تفجرت أزمة الديمقراطية في الوطن العربي مع ظهور المشروع الأمريكي للإصلاح والديمقراطية الذي أعقب الاحتلال الأمريكي للعراق. يؤكد بلقزيز، في هذا السياق، أن المنتصر الأمريكي كان يُعِد العدة لتغيير معالم المنطقة العربية وإملاء شروطه بقوة المنتصر؛ ولكن المقاومة التي برزت ضد الاحتلال الأمريكي للعراق جعلت من عملية الاحتلال عملية باهظة الثمن على صعيد الخسائر في الأرواح، بالإضافة إلى الكلفة المرتفعة لهذا الاحتلال؛ ما قاد الولايات المتحدة، برأي بلقزيز، إلى بلورة مشروع معدَّل بالتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، فكان ولادة المشروع الذي عُرف بمشروع الإصلاح والديمقراطية. وقد بلغ من هلع الأنظمة العربية من المشروع الأمريكي إلى حد الدعوة إلى قمة عربية طارئة في تونس؛ لمناقشة هذا المشروع وتداعياته على مستقبل أنظمة الحكم في العالم العربي. وقد احتجت الأنظمة العربية على هذا المشروع وأعلنت أن الإصلاح يجب أن يأتي من الداخل وليس بشكل قسري وإملاءات من الخارج. ولكن هذا المؤتمر لم ينعقد؛ حيث أوعزت الإدارة الأمريكية إلى حلفائها داخل الجامعة العربية بإجهاض هذا المؤتمر، لأن الإدارة الأمريكية لا تريد السماح لبروز مشروع عربي للإصلاح يسحب البساط من تحت المشروع الأمريكي، كما أن النظام العربي لم يكن متهيئاً لطرح مشروع إصلاح بديل.
لا يتحرج بلقزيز من إعلان موقفه الواضح من هذا المشروع؛ حيث يُصرِّح بأن النوايا لم تكن صادقة حول نشر الديمقراطية من قِبل الطرفَين، الإدارة الأمريكية من جهة والأنظمة العربية من جهة أخرى. فالإدارة الأمريكية حريصة تماماً على عدم قيام أية تجربة ديمقراطية في الوطن العربي؛ لأن قيام هذه التجربة ونجاحها يعني بداهة انتهاء عصر التبعية للغرب، لأن أي نظام ديمقراطي حقيقي سيؤدي إلى قيام سلطات شرعية حقيقية تعيد القرار إلى الشعوب، وتعيد سيطرة الشعوب على ثرواتها الوطنية والقومية، وهذا سيضر بمصالح الغرب الاستعماري الذي ما زال يعالج أزماته الرأسمالية بممارسة النهب المبرمج والممنهج لثروات المنطقة.
كما أن الأنظمة العربية، برأي بلقزيز، ليست معنية هي الأخرى بأي تحولات ديمقراطية؛ لأن هذا يعني بكل بساطة النهاية الحتمية لهذه الأنظمة، ولذا فإنه يعتقد أن هذه الأنظمة بذلت جهوداً حثيثةً للالتفاف على مطالب الجماهير بالحرية والديمقراطية عبر تبنيها خطاباً دعائياً فارغاً يوهم الجماهير ويقدم لها الوعود الكاذبة للخلاص من المأزق الذي وضعت فيه هذه الأنظمة. ويوضح بلقزيز أن جذور المشروع الأمريكي للإصلاح تمتد أيضاً إلى ما قبل احتلال العراق؛ ولكنها بالطبع تصب في السياق عينه.
وهذه الجذور تعود إلى أحداث 11 سبتمبر من عام (2001)، هذه الأحداث شكَّلت فاصلاً تاريخياً جعل عالمنا -برأي أكثر المحللين الاستراتيجيين- يدخل في حقبة مختلفة لها قوانينها الجديدة. فقد أعلنت الإدارة الأمريكية للملأ؛ أن منفذي أحداث سبتمبر قد أنتجتهم بيئة من “انعدام الحياة الديمقراطية، والانغلاق الديني، والبرامج التعليمية التي تنتج الكراهية ضد أمريكا والغرب، والوهابية والمؤسسة الدينية الرسمية، والمؤسسات التي تمول المنظمات الإرهابية، والدول التي توفر للإرهاب مأوًى وملاذاً أو غطاءً سياسياً”، ومع أن الترسيمة السابقة تنطبق فقط على السعودية التي خرج منها منفذو التفجيرات؛ إلا أن الخطاب الأمريكي شمل أغلب الأنظمة العربية؛ مثل مصر والسودان واليمن، حيث تم الطلب من هذه الأنظمة، بالتهديد والوعيد، بإجراء خطوات إصلاحية للقضاء على منابع الإرهاب، كما تم لاحقاً إصدار قانون محاسبة سوريا في نفس السياق؛ بحجة أنها داعمة للإرهاب، وتم إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية؛ بحجة أن الأراضي التي تديرها السلطة كانت تفرخ الإرهاب طوال العقدَين الماضيَين. وقد أجبرت الإدارة الأمريكية السلطة الفلسطينية على استحداث منصب رئيس وزراء؛ من أجل تحديد صلاحية الرئيس الراحل ياسر عرفات، وطالبت بهيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية وإلحاقها بوزارة الداخلية الفلسطينية؛ بهدف تغيير عقيدتها القتالية من مواجهة للاحتلال إلى مواجهة مباشرة مع المقاومة، أسوةً ببقية الجيوش والأجهزة الأمنية العربية.
بالمقابل؛ منحت الإدارة الأمريكية شهادة حُسن سلوك لكل الأنظمة التي تعاونت مع أمريكا في حربها على الإرهاب؛ حيث وضعت هذه الدول أراضيها وقواعدها ومطاراتها تحت تصرف الإدارة الأمريكية. بقي أن نذكر أن هذا المشروع -مشروع الإصلاح والديمقراطية- هو عينه المشروع الذي عُرِف على نطاق واسع باسم “الشرق الأوسط الجديد”؛ والذي كان رأسه المدبر رئيس الكيان الإسرائيلي الأسبق شمعون بيرس.
والهدف من هذا المشروع هو تحويل هذه المنطقة إلى منطقة ذات هوية جغرافية، والسعي إلى سلب الدول العربية هويتها القومية والثقافية والحضارية ودمجها في هوية جهوية جغرافية؛ تضم في فضائها العدو الإسرائيلي. بعيداً عن ملابسات المشروع الأمريكي، يحدد بلقزيز معالم الإصلاح السياسي المأمول في الوطن العربي في ثلاثة أمور جوهرية؛ “1- الانتقال من نظام سياسي مغلق إلى نظام سياسي مفتوح، 2- الانتقال من الشرعية التقليدية إلى الشرعية السياسية الحديثة، ثم 3- الانتقال من حياة سياسية قائمة على العنف إلى أُخرى قائمة على المنافسة السياسية السلمية الديمقراطية، وهي أهداف مترابطة لا تقبل الفصل”. ومن أجل تحقيق الغايات والمعالم المرتبطة بالإصلاح؛ فإن بلقزيز يضع آليات واضحة ومعمقة، تنم عن فهمه العميق لطبيعة المرحلة الراهنة في التاريخ العربي. يدعو بلقزيز أولاً إلى تجديد مصادر الشرعية للسلطات القائمة؛ لأن الشرعيات القائمة أصبحت متقادمة ولا تلبي اشتراطات العصر، وينوه بأن مصادر الشرعية التقليدية القائمة على العصبية القبلية والعشائرية أو العائلية أو الطائفية أو المذهبية؛ لم تعد قادرة على الصمود في العصر الراهن. يدعو بلقزيز بشكل واضح لا لبس فيه إلى إعادة بناء الشرعية في الوطن العربي وَفق الشرعية الدستورية الديمقراطية القائمة على التعاقد والاختيار الحر والتمثيل النزيه. ولكن المفاجأة التي يقدمها بلقزيز هي أن أطروحته هذه لا تتضمن أية دعوة إلى زوال أنظمة الحكم القائمة، وإنما تتضمن دعوته إلى تطوير قواعد الشرعية فيها على النحو الذي يضمن لتلك الأنظمة قبولاً ورضًى جماهيريَّين، ويصرح بأن هذا ليس ضرباً من الخيال، والدليل على واقعية هذه الدعوة هو ما شاهدناه من تحول الملكيات في أوروبا الحديثة إلى ملكيات دستورية أو برلمانية أو اجتماعية. لقد تحولت الملكيات السابقة بالفعل إلى ديمقراطيات باتت مثالاً يحتذى به ولا تقل ديمقراطية عن الجمهوريات.
ويدعو ثانياً إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وهو يعتقد أنه لا خيار أمام الأنظمة، التي ظلت مغلقة طوال عقود وتعتمد على النخب الحاكمة وعلى نطاق ضيق، سوى الانفتاح الكامل على القوى والمرجعيات الاجتماعية والسياسية المعارضة واستدراجها للاشتراك في العملية السياسية في البلاد. وهذا هو الحل الأمثل لإخراج الطبقات السياسية من عزلتها واستئثارها المطلق بكل أدوات السلطة والحكم. ويعاود بلقزيز التذكير بأن توسيع المشاركة السياسية سيؤدي إلى سحب البساط من تحت التدخلات الخارجية وإملاءاتها المهينة للدولة والشعب.
ويدعو ثالثاً إلى إعادة تنظيم حقل السياسة؛ فالمجتمعات العربية تفتقر إلى وجود مجال سياسي بالمعنى الحديث، وأن ما نرصده، حسب تعبير بلقزيز، هو: إما مجال منعدم، وإما مجال تقليدي، وإما مجال حديث صورياً. على الأنظمة أن تعمل على إعادة تنظيم حقل السياسة بمقتضى قواعده الحديثة، وهذا كفيل بإنهاء ظاهرة العنف السياسي ويجفف المستنقعات التي تتطحلب فيها.
وفي ما يخص الديمقراطية داخل أحزاب المعارضة، يطرح بلقزيز حقلاً معرفياً جديداً يخص أزمة الديمقراطية في أحزاب المعارضة. لقد ظل هذا الحقل مهملاً؛ لأن أغلب الدراسات والأبحاث كانت تتكلم عن أزمة الديمقراطية المرتبطة بالسلطة، ولم يجرؤ إلا القليل من الباحثين على الخوض في عملية اختبار لأحزاب المعارضة وتعرية الممارسات غير الديمقراطية داخل هذه الأحزاب. إن الصورة المشرقة التي تشكَّلت عن المعارضة ربما تكون صادقة لفترة زمنية محدودة بالعقدَين أو الثلاثة الماضية؛ حيث كانت هذه الأحزاب المعارضة تستمد صورتها المشرقة من قتامة صورة النظام العربي فاقد الشرعية، والموغل في هزائمه وانكساراته وفشله على كل الأصعدة؛ حيث أعطى كل هذا بريقاً للمعارضة بوصفها خطاً آخر من خطوط الدفاع عن الحقوق التي أُهدرت والكرامات التي استبيحت والآمال التي أُجهضت في مهادها. وهكذا لا يبقى لأحزاب المعارضة أية ميزة تزايد بها على سلطة الأنظمة في الزمن الراهن، فكلاهما في الهم شرق، وربما يكون الفارق بينهما هو أن أحزاب المعارضة لم تصل إلى السلطة ولم تتحمل أعباءها؛ لكي يتم اختبار ممارساتها الديمقراطية. علاوة على ذلك، حدث تطور خطير ولافت؛ وهو بروز ما يُسمى بـ”المعارضة الرديفة للسلطة”، وهذا المصطلح ربما يقلب الموازين كلها، ويعيد تشكيل معادلة السلطة – المعارضة وفق صيغة جديدة تؤدي إلى تكريس وتأبيد الوضع القائم. فالمعارضة كانت على الدوام تطرح نفسها تحت مسمى البديل؛ البديل الديمقراطي لسلطات غير ديمقراطية فاقدة للشرعية، جاءت إلى الحكم بوسائل غير ديمقراطية؛ ولكن قوى المعارضة على ما يبدو قد غضت النظر ومنذ وقت طويل عن مسألة انتزاع السلطة من النخب الحاكمة. والدليل على ذلك أن برامج هذه الأحزاب لا تتضمن أية إشارة إلى ممارسة السلطة أو إدارة شؤون الحكم، وأن كل برامجها قائمة فقط على الاستمرار الأبدي في مقعد المعارضة. ونستطيع التأكيد أنه لا يوجد حزب سياسي معارض واحد لديه حكومة ظل (التأكيد من عندي)، وهذا يؤشر إلى أن قوى المعارضة كفت منذ زمن طويل عن طرح نفسها كبديل عن السلطات القائمة.
يسوق بلقزيز أربعة أعراض رئيسية تدلل على فقر الديمقراطية في أحزاب المعارضة العربية:
أولها: التسلط الفردي والمؤسسي واحتكار القرار، وهذا مرض مشترك بين السلطة والمعارضة؛ حيث تميل الأحزاب إلى مصادرة الصلاحيات ومركزتها في مركز واحد، وفرض الانضباطية المركزية على القواعد والأُطر الحزبية وإلغاء أي مظهر من مظاهر الممارسة الديمقراطية داخل التنظيم السياسي، واحتكار القرار الحزبي من قِبل جهاز أو فرد، وتهميش سائر الأجهزة والمستويات التنظيمية، وإلغاء المؤسسية وإقامة السياسة على مبدأ التفرد بالقرار.
إن أي مراقب لعمل أحزاب المعارضة في الوطن العربي؛ يستطيع أن يشخص بوضوح كاف كل هذه الأمراض والممارسات الديمقراطية داخل هذه الأحزاب، ويمكن ملاحظة أن الأحزاب تعمل في الأغلب على تفويض الأمين العام للحزب صلاحية اتخاذ القرار المناسب؛ مما يعيدنا مجدداً إلى نفس آليات السلطة في الحكم ويحول الأمين العام للحزب إلى “زعيم ملهم”.
وثانيها: البيروقراطية المتفشية في الأحزاب، وبيروقراطية الأحزاب أشد سوءاً من بيروقراطية الحكومات. فالبيروقراطية يمكن أن يكون لها معاني إيجابية في الفكر السياسي الحديث بوصفها تنظيماً عقلانياً وإدارة عصرية للشأن الاجتماعي والسياسي من قِبل نخبة إدارية حديثة، وكما نظر لها ماكس فيبر وغرامشي وريمون آرون؛ ولكن ما يحصل في الأحزاب شيء مختلف، حيث نرصد الاستعلاء على الجمهور الحزبي من قِبل قيادة الحزب. وتتخذ البيروقراطية داخل الأحزاب شكل فعالية مفصولة عن الممارسة النضالية، ثم فعل إداري مغلق تنتجه وتعيد إنتاجه نخبة من السياسيين المحترفين. وقد أطلق بلقزيز عليها مسمى البيروقراطية الأوامرية؛ حيث تتحول إدارة الحزب إلى شكل من الأوامر الفوقية، “تُلقى إلى الجمهور الحزبي وتنظيماته القاعدية ومنظماته الجماهيرية، وليس أمام هذا الجمهور سوى الالتزام بها وتنفيذها”.
وثالثها: الانسداد التنظيمي، وهذا يعتبر نتيجة طبيعية للممارسة البيروقراطية التي تكلمنا عنها؛ حيث يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى نوع من الانسداد والاختناق في العمل الحزبي. يصف بلقزيز هذه الحالة بتوقف الدورة الدموية، والقرائن كثيرة داخل الأحزاب بعدم وجود أي تجديد للنخب أو الأطر، كل شيء في الحزب يبقى كما هو إلا في حالات الانشقاق أو الطرد من الحزب، وهكذا يصبح الزعيم الحزبي لا يختلف في شيء عن زعيم الأنظمة؛ فهو يستمر في منصبه لعقدَين أو يزيد حتى يصبح عديم الفعالية، ولو قدر لأي باحث أن يطلع على نموذج من دساتير الأحزاب العربية المعارضة؛ فإنه سيرى أن الفقرة الأولى من هذا الدستور هي: يبقى الأمين العام في منصبه مدى الحياة. (التأكيد من عندي)، ومن مظاهر هذا الانسداد أيضاً هو عدم عقد مؤتمرات الأحزاب إلا مرة واحدة كل ثماني سنوات أو أكثر، مع أن اللوائح تنص على عقد مؤتمر كل سنتَين أو ثلاث..
ورابعاً: أن كل هذه الأعراض المرضية السابقة أدت إلى النتيجة الحتمية؛ وهي ضمور كيان المعارضة؛ فقد تقلصت جماهيرها على نحو كارثي، وبقيت النخب تتربع على عرش قيادة الحزب بلا قواعد. إن الأحزاب تتحمل المسؤولية الكاملة عن عزوف الجماهير عن صفوفها، ويرى بلقزيز أن السبب الجوهري في هذا العزوف هو الغياب اللافت للديمقراطية داخل هذه الأحزاب؛ لقد فرَّت القواعد من الممارسات غير الديمقراطية للنخب الحزبية.
هذا مجمل ما قدمه بلقزيز عن أزمة الديمقراطية في أحزاب المعارضة، وقد ارتأينا أن نتحدث عنه بإسهاب؛ لأنه لم يأخذ نصيبه من البحث والتقصي من قِبل باحثين آخرين، ويبدو أن هذا الموضوع كان يقع ضمن دائرة المسكوت عنه.