍ، تَخَندَقَتْ داخلَ إسارِ اليقينيّاتِ المطلقةِ، حتى باتت مرويّاتٍ تاريخيّةً مُحَنَّطَةً أو سرديّاتٍ إيديولوجيّةً يُعادُ مُحَاكَاتُهَا من دونِ مُساءلةٍ جذريَّةٍ لِمَاهِيَّتِهَا وَحَقِيقَتِهَا الأُولَى، وكأنّها تُقَاوِمُ الزمنَ ذاتَهُ، في غيابِ التفكيرِ فيهِ داخلَ دِينَامِيَّةِ التاريخِ؛ فأضحى هذا النصُّ خارجَ تاريخِهِ، متعاليًا، بلا معنى، وغُفْلًا عن حركيّةِ التأويلِ. هكذا، غدتِ المنظومةُ الإسلاميّةُ الكلاسيكيّةُ دائرةً مُتَشَرْنِقَةً على ذاتِها، تُكَرِّرُ أجوبتَها الموروثةَ وأيديولوجيّتَها المحافظةَ، في بَزَّةِ الاستكانةِ للتراثِ، والازورارِ عن كلِّ مساءلةٍ تُعَرِّضُ مُسَلَّمَاتِهَا وَطُوبَوِيَّتِهَا الرّاسخةِ إلى محكمةِ النقدِ والافتحاصِ والتَسآل. وعليهِ، لم يَعُدِ الاجتهادُ أداةَ مصالحةٍ سانحةٍ بينَ التقليدِ والتجديدِ، ومشروعَ افتحاصٍ لحقيقةِ النصِّ الدينيِّ، وَورْشَةً فكريّةً تبتغي مراجعةَ كلِّ المُسَلَّمَاتِ الدينيّةِ التقليديّةِ، بمختلفِ الأدواتِ المنهجيّةِ، ومرجعيّاتها وخلفيّاتها العلميّةِ، وإنّما، في الحقيقةِ، عبارةٌ عن توتُّرٍ مُتَطَرِّفٍ، يَتَبَنَّى حقائقَ نهائيّةً أو إيديولوجيّاتٍ غريبةَ المأخذ“، لا هيَ صوتٌ للماضي الآبِدِ، ولا هيَ صدىً للحاضرِ.

لم يكن هذا الانقفالُ الأيديولوجيُّ مجردَ قدرٍ نظريٍّ عابرٍ، وإنّما انشَقَّ منهُ مسارٌ تاريخيٌّ من صراعِ الفِرَقِ وتنازعِ المِلَلِ والنِّحَلِ، التي أفضتْ إلى بروزِ انقساماتٍ حادّةٍ في بِنيَةِ الفكرِ الإسلاميِّ؛ فمن جهةٍ، نَلْفِي تيّارًا غارقًا في حَرفيَّةِ النصِّ، يُعيدُ إنتاجَ القراءاتِ ذاتِها من دونِ مساءلةٍ أو استنطاقٍ دلاليٍّ، مُنكفئًا على ماضٍ يَتَوَهَّمُهُ مَنِيعًا على التغييرِ. ومن جهةٍ أخرى، يَبرزُ تيّارٌ مُتَمَادٍ في التفكيكِ والتنقيبِ والتحليلِ، إلى الحدِّ الذي يَضْوِي فيهِ النصُّ وَيزْوَّر عن مضمونِهِ الأوَّلِ، من دونَ أنْ يُرسِي وَتَدًا فكريًّا متوازنًا يُدْغِمُ بينَ التأصيلِ والتجديدِ في الفكر الإسلاميِّ. وبينَ هذينِ الحدَّينِ، اللذينِ يعكسانِ مدى كِبَرِ المأزقِ الفكريِّ الذي يعيشه الوعي العربيّ المعاصر، أُهدرتْ إمكانيّةُ بلورةِ خطابٍ دينيٍّ متجدّدٍ، قادرٍ على مساءلةِ ذاتِهِ والانْتِهَاضِ بالوعيِ الإسلاميِّ، مُتَجَاوِزًا هذهِ الثنائيّةَ القاتلةَ: إمّا القطيعةَ معَ التراثِ الإسلاميِّ ومعاداتَهُ أو الانكفاءَ الماضَوِيَّ على هذا التراثِ ضدَّ كلِّ مَدٍّ أمامَ العَلْمَنَةِ والتحديثِ.

2-  نحو أفق جديد للخطابٍ الدّيني: مقترحاتٌ للخروج من الأزمة

ليس تجديدُ الخطابِ الدّيني الإسلاميّ ضربًا من القطيعة مع التراث، ولا هو مساسٌ بجوهر العقيدة وبمحلها الأثير، بل هو، في جوهره، فعلُ استعادةٍ لروحِ الاجتهاد، التي أحاطَ بها الغلوُّ الفكريُّ والتشدّدُ الإيديولوجي، بعد أن كان الخطابُ الإسلاميُّ، في زمنٍ مضى، أكثرَ مرونةً وانفتاحًا على أسئلةِ الفكرِ القديمِ، ومتفاعلًا مع معطياتِ عصرِهِ. وهو، في الحقيقة، مراجعةٌ نقديّةٌ ومنعطفٌ إشكاليٌّ يتغيّا تحريرَ النصِّ من سطوةِ التفسيرِ الأحاديّ، وردّه إلى ماهيتهِ الأولى و، بالتالي، وضعُ كلِّ التأويلاتِ الدينيّةِ موضعَ ارتيابٍ ونقدٍ، والقيامُ بجراحةٍ فكريّةٍ تبتغي تشذيبِ النصّ الدّيني من كلِّ التفسيراتِ المغرضةِ التي حاصرتْ حريةَ الفهم، وهجران كلِّ القراءاتِ الحروفيّةِ التي الْتفّت حولَ النصّ وطوّقتْ سلطتَهُ الرمزيةَ.

وعليه، يمكنُ القولُ إنَّ أيَّ مشروعٍ حقيقيٍّ لتجديد تأويل قضايا الدّين الإسلاميِّ، في الراهنِ العربيِّ المعاصرِ، يستلزمُ، ابتداءً، عدةَ شروطٍ لا سبيلَ إلى الإشاحةِ بالنظرِ بعيدًا عنها:

أوَّلُ مداميكِ التجديدِ هو تحريرُ الوعيِ العربيِّ المعاصرِ من النزعةِ الوثوقيّةِ في التأويل، لأنّها أقامت سدودًا منيعةً حالت دونَ انفتاحِ العقلِ على آفاقِ الاجتهاد، وحجبت عنهُ إمكانيّةَ التحديقِ في شمسِ الحقيقةِ الدينيّةِ. فالتسليمُ المطلقُ بأحاديّةِ الفهمِ الدينيِّ الموروثِ لا يعني سوى الإقرارِ بأنَّ التاريخَ الإسلاميَّ قد صرّحَ بالحقيقةِ المطلقةِ مرّةً واحدةً، ثمَّ أوصدَ بعد ذلكَ بابَ الاجتهادِ والتأويل، وكأنَّ النصَّ الدينيَّ قد استُنفدَ في قراءةٍ واحدةٍ ثابتة. غيرَ أنّ النصَّ الدّينيَّ ذاتهُ، بثرائِهِ وسَعَةِ دلالاتهِ، فضاءٌ تتجاورُ فيهِ قراءاتٌ شتى، تتصارعُ وتتحاورُ وتُثري بعضُها بعضًا، وتختلفُ باختلافِ الفهومِ والسياقات. ومن ثمَّ، فإنّ تجاوزَ هذا العائقِ لا يكونُ إلاّ بالاعترافِ بأنَّ النصَّ، بحكمِ طبيعتِهِ، قابلٌ للتأويلِ المتجدّدِ، وأنَّ كلَّ قراءةٍ لهُ ليست سوى اجتهادًا بشريًّا نسبيًّا، يُصيبُ ويُخطئ، وليست جهرًا بحقيقةٍ مطلقةٍ سرمديةٍ.

يقودُنا هذا الطرحُ إلى النقطةِ الثانية استردادُ الحقِّ المسلوبِ في الاجتهاد باعتبارهِ معولًا معرفيًا وفكريًا يتسلّحُ به المؤوِّلُ أثناءَ مقاربتِهِ للنصِّ الدينيِّ. فلا نهضةَ للفكرِ العربيِّ المعاصرِ من دونِ الانفتاحِ على معارفِ العصرِ، وتوظيفِ مختلفِ مناهجِ العلومِ الإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ أثناءَ تأويلِ الخطابِ الإسلاميِّ، بدونِ وَهَنٍ أو توجّسٍ، بل بوعيٍ نقديٍّ يقِظ. فمادامَ الاجتهادُ رديفًا لحريّةِ الفكرِ وتقبلِ الاختلافِ، فإنَّ حريّةَ المؤوِّلِ حقٌّ إنسانيٌّ وشرطٌ أساسي في مسارِ النهضةِ الفكريّةِ. وعليه، فإنَّ العالمَ العربيَّ المعاصرَ في حاجةٍ ماسّةٍ إلى ثورةٍ معرفيّةٍ تحرّرُ الفكرَ الإسلاميَّ من إسارِ مُسلّماتِهِ التقليديّةِ، وتدفعُهُ إلى تبنّي الفكرِ النقديِّ، وإيقاظِ ذكوةِ الاجتهادِ، وترسيخِ ثقافةِ الاختلافِ بوصفِها عنصرًا أساسيًّا في أيِّ مشروعٍ فكريٍّ تقدّميٍّ.

أما ثالثُ هذهِ المساراتِ فهو إصلاحُ التعليمِ الدينيّ؛ إذ لا يمكنُ إنتاجُ فكرٍ دينيٍّ متجدّدٍ في ظلِّ منظومةٍ تربويّةٍ تُلقّنُ الأفكارَ وتعيدُ اجترارَها، من دونِ أنْ تُجيز للمتعلّمِ ممارسةَ التفكيرِ النقديِّ والتساؤلِ الحرِّ. فالوعيُ الإنسانيُّ، في عالمِنا المعاصرِ، لم يَعُد هو ذاتَهُ، بل غيَّرَ رؤاهُ ولبوسَهُ القديمةَ، وبدّل أفكارُهُ ومرجعيّاتهُ، ودخلَ في انعطافةٍ فكريّةٍ عميقةٍ باتت معها أشدَّ نقدًا وأكثرَ يقظةً. من هنا، يصبحُ من الضروريِّ إعادة قراءة قضايا الإسلام على أسسٍ جديدة، منفتحة على المقارباتِ الفلسفيّةِ والمناهجِ المعرفيّةِ الحديثةِ (اللسانية، والسيميائية، الأنثروبولوجية، الهيرمينوطيقية، النقد التاريخي…)، بحيثُ يكونُ التعليمُ الدّيني وَرْشًا معرفيًا لإعمالِ الفكرِ النقدي الحر، بدلًا من أن يظلَّ مجرّدَ صدىً بعيدٍ لأسئلةٍ كان لها زمنُها البائد، وإعادةِ إنتاجِ المُسلَّماتِ نفسِها التي فقدت مقدرتها على مخاطبةِ العقلِ العربيِّ المعاصرِ.

ليس من سبيلٍ اليومَ إلى تجديدِ الفكرِ العربيِّ المعاصرِ إلاّ ببناءِ خطابٍ دينيٍّ إنسانيٍّ قادرٍ على الانفتاحِ على الأسئلةِ الكبرى التي تواجهُ الإنسانَ في عالمٍ لم تَعُد حدودُهُ ثابتةً؛ حيثُ تتداخلُ فيهِ مثاقفةُ الجغرافيّاتِ، وتتسارعُ فيهِ التحوّلاتُ القِيَميّةُ، وتنكمشُ فيهِ المسافاتُ بينَ الشعوبِ. فالاستمرارَ في أسرِ الخطابِ الإسلاميِّ داخلَ دوائرِ الجدلِ الفقهيِّ المغلق، والزجَّ بالإنسانِ العربيِّ في متاهاتٍ من الأسئلةِ المعزولةِ عن زمنهِ المعاصرِ، لن يُفضي إلاّ إلى العدميّةِ المتطرّفةِ، ليجدَ نفسَهُ محاصرًا داخلَ رؤًى لا مخرجَ من أحابيلِها الملتويةِ، بل، إنَّ من شأنِها، أن تُعزّزَ اغترابَ المسلم عن عصرِهِ، وتُعمِّقَ ثُلمَةَ القطيعةِ بينهُ وبينَ حركةِ العالمِ من حولِهِ.