Skip to content Skip to footer

أتكره الحرب أكثر.. أم نفسك؟| بَسكال لحُّود

“… وذلك أن أسهل الأشياء وأصوَبها أن يُقال للفلسطينيين إنهم مخطئون. ولكن منتهى اللؤم أن لا يقول أحد للفلسطينيين ما هو الصواب. ليُقَلْ لهم، في الأقلّ، إن الصواب قد مات”. أحمد بيضون


 

في كتابه الصادر حديثاً، “لمَ الحرب؟” (2023)، يستأنف فريديريك غرو، سؤالاً ولِد قديماً، لكأنَّ قدمه جزء منه. فقد كان قديمًا يومَ طرحه ألبرت أينشتاين على سيغموند فرويد عام 1932، بل كان قديماً يوم طرحه هوميروس في الإلياذة. وقديماً كان عندما أخبرنا سفر التكوين أن تاريخنا مكتوب على ضريح هابيل. ولم تثننا هذه الرؤية القايينيَّة لبشريَّتنا عن استهجان الحرب، ولا ثنانا الاستهجان عن شنّ الحروب، حتى جاز أن يعتبرها فلاسفة كثر جزءاً من نسيج الوجود نفسه، وطبيعتِنا نفسها. لكن أليس من “شِيم” ما هو طبيعي ألّا يثير فينا السؤال؟ أم أن استهجان بطبيعتنا جزء من هذه الطبيعة؟ وما الطبيعي فينا، أما يمليه الحس السليم الذي نتشاركُه، أم ما ينفجر فينا عندما تنكسر قشرة العقل وتتثاءب من تحتها طبقات تفوقها سماكة ورسوخاً وجبروتاً؟ من شأن التسليم بأن بعض طبيعتنا يدين بعضها الآخر أن يربك من يرى إلى الطبيعة معياراً أخلاقيّاً، أما إن نحن نظرنا إلى الطبيعة البشريَّة بوصفها مجموعة من الاستعدادات والكفايات والنوازع ظهرت اعتباطاً واستمرَّت إما لخدمتها بقاء النوع، أو بوصفها منتجات ثانوية لاستعدادات أخرى مفيدة، فليس من مانع نظري يحول دون الاعتراف بأن العنف ونبذه ناشبان كلاهما في “طبيعتنا”. فمن منظور تطوُّري، نحن مدينون ببقائنا على الأرض وبتسيُّدنا عليها لمجموعة من الكفايات أهمُّها قدرتنا على التواصل والتعاون ضمن مجموعات كبيرة. وقد كان من ثمار هذه القدرة الخارقة “نجاحنا” باجتثاث أنواع حيوانية أخرى كانت تتفوَّق علينا من حيث حجمها وقوَّتها البدنيَّة، ومحو البشر الآخرين كـ”هومو فلورسينسس” (Homo floresiensis) أو “هومو دينيزوفا” (Homo denisova)، والتسبُّب بالانقراض العظيم السادس. 

الصاعدون إلى أورشليم

مع ذلك يعتقد “مؤرِّخو النوع” أننا نعيش أقلَّ عصور البشريَّة عنفاً، وأن هذه الأخيرة على طريق القضاء على الحرب تماماً. ولا يتطلَّب موقف كهذا أن يكون صاحبه روسويّاً (اسم أنسبه للفيلسوف روسو) في فهمه للطبيعة البشرية. بل يكفي أن يعترف بأنها ليست وحدة متراصَّة متجانسة، ولا هي جوهر أخلاقيٌّ لا بدَّ له أن يكون وحشاً أو ملاكاً. نحن نوع قادر على العنف بحكم عدد من الكفايات ومجموعة من الدوافع هي عند ستيفن بينكر (2013) الاستغلال والتسيُّد والانتقام. وهو يضع، تحت عنوان الاستغلال، الاستعداد لتحييد ما يعوق بلوغنا إلى أهدافنا، ولو كان العائق إنساناً، والتحييد قتلاً. من هنا، يقول بينكر، قدرتنا على الاحتلال والنهب والإبادة والتهجير. أما الثاني فهو النزوع إلى التسيُّد والإخضاع، ويردّ إليه بينكر أفكار التفوُّق القبلي أو العرقي أو الديني وما ترتَّب عليها من احتراب. والثالث الانتقام، أو القناعة بأن مَن ارتكب مخالفة للقواعد الاجتماعية أو الأخلاقية يستأهل العقاب، لا لمجرَّد الحفاظ على الاستتباب الاجتماعي وتفادي تفشي العنف، بل لأنه يستأهل ذلك، إلخ. ولكن على عكس البراديغم التقليدي الذي يحكم تمثُّل النوازع -من التحليل النفسي إلى علم النفس السلوكي وصولاً إلى السيبرنيطيقا- لا داعي لتصوُّر هذه الاستعدادات كقوى استتبابيَّة (Homeostatic) تتراكم في جسمنا -أفراداً وجماعات ونوعاً- حتى بلوغ نقطة التفريغ الحتمي. بل هي استعدادات سياقيَّة تستجيب لمحفزات معيَّنة، وبالتالي يمكن الحؤول دون ظهورها بتفادي محفزاتها وبتعديل المحيط الاجتماعي، بواسطة التربية والسياسة. ويمكن لهذه الجهود السلاميّة أن تنبني على استعدادات “طبيعيَّة” أخرى هي التي أسهمت في تراجع العنف عبر التاريخ. ومنها، يقول بينكر، القدرة على ضبط الانفعالات وتخيُّل ما يترتَّب على انفلاتها من ويلات. ومنها أيضاً التعاطف الذي يجعل ألم الآخرين مؤلماً لنا؛ وثالثها الحسّ الأخلاقي (وهو حسٌّ مركب من خمسة مجالات؛ هي العدالة، والولاء للجماعة، وتحريم الأذى، والخضوع للسلطة، والطهارة)، ورابعها العقل الذي يسمح بالتماسف مع الأحداث وتناولها من زاوية موضوعية. 

أمام حرب أوكرانيا -التي كتب غرو كتابه على وقعها- وحرب غزَّة -التي كُتبت هذه السطور تحت سياط مشاهدِها المباشرة- يمكن للناظر من علياء تاريخ النوع أن يتعزّى بالقول إن البشرية التي ترنَّحت خلال القرن العشرين على شفير التدمير الذاتي أكثر من مرة، سـ”تعيش” لـ”تأكل غيرها”، فالحرب ديدن البشر منذ وُجدوا، وأن يأمل أن يأتي يوم يطوي فيه البشر صفحة الحرب نهائيّاً. فهل يعفينا ذلك من سؤال “لمَ الحرب؟”، لكان الجواب نعم؛ لو أن السؤال يسعى إلى تحديد أسباب الحرب أو غاياتها… لكانَ الجواب نعم، لو كان استهجان الحرب “تنافراً إدراكياً” وحسب، أو تعبيراً عن خوف إيكولوجي على النوع… لكنَّه مأساة تُعاش بصيغة المتكلِّم، بصيغة المتألِّم. يمكن لإحصاءات بينكر وأمثاله أن تبيِّن لنا بالأرقام تراجع العنف عبر العالم منذ الحرب العالمية الثانية، لكنَّها لا تعفينا من المعضلة. ومن سخرية معضلة الحرب أنها تنزلق على التسويات والتسويغات نزولاً من أعلى هرم القرار، أي ممَّن يعلنونها ويخططون لها، مروراً بمن ينفِّذونها، وصولاً إلى من أعطوهم التفويض بها… لتستقر عند السَّلاميّ، صليباً على كتف من لا يريدُها. فكيف تصبح الحرب معضلة السلاميّ وحده؟ لطالما نظر فلاسفة الأخلاق إلى المحارِب بوصفه التجسيد الأوضح لمعضلات الحرب. فتمثَّلوه ممزَّقاً وقت القتال بين واجبَين متناقضَين، الواجب العسكري الذي يملي عليه طاعة الأوامر (دفاعاً عن قضية عادلة وحماية لمواطنيه ورفاقه)، وتحريم القتل، وهو تحريم راسخ في الوعي الأخلاقي بل مكوِّن للحياة الاجتماعية. 

وقد أسالت معضلة المحارب الكثير من الحبر، لكنَّها في الواقع، معضلة متخيَّلة، يقول بنوا أوليه (2019)، لأن العسكري لا يعيشها كخيار بين احتمالَين قبل مبادرته إلى الفعل، بل “يعانيها” بعد الحرب، أي بعد انقشاع حالة الإرباك الذهني والانفعالي التي تسِم المعارك، وبعد زوال حالة الإنكار التي يتدرَّب عليها في ما يخص طبيعة “مهنته”. وبالتالي ليست معضلة بالمعنى الذي تستخدمه الفلسفة الأخلاقية، أي خيار صعب بين احتمالَين كلاهما واجب، أخلاقيّاً، بل هي مأزق يعيشه المحارب السابق بعديّاً، ساعة لا مجال لتصحيح ما ارتُكب. ماذا، والحال هذه، عن موقف المواطِن المدني؟ فالجنديُّ لا يقتل من أجل نفسه، بل من أجل مواطنيه. وسلاميَّة هؤلاء وإدانتهم للحرب غالباً ما تقومان على إنكار ما مسؤوليَّتهم ولو الجزئية وغير المباشرة عمّا يلومون الجنود على اقترافه. إذ يسهل على مَن يعيش بأمان بعيداً عن مسرح العمليات، أن ينكر الهمجية المحايثة للحرب ليحافظ على براءته الأخلاقية من جهة، وعلى تصوُّره لجنوده كأبطال لا قتلة، من جهة أخرى. هنا تنفلش التمييزات النظرية بين العسكريين والمدنيين، وبين الردِّ المتناسب والردِّ المبالغ فيه، والاحتراب وفق قوانين الحرب، وأنواع الحروب وشروطها (حرب البقاء، وحرب المصالح، وحرب القيم، والحرب الاستباقية وسواها)؛ وهي تمييزات مهمة من دون شك، ولكن من شأنها أيضاً أن تسهِّل الانزلاق من سجلِّ الأخلاقية إلى سجل المقبولية. هكذا، تذوَّب المعضلة في تسوية من نوع: لا بدَّ من القتل، لكننا نقتل من دون أن نرى وجه مَن نقتله. ولا نرى دماً أو أشلاء. وقد لا نضطرُّ حتى أن نعهد بفعل القتل لإنسان حفاظاً على صحَّته النفسية، بل لطائرة مبرمجة. إنه قتل مقبول، يقترفه جنودنا من دون “كراهية”، بشكل مهني ومحترم، ونحاكِم من مِنهم يقترف قتلاً من نوع آخر.لا تبقى المعضلة معضلةً إلا عند السلاميّ، فهو لا يُريد العنف، ولكن لا عنفيَّته تفضي إلى عدم التمييز بين حرب السفّاح، والحرب التي تُشنُّ ضدَّ السفاح. أمام هذه المعضلة، يدعو نيكولاس تافاليون (2005) إلى “سلاميَّة حذقة” تقوم على مبدأين: تفادي الحرب قبل وقوعها بالعمل على ألا يصل إلى الحكم من يستسهلون الذهاب إليها؛ والاعتدال والتروِّي في ما يخصُّ قناعات “الحرب العادلة” و”التفويض الإلهي” وسواها مما يطلق عنان البارانويا. فهل تحل “السلاميَّة الحذقة” معضلتنا مع الحرب؟ 

المطهر البانورامي أو ذنب المتفرِّج

نحن الذين نعيش في دول لا تتَّخذ فعليّاً قراراً بالحرب، ولا هي تزِن بما يكفي لتصنع السلام، ولا تبدو عليها الرغبة ولا القدرة ولا الخيال السياسي والدبلوماسي للعمل من أجله. نحن العالقين في موقعٍ لا هو في الحرب ولا هو خارجها، في مطهر المعني بها العاجز عن إيقافها، بيننا وبين السلاميَّة الحذقة هوَّة من شروط الإمكان غير المتوفِّرة. فدون الحق في التحاذُق على الحرب، شروط ليس أقلَّها بناء دول حقيقيَّة، ذات سيادة، وبناء رأي عام حرٍّ تعدُّدي مستنير، وبناء ثقافة المحاسبة وآلياتها وسواها ممّا ليس لدينا… ودون الحق في السلاميَّة أيضاً أن يعترف العالم بكونك جزءاً من هذه البشريَّة التي يسري عليها تحريم القتل، أو استنكاره على الأقل. معضلة “ماذا يجدرُ بي أن أفعل؟” عالقة هناك، وحتى انفكاكها نحن متروكون مع معضلة: “بمَ يجدر بي أن أشعر؟” بم أشعر ونصيبي من ديمقراطية العولمة الحق بالفرجة وكره الذات وحسب؟ نصيبي من القرار وهمه والندم. تلغي وسائل الإعلام والتواصل المسافة بيني وبين الجريمة، تحرمني من أية مسافة قد تسمح لي بالإنكار والتنصُّل… ترمي الفظاعة بوجهي، بوجهنا، أن: تفرَّجوا. لقد عرَفتُم. 

أجل، تضعني الحرب في حالة “بفلوفيَّة” لا أعود أعرف معها بما ينبغي أن أشعر، وعلى أيِّ عكّاز فلسفي أو تاريخي أتوكَّأ. لا مسافة بيني وبين الضحايا. أنا أراهُم، وأكاد أشمُّ رائحة دمائهم عبر الشاشة. لا فرق في التوقيت، أنا أتابع قصفَهم مباشرة على الهواء، أسمع الصاروخ الهابط عليهم قبل أن ينتزع أرواحَهم. ولا أملك صدَّه. شاهدة عيان مكبَّلة اليدين، مكبَّلة العقل، لا أملك إلا أن أتألَّم وأخجل بألمي. إذ ما ألمي جنب ألم مَن حملت ابنها في كفن، وألم من أمسك بيد حبيبته وهي تنازع تحت الركام، ومن كتب على ذراع طفله اسمه، ليمنحَه تصريح مرور إلى مقبرة مرتجلة؟ عاجزة ومذنبة. مذنبة بالابتسام الحزين للزيتونة التي تقاوم الدبابة، للطفل الذي يلقي حجراً على جندي. وأكره نفسي إذ قد يدلُّ فرحي الرصاصة إلى صدر الطفل، قد يزيد جنون البندقيَّة. ولا يعفيني من ذنبي ذاك جمعُ التبرُّعات ولا مقاطعة المنتجات ولا الاعتراض على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا التظاهُر ولا شتم المجتمع الدولي ومعاييره المزدوجة ولا الرهانُ على تنبؤات بينكر. فهذه البشرية التي يفترض أنها على طريق اجتثاث الحرب، ها هي تستخدم أكثر منتجات التكنولوجيا تقدُّماً لترتكب أفظع ألوان الجنون. هذه البشرية التي تتحكَّم بأنهار من المعلومات عن أصغر حشرة وأكبر مجرَّة، تعجز عن إدراك ذهانِها، فتسمح بإبادة الناس وتطالب بفتح المعابر لمرور المساعدات إليهم؛ تسمح بهدم منازلهم على رؤوسهم وتطالب بمخيمات لائقة لمن بقي منهم؛ تبذل في قصفهم وتدمير حيواتهم ما كان ليكفي ليعيشوا وخصومهم بسلام، لو أراد من لهم الإرادة السلام… 

من مطهري البانوراميّ هذا، لا يعود الحدث تحدِّياً للعقل، بل خلعٌ في صميمه، لا هو يجبَر ولا هو يخدر. الحذق الوحيد المتاح لي ههنا أن أميِّز بين عنف قد يأتي من الجشع، من الخوف أو من الغطرسة كما قال هوبز، وآخر يأتي من نفاد القدرة على احتمال الظلم. هو صراخ بوجه التاريخ يطلقه من يُدبر التاريخ عنهم، كما يقول غرو. هو انتحاريَّة من إذا فرُّوا من وجه قايين، لحق بهم إلى مخيَّمات اللجوء. لحق بهم إلى قبورهم، إلى أجنَّتهم، إلى أحلامهم، إلى تاريخهم، إلى أسماء قراهم. ما زلت سلاميَّة ولا أريد لهابيل أن يقتُل، ولكنَّني أصلِّي كي يفعل هابيل أيَّ شيء ليعيش ويكتب لنا تاريخاً آخر… لأنَّه يومَ مات لم يوقف العنف، بل ترك القايينيَّة تنمو وتكثر وتملأ الأرض.