Skip to content Skip to footer

حول التيارات الفلسفية في سوريا المعاصرة | د.ناريمان عامر

لم يَحُلْ الوضعُ المتدهورِ للبلاد العربية بعامة وسوريا منها بخاصة، في بداية القرن المنصرم، دونَ نشوءِ أنساقٍ فلسفيةٍ سوريةٍ تفاوتت في أصالتها. ولئن أردنا القبض على هذه الأنساقِ سنجد أننا أمام معضلةٍ تتعلق بالعقل التاريخي التصنيفي وانحيازه للعناوين الدارجة من قبيل نسبة هذا القول الفلسفي السوري أو ذاك إلى المشهد الفلسفي الغربيّ، دون الإشارةِ إلى القول الفلسفي السوري المغيّب، أي تلك المنتجات الفلسفية التي نشأت خارج إطار الأكاديميات التعليمية، هذا من جهة، ودون الإشارة إلى القول السوري المعاصر المحض المنبثق من أصالةِ التفلسف السوري الضارب في القدم من جهةٍ أخرى.


 

لم يكدْ المجتمع السوري يخرجُ من الانغلاق الذي فرضته السلطنةُ العثمانية حتى وجد نفسَه وجهاً لوجه أمام الاستعمار الفرنسي، وكانت الصدمةُ المتأتية من هذا الحدث -في المقام الأول- صدمةَ الحداثة، ذلك أن الأرضَ التي وقفَ عليها الفكرُ السوري في أمدٍ محدّد بين الاحتلالَين العثمانيّ والفرنسيّ كانت أرضَ العلاقةِ مع النهضةِ والحداثةِ الغربيتَين كأفقٍ للتحرر والنهوض. لكن تجلَّت صدمة الحداثة في شكلَين سلبيَّين:

 الأول، غياب أي شروط موضوعيّة أو ماديّة تكون مؤهِّلةً لمواكبة حركة الحداثة الغربية؛ إذ يمكن إرجاع جهود المفكِّرين السوريين في ما اتُّفق على تسميته (عصر النهضة العربية) إلى محاولة لاستجلابِ فكر الحداثة الغربية في سبيل نهوضٍ مأمول، لكن دون توافر أيّ شروط مادية كافية. غير أنَّ الإنصاف التاريخي يقتضي ترجيح أنَّ عبد الرحمن الكواكبي مثَّلَ ظاهرة فريدة، فقد يكون من الإجحاف أن ننسبه إلى تيار النهضة العربية ذلك أن فكره كان أوسعَ من هذا التيار وهو القائلُ إنّ الفلسفةَ وحدها من بين العلومِ كافةً تُعَدّ الطريق الحقيقيّ إلى الخلاصِ من ضروب الاستبداد، وهنا نكتشفُ دعوة من الكواكبي إلى التفلسف الأصيل، في وقت كان فيه الفكر العربي بوجهٍ عامٍّ مفتقراً إلى التحديدِ المنهجيّ.

الثاني، انسياق وراء محاولات التحديث الفرنسيّة الجارية في سوريا، فبعد أن انقضى عهد (التنوير والنهضة) إبان الاحتلال الفرنسي لسوريا، وجد السوريون أنفسهم منساقين وراء محاولات التحديث الفرنسية للبيئة السورية، بفرض التشريعات والقوانين الغربية ونشر أساليب العمران الغربي؛ بما في ذلك بناء الجامعات على الطريقة الفرنسية. لكن الأشد وقعاً كان التحديث الذي طال شكل التفكير؛ إذ استُلِب العقل السوري من جديد لأفكار ومناهج البحث الغربية، فكان أن استجلب مفكرونا طرائق التعليم والبحث وموضوعاتها من الغرب، فأطَّروا التفكر السوري وجعلوه يدور في فلك الغرب، الأمر الذي كان له التأثيرَ البالغَ في ضروب الاشتغالِ الفلسفيِّ السوريِّ المعاصر. طال التفلسفَ السوري تحديان أطّرا الاشتغال الفلسفي:

– تحدي الهروبِ إلى الأمام في استعارة المناهج الفلسفية الغربيّة لمواجهة الوجود بجانبه الأنطولوجي على نحوٍ أفضى إلى الابتعاد عن الفكر الذاتيّ الحرّ، منهجاً ومضموناً.

– تحدي الهروبِ إلى الخلف في مواجهة الوجود بجانبه الغيبيّ كامتدادٍ لمواجهة الموروث الفقهي بالتفلسف المُفقهن الذي لم يسهم في تحقيق أي خلخلة لبنية العقل العربي. نجمَ عن هذين التحديين مشهدٌ من الاشتغال الفلسفي السوري جلّاه الفيلسوف بديع الكسم، الذي نعتقد أنه الفيلسوفُ السوري الأصيل والفريد في الحقبة السورية المعاصرة. في هذا السياق ظهرت محاولةٌ لتأريخِ الفلسفة السورية المعاصرة صدرت عن مركز دراسات الوحدةِ العربية، قامَ بها عددٌ من الباحثين، وأعدها يوسف سلامة ومشير عون، بعنوان (الفكر الفلسفي المعاصر في سوريا)، وفي الوقت الذي نثمن به أيَّ جهدٍ يطالُ الإضاءةَ على تجليات الفكر الفلسفي السوري، إلا أنه يجب تحديد ما نراه خروجاً على الأصالة الفلسفية السورية وَفقَاً لمحدِّداتنا سالفة الذكر. صنَّفَ مشير عون ويوسف سلامة المذاهب الفلسفية التي اعتنقها السوريون إلى ستةِ مذاهب أساسية: 

الأول: المذهب الماركسي وهو الأغلب في البيئة الثقافية السورية المعاصرة، ويتسم بالواقعية الجدلية مثل إلياس مرقص وياسين الحافظ وصادق جلال العظم وطيب تيزيني وبو علي ياسين وحامد خليل؛ الذين طبقوا التحليل الماركسي على الواقع العربي المعاصر. 

الثاني: المذهب النقدي التاريخي، الذي عمل على تحليل الواقع العربي تحليلاً علمياً نقدياً موضوعياً تاريخياً دون إسقاط مبادئ فوقية عليه ولا أسره بتصوراتٍ قبليةٍ ولا تكبيله بنماذج معرفية نظرية محضة؛ مثل نايف بلوز وجورج طرابيشي وعزيز العظمة.

 الثالث: المذهب التفكيكي السلبي الذي يستند أصحابه إلى أعمال الفلاسفة التفكيكيين البنيويين المعاصرين؛ مثل هايدغر وفوكو ودريدا ودولوز، من أجل استثمار مقولة السلب وتطبيقها على واقع التحول التاريخي في العالم العربي.

 الرابع: هو المذهب الوجودي الذي يستنطق الاختبار الإنساني العربي استنطاقاً يستند إلى المقولات التحليلية الكشفية التي نادت بها الفلسفة الوجودية الغربية؛ مثل أحمد برقاوي وتيسير شيخ الأرض.

 الخامس: المذهب الإيماني الإنساني الذي يستحضر الفلاسفة فيه مقولة الإيمان في مذهبهم الإنساني ويغمرونه بتدبُّراتهم وتأملاتهم ويستثمرون في التنوع الروحي في الاختبار الديني العربي؛ مثل أنطون مقدسي وعبد الكريم اليافي وعادل العوا وندرة اليازجي وبسام الطيبي.

السادس: هو التيار العقلاني الذي جاهر معتنقوه بسلطة العقل مرجعاً رئيساً في تدبُّر وقائع الوجود، وهذا ينطبق على جميل صليبا وبديع الكسم، وحسب.

 يظهر مباشرةً أنَّ هذا التصنيف الذي قام به سلامة وعون استنسابي، ولا يقوم على دراسةٍ معمّقةٍ لأعمال هؤلاء المفكرين السوريين، فـإلياس مرقص لم يكن ماركسياً بالمعنى الدقيق وإنما كان بالأحرى هيغليّاً، وكان هادفاً إلى تطبيق قراءة مادية مستقاة من نوع من التوفيق بين هيغل وماركس مع تغليب للمنهج الهيغلي الذي هو أكثر قابليةٍ للتطبيق على الواقع العربي من المنهج الماركسي المادي الصارم.كما أنَّ جورج طرابيشي لم يمارس النقد التاريخيّ بموضوعيّة دون إسقاط، وإنما كان في العمق فرويديّاً وميّالاً إلى مناهج المستشرقين. 

أما بالنسبة إلى وجودية تيسير شيخ الأرض، فهي غير واضحة على الإطلاق في مؤلفاته، فالفيلسوف يكون وجوديّاً إذا جعل الإنسانَ الموضوعَ الرئيس الوحيد الذي يمكن بوساطته الوصول إلى معنى نهائي للوجود بمَعزلٍ عن العلل والغايات والمتعاليات وغيرها من المفاهيم الميتافيزيقية. وإذا نظرنا إلى تصنيفهما لبديع الكسم بصفته فيلسوفاً عقلانيّاً؛ فهذا أمر يحتاج إلى إعادة نظر. فضلاً عن أن هذا التصنيف بمجمله يعود إلى التصنيف الأيديولوجي العام للفلسفة العالمية، والذي لم يعد صالحاً كيما يؤخذ به. أكّد يوسف سلامة أنَّ ميل المجتمع السوري إلى الليبرالية هو الذي يجب أن يُتَّخَذَ نقطة ابتداء لاستكشاف الخرائط المستقبلية التي تتطلع أغلبية السوريين إلى تحقيقها… ويتابع كلامه بتبيانه إذا صح وصفه للفعلِ السوري الجمعي بأن نزوعَه الجوهريَ متجهٌ صوبَ الإنسان وحقوقِه في الحياة والحرية والكرامة، فإنه يكون بذلك قد هيَّأ السبل إلى الإجابة عن سؤاله الشَّاغل: هل يتسم الجهد الفكري الذي قامت به نخبة من المثقفين السوريين بجهد يمكن أن يوصف كله أو بعضه بأنه واقعٌ في نطاق التفكير الفلسفي على نحو أو آخر؟ لكن السؤال هنا لماذا عَدَّ سلامة الليبراليةَ معياراً؟ إذ كيف يمكن أن يكون قد فهم معنى الليبرالية وهي مذهبٌ لم يظهر على نحوٍ حقيقي إلا في سياق الحضارة الغربية، ثم أيّ ليبرالية ضمن هذا السياق؛ فهل ليبرالية جون ستوارت مل هي ذاتها ليبرالية مارغريت تاتشر؟ علاوة على أنَّ الليبرالية في الغرب قادت الغربَ نفسَه إلى كوارثَ وصلت به إلى أزماتٍ وجوديةٍ كبرى، فالمجتمعات الصناعية الغربية أخضعت الإنسان الغربي لضروب من الاستلاب حوّلته إلى إنسان ذي بعد واحد -كما شهد شاهد من أهلها- أعني ماركوزه، كما حوّل الساسة الغربيون الليبرالية إلى أداة لتدمير واستغلال الشعوب الأخرى بذريعة تحريرها، فالليبرالية إذن ليست معياراً لتحديد فلسفيّة الفكر، تحديداً في المجتمعات العربيّة التي تعاني تأثيرات الليبراليّة الغربيّة، فقد اجتاح الأمريكيون الكثير من الدول العربيّة والإسلامية وخرّبوها بدعاوى ليبراليّةٍ كاذبة. وليس على الفلسفة أن تسقط في هذا المطب الدعوي، فتلك مساحة الأيديولوجيا، ولا يسيء إلى الفلسفة مثل تحولها لأيديولوجيا. هذه الدراسة هي نمطٌ من العقلِ التصنيفي المأخوذِ بطرائق الغرب لدرجة ليّ عنق بعض الأنساق لإدراجها بصفتها ترجمةً عربيةً لتيارٍ غربي ما. ولا ضير في تأثر الفيلسوف بتيارات الفلسفة العالميّة، فهذا شأن النمو الخاص بالفكر، لكن إذا ما أردنا تدوير الزوايا في المشهد السوري على الأرض السورية، لقُلنا: إن تلك القامات الفكرية كانت معبرةً عن الاشتغالِ بالفلسفة؛ منها مَن أعد المعجم الفلسفي كجميل صليبا، ومنها مَن ترجم ونقل منتجات الفكر العالمي إلى اللغة العربية كمطاع الصفدي وجورج طرابيشي، ومنها من قدم مشاريع فكرية متكاملة مع المشاريع الفكرية في العالم العربي في مواجهة الموروث بشكلٍ يدعو للثورة عليه ومن ثمة إصلاحه كالطيب تيزيني، أو رفضه والصدام معه كصادق جلال العظم، أو تأويله بما يتناسب مع روح العصر؛ مثل محمد شحرور وجودت السعيد، ومنها من فلسَفَ الفكر القومي ليكون منطلقاً لأيديولوجيا الدولة السورية من قبيل زكي الأرسوزي وميشيل عفلق وقسطنطين زريق، ومنها من كان رجع الصدى لتيارات غربية… يُضاف إلى ذلك المشتغلون في حقل إعداد المناهج التعليمية في أقسام الفلسفة.. ونحن إذ نثمن جهود الجميع نحاول تلمس الإبداعَ الفلسفي الأصيل المؤثر والنابع من الخصوصيّة الحضاريّة العربية، فلا نجد هذا المعيار في أعلى تجلياته أفضلَ مما نجده عند بديع الكسم، مع تأكيدنا احترام المفكرين السوريين الآخرين. فقد كان هدفُ الكسم تقويضَ منطق البرهان في الفلسفة الغربية لتبيان أنه لا يوجد منطقٌ عامٌ حاكمٌ على الوعي الإنساني، وإنما هناك ضروبٌ متعددةٌ من المنطق، مستنداً في ذلك إلى فكرة تعدد التوكيدات الميتافيزيقية عند الفلاسفة الغربيين التي أنتجت حقائقَ متناقضةً نابعةً من مناهجَ متناقضةٍ، على نحو يثبت أنَّ الفلاسفة الغربيين تناقضوا في ما بينهَم، فكيف يزعمون امتلاك الحقيقة دون سائرِ البشر، فقوّض الكسم بذلك خطابَ المركزيةِ الأوروبيةِ غيرَ عابئٍ به بصفته مرجعيّةً فلسفيّةً، علاوةً على تجاوزه للفقه المغلق التكفيري والمرجعيةِ الفلسفيةِ العربيةِ ذاتِ الأصولِ اليونانيةِ، فعبّرَ خير تعبيرٍ عن أصالةِ الفيلسوفِ السوري وفرادتِه. فكيف يمكنُ تأريخُ حقيقة الفلسفة السورية تعويلاً على معيار ليبراليّ.