Skip to content Skip to footer

واقع ومستقبل الإسلام السياسي والتعليم في الوطن العربي | د. أمينة ماء العينين

مقدمة

باسم: كم تنظيمًا أو حزبًا سياسيًّا عرف نفسه أو ميز نفسه أن خلفيته إسلامية؟

أمينة: قليل، ليس كثيرًا.

باسم: لا، كثير. كل المجتمعات العربية فيهم.

أمينة: تجد واحدًا أو اثنين.

باسم: في كل المجتمعات العربية هناك مجموعة تقول: أنا أمثل الإسلام وأريد أن أطرح الإسلام في الحياة السياسية. أين النتائج الإسلامية التي موجودة في المجتمعات؟

أمينة: أنت قلتها، هناك توجهات، جماعات، كل واحدة تقرأ بطريقتها الخاصة، قد ينجح وقد لا ينجح.

باسم: هو لم ينجح.

أمينة: الإرادة السياسية متحصلة؟ نعم، إذا كانت الإرادة السياسية حقيقية لإصلاح التعليم، النتائج تكون على الأقل واضحة، لأن الأمر يتطلب هذه الإرادة تنعكس، هي ليست مجرد شعارات سياسية، هي تنعكس في كيف نتعامل مع هذا التعليم، لمن نولي أموره بالدرجة الأولى. يكون مؤسفًا جدًا في أحيان كثيرة، ويدعو إلى البكاء أن تنصت إلى وزراء التربية والتعليم في المنطقة العربية في أحيان.

باسم: وأين دور البرلمانات؟ هل هناك وعي عند البرلمانيين؟ أم البرلمانيون مجرد موظفين؟

أمينة: البرلمانيون هم إفراز لمجتمعاتهم في النهاية. الأحزاب التي نقول عنها ذات مرجعية إسلامية في منطقتنا العربية، ولا تجربة تقريبًا واحدة أُعطيت لها الفرصة، كلها تقريبًا استهدفت، الكثير منها فجرت من الداخل ولم تكتمل.

باسم: لماذا نقزّم الإسلام ونحصره في مجموعة برلمانية محددة أو حزب محدد؟ لماذا؟ هذا الدين دين المجتمع.

أمينة: يا سيدي، لا أحد يقول بأنه أنا مسلم وانظروا إلي أنا أمثل الإسلام، هذا منطلق خاطئ.

باسم: خاصة هذه الأحزاب التي يعرفها أنا، وأنت تعرفينها في كل مجتمعاتنا العربية، لم تقدم للمجتمعات أي فائدة تذكر على مستوى الدين إلا ممارسة الطقس.

أمينة: نحن لسنا في العمل السياسي لنصلح دين الناس، كل حزب يدعي أنه يمثل الإسلام يكون على خطأ.

 

ما معنى اسم ماء العينين؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مجتمع. في حلقة اليوم نلتقي الدكتورة أمينة ماء العينين من المغرب، وهي محامية وباحثة في القانون الدستوري، وحاصلة على شهادة الدكتوراة في القانون الدستوري.

أمينة: نعم، علوم سياسية وقانون دستوري.

باسم: علوم سياسية، خلِّنا نقُلْ: ماشاء الله عليك. يعني ماء العينين، ما معنى ماء العينين؟ يعني دمع العينين؟

أمينة: هو ماء العينين، عادة حينما أسافر إلى المشرق العربي يعجبون بالاسم.

باسم: أنا معجب بالاسم لكن..

أمينة: كونه وكأنه شاعري، ماء العينين، في حين أن المغرب الاسم معروف جدًا وله دلالة تاريخية معروفة، لأننا ننتمي إلى قبيلة وعائلة مغربية معروفة، هي زاوية دينية، لكن قبل ذلك كانت حركة مقاومة معروفة في المغرب، وأجدادي الكبار حتى إلى حدود اللحظة لا يزالون يدرسون في المدرسة المغربية.

باسم: لكن أيضًا موجود في موريتانيا.

أمينة: والله هو أصل ماء العينين من بلاد شنقيط يعني من موريتانيا.

باسم: من موريتانيا.

أمينة: الجد الأكبر من موريتانيا، ثم بعد ذلك قدم إلى الصحراء في المغرب وأسس زاوية دينية متصوفة معروفة جدًا، جدي الأكبر له كتابات عريقة وإلى الآن تنظم ملتقيات فكرية كبيرة يحضرها الكثير من المفكرين حتى الأفارقة.

باسم: طيب، المقصود بماء العينين هو يعني اسم وصفي أم اسم تمييزي مثلًا؟

أمينة: والله لا أستطيع أن أحسم في الأصل اللغوي لماء العينين، هل هو من…

باسم: دمع العين.

أمينة: أصوله دمع العين أم ما الذي كان يُقصد به أساسًا حينما أطلق لأول مرة، ولكن دلالته التاريخية والعلمية والفكرية والصوفية طغت على هذا المعنى المباشر.

باسم: هو بالحقيقة الاسم شاعري وسهل الحفظ يعني.

أمينة: إي والله، أنا في كل مرة في المشرق العربي، حتى في مرة في أحد الملتقيات في الدوحة، أحد الشعراء المصريين سمع هذا الاسم وفوجئ به لأول مرة، حتى كتب لي في تلك اللحظة من وحي خياله قصيدة جميلة عن الاسم وما أوحاه إليه هذا الاسم.

باسم: عظيم، وبعدُ لا ينسى، صعب ينسى أبدًا.

أمينة: ماء العينين.

 

لماذا دراسة القانون الدستوري؟

باسم: على العموم، أهلًا بك، نحن يسعدنا جدًا نلتقي بك كمحامية ومختصة في القانون الدستوري، وأنتِ كنتِ ناشطة سياسية.

أمينة: والله ما زلت.

باسم: وما زلتِ.

أمينة: ما زلت فاعلة أساسية يعني في الحقل..

باسم: كيف مكنك الفهم للدستور، القانون الدستوري بالممارسة السياسية؟ هل أعطاك مثلًا كما ما يسمونه في الإنجليزي حدًا أعلى عن الآخرين؟ هل ميزك مثلًا عن السياسيين الآخرين بقضية أنك تفهمين القانون الدستوري الذي يعمل في البلاد؟

أمينة: أظن أن هذا الأمر أساسي، لأنه أنا كانت عندي العملية عكسية، ليس اهتمامي بالقانون الدستوري وبالقانون بشكل عام هو الذي أفضى بي إلى الاهتمام بالعمل السياسي. العملية جاءتني بالعكس، أنا أصلًا تخصصي علوم إنسانية، علم اجتماع وفلسفة التي درستها، ثم اشتغالي بالسياسة كان مبكرًا جدًا، انطلاقًا من اهتمامي بأسئلة المجتمع ومآزق المجتمع بشكل عام، كشابة مغربية في إحدى المدن الصغيرة في المغرب. مع كل الأسئلة التي أثيرت عند جيلي، جيل الثمانينات والتسعينات، حيث نشأنا، بدأت أسئلة كثيرة تطرح، وهي التي قادتني إلى العمل السياسي، من منطلق أنه إحدى النوافذ التي ستمكنني من الفعل بدلًا من الاكتفاء بهذا الانفعال وهذا النقد السلبي المباشر بكل ما يحيط بنا. إضافة أننا انتمينا إلى جيل ينتمي إلى مرحلة كان فيها اتقاد كبير للتطلعات الشعبية على مستوى العالم العربي كله، وكان اهتمام بالفعل الجمعوي والفعل السياسي وانخراط في الحياة العامة، وحتى في الحياة الحزبية التي لا تزال في تلك اللحظة جاذبة للشباب. انخرطت في السياسة، بعد ذلك العمل السياسي أدى بي إلى مواقع انتدابية انتخابية، سواء على مستوى المجالس المحلية الجهوية، ثم بعد ذلك البرلمان. لكن حينما ولجت إلى البرلمان لأول مرة، كان بالضرورة في وظيفتي التشريعية، وفي تلك اللحظة 2011، كان المغرب بعد الربيع العربي مع وضع دستور جديد ينتظر تطبيقه، كنا نقول نحن في المغرب تنزيله في الواقع عبر قوانين وتشريعات. فكان بالنسبة لي إلحاح كبير لأؤدي وظيفتي التشريعية بطريقة سليمة، كان لا بد وأن أدرس أكاديميًا القانون في قواعده الأساسية.

باسم: طيب، نتيجة اشتغالك بالسياسة رأيتِ أن هناك حاجة أنك…

أمينة: لا، وإلا سيكون هناك انخراط في الممارسة دون…

باسم: دون وعي حقيقي دستوري.

أمينة: أن يكون هناك أرضية تحتية قوية نظرية، وربما هذا مكنني منه اشتغالي واهتمامي بالفلسفة، إلى أن النظرية أسبق من الممارسة.

باسم: ولكن ليس كل البرلمانيين يمارسون هذا النظام.

أمينة: والله هذا هو اختياري أنا حسب وعيي، نعم بالتأكيد هو جزء من الأزمة في بلداننا العربية، وفي المغرب، لا يشكل استثناء، هو أن الكثير من الناس الذين ينتخبون يظنون أن الوظائف الانتخابية وظائف يمكن أن يلجها أو حتى معذرة على هذا التعبير يتطاول عليها كل من هب ودب يعني أنها هي يمكن لأي واحد أن يكون برلمانيًا، يكفي أن يجد طريقة ما للولوج مشروعة أو غير مشروعة، مستحقة أو غير مستحقة، يعني بطرق ديمقراطية أو غير ديمقراطية، قد تكون عائلة، قد تكون مالًا، قد تكون مواطن مركبات مصلحية تدفع به. لكن أنا لم أنتمِ يومًا إلى هذا الاتجاه، وفهمت بأنه ممارسة عاقلة وعقلانية وفاعلة ومنتجة يجب أن تتأسس على أساس نظري متين. يعني لتجلس على مقعد برلماني كما أفهمه، يجب أن تعرف كيف تملؤه، وكيف حينما تعرف نفسك بصفتك البرلمانية تعرفها، ليس بحثًا عن جاه أو حظوة اجتماعية. أعتبر هذه الأمور كلها زائلة ولا تعني شيئًا. عمق الوظيفة يحتاج إلى معرفة وإلى منهج، لأنك منخرط في ممارسة كلية، وتدَّعي من خلالها أو تزعم أنك تسهم في تغيير أوضاع الناس. وهذا الانخراط في التغيير يفترض الحد الأدنى من آليات الفهم، فكيف يمكن أن تشرع وأنت لا تفهم النسق الدستوري ماذا يتطلب؟

 

تأثير النخب البرلمانية الكاريزمية

باسم: طيب كيف البرلمانيون الآخرون الذين ليس عندهم هذا التأهيل الأكاديمي أو القانوني أو الدستوري؟

أمينة: يجنون على واقع المؤسسات بشكل عام. لست هنا في موقع أن أجعل نفسي فوق الآخرين، أنا وجدت نخبًا برلمانية كثيرة تنتمي إلى أحزاب وطنية في المغرب قبل حزبي أنا، تركت أثرًا وبصمة كبيرة، وحتى نحن كانت بالنسبة لنا منارات، هذه الأسماء الكبيرة التي كنا ونحن صغار حينما نشاهدها ونسمع أصواتها تترافع في منصة البرلمان، نركض أمام التلفاز حتى نستمع إليها بكل هذا الحضور وهذه الكاريزما القوية. وفي الحقيقة أحيانًا كثيرة ألهمتنا كثير من النخب البرلمانية اليسارية ألهمتني أنا كقادمة من الحركة الإسلامية أن أمارس هذا العمل بهذه الطريقة. هذه النخب الكاريزمية التي مارست علينا سلطة، أنت تعرف أن عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر حينما تحدث عن السُّلط، السُّلط التقليدية والسُّلط الكاريزمية، أثر السلطات الكاريزمية ظل حاضرًا، وأعتقد أنه لا يزال مؤثرًا الآن وجاذبًا بالنسبة لنا نحن كجيل. وأنا لست مؤمنة أنه لا يزال جاذبًا، حتى الأجيال حينما انفض هؤلاء بهذا الوزن وهذا الحجم من حول المؤسسات، نعم يمكن أن أقول بدون تحرج أن المؤسسات أُفرغت من مضمونها وصارت أشكالًا يملؤها الناس، نعم وفيها آليات على المستوى الشكلي.

باسم: غير فاعلة؟

أمينة: على المستوى الشكلي نعم، تنعقد اللجان وتنعقد الجلسات وتأتي الحكومة وتساءل من طرف البرلمان، ولكن أنا دائمًا سميت هذا المنحى النزوع الشكلاني لديمقراطية تهتم بالمظاهر والشكليات وتبتعد كل يوم عن العمق والمبدأ والفكرة المؤطرة له.

 

هل يمكن خلق سياسي كاريزمي؟

باسم: هل يمكن خلق سياسي (كاريزمتك) مثلًا أم هي…؟

أمينة: هي حينما أسسها كما قلت لك ماكس فيبر، كما درسناها، عنده نوع من هذه السلطة، إضافة إلى السلطة التقليدية الموجودة في العالم العربي والإسلامي وموجودة عندنا في المغرب، وتحتكم إلى معايير وقواعد عامة ويحترمها الناس. وتحدث عن هذه السلطة الكاريزمية أو السلطة البطولية، هي لذلك الشخص الذي يعتقد العامة من الناس دون أن يكون قدحيًا، الناس الذين نسميهم نحن عاديين أو غير منخرطين في العمل المؤسساتي، يعتقدون أن لهم صفات قد تكون خارقة، قد تكون على مستوى الخطابة والحضور والتميز. نعم هي لا تزال مؤثرة وتشكل شيئًا ما بالنسبة للمخيال الجماعي للناس، هي مؤطرة، تؤطر هذا الوعي، وتستطيع أن تمارس هذه الوظيفة التي يفترض بالنخبة أن تمارسها، لأن النخبة هي منارة يستنار بها أو يُستهدى بها في مسار يسير فيه الناس. حينما انسحبت هذه الكاريزمات الفكرية والسياسية والخطابية من الساحة، فرغت.

لكن قلت لك قبل قليل أنه حتى الأجيال اللاحقة، أنا أحلل في كثير من الأحيان، قد أعطي أمثلة كثيرة، مثلًا شخصية الملثم في المقاومة الفلسطينية، حينما يظهر. هذا شخص لا يعرفه أحد، حتى يسمى مثلًا الملثم، ولكن يشكل لحظة يتطلع إليها جيل واسع من الشباب. أنا أرى في مواقع التواصل الاجتماعي وفي النقاش كيف ينتظرون شخصية يعتقدون أنها تتسم بهذه السمات الخارقة التي تحيي شيئًا ما، أشياء كثيرة في وعيهم وفي انتظاراتهم. كيف ينظرون إلى هذه النخب التي تؤطر.

المفكر المغربي عبد الله العروي في كل مشروعه الفكري انتقد كثيرًا النخبة، حتى عبر في غير ما مرة عن خيبة أمله من المآزق التي وضعت فيها النخبة العربية نفسها، وشيئًا فشيئًا بدأ يخبو وهجها الذي كان قادرًا على أن يؤطر وعي الناس.

الآن يمكن أن أقول إنه تقريبًا جمهور عربي كبير يسير دون تأطير. لذلك يمكن أنا أعطيك  علامة هي مزعجة بالنسبة لي كثيرًا، هذه العودة عند الجمهور العربي إلى هذه الشوفينية الوطنية المنغلقة.

باسم: الشوفينية الجغرافية.

أمينة: الجغرافية الوطنية القطرية الصغيرة، أحيانًا كثيرة تبتعد حتى عن الدولة القطرية، وقد تدخل إلى المدينة وتدخل إلى فريق كرة قدم، وفي المغرب تدخل ممكن، وفي أقطار أخرى إلى الحي أو نسميه نحن أبناء الدرب، وقد تكون هوية صغيرة قاتلة. بتعبير أمين معلوف: “في درب ضد درب، أبناء الدرب مع أبناء الدرب الآخر”، وتتكون لديهم هذه الهوية الصغيرة المنغلقة القاتلة المعتدة بذاتها. لماذا؟ ويزعجني كثيرًا هذا التنامي لهذه الهويات المتناحرة في الأقطار العربية المتجاورة، ونعيش جزءاً من هذه المأساة.

 

ما أسباب التردي ودور غياب النخب فيه؟

باسم: هل أنه يوجد غياب للنخب مثلًا؟ هل أن السلطات أو القائمة على إدارة المجتمعات تشجع هذه الظاهرة؟ تفتيت المجتمعات ليسهل السيطرة عليها مثلًا؟

أمينة: بكل تأكيد نعم.

باسم: هل أنه فعلًا عند العرب أو المجتمعات العربية يوجد ضياع في الهوية مثلًا؟

أمينة: والله، نحن عندما نحلل أي ظاهرة يفترض أن نكون متعددي الأبعاد لنستطيع نقد الواقع، لا يمكن أن نحمل المسؤولية لفاعل واحد، لأنها مسألة الهوية وانزياحاتها هي مسألة معقدة جدًا. نعم فيها دور النخبة، لكن أنا أعتقد الآن حتى في موقع الممارسة السياسية في البلدان العربية أن النخبة هي الحائط القصير الذي يمكن أن يقفز عليه الجميع وينتقده الجميع بدون أي حرج.

باسم: لماذا؟

أمينة: لماذا؟ لأنه لا أثر لنقد النخبة، لا يشكل عليك أي خطر لمن ينتقد.

باسم: لا يوجد تداعيات.

أمينة: نعم، في مقابل مثلًا نقد الأنظمة السياسية وأدوارها أيضًا، نقد الدولة بحضورها في مؤسساتها، يعني النخبة وانسحاب هذه النخبة. وأين هي النخبة التي إما دُجنت وإما باعت قضيتها وإما توارت خوفًا أو طمعًا؟ لست أدري. نعم هذا نسمعه كثيرًا وهو واقع ومتحصل. أنا أيضًا لا يمكن أن أخفي خيبة أملي الكبيرة من هذا الانسحاب الكبير للنخب الفكرية والثقافية وحتى السياسية والفنية أيضًا، لأن هذا التردي وصل إلى كل شيء، حتى في التأطير الفني وفي التأطير السياسي وفي التأطير.

باسم: صح. هناك تردٍ، الكل يدري فيه تردٍ وحتى التفصيل فيه صار مملًا في التردي، الكل يعرف أنه هناك يوجد تردٍ على كل المستويات.

أمينة: دور النخبة نعم، ودور الأنظمة السياسية أيضًا لا يمكن أن أعفيها.

باسم: نحن لا نريد أن نرجع للبيضة والدجاجة.

أمينة: نعم، هذه ستظل دائمًا البيضة والدجاجة، هل نبدأ بالسلطة والدولة أم نبدأ بالمجتمع؟ لأن النخبة إفراز مجتمع وهي قاطرة تأطير المجتمع. لكن أنا بالنسبة لي، حتى لو تهنا في قضية البيضة والدجاجة، هذا لا يعفينا من تحميل المسؤوليات. أين تبدأ وأين تنطلق؟ هي متداخلة العمل يتم على وجهات.

باسم: ألا يوجد عامل خارجي مثلًا؟

أمينة: سآتي أنا، لأنه كما قلت لك إنها عوامل متداخلة، فيها دور النخبة والتأطير والمؤسسات منها الجمعيات والأحزاب والهيئات وكل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، هذا دور أساسي. حينما يغيب تغيب البنية التحتية للوعي التي نسميها، التي تفترض أن تحمي مكتسبات المجتمعات على المستويات الديمقراطية والثقافية والاجتماعية والسياسية.

دور الأنظمة السياسية، نحن لا يمكن أن نعفيها من هذا النقد، لأن الدولة يفترض أنها تمثيل للإرادة العامة للمجتمع، ويفترض أن نحتفظ بهذه الشرعية الأخلاقية التي تجعلها دائمة قادرة على أن تُقنع شعبها ومجتمعاتها. حينما يقع هذا الانفصال بين مشروعية الدولة الأخلاقية والسياسية وبين المجتمع وكيف يثق في تأطيرها له، هنا أيضًا أزمة هذه الشوفينيات المنغلقة هي أيضًا نتاج سياسات رسمية تكرس مثلًا في منطقتنا المغربية للأسف الشديد. نعم هناك أنظمة في كل يوم تحاول أن تبني شرعيتها على أساس إحماء هذا الاعتداد الوطني ضد هوية أخرى، يعتقد دائمًا أننا عندنا تفوق ودائمًا نحن على صواب ودائمًا الآخر هو السيئ وهو الشرير، وهذا يجب أن ننتبه إليه لأنه يشكل إشكالًا كبيرًا.

العوامل الخارجية فاعلة أساسية، أنا لست أثق مطلقًا حينما تكون هناك حرب بين جارين في منطقتنا العربية أساسًا ليس هناك من يستفيد منها ومن يغذيها خارجيًا، وعاجلًا أم آجلًا تأتينا الدلائل بالأدلة، نقرأها في البداية تكون مخفية وبعد ذلك نقرأها بوضوح.

 

ما أسباب التدخل الخارجي؟

باسم: التدخل الخارجي يعود لضعف الدولة مثلًا أو إلى حاجة الدولة أو إلى أن المجتمعات غير محصنة وطنيًا مثلًا؟ يعني لماذا يسهل على الآخر التدخل في المجتمعات العربية بينما لا يسهل عليه التدخل في مجتمعات غير عربية أخرى؟

أمينة: والله، هذا التدخل لم يعد اليوم بالنسبة لي في قراءتي المتواضعة حتى حصرًا على الدول العربية وحدها. لكن دعني أقول أولًا: إن الاستسلام الاستسهالي التسطيحي للمؤامرة القادمة من الخارج قد يسقطنا نحن في عجز وكسل داخلي، لأنه عندنا نحن جزء كبير من المسؤولية الداخلية في أعطابنا الداخلية يجب أن نعترف بها، ثم نكون واعين في تحريرنا للبعد الخارجي، لأنني أخشى كثيرًا من هذا الاستسهال الذي يجعل كل شيء نتيجة مؤامرة خارجية. لكن المؤامرة الخارجية واستهداف الأقطار العربية قائم.

باسم: أنا لا أنفي أنه قائم، لكن…

أمينة: قائم من هذا التشظي في هوياتنا الجامعة التي كانت في أحيان كثيرة تستطيع أن تجمعنا نحن العرب حول مشروع موحد، بدأت تضمر وتخبو نتيجة -أولًا- النزعة الاستعمارية التي عانينا منها بشكل كبير. هي تركت فينا “مصطلح فرنسي” يعني “تروما” جماعية ما زلنا نعيشها، لأن قرونًا من الاستعمار الخارجي – ليس أي استعمار، هو استعمار مفارق بالنسبة لنا ثقافيًا وتاريخيًا وحضاريًا – أن تَشفى منه…

باسم: وعدواني فوق ذلك.

أمينة: أن تَشفى منه ذاتنا الجماعية يحتاج إلى وقت كبير، ولكن هذا إذا سلمنا بأنه غادرنا الاستعمار بشكل مطلق وتركنا إزاء مآزقنا النفسية والحضارية والدينية نعالجها. هو غادرنا وترك فينا أورامًا، زرع الكيان الصهيوني في المنطقة العربية لا يُسهل بتاتًا هذا الشفاء. جزء من الإشكاليات الكبيرة توجد كلما وُجد هذا السرطان في المنطقة، يعني أن هذه الأمراض لا تزال موجودة.

 

لماذا يسهل على الآخرين التدخل في الدولة العربية؟

باسم: دعينا نعود مرة أخرى على موضوع الدولة، لماذا يسهل على الآخرين التدخل في الدولة العربية بغض النظر عن ماهية الدولة؟

أمينة: نحن بدأنا…

باسم: ولا يسهل على الآخر التدخل في دولة أخرى؟ قد تكون هناك أطماع، قد تكون هناك خيرات، قد تكون هناك أطماع في تأثيرات سواء اقتصادية وحتى استثمارية في المجتمعات العربية. لكن أن هناك فرقًا بين أن يحدث تدخل لفرض رأي، أو تدخل لأجل إحداث نوع من المشاركة. نحن المشاركة غير موجودة بيننا وبين الآخر، هناك تدخل للآخر في السير وفق هواه. هل هذا يعود إلى ضعف النخب السياسية، أم يعود إلى ضعف بنيات المجتمع وبالتالي يقود إلى ضعف الدولة نفسها؟ يعني هل الدولة العربية هي دولة بالمقاييس القانونية والدستورية للدولة؟

أمينة: نعم، نبدأ بتحليلنا نحن ثم نعود إلى الآخر، لأنني لا أرى في الآخر كل هذه القدرة على أن يكون منسجمًا وقويًا ويستهدفنا نحن الطرف الأضعف. أنا ما زلت سآتي إلى نقد الآخر لأنه يستحق أيضًا النقد، هو ليس مستعليًا كثيرًا أو متفوقًا كثيرًا علينا. لكن مع ذلك، نحن كما قلت لك، الآثار الاستعمارية التي لم نَشفَ منها، عدم قدرتنا على أن نأخذ الوقت اللازم في بناء نظرية سليمة تؤطر منظورنا، ما هي وجهتنا وفق رؤية موحدة لمشروعنا النهضوي القومي العربي أو الإسلامي أو حتى القُطري؟ لأنه في أحيان كثيرة هناك من يريد أن يتحلل من كل ذلك. انظر إلى حال الجامعة العربية وجامعة الدول العربية وغيرها. في كل مرة يتنامى هذا التوجه الذي يقول: دعونا ننكفئ على مشاكلنا الذاتية وعلى اختياراتنا، نحن لسنا بالضرورة محكوم علينا أن نرتهن بمعنى القومية العربية التي صارت عبئًا أكثر مما هي دافعية إيجابية. وهذا موجود في كل الأقطار العربية حقيقةً، لأن الوقت الذي قدم الآخرون نماذج لشعوبهم على أن التوحد منتج براغماتيًا، منتج على مستوى التنمية، منتج على مستوى الاقتصاد، منتج على مستوى…

باسم: والتأثير السياسي والتاريخي الفكري.

أمينة: الاتحاد الأوروبي، نحن قريبون ليس ببعيد. الاتحاد الأوروبي أثبتوا لشعوبهم أنه على مستوى التنقل، على مستوى المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، وهذه الوحدة مفيدة. والناس عاشوها في واقعهم وآمنوا بها، وكانوا مستعدين أن يضحوا بهذه القوميات الضيقة التي كانت ناشئة عندهم ومتناحرة بشكل أكثر دموية من عندنا. نحن تاريخنا ليس فيه كل هذه الصراعات بين الأقطار المتجاورة. إذن نحن أعطينا مثالًا عكسيًا، كل توجه وحدوي…

باسم: ننفر منه.

أمينة: ننفر منه لأنه لن يكون مفيدًا بالنسبة لنا، وهذا ما تروجه الأنظمة السياسية لشعوبها للأسف الشديد. مثلًا الاتحاد المغاربي الذي لم ينجح، مثال: لماذا لم ينجح؟ لأن هذه الدولة تستفيد أكثر منا، لأن هذه الدولة تريد أن تغرقنا وتكون هي المستفيدة اقتصاديًا على مستوى الهجرة والحدود، ولست أدري. قدمنا هذا النموذج فالناس انفضوا من حول فكرة التوحيد. لكن هو في النهاية، التكتلات هي مستقبل العالم، أرَدنا أم كَرِهنا.

 

أين دور البرلمانات؟

باسم: طيب أنتِ كبرلمانية أو كمشتغلة بالسياسة ضمن مؤسسة، مؤسسة البرلمان وهي مؤسسة جدًا مهمة، وهي مؤسسة تشريعية. يعني أين دور البرلمانات بهذا الشكل؟ هل هناك وعيٌ لما تفضلتِ فيه وفصلتِ حول القضايا التي تهم المجتمعات؟ هل هناك وعيٌ عند البرلمانيين، أم البرلمانيون مجرد موظفين يعني كما ذكرتِ في بعض اللقاءات؟

أمينة: البرلمانات في الدول العربية تشبه مجتمعاتها. وأنا أتصور بأننا سنكون مجحفين كثيرًا حينما نأتي إلى مجتمع معين ونختار مؤسسة من ضمن المؤسسات ونريد منها أن لا تشبه واقعها. البرلمانات هي إفراز، البرلمانيون هم إفراز لمجتمعاتهم في النهاية.

باسم: هل حقيقةً إفراز؟

أمينة: نعم، إفراز للوعي المجتمعي بشكل عام.

باسم: يعني هل تعتقدين أن البرلمانات في المجتمعات العربية بشكل عام تمثل المجتمعات، يعني انعكاس لتركيبة المجتمع؟

أمينة: هذا مستوى آخر من النقاش، أنت تتحدث عن إن كانت الآليات الانتخابية التي توصلهم إلى البرلمان آليات ديمقراطية وشفافة تعكس تمثيلية حقيقية. دعني أقًل لك: لا.

باسم: إذًا خلاص.

أمينة: بكل شيء.

باسم: وبالتالي لا يمكن اعتبارها انعكاسًا للمجتمع.

أمينة: لا، أنا لا يمكن مطلقًا أن أقول بأن آلياتنا الديمقراطية في البلدان العربية – على حد علمي، أنا زرت أغلب الدول العربية وعندي أصدقاء برلمانيين من كل الأقطار العربية، يعني نحن نتشابه إلى حد كبير. طبعًا هناك تفاوتات كبيرة، يعني المغرب ليس هو… هناك تفاوتات، لكن في العموم يصعب على سياسي يريد أن يحترم نفسه وما يوصله إلى الناس أن يقول: نحن في أنماط ديمقراطية مكتملة، المؤسسات تنال فيها شرعية حقيقية وهي إفراز شعبي، لأنه هناك آليات انتخابية شفافة ونزيهة تقول هذا يمثل حقيقةً الشعب. لا، أنا لم أصل بعد إلى أن أناقش إشكالية الديمقراطية، أنا ما زلت أناقش إشكالية المجتمع في إفرازاته. البرلماني كإنسان هو إفراز في النهاية لمجتمعه، أقول على مستوى وعيه، ثقافته…

باسم: لن نختلف، نحن غير مختلفين.

أمينة: إذن إذا كنا نعيش نزعة جامعة في المجتمع فيها – كما قلت – هذه العودة إلى الانكفاء القاتل على الذات وعلى ما يُسمى المصلحة الوطنية، وفيها شعارات كثيرة ترفع. الكثير من البرلمانيين هم إفراز لهذا النوع من التأطير الفكري ويعكسونه، حتى في حينما تجلس معه يقول لك: “يا أخي أو يا أختي، دعينا ننكب على مشاكلنا الوطنية اليوم، نحن عندنا مشكلة بطالة ومشكلة شغل ومشكلة كذا، لماذا تتحدثون عن هذه الأبعاد المعقدة؟ وفي أحيان كثيرة تتحدثون عما يمكن أن يعتبر أوهامًا لمشروع جامع وشامل”. نعم موجود هذا النوع من الفكر، لأنني قلت لك إن هؤلاء ليسوا بشرًا ينزلون من السماء. وكما قلت لك قبل قليل، هذا يعكس إشكالية النخبة، لأن النخبة يجب أن تكون سابقة على الوعي الذي قد يكون…

باسم: عنده رؤية خاصة فيه واضحة.

أمينة: وعي، الذي يمكن أن يكون وعيًا مشوهًا، أو على الأقل وعي استُهدف ووظفت كل الآليات لتشويهه. النخبة هنا يفترض أن تكون مفارقة للوعي العام.

طبعًا أنت تعرف أنه في الإشكاليات الفلسفية المرتبطة بنشأة الدولة، دائمًا حملتها المسؤولية، لأنه لا يمكن أن نقول: إن مسؤولية الدولة عن بناء المجتمع بعيدة. يعني المجتمع بكل أعطابه وإشكالياته، أنا بالنسبة لي هي مسؤولية الدولة أولًا وأخيرًا.

باسم: أكيد.

أمينة: إما تأطير، تعليم، إشكاليات التعليم في العالم العربي إشكاليات عويصة جدًا، وأنا أتصور أنه بدون تعليم وبدون تنشئة وبدون تأطير وبدون زرع لنظرية سليمة ولرؤية، ووجود مشروع وجودي للأمم، للدول والأمم والشعوب، هذا كله…

 

هل من مشروع محلي؟

باسم: ما فيه مشاريع عندك؟

أمينة: كما قلت لك في البداية، كان هناك تشظٍ بين التوق إلى نموذج استعماري كان هنا وغادرنا، وأننا لا يمكن أن نحقق أي نجاح إلا انطلاقًا من هذا المشروع الذي بُني على أساس الحداثة الغربية ومخرجات الفكر الليبرالي، حتى التي نوظفها نحن في كل شيء. ما معنى الدولة والدستور والمؤسسات والبرلمانات والانتخابات؟ هذه كلها إفراز آلية ليبرالية غربية، استوردناها في النهاية. نعم نحن عندنا في تراثنا آليات الشورى، ولكننا لم نعمل على قراءة سليمة عقلانية مفكَّر فيها لتراثنا، لنبدع من خلاله آلياتنا نحن القادرة على أن تخلق هذا التميز، التميز الحضاري والهوياتي، ليس الشوفيني، لكن الذي يمنح لأبنائنا هوية يعتزون بها ويفتخرون بها.

باسم: مَن يمنع أن يكون عندنا هذه القراءات؟

أمينة: إرادة جماعية، كما قلت لك، هذا مركب.

باسم: ما هي الإرادة الجماعية؟ مَن يشكلها؟

أمينة: فيها الدولة أساسًا. أنا دائمًا أذكر آليات الدولة.

باسم: الدولة مني ومنك.

أمينة: أنت في هذا المستوى. أنا أتحدث عن صفة نحن مواطنون.. الدولة. انظر، من الخطأ أن نقول دائمًا وأن نستسهل أن نقول: “الدولة هي نحن”. لا، الدولة هي المؤسسات التي نختارها، نعطيها ميزانيات، نعطيها آليات، نعطيها سلطة. أنا كمواطن ليس لدي سلطة، وليس لدي إمكانيات، وليس لدي اختصاصات دستورية كبيرة، وليس لدي… لا أحتكم إلى الإمكانيات. هذه كلها توافقت الإرادة الجماعية على أن نمنحها للدولة، وأعطيناها هذه الشرعية السياسية والقانونية والأخلاقية أساسًا. لماذا أنا أركز دائمًا على الشرعية الأخلاقية للدولة؟ حينما تفقد الدول شرعيتها الأخلاقية – وهذا ما يجب أن تنتبه له الدول في المنطقة العربية – تصبح غير قادرة على التأثير. متواجدة نعم متواجدة، لكن عمق تأثيرها وفعلها في المجتمعات ضعيف. حتى نحن نسميها في المغرب إشكالية الثقة بين المواطنين وبين المؤسسات، تعكسه نسبة المشاركة في الانتخابات، نسبة التحزب، نسبة المشاركة في الحياة العامة، في جمعيات المجتمع المدني، في الفعل. ثقة الناس حينما تعلن أن هناك لجان افتحاص، مساءلة…

 

ما دور الدولة؟

باسم: هل يمكن اتهام الدولة بالتقصير أو بالتلكؤ في قيادة المجتمع أو في قراءة شؤون المجتمع، وبالتالي السير ضمن مسارات تحقق حلًا أو تقدم حلولًا لبعض المشاكل المجتمعية؟

أمينة: الدولة عبر كل مؤسساتها تبقى مسؤولة عمومًا، لأنها دولة مؤسسات.

باسم: هي مسؤولة، لكن هل الدولة تمارس مسؤوليتها مثلًا؟

أمينة: قبل قليل قلت لك بأنه حينما نقارن أنفسنا بالدول التي أنتجتها الليبرالية الغربية، التي في سياق زمني اعتبرناها هي المثال وسعينا إلى أن نصل إليها، لكنه وقع لنا ما وقع للغراب. لا نحن استطعنا أن نعمل النظر الحقيقي في الآليات الغربية الحداثية حتى نحاول أن نكيفها وفق خصوصيتنا الجماعية حتى نستطيع أن نرتقي، ولا نحن استطعنا أن نقول: نحن لدينا في تراثنا ما يؤهلنا لمحاولة تكييفه وليجيب على الأسئلة الراهنة أن نخلق نموذجنا الذاتي. لكن الإشكال اليوم أن هؤلاء الذين زرعوا فينا عقدة التفوق ومركزية الغرب ليست بكل هذا الاكتمال. لأنه الآن هذا المشروع الذي نهلنا منه والذي كنا ننظر إليه بطريقة حالمة ورومانسية وننتظر… لا هو انهار اليوم حتى في نظرنا. اليوم الحرب على غزة التي لا تزال تسفك فيها الدماء، انهيار النموذج الأخلاقي الذي بنيت عليه كل هذه المنظومة الأممية والاتفاقيات الدولية التي انخرطنا فيها وترافعنا فيها كفاعل في العالم العربي على أساس أنه يمكن أن يكون فيها جزء من الخلاص.

وحينما نقول بأن الحداثة حداثات، قد تكون هذه اليوم هي اللحظة المناسبة لنبني حداثتنا وأن نستطيع حتى أن نجعلها جزءًا من الكسب البشري الجماعي. لأنه كل ما ينتج كآليات عالمية هي كسب إنساني بشري يشارك فيه الهندي والغربي والجنوب إفريقي والآسيوي. ولماذا نحن كل هذا الكسب الذي وصلنا إليه في مرحلة معينة على المستوى القيمي وعلى المستوى الحقوقي، وأنتج إرثًا نظريًا وقانونيًا في القانون الدولي وفي القانون الدولي الإنساني هو مهم جدًا، لماذا نسميه غربيًا؟ ألسنا نحن بشرًا بقيمنا وبإمكانياتنا قادرين على أن نؤثر في إعادة بناء نموذج أخلاقي معرفي سياسي قادر على أن يخلق البديل؟ وهذه الدولة التي أفرزها النموذج الليبرالي الغربي الذي أتصور أنه يعيش اليوم مأزقًا حقيقيًا، هي أيضًا اخترقت اليوم. اخترقت من اليمين المتطرف، اخترقت من نماذج رؤساء اليوم يصلون بلغة غريبة جدًا تهدم كل ما سبق وتم بناؤه في التوازنات العالمية والدولية وتخرق منطق الأشياء. اخترقت من طرف أقليات شوفينية تدعو إلى طرد المهاجرين أو الأجانب أو الأقليات كيفما كانت.

إذن هذا النموذج هو أيضًا يتآكل من داخله. فلذلك أنا أتصور بأن خلاص الجيل الحالي هو أن ينعتق من تلك العقدة التي عاشها جيلنا، هو أنه لا خلاص لنا إلا في ما أنتجَه الآخرون. فيه حياة إذا وصلنا إليه، وفيه هلاك بالنسبة لنا إذا لم نستطع أن نصل إليه.

 

ماذا تعني الخلفية الإسلامية في العمل السياسي؟

باسم: ذكرتِ قصة أنه أنا جئت من خلفية إسلامية أو من حزب إسلامي. دائمًا أنا عندي إشكالية في هذا الموضوع. يعني لماذا تفترضين نفسك أنه عندك خلفية إسلامية والآخرون ليس عندهم خلفية إسلامية؟ يعني لماذا هذا التمييز بالإسلام؟ هذا الإسلام أصبح هوية للتمييز أم هوية فكرية مختلفة؟ أنا حتى الآن لا أستطيع أفهم التمايز بالانتماء إلى الإسلام رغم أن الكل منتمٍ.

أمينة: هو هذا السؤال والحرج الذي يحدث لك حينما تطرح السؤال. أنا أتصور من منطلق متواضع أنه قد يكون هناك حاجة لمراجعة السؤال. لأن الأحزاب التي تكون ذات مرجعية إسلامية هي لا تتأسس على الإسلام كدين، لا تحدد نفسها وهويتها السياسية بناءً على الإسلام كدين.

باسم: هذا هو خلفية سؤالي أنا.

أمينة: أنا قلت لا والله، أنا قلت إن السؤال فيه إشكال. لأنه طرحت سؤالًا بهذه الطريقة، سيقود بالضرورة إلى مأزق لن نخرج منه. نحن في بلد إسلامي أكثر من 95%، نحن في المغرب مسلمون، نحن نتوجه…

باسم: إذن لماذا لا أقدم نفسي متميزًا عن الآخر؟

أمينة: لأنني لا أقدم نفسي كمسلمة في مواجهة غير المسلمين.

باسم: لا لا، أنا لا أقول أنتِ بالذات، الفكرة السائدة.

أمينة: المشروع الذي أنتمي إليه ولست أتحرج من أن أدافع عنه كما أؤمن به، لا يقدم نفسه كأناس مسلمين في مقابل أشخاص غير مسلمين. ليس هذه هي الفكرة. نحن عندنا حرج حينما نتحدث عن مرجعية قيمية نظرية تنهل من مبادئ الإسلام. ولست أدري لماذا لا نطرح نفس الحرج من واحد يقول لك: أنا علماني أو أنا اشتراكي أو أنا ليبرالي؟ لا نطرح هذا الإشكال، لأن مرجعيته الفكرية التي ينهل منها والتي يستبطنها حينما يطلق مشاريع هي تأتي إما من الاشتراكية، من الليبرالية، وقد تكون علمانية غير دينية، لا مشكل بالنسبة لدينا منها. لكن حينما نتحدث عن مشروع نظري ينهل من القيم الدينية الموجودة في الإسلام، يُطرح لدينا إشكال. وأنا حقيقة لا أعيش هذا الإشكال.

باسم: وهل قيم العلماني، القيم الأساسية التي تحرك المجتمعات هي تخالف الإسلام؟

أمينة: عندنا مشكل حقيقي في أنه لدينا كنز.

باسم: الإشكالية الحقيقية.

أمينة: لدينا كنز، أنا كما أقرأ في البلدان الإسلامية اسمه الدين الإسلامي، هذا كنز في أحيان كثيرة لا نعمل فيه.

باسم: حسنا، من يقرأ هذا عزيزتي؟

أمينة: هو هذا المشكل؟

باسم: لن أختلف وإياكِ، نحن متفقون على وجود الكنز.

أمينة: هو هذا المشكل.

باسم: قراءة الكنز الإشكالية.

أمينة: هو هذا المشكل بالضبط.

باسم: ما يسمى بالتعبير، أنا لا أحب أن أتعامل معه، الإسلام السياسي، لأن هذه التمايزات أنتِ جزأتِ..

أمينة: وهذا توصيف، هذا هو توصيف أطلق. أنا أتصور بأنه.

باسم: الإسلام ليس سياسة.

أمينة: هو نحن الإسلام السياسي.

باسم: الإسلام دين.

أمينة: تمام، نحن الإسلام السياسي كما أطلق. أتصور أنه أول مرة أطلق من جهة خارج الإسلام لتقرأ هذا الشكل من الإسلام الحركي..

باسم: كلامك سليم، توصيف خارجي ليس توصيفنا نحن.

أمينة: لتقرأ، هناك مسلمون في المجتمعات الإسلامية لهم عقائد، لهم شرائع، ولهم ممارسة يعني “مصطلح فرنسي” بخصوص الدين، يمارسونها في طقوسهم، في عباداتهم، يصلون، يصومون، ولا يطرحون الكثير من الأسئلة المقلقة سياسيًا واقتصاديًا في علاقتها بهذا الكنز الذي تحدثت عنه. لكن يبرز فصيل سياسي يقول: مادام أن كل فصيل سياسي يبني مشروعه الفكري والنظري من مرجعية نظرية ما، قد تكون اشتراكية، قد تكون لا دينية، قد تكون ليبرالية، وقد تكون… لست أدري. أنا سأجتهد لأخرجها من هذا الكنز، من هذا التراث الديني الثرّ والغني الذي يمكن أن نؤسس من خلاله مشاريع حضارية، فيها البعد الاقتصادي، فيها البعد السياسي، وفيها كل القيم التي ننادي بها وموجودة عندنا.

 

تجربة الأحزاب الإسلامية العربية

باسم: تمام، أنا لن أختلف معكِ. سأسألك سؤالًا: كم تنظيمًا أو حزبًا سياسيًّا عرف نفسه أو ميز نفسه أن خلفيته إسلامية؟

أمينة: قليل، ليس كثيرًا يعني.

باسم: لا، كثير في كل المجتمعات العربية، يوجد منهم.

أمينة: تجد واحدًا أو اثنين.

باسم: لا، ليس في كل المجتمعات العربية هناك مجموعة تقول: أنا أمثل الإسلام، وأريد أن أطرح الإسلام في الحياة السياسية. أين النتائج الإسلامية التي موجودة في المجتمعات؟

أمينة: والله انظر، أنت قلتها: هناك توجهات، جماعات، كل واحدة تقرأ بطريقتها الخاصة. حتى نحن عندنا في المغرب عندنا عدة، هو ليس كتيرًا، قليل، ولكن كل واحد يقرأ بمنطلقه الخاص، قد ينجح وقد لا ينجح، كما قد تنجح…

باسم: هو ليس أنه قد لا ينجح، هو لم ينجح، ما فيه نجاحات..

أمينة: والله هذه قراءتك الخاصة. لأنه انظر، أنا أقول لك: الأحزاب التي نقول عنها ذات مرجعية إسلامية في منطقتنا العربية ولا في تجربة تقريبًا واحدة، أعطيت لها الفرصة لتقول كل ما لديها ولتتصرف كما تعطى الفرصة للآخرين. المغرب يشكل استثناءً، نعم يمكن أن أقول المغرب يشكل استثناءً إلى حد ما، لكن أنا ممكن أشرحها معك واحدة واحدة. الآن كل هذه التجارب، وأنا لست أدافع عنها بالطريقة المطلقة، لأنه حتى أنا عندي مثلًا مسافة نقدية تجاه الكثير من هذه التجارب التي تنعت نفسها أو تنعت بتجارب الإسلام السياسي في المنطقة العربية، كلها تقريبًا استهدفت، الكثير منها فجرت من الداخل ولم تكتمل.

باسم: لماذا؟

أمينة: أنا لست أريد أن أدخل في التفاصيل.

باسم: لماذا نقزم الإسلام ونحصره في مجموعة برلمانية محددة أو حزب محدد لماذا؟ ما هذا الدين دين المجتمع.

أمينة: والله إذا رجعنا لمنطلق، منطلق المأزق في البداية. يا سيدي، لا أحد يقول بأنه أنا مسلم وانظروا إلي، أنا أمثل الإسلام. هذا منطلق خاطئ ويوصل إلى نتائج خاطئة.

باسم: خاصة هذه الأحزاب التي أعرفها أنا وأنتِ تعرفينها في كل مجتمعاتنا العربية، لم تقدم للمجتمعات أي فائدة تُذكر على مستوى الدين إلا ممارسة الطقس.

أمينة: والله هذا توصيف قاسٍ ومطلق وإطلاقي. هي تجارب إنسانية مثلها مثل باقي التجارب، هذه التجارب الاشتراكية التي مرت على البلدان العربية، قومية، كلها أقدمت نجاحات ظاهرة؟

باسم: الاشتراكيات، الاشتراكية كلها أفكار صغيرة.

أمينة: وحتى الإسلام السياسي أفكار، لا لا.

باسم: أنا أتحدث عن دين.

أمينة: إذن لن نتفق يا أستاذ. انظر إذا بقينا في هذه المقابلة، أنت تتحدث عن الأحزاب التي تسمي نفسها أحزاب ذات مرجعية إسلامية، هي تمارس السياسة بمرجعية إسلامية، تقدم نفسها كدين في مقابل غيرها الذي لا يحمل هذا الدين، هنا…

باسم: هذا الواقع.

أمينة: والله نحن ليست تجربتنا هذه، لكن إذا كنت تقصد تجربة معينة.

باسم: عزيزتي أنا لا أناقشك كتجربتك الذاتية أنتِ.

أمينة: لا، لست أنا كشخص.

باسم: أنا أناقش الفكرة بشكل عام.

أمينة: أنا لا أناقش نفسي كشخص.

باسم: أن أقدم مجموعة حزبية ما أنها تمثل الإسلام في المجتمع الذي تعيش فيه.

أمينة: لم أر ذلك. هو في النهاية الإسلام فيه جانب العبادات، العقائد المحسومة، والعبادات، والشرائع، والفقه. هو هذا إعمال النظر البشري في هذا النص الديني. اتفقنا على ذلك لاستخراج الأحكام، والأحكام لها مقاصد، وفي هذا تيارات ومدارس. إذن نحن متفقون على أن ما هو ثابت في النص القرآني القطعي المشترك بين الجميع، وجزء كبير من السنة النبوية التي لا يختلف عليها، لا أحد يناقش ذلك. لكن التوجهات السياسية الإسلامية بين قوسين، ماذا تقول؟ تقول: دعونا نستفيد من هذه المرجعية الدينية التي يملكها المجتمع والدولة، لأن الدولة مسلمة يعني دينها الإسلام ومنصوص على ذلك في دساتيرها، والناس يمارسون الإسلام. دعونا كما قلت لك في البداية نستثمر في هذا الكنز القيمي الأخلاقي والوجودي، فيه من التصورات التي تحفظ البشرية وتحفظ الإنسانية وتلهمها بقيم نبيلة، لماذا نتركه هنا جانبا ونقول: لا، هذا الدين في المساجد، الصيام والعمرة، والناس يذهبون إلى الحج ويصرفون الكثير من الأموال في الذهاب كل سنة للعمرة وبناء المساجد وغيرها.

باسم: أنا بالنسبة لي هناك قاعدة عملية.

أمينة: ثم نذهب لنبحث عند مرجعيات غربية بحثا عن الخلاص الذاتي.

باسم: لا لا، أنا لا أقول كذلك، هناك قاعدة عملية تقيس مقدار نتائج الأشياء، أصل الفعل نتيجته.

أمينة: نسبية يا أخي، نسبية.

باسم: أصل الفعل نتيجته. أنا أسأل يا عزيزتي، أسأل: هذه الأحزاب التي ادعت هذه الخلفية، ماذا قدمت للمجتمعات على هذا السياق فقط؟ على السياق الديني، لا أريد أي سياق آخر، ماذا قدمت؟ لم تقدم جديدًا.

أمينة: هي أحزاب، إذا سمحت، حتى نعيد تأطير نقاشنا، الفرق بين الأحزاب التي تشتغل في العمل السياسي بالآليات السياسية المتعارف عليها، هي تدخل انتخابات وتشكل حكومات وتمارس تأطيرًا حزبيًا بآليات متعارف عليها ومراقبة من طرف القوانين والدولة كمؤسسات، وفرق بين جماعة أو طائفة أو حركة أو زاوية صوفية.

باسم: أنا أتحدث عن الأحزاب التي تدخل السياسة، أنا لا أتحدث عن زوايا.

أمينة: إذن كيف تقول ماذا قدمت للناس على المستوى الديني؟ نحن لسنا في العمل السياسي لنصلح دين الناس.

باسم: هي عزيزتي، الأحزاب لا، أنا أتحدث لا عن زوايا ولا عن دين..

أمينة: أنت سألتني عن وقعها على مستوى الدين عند الناس.

باسم: تمامًا، هذه الأحزاب التي تشكل، الأحزاب التي تدعي أنها تمثل الناس.

أمينة: لم تأتِ لإصلاح دين الناس.

باسم: ليس مطلوبًا منهم إصلاحهم.

أمينة: إذن اتفقنا.

باسم: إذن لا تدعي أنها تمثل الدين، لأنها هي لم تقدم شيئًا على مستوى الدين، الدين شيء واسع، الدين مسلك حياة.

أمينة: متفقون.

باسم: إذن هذه الأحزاب التي أتت وقالت نحن…

أمينة: ليس لها من الحق أن تحتكر الدين وأن تتحدث باسم الدين أو أن تعتبر نفسها…

باسم: فقط هذا سؤالي، لماذا احتددتِ أنتِ؟

أمينة: لا والله، أرى أنني وإياك متفقون من البداية.

باسم: تمامًا، طيب ما دام (متفقين)، أنا أسأل سؤالًا: ما فائدة الادعاء أنني أمثل جزءًا من هذا الدين الجميل الذي…

أمينة: لا، نمثل، ليس لي حق التمثيل.

باسم: هم يدعون هكذا.

أمينة: لا لا والله، انظر هناك قراءة في المنطلقات قد تكون خاطئة، والذين فعلوا ذلك جنوا على أنفسهم.

باسم: ليس مجرد أن أقول أنا خلفيتي إسلامية، ما الافتراض الذي يصير يفهمه الآخرون؟

أمينة: أنا أقول لك إذن يجب أن نثق في هذا الفاعل، لأنه هو الذي قام بهذا الاختيار، لم يملَ عليه ولم يفرض عليه، هو الذي قام بهذا الاختيار، وحينما تسأله يفترض أن تنصت لجوابه، يفترض، أقول بشكل عام، حينما يطرح الناس الأسئلة على هذا التوجه، يفترض أن ينصتوا إلى الإجابة ويحللوها بعيدًا عن أن هذه الإجابة فيها تضليل أو فيها تقية، فيها الحقيقة. أنا أقول: نحن انخرطنا في هذا العمل، ماذا نقول؟ نقول إن هذا الدين الذي لا يمكن أن نحتكره، لأنه مرجعية سماوية دينية توحيدية سبقتنا وستبقى، وسنموت وسنفنى وستظل، وهي قادرة على أن تضمن لنفسها البقاء.

00:44:00   

وأنا أقول صالح لكل دين ووقت ومكان، لكن مع كل هذا التراث الضخم الضخم الضخم، القرآن الكريم وحده يؤسس لكل القيم التي من شأنها أن تنقذ البشرية من كل مآزقها. إشكاليتنا هي في القراءة، إذن نحن نحاول أن نقوم بهذه القراءة فيما يتعلق بالعمل السياسي، لأنه لا يمكن أن نسمح لتوجه يقول لا، نحن نحتاج إلى علمانية في المجتمع العربي، دعوا الإسلام في المسجد وفي الممارسة الفردية، ودعوا الدولة تسير بالآليات الليبرالية الغربية الحديثة التي أفرزها هذا النموذج الذي نستقي منه كل شيء. نحن نقول أعطونا فرصة، ربما مع كل هذه المآزق التي نعيشها، وكل هذا التشظي، حتى أنا في هذه اللحظة…

باسم: هذه الفرصة يجب أن تعطى للمجتمع وليس للحزب.

أمينة: وهذه الأحزاب هي إفراز للمجتمع.

باسم: ممكن أجيبك لماذا هذا الادعاء..

أمينة: أليست هذه الأحزاب جزءًا…

باسم: أتسمحين لي أجيبك.

أمينة: نعم، لكن أليست هذه الأحزاب جزءًا من المجتمع؟

باسم: تسمحين لي أجيبك.

أمينة: تفضل.

باسم: تسمحين لي أجيبك. لماذا أنّ ما يوصفون بالعلمانيين أو غير الخلفيات الإسلامية، رغم أنهم خلفياتهم إسلامية، لأن العرب كلهم خلفيتهم إسلامية، من يدعي أنه علماني هو خلفيته إسلامية، ثقافته إسلامية، تفكيره إسلامي يعني.

أمينة: لست أدري.

باسم: أنا أدري، الأحزاب التي قدمت نفسها أنها تمثل الإسلام كواقع وحل.

أمينة: لا تمثل الإسلام.

باسم: أنتِ تقولين، لكن هم يقدمون أنفسهم هكذا، الذي يرفع شعار “الإسلام هو الحل”، ماذا يعني؟

أمينة: كان هذا الشعار.

باسم: هذه الأحزاب قدمت الفقه كطريقة يا عزيزتي.

أمينة: إذن نحن لسنا متفقين، لا والله لا.

باسم: لم تقدم الإسلام.

أمينة: والله لا نتفق.

باسم: قدمت الفقه، والفقه فيه عليه إشكالية كبيرة في كيفية قراءته.

أمينة: والله يا أستاذ باسم، مع كل احترامي الشديد، لم نتفق، لأنه أنا أنطلق من واقع ممارسة، يبدو أن هذا المنظور قد يكون حقيقيًا، لأني أحترمه في النهاية، ولكن الواقع شيء آخر، الأحزاب ليست هي الزوايا الصوفية وليست هي الحركات.

باسم: أنا ذكرت سيرة الزوايا؟ كل وعظها نعم، قدمت الفقه.

أمينة: لا، وهذا غير صحيح، ولماذا أنا سأقدم الفقه؟ مثلًا وزير يسير قطاع النقل، النقل والطائرات والسفن والحافلات والتاكسيات..

باسم: الحلول..

أمينة: في حدود أقل، كيف سيقدم هذا هو زاوية وهو حامل لبرنامج حكومي صوتت عليه أغلبية برلمانية ومحكوم بقوانين الدولة؟ هذا حزب سياسي عصري.

باسم: هو قدم برنامج الحكومة، هو إذن يقف يدّعي أنه أنا أمثل الإسلام.

أمينة: لا والله، برنامجه الحكومي يقوم على قيم ينهل من خلالها رغم المرجعية الفكرية الإسلامية.

باسم: ما هي القيم المجتمعية.. هي قيم المجتمع كانت كقيم قريش يعني؟

أمينة: حسنًا، والقيم الاشتراكية قائمة على العدالة الاجتماعية، أليست قيمًا مجتمعية؟

باسم: والعدالة الاجتماعية هذه عدالة إسلامية.

أمينة: قيم مجتمعية. إذن لماذا تلوم؟ لا يلام الذي يقول أنا اشتراكي، وأنا أقول له يا أخي من أين أتيت بمرجعيتك الاشتراكية؟ العدالة الاجتماعية موجودة في المجتمع، لماذا يلام حزب ذو مرجعية إسلامية يقول بأن مرجعيتي الفكرية النظرية أستقيها مما لدي هذا الكنز الذي سميته؟ لماذا نلوم عليه ولا نلوم على واحد ليبرالي يقول لك حرية المعاملات في السوق، أليست إسلامية أيضًا؟

باسم: ممكن تتركيني أتحدث؟ أنا أعطيتك مجال تتحدثين كثيرًا.

أمينة: تفضل.

باسم: دعيني أتحدث، هو لما يقول أنا مسلم يعني يمثلني أنا، لكن هو يفرض قراءته للإسلام عليَّ أنا.

أمينة: أنا أنتظر حتى تكمل سؤالك كله لأجيب.

باسم: لكن هذه الأحزاب لما قدمت نفسها، قراءتها للدين، هي تقدم قراءتها للدين الذي أنا أنتمي إليه، الذي أنا متدين فيه، وأنا بالنسبة لقراءته خاطئة، لماذا يدعي إذن أنه هو يمثل الإسلام؟ فقط. هذه هي، أضيفي إلى ذلك أن هذه الأحزاب لم تقدم في حياتنا السياسية أي حل له علاقة من النص.

أمينة: والله أنا أقترح عليك لننهي هذا، يبدو أننا نحن أنا وأنت الآن في مأزق بخصوص هذه النقطة، لنخرج منها. اتفقنا ثم عدنا لعدم الاتفاق، هذه الأحزاب لا تدعي أنها تمثل الإسلام، الإسلام أكبر بكثير من أن يمثله أي فصيل.

باسم: البرنامج الخاص بنا لا نريد أن ندخل في الحديث السياسي، لأنه إذا دخلنا في السياسة لدي قصص أخرى عن الموضوع. لا، نحن كان الهدف كالتالي: أن أي مجموعة حزبية تدعي نفسها أنها تمثل هذا الدين أو جزءًا من الدين، عندها خياران، إما تطرح رؤية واضحة للدين، رؤية إيمانية حقيقية، وأنا أحس هذه الرؤية في المجتمع، أو أن لا تدعي، مارسي حياتك السياسية مثلك مثل أي إنسان مسلم عادي في المجتمع. المجتمع كله مسلم، حتى من يدعي العلمانية، أنا في رأيي هو مسلم.

أمينة: كل حزب يدعي أنه يمثل الإسلام هو على خطأ، ويكون منظوره إلى زوال.

 

محاولات تطوير التعليم في المغرب

باسم: في حياتك، في نشاطك السياسي، كان التعليم يشكل جزءًا أساسيًا من هذا النشاط، وحتى كان دفاعك عن اللغة باعتبارها أحد الأدوات الأساسية التي إن حفظناها يتم حفظ التعليم ومن ثم تطويره.

أمينة: أنا فعلًا، أنا كنت إضافة إلى كوني برلمانية، كنت عضو المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في المغرب في فترة من 2014 إلى 2019. وفي هذه الفترة، كان المغرب يحاول أن يتلمس طريقًا جديدًا لإصلاح منظومة التربية والتعليم، بعدما أفرزت تقارير التشخيص الوطنية والدولية أن نموذجنا التعليمي فيه أعطاب كثيرة، إن لم أقل أنه كان مفلسًا، لأن التوصيفات تقارير وطنية ودولية قالت بأنه تجاوز واقع الحال، وحتى كان عندنا اعتراف رسمي من طرف الدولة في شخص الملك أن تعليمنا قبل عشرين سنة من الآن، سنة 2013 لما كان هذا الخطاب الملكي يقول عشرين سنة قبل، منظومتنا التعليمية أفضل مما كانت عليه في الوقت الذي كان فيه هذا التوصيف الرسمي والاعتراف من طرف الدولة، وهذه فضيلة على أي حال.

اجتمعنا وكانت نقاشات عميقة جدًا، شارك فيها أكاديميون، لسانيون، مثقفون، مهتمون، تربيون، فاعلون في الميدان، وكنا نبلور ما سميناه الرؤية، رؤية إصلاح منظومة التربية والتعليم في المغرب. وحقيقة كان نقاشًا كبيرًا جدًا أفرز وثيقة أعتبرها مهمة جدًا، وهي الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين في المغرب، حاولنا أن نحولها إلى قانون، إطار. هذا الشيء كله يبين بأنه كانت هناك إرادة في هذا.. لإصلاح هذه المنظومة، لأنها هي الأساس. نحن في المغرب وفي العالم العربي عمومًا نخطئ المنطلقات فنخطئ المخرجات.

باسم: النتائج.

أمينة: والنتائج. إذا لم نعِرِ الاهتمام الكافي لبناء وعي الشباب من خلال منظومة تعليمية قادرة على أن تنقذنا من واقع الحال الذي نحن فيه، وأن تبني وعيًا متنورًا عقلانيًا متأسسًا على أسس الهوية التي يفترض أن يفتخر بها كل من ينتمي. مثلًا حينما نقول “مواطن مغربي”، ما الذي نقصده بذلك؟ لذلك كان عندنا جزء من غايات منظومة التربية والتكوين، وهذا نقاش كان عنده أبعاد فكرية وفلسفية: ما الذي نريده من منظومة التربية والتكوين؟ ما هي مواصفات الإنسان الذي تنتجه منظومة التربية والتكوين؟ كان في المغرب عندنا مفهوم: نريد مواطنًا صالحًا. ما معناه؟ من هو هذا المواطن الصالح؟ بماذا يؤمن؟ حينما نعود إلى مثلًا الوثيقة الدستورية المغربية، فيها أبعاد في الشخصية المغربية وروافدها المتعددة: عربية إسلامية، منفتحة على فضائها الأورو-متوسطي، عندها بعد وجذور إفريقية، عندها روافد صحراوية وعبرية ولست أدري. هذه المكونات كلها إذا نُطقها وجمعها كمكتوب يبدو سهلًا، لكن كيف تقول لي…

باسم: كيف تمثلها في الواقع؟

أمينة: في هذا الشيء كله يريد أن ينفتح على العصر ويريد أن يتشبث بهويته، هو في النهاية يعمق هذا النوع من التشظي الذي تحدثنا عنه: الهوياتي، والذي تعمقه وسائل التكنولوجيا الحديثة، والذي.. ليس فقط الدول العربية التي عانت منه لفترة طويلة. أنا في تلك الأيام – لست أدري كيف سقط في يدي وأعيد قراءته – السيرة الذاتية للمهاتما غاندي وهو يتحدث عن تجاربه، قصة تجاربه مع الحقيقة (تعبير إنجليزي)، يبحث عن الحقيقة كيف هي من خلال هذه النقلة الحضارية الرهيبة التي قام بها بانتقاله من الهند إلى لندن للدراسة، ثم إلى جنوب إفريقيا وقت الأبارتيد والتمييز العنصري ليمارس هناك مهنة المحاماة، ثم عودته. وهو يتحدث عن عقيدة هندوسية أصيلة بالنسبة له، أسس عليها قيم السلام واللا عنف إلى غير ما هو معروف عنه. ولكن حينما نقرأ هذه السير الذاتية لمثل هذه الشخصيات، نعرف إلى أي حد مهم جدًا أن نراعي هذه الأبعاد الاجتماعية والنفسية في تركيبة الإنسان قبل أن نذهب إلى مواطن صالح يعني أن يلتزم بحقوقه وواجباته، وأن يلتزم بالقانون. لكن هذه الأبعاد النفسية والاجتماعية المركبة التي في عمقها اللغة، ماذا تعني اللغة؟ أنا درّست الفلسفة لفترات وما زلت أقول بأن الذي لا يتحدث جيدًا بالضرورة لا يفكر جيدًا.

باسم: مئة بالمئة، لأنه فيه تلازمية بين الفكرة وبين اللغة.

أمينة: والله كثير من الناس يقولون لك: لا، هذا يتحدث العربية لأنه لم يقرأ العربية جيدًا، يتحدث فرنسية مثلًا في المغرب أو إنجليزية في بلدان أخرى. ولكن هي في النهاية اللغة مجرد وسيلة للتواصل، كيف ما قال اللفظ افهمه. لكن أنا عندي اعتقاد بأن الناس، الخطباء الجيدون غالبًا يفكرون بطريقة سليمة، قد نتفق مع تفكيرهم أو لا، لكن عندهم منهجية وعندهم منظور. والذين يتعثرون كثيرًا يعني أن هناك مشكلًا على مستوى تصورهم للفكر وللأشياء. لذلك حينما تحدثنا قبل قليل عن هذه الشخصيات الكاريزمية، عادة ما تكون مفوهة وخطيبة وتعرف ما تقول وما تريد، قد تتفق أو لا تتفق مع مرجعيتها الأيديولوجية، ولكنها عندها منظور.

باسم: عندها رؤية خاصة بها.

أمينة: عندها رؤية خاصة وتدافع عنها، وتستطيع أن تؤطر الحشود حولها، وأن تجمع، وأن تشكل رمزية يستنار بها في مشاريع إصلاحية معينة. مارتن لوثر في التاريخ وغيره، وهذه الشخصيات استطاعت أن تقلب موازين الأشياء.

نحن في المغرب طُرحت عندنا إشكالية غايات المنظومة في التربية: اللغات، لغات التدريس وتدريس اللغات. وأنا أظن بأنها ليست خصوصية في البلدان.. في المغرب، هناك بلدان حسمت في اعتبار لغة التدريس هي اللغة الوطنية، هي التي تدرس بها وتنفتح على اللغات الأجنبية. ولكن عندنا في المغرب كان عندنا هذا الإشكال بين لغات التدريس واللغات المُدرسة، يعني ما هي اللغة التي ندرس بها ونفكر من داخل منظومتها ونبني هوية ناشئتنا من خلالها، وندرس أساسًا وننفتح على الثقافة وعلى الحداثة وعلى التكنولوجيا وعلى الفكر من خلال تدريس اللغات الأجنبية. والمغاربة جيدون في تعلم اللغات الأجنبية. وكان عندنا النقاش والتصادم بين من يعتقد أن اللغة العربية أصبحت مُتَجَاوَزَة، وأن الانغلاق فيها والتشبث فيها لا يمكن أن يجر إلا للوراء، وأنها ليست لغة علم، ليست لغة فكر، ليست لغة إنتاج، ليست لغة… وهذا ليس خصوصيًا عندنا، هي في البلدان العربية في أغلبها، لا تجد أن اللغة العربية هي لغة الاقتصاد، لغة العلم، ولغة البحث العلمي، ولغة المعاملات المالية والإدارية. في بعض الدول العربية التي نجت بنفسها وبقيت متشبثة. ولكن أنا أقول دائمًا بأنه ليس الإشكال في اللغة.

باسم: أهل اللغة.

أمينة: الإشكال في القدرة على تهيئة اللغة. هناك شيء ما يسميه الفرنسيون (مصطلح فرنسي) يعني التهيئة اللغوية، وأن تشتغل على لغتك لتجعلها قادرة على أن تطور نفسها وألفاظها، وأن تكون لغة إنتاج متجدد ودائم لتواكب لغة العصر والتكنولوجيا والعلم. وأنا أتصور بأن اللغة العربية – لا أريد أن أكون شوفينية في انحيازي للغة العربية – وأقول إنها أقدر اللغات في العالم على هذا الإنتاج الكبير والغني، لأنها لغة غنية. ولا نعايرها بوضع أهلها، الذي يربط التخلف باللغة أتصور بأن عنده فكرًا قاصرًا جدًا، لأن هناك لغات صغيرة في العالم لا يتحدثها غير عدد محدود من الملايين القليلة من الناس واستطاعت أن تكون مرجعًا لبلدانها في التكنولوجيا وفي العلم وفي الاعتزاز وفي البناء، وهي مجرد قوميات صغيرة.

 

ما سبب تدني المستوى التعليمي التربوي عربيًا؟

باسم: تجربة تدني المستوى التعليمي أو التربوي حتى، ليس فقط التعليم، حتى التربوي فيه تدنٍ في المجتمعات العربية، ليس فقط في المغرب، في كل المجتمعات العربية. اسألي أي واحد عمره أكثر من 40 سنة يقول لك: والله التعليم كان في عهدنا ممتازاً، التربية ممتازة،. كنا لما نرى المدرس أو المعلم في الشارع نخجل منه. لماذا؟ لماذا هذا الانهيار؟ رغم أن الكل يعي، في كل مؤسسات هذا المجتمع المسؤولة تعي أنه فيه انهيار في منظومة التعليم، عدا عن أن التربية انتهت.

أمينة: والله أتصور نعم، هذا الجواب هو مركب، لأنه للأسف هناك توجه حديث بدأ يفصل التعليم عن التربية. نعرف أن هذا جزءًا من المشكل. الذي ينكب على وسائل التعليم كوسائل بيداغوجية وآليات بعيدة عن عمقها التربوي. لذلك يمكن أن تسمي أن هذا مثلًا… وزارة التعليم في أحيان كثيرة تسميها وزارة التربية والتعليم، في أحيان كثيرة تقول فقط هي للتعليم. هذا الانفصال بين الوظيفة التعليمية للمدرسة والوظيفة التربوية خلق إشكالًا كبيرًا، لأنه في أحيان كثيرة كانت المدرسة هي المكان للتنشئة الاجتماعية والتأطير الواعي وغرس المبادئ الأساسية الموجهة، وكل هذا المشروع الوجودي للإنسان يأخذه من المدرسة، بالنظر إلى الأمية التي كانت مستشرية، لا ينتظر من الأب والأم في بلداننا العربية لأجيال أنهم يعطون الأبناء… كانت المدرسة هي التي تقوم بهذا الدور.

باسم: في رأيك أنتِ كمشتغلة بهذا المجال يعني دخلتِ في عمقه، هل كان الفصل فصلًا بقرار، أم طبيعة تطور المجتمع أدت إلى أن المدرسة تتوقف أن تكون أيضًا تمارس دور الجانب التربوي؟

أمينة: أظن أن إشكالية التربية والتكوين هي قرار سياسي.

باسم: قرار سياسي؟

أمينة: سياسي بالدرجة الأولى، كما قلت لك، لأنه من الذي يشرف على تعليم الناس وتأطيرهم ووضع البرامج والمناهج والتكوينات والمضمون؟

باسم: وزارات التربية.

أمينة: الدولة في النهاية يعني… الدولة في النهاية عبر…

باسم: طيب، هي تسمى وزارة التربية والتعليم، يعني التربية أولًا؟

أمينة: نعم، في أحيان مازال أنه بالنسبة للوزارات التي لا تزال تحافظ على وزارة التربية والتعليم، تكون مازال فيها عمق الوظيفة الأساسية. الإرادة السياسية متحصلة. نعم، إذا كانت إرادة سياسية حقيقية لإصلاح التعليم، النتائج تكون على الأقل واضحة، لأن الأمر يتطلب.. هذه الإرادة تنعكس هي ليست مجرد شعارات سياسية، هي تنعكس في كيف نتعامل مع هذا التعليم، لمن نولي أموره بالدرجة الأولى. يكون مؤسفًا جدًا في أحيان كثيرة، ويدعو إلى البكاء أن تنصت إلى وزراء التربية والتعليم في المنطقة العربية في أحيان. لأنه لا يمكن أن تصدر نموذجًا من عكسه. الرجل الأول الذي يقف على التربية والتعليم يجب أن يكون..

باسم: أنا رأيت ناسًا مدراء تربية وتعليم لا شكل..

أمينة: والله يتلعثمون بكل اللغات، حتى.. يضحك علينا الكثيرون، والله لا يتكلم العربية لأنه لا.. لا شيء غير مقبول.

باسم: حتى بالفرنسية.. فرنسيتهم..

أمينة: فرنسية زعماء… حينما تتكلم فرنسية تقول أنت عندك تفوق مثلًا… هو والله هذه أزمة، أن تكون عربي المولد والنشأة وتفتخر بأنك لا تتكلم لغتك. هذا في حد ذاته جزء من المشكل. إذن هذه الإرادة تترجم عبر… لمن نولى أمور الناس، الميزانيات التي توضع. التعليم ميزانيات أردنا أم كرهنا، إصلاح التعليم يفترض اعتمادات وميزانيات كبيرة، يفترض بنية تحتية محترمة. هذه أنا أقول لك الشكليات البسيطة التي قد يعتبرها الناس. لأنه في أحيان كثيرة مع نقاشي مع مثقفين من أجيال يقول لك: والله نحن المدرسة كنا نفترش فقط. يمكن الحصير والمقاعد باردة، وكان إنتاج… إنتاج مهم. نعم، ولكن، أنا لست أنتمي إلى هؤلاء الناس الذين يريدون النوستالجيات الحالمة دائمًا، أن نقارن…

باسم: الزمن اختلف.

أمينة: ماذا كنا، وكيف هم أبناؤنا. حاول أنت أن تناقش مع هذا الجيل يقول لك: هذا في زمانكم… يمكن هذا زمان آخر. اليوم هنا، ليس لديك اعتمادات وإمكانيات، بنية تحتية مهمة، تكوين جيد لرجال ونساء التربية والتعليم، أجور جيدة ومحفزة. هذه حتى لو بدت نهرب من النقاش العميق الفلسفي والفكري، إذا لم تعالج هذه الإشكاليات. ثم نعود إلى العمق نعم، عندنا مشكل في الرؤية، لذلك نحن كتبنا تلك الوثيقة. كنا نتساءل كيف سنسميها. هناك من في الأول كنا نسميها في هذا المجلس الأعلى “خارطة الطريق للإصلاح”، وبدأنا النقاش نقاش. بعد ذلك اكتشفنا جميعًا واتفقنا على أن الإشكال إشكال الرؤية، رؤية مؤطرة: ما الذي نريده من هذه المنظومة؟ كغايات أساسية، كمضمون. وحينما تتحدد ملامحه، ستنعكس على الكتب الموجهة. نسميها “الكتاب الأبيض” الكتاب المرجعي الذي يوجه البرامج والمناهج، يعني المضامين الدراسية في المقررات.

 

لمَ لا يتم الاهتمام بالتعليم؟

باسم: بغض النظر، نريد أن نتحدث عن المجتمع والدولة، لماذا النظام الإداري أو إدارة المجتمع في مجتمع ما قررت أنها لا تريد أن تعتني بالتعليم؟ ما الهدف؟ يعني أي دولة أو أي إنسان عاقل يدرك أن التعليم ضروري للتنمية، لا يمكن أن تحدثي التنمية أو تطوري في المجتمع بدون تعليم. عندما أقرر أن أسقط الأهمية ولا أعطي التعليم الأهمية التي يجب أن أعطي إياها، ويصبح هناك نقص في الرواتب، في الميزانيات، كيف أتوقع أنا من المجتمع؟ لماذا اتخذ قرارًا أن أقتل المجتمع من خلال عدم الاهتمام بالتعليم؟

أمينة: والله أظن أن الأمور ليست بهذا.. أنا أتصور الآن أن هناك قرارات تتخذ ونقول: عالجوا التعليم بطريقة ما، لكن ليس لدرجة أن يكون تعليمًا ناجحًا منتجًا، يعني ليس بهذه الطريقة. ولكن من منظور الذي يؤطر إصلاح التعليم، هناك تخوف كبير من الوعي الذي نمرره في المدارس. هنا أتفق معك، لأنه حينما نفكر في المدرسة كآلية من آليات الضبط الاجتماعي أو الجامعة، هنا يقع المشكل. يعني درسوا الناس، خذوهم عندكم، أعطوهم مضامين دراسية وما إلى ذلك، لكن ابعدوهم عن النقاشات المؤطرة للوعي، عن الحس النقدي، عن الانخراط، يعني حتى لا تكون المدرسة ذلك المشتل الذي يساهم في بناء وعي مواطن منخرط فاعل ونقدي، ثم ينتقل إلى الجامعة. الشباب… وظيفة الجامعة في مراحل معينة من تاريخ الأوطان العربية كانت مهمة أساسية. يعني الجامعة تخرج النخب، هذه النخب كلها التي مارست وفكرت وكتبت وانتقدت، كانت تجد الفضاء الجامعي فضاءً مفتوحًا. حتى لا نعود كما قلت لهذه النوستالجيات الحالمة، الآن الطلبة في إطار العولمة، يعني نحن لم نثر إشكالية العولمة التي فرضت على الناس أنماطًا معينة من السلوك، البحث عن الخلاص الفردي…

باسم: وهذا السؤال الذي أريد أن أسألك إياه: تأثير النظام الرأسمالي الاستهلاكي؟

أمينة: تدرس برامج معلومات وتطوير، لأنها هي التي ستقودك إلى عالم الشغل. كيف التاريخ والأدب والشعر وعلوم الإنسان، ما هذا؟ هذا تخلف. الكل يبحث لأبنائه عن مدارس الكمبيوتر والمعلومات والبيزنس والتجارة الدولية وما إلى ذلك…

باسم: أداة في أدوات الإنتاج.

أمينة: والله تأهيله ليأكل وليعيش وليجد طريقه إلى الخلاص الفردي، لأنه يريد منزلًا وسيارةً وأن يعيش، فقط الوظيفة التأطيرية تلك اتركها لمن سيمارسها. كل واحد يريد أن يفوضها بمنطق التدبير المفوض لفئة أخرى ستقوم بها.

باسم: معناه هناك قرارات مقصودة في المجتمعات العربية.

أمينة: نعم، وللأسف الشديد، حتى أن الطلبة اليوم الذين يحاولون أن ينخرطوا في الفضاء العام، وأن يربطوا المضمون الدراسي الخاص بهم بالنقاشات، لا أحد يشجعهم. أولًا يخوفون، يقول له: يجب أن تنتبه إلى دروسك الأساسية، وظيفتك في الحياة هي أن تنجح وتحصل نقاط. والمنظومة التعليمية تكرس ذلك للأسف الشديد، حينما تجد زمناً، نحن نسميه الإيقاعات المدرسية، يعني الزمن المدرسي طويل عريض، فيه كل المواد، شحن شحن شحن، ويعود الطفل بحقيبة كبيرة، مرهق جدًا، معه واجبات مدرسية، يعني هذا بدلًا من أن ننفتح على الفنون، أين هي الفنون في المناهج الدراسية؟ وهي جزء مما نسميه نحن “الحياة المدرسية”، يعني فيها تعلم تعلمات بكفايات تكون، “مصطلح فرنسي”، واضحة، ولكن فيها زمن مدرسي يخصص لتنشئة شخصية الإنسان. أنا كنت مرة في كندا واطلعنا على تجاربهم في التعليم وما إلى ذلك، ودخلنا المدرسة ما قبل الابتدائي، يعني تعليم أولي، ما فيها حروف على الأقل، أو ليس فيه ضغط على ألف باء تاء والتعلم والقراءة كما بالنسبة لنا. نحن، الطفل من خمس سنوات، والداه يريدانه أن يقرأ قصة يعني، ويفرحون كثيرًا حينما يقرأ بسلاسة. وحتى هؤلاء، فيها مشكل، لا، يهتمون بكيف تقدم نفسك، كيف تكون عندك ثقة بنفسك، كيف تختلف مع الآخر. وحضرنا حصة تشخيصية أمامنا، كيف تقول للآخر: أنا لا أتفق مع فكرتك، وأن عدم الاتفاق مع فكرة زميلك لا يعني أن تكره زميلك أو أن تتحرش به أو أن تتنمر عليه وأن تكرهه. لا، كيف يقول: أنا “مصطلح فرنسي”، عندي منظور آخر للأشياء. ويأخذون وقتًا طويلًا لهذا. نحن، هذه ليس عندنا للأسف الشديد. ولذلك في النهاية، مخرجات المنظومة التعليمية مخرجات شائهة للأسف الشديد. يعني تجد شابًا معه بكالوريا لا يستطيع أن يتناول الكلمة أمام الناس، ويرفع عينيه هكذا، ويعبر ويختلف وهو مقموع.

باسم: يعني يمكن الاستنتاج أن أنظمة التعليم تخرج أناسًا فاشلين؟

أمينة: والله أنا بطبيعتي أتفادى هذه القطعيات في التشخيص هكذا، لكن، فاشلين، حسب، ممكن أن يكونوا ناجحين جدًا في بعض المؤشرات التي نطرحها لهم. مثلًا تأخذ مثلًا طلبة عرب مغاربة يذهبون، نحن بالنسبة لنا للمدارس الفرنسية العليا، وينجحون نجاحًا باهرًا، حتى أن هذه الأنظمة الغربية تضطر لوضع كوتة للأجانب حتى لا يتجاوزونها، لأن الامتحانات الخاصة بالدخول طبيعية. أتصور بأنها لن تترك حتى مقاعد كثيرة للفرنسيين مثلًا أنفسهم. وألمانيا تضطر تقول: انظر الأجانب ولو، تطير ولو، تكون عندك أنت لن تتجاوز مثلًا 10%، حتى تضمن هذا. يعني في النهاية تقول: كيف؟ نحن مخرجاتنا مثلًا في النظام التعليمي المغربي في الرياضيات شيء خارق. يعني نحن مثلًا، أنا أعطيك مثالًا: أبناء المغرب ينجحون كثيرًا في الرياضيات. يعني أن النموذج ليس فاشلًا، ولكن قلت لك نكون نسبيين حسب ما نريد. لأنه إذا حددنا ما نريد آلات مبرمجة ننتج في علوم المعلومات أو في كذا أو في كذا، يمكن أن نبرمجها. ولكن هذه ليست وظائف منظومة التربية والتكوين، هذا جزء يتعلق بعلوم نفعية مباشرة.

 

تأثير الرأسمالية على التعليم

باسم: طالما اتفقنا أن هناك قرارًا تقريبًا أن يكون التعليم ضمن مسارات محددة، وهذا ليس فقط عند المجتمعات العربية، هذا في المجتمعات الأوروبية، هي تنتج أناسًا فقط ليخدموا النظام الرأسمالي، أن الكل موظفون لدي هذه المجموعة.

أمينة: جزءٌ من عولمة الأنظمة كلها.

باسم: أقول لك هذا النظام انتقل، لأنه تحدثنا عن العولمة، لما ذكرتِ العولمة، تأثير العولمة على نظام التعليم في المجتمعات العربية، ليس فقط في المجتمعات العربية.

أمينة: فيها تنميط.

باسم: حتى على المجتمعات الآسيوية، هذه المجتمعات تحولت إلى رديف للنظام الرأسمالي، تعطيه عمالًا، موظفين فقط. من هنا نحكم أنه فاشل أو ليس فاشلًا. الآن الفاشل بمعنى أنه فيه أفراد ستنجح وتأخذ مئات الألوف، نعم.

أمينة: إخراج نخب، نعم. هناك فشل في هذا الجانب، في أن نخرج نخبًا واعيةً منخرطةً في مجتمعها، عندها منظور، مستعدة أن تدافع عن إصلاح في مجتمعها من منطلق وعي جماعي. هي نعم، نحن فاشلون في هذا الاتجاه، لأننا ننتج…

باسم: هذا ما قصدته من الفشل.

أمينة: أننا ننتج هذه الأنماط الأرضية التي تبحث عن خلاصات شخصية، لأنه مفروض فيه نزعة استهلاكية، يعني تلتهمنا جميعًا، كل واحد يبحث فيها عما يتملكه.

 

كيف ننقذ أنظمة التعليم في منطقتنا؟

باسم: طيب كيف المخرج؟ يعني فيه مخارج؟ مثلًا فيه أمل أنه يكون حلول؟ يتم توجيه مثلًا صاحب القرار السياسي، والذي يعمل بهذا النظام، يخرب المجتمع.

أمينة: والله انظر، نحن لا يمكن أن نعيش في هذا المجتمع إلا بالأمل. أنا في ممارستي كلها، مختلفة، أتسلح بالأمل. الأمل دائمًا موجود، ولذلك نحن نحاول، كلنا نحاول أن ننخرط، كلٌ من منطلقه في الإصلاح. ويمكن هذا النقاش فيما بيننا هو جزء من هذه المحاولات، في أن نعطي فكرة مختلفة، أو أن نسهم في تحليل هذه الأوضاع، لعله أن يكون المنطلق في طرح السؤال السليم هو منطلق لبناء جواب سليم. لأنه حينما لا نطرح الأسئلة الجيدة، لا نصل بالضرورة إلى الإجابات المطلوبة. لكن هذا السؤال المعقد والحساس، كيف ننقذ أنظمة التعليم في منطقتنا؟ فيه كل هذه العوامل. أولًا، فيه تجدد إرادة الدولة، أنا أصر عليها، في أن تريد هي…

باسم:

خلق مواطن.

أمينة: وهنا عندها آليات كثيرة جدًا. مثلًا نقول لك مثلًا في فرنسا، التي نستقي منها للأسف الشديد، مازال كل شيء بالنظر إلى هذا التاريخ الاستعماري بيننا، عندها مجلس أعلى مثلًا للغات، وعندها مؤسسات تعنى فقط بالانكفاء على اللغة الفرنسية لتطويرها وتجديدها وتهيئتها. كما قلت لك، يسمونها “مصطلح فرنسي” الذي يساعدها لأن تكون دائمًا حاضرة، حتى في يوم ما لا يقول الطلاب، بحال الذي عندنا في المغرب: أنا كل أبحاثي سأذهب إلى اللغة الإنجليزية. وهذا واقع يعترف به مثلًا الفرنسيون. إذن هذه الإرادة واضحة من هذا الشيء.

الآن في المغرب، كم مرة طالبنا بأن تكون هناك مثلًا مؤسسات لتطوير اللغة العربية؟ دع اللغة، لأن اللغة، الإشكال.. البحث العلمي. البحث العلمي، كم تخصص ميزانياته؟ حتى أننا نحن في البلدان في المنطقة كلها نخجل من أن نقول الميزانيات التي تخصص للبحث العلمي. كيف يمكن أن تنتج التنمية والثروة والتقدم والتطور؟

باسم: بدون ميزانيات.

أمينة: بدون بحث علمي أصيل يخصك، تنتجه أنت، ولا تعتمد فيه على كل شيء من الخارج. الميزانيات ضئيلة جدًا، وبإمكانيات منعدمة، نضطر أن نصدر هذه، إشكال آخر، وهو هجرة الأدمغة التي تعاني منه كل دولنا. كيف نحن نأخذ أثمن ما يمكن أن يمنحه الله سبحانه وتعالى، لأرض، هو الإنسان. نحن لا نأخذ إنساننا، بما يحمله. نكونه، نصرف عليه في عمر 17 سنة أو 18 سنة، نرسله إلى عالم آخر ليتشرب قيمًا أخرى، حضارة أخرى، ثقافة أخرى، علمًا آخر، منظورًا آخر. فقدناه نحن، فقدناه. يأخذ المادة الرمادية الأرفع والأجود والأفضل، والتي تنتجها أنظمتنا، كلها تهاجر خارجًا، تهاجر بحثًا عن أفق جديد، إن لم يكن ماديًا، أفقًا قيميًا في البحث عن الحرية والديمقراطية والكرامة وغيرها. هذا إشكال.

إذن، انظر يا أستاذ باسم، حينما نجزئ إشكالياتنا، ونريد ونتخيل أنه يمكن أن نصلحها بمعزل عن الواقع كله، نفشل. أنا دائمًا أطرح هذا السؤال على الجميع، وأقول لهم: كيف تريدون تعليمًا ناجحًا فاعلًا ناجحًا؟ في بيئة فيها الكثير من المعضلات ومن الأعطاب؟

باسم: والكثير من النواقص.

أمينة: النواقص. كيف تريدون المرأة، مثلًا، حينما نتحدث عن مطالب النسوية، تريدون تكريمًا للمرأة ومساواة ومناصفة وهذا، في بيئة فيها الكثير من الإشكاليات والأعطاب الثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية؟ لا يمكن أن نعزل. لا وجود. أعطني نموذجًا واحدًا فيه تعليم ناجح وفعال في بيئة غير ديمقراطية، غير متقدمة، ما فيها تنمية حقيقية، وما فيها اعتبار.

باسم: لا يوجد.

أمينة: العكس صحيح، أعطني نموذجًا متقدمًا وفيه تعليم فاشل؟ ما فيه. لا يمكن. هذه عملية معقدة، فيها عدنا للدجاجة والبيضة، من ينتج من؟ ولكن أن نشتغل على مسار واحد يكون فاشلًا، أن نغلق على أنفسنا في هيئة أو في مجلس أو في لجنة كيفما كان، بالإمكانية التي نريد، ونقول لهم: انظر، أخرجوا لنا شيئًا ما، سنأخذه إلى الواقع وسيصلح لنا التعليم. على الأقل نحن في المغرب، مازلنا لم نجد طريقنا في هذا الاتجاه.

باسم: حسنًا، ضمن تجربتك أنتِ، وأكيد حاججتي ناسًا كثيرين في مواقع اتخاذ القرار، أن هذا هو الوضع لدينا، وأكيد قدمتِ رؤى، ليس أنتِ كشخص، الآخرون قدموا رؤى لهؤلاء الناس، للاشتغال عليه لإصلاح اللغة التعليمية، ما كانت الردود؟ هل كان فيه ردود أنه لا، لا نريد، نفهم لا نفهم؟ معنيون، غير معنيين. يعني ما كانت الردود هذه؟

أمينة: عندنا إشكال كبير أتصور في منطقتنا كاملة. فرق كبير بين النظرية التي تنتج، لا أحد يضع حدودًا للنظرية، حدود كبيرة، يعني إلى حدود كبيرة. حينما نجتمع وننظر ونناقش، لا أحد يأتي ويقول لنا: لا، انظروا، احكموا أفقكم في التفكير بهذه الحدود وبهذه الخطوط الحمراء. لا وجود لذلك بكل صراحة، الأفق للنقاش والتفكير، ونكتب ونخرج رؤية جميلة. أنا أقول لك، أنا سأتي لك المشكل أين كائن؟ عندنا فرق بين ما نقول وما نفعل، فرق بين النظرية وبين التطبيق. نكتب أشياء جميلة جدًا عن غايات الإصلاح لهذا التعليم أو هذه المنظومة، الأهداف، الوسائل، وخارطة الطريق للعملية كيف؟ ولكن حينما نذهب للتطبيق، لا يُطبق هذا الشيء. وهذا الشيء يعود إلى إشكاليات.

باسم: لماذا؟

أمينة: إشكاليات مؤسساتية، قانونية، ميزانياتية، إمكانيات، الأشخاص الأفراد. “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”. كيف أنت تعطي لأحد إصلاحًا، لشيء هو ما لا يفهمها أبدًا؟ مسكين، لا، لا يتملكها، لا يتشربها، هو بعيد عليها. كيف يمكن تعطيل قطاع التعليم وتعطيه لواحد رؤية فكرية فلسفية فيها أشياء كثيرة؟ مسكين، من أين؟ كيف سيفعل حتى أن يقرأها أو يستوعبها ويفهمها، وهو القائم الأول على إصلاحها؟ ثم نبدأ بالتجريب والتجريب والتجريب، وتشعر أن هناك اجتزاءات في الزمن وتضييع الكثير. وأتصور بأن هذه تجربة مستنسخة في كل…

باسم: هي في كل المجتمعات العربية.

أمينة: طبعًا بتفاوتات كبيرة. نعم، كائن إشكال كبير بين هذه المفارقة بين ما نقوله وما نطبقه.

باسم: إذن المشكلة ليست بالقرار السياسي، المشكلة بالمستويات صاحبة تنفيذ السياسات.

أمينة: وهذا التنفيذ هو قرار سياسي، لأنه من يعين هؤلاء الناس الفاشلين؟ من أين يأتون؟ قرار سياسي. اسمح لي، أنا قلت لك: لا أتسامح مطلقًا مع أن يكون وزير التعليم بعيدًا عن اهتمامات التربية والتعليم، بعيد بعيد جدًا، حتى لا أقول شيئًا آخر، عاجز عن أن يستوعب، وعن أن يناقش، أن يفكر. وتعطيه أنت قطاعًا فيه أساتذة جامعيين وأساتذة مفكرين وناس عندهم، هذا قرار سياسي. تعطيني ميزانية ضعيفة، هذا قرار سياسي. تعطيني.. تشجع القطاع الخاص، ويصبح التعليم منتجًا للطلبة، يعني وكأنه شركة أو مصنع. المهم، نحن القطاع الخاص في بلدان المنطقة كلها يتوسع بشكل رهيب. الدولة التي تحترم نفسها تحافظ على المدرسة العمومية، وعلى الأقل تجعل المدرسة، -نحن كنا نقول-: الوسيلة الأساسية للترقي الاجتماعي. نحن في تلك الرؤية التي وضعناها، قلنا: تعليم جيد ذو جودة، تعليم يحافظ على تكافؤ الفرص، وتعليم يكون وسيلة للارتقاء الاجتماعي. يعني أنا فقير وأنت غني، كيف سنحدد مستقبلنا؟ أنت وُلدت غنيًا، أنت طفل (أنا أتحدث عن أطفال)، أنت طفل وُلدت في بيئة غنية، والداك أغنياء، وضعوك في مدرسة. أنا فقير، ليس لدي شيء، ولكنني في نفس الوقت أُعطني فرصة لأثبت نفسي في المجتمع. كانت سابقًا المدرسة بيني وبينك، نفس المدرسة.

باسم: الآن لا.

أمينة: زمان، أنا أقول زمان، ادخل وادخل أنا وكل من يثبت ذلك. كنا نسمع هذا من أبناء الشعب الذين وصل بعصاميته وكفاءته. انظر كيف انطلق كان حافي القدمين، واليوم انظر كيف وصل. تقلص هذا الشيء الآن. الآن مستقبلك صار يحدده الانتماء الطبقي والاجتماعي لوالديك.

باسم: للأسف، وهذا سيؤثر ، صار يؤثر حتى على التشكيل.

أمينة: واضح. أنت إذا وُلدت غنيًا، واضح مستقبلك: ستذهب لتتعلم في مدارس بعثات أجنبية، وستذهب للخارج، ستحظى بأحسن تعليم، ستأتي، ستشتغل، وستسلم موقعًا كبيرًا في الدولة بدعوى: هذا متخرج من هارفارد. وهذا الفقير المسكين…

باسم: سيبقى فقيرًا.

أمينة: الذي كانت له إمكانيات كبيرة، لم تعطوني فرصة لأثبت. إذن الاستحقاق وتكافؤ الفرص، ومعنى أن تكون المدرسة هي…

باسم: وهذا سيؤثر حتى على صياغة هويات الجامعة الوطنية.

أمينة: نعم، صحيح، صحيح.

باسم: سيهز هذه الهويات. دكتورة أمينة، للواقع يعني جد، سررت في الحديث معك، دكتورة أمينة ماء العينين، أشكرك. نتمنى أن نلتقي معك مرة ثانية.

أمينة: إن شاء الله، وأنا رهن الإشارة.

باسم: شكرًا لك. إن شاء الله نلتقيك في حلقة أو في فرصة أخرى، في مجتمع، في موضوع آخر. شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”.