Skip to content Skip to footer

جدل الأرض والمخلص في الفكر التوراتي | عباس يونس العيدي

في تساؤل ضروري ومتكرر: لماذا وكيف هيمنت فكرة المخلص – الأرض على كامل الفكر التوراتي، ودارت كل محتويات العقيدة التوراتية بتفاصيل ما ورد فيها من تشريعات وقصص وأساطير وأحداث حول هذا المحور الثابت؟ ولماذا الإعادة من حيث الجوهر للشخصية المنقذة المضطهدة في معظم الأحيان والمضحية التي يعاملها الناس بالنكران والتكذيب، بينما تحظى بمعاملة الرب لها باستثنائية حادة وبتفضيل دنيوي مضطرب في كل ما جاء في أسفار التوراة؟ وإذ نؤكد أننا لا نشير إلى التوراة المنزلة إنما إلى ما وصلنا من أسفار؛ فالمشكلة الأساسية تكمن في مجهولية الظرف التاريخي الذي رافق تدوين وكتابة الأسفار أو تأليفها، كذلك عدم معرفة المؤلفين أو الكتبة وتاريخ حياتهم مضاف إلى عدم معرفتنا بالنصوص الأصلية للكتاب المقدس، وإن كانت هناك نسخ أخرى غير التي ترجم عنها النص الموجود.


 

لكن لا شك أن فكرة المخلص – الأرض ولدت ونضجت في مجتمع متنقل فقير متآكل تشح فيه الموارد ويتعرض إلى ضربات بيئية قدرية قاسية أو حربية اضطهادية أفقدته أرضه وأدت إلى تدمير فعلي شامل لقوى المجتمع المادية الإنتاجية والروحية الحامية؛ مما أدى إلى انكشاف تام ونزيف مستمر للموارد على كل الأصعدة، وواقع مثل هذا يحرك نقاط الإنتاج الثقافي حصراً والتي تنكفئ وتحاصر عادة في محال العبادة والرهبنة، لتنكب على إيجاد معادل أيديولوجي يمتص نتائج الهزائم ويخفف من وطأة هول الخسائر المادية عبر التبشير الغيبي المقدس والذي بدا للجميع أنه الاحتمال الوحيد الممكن للنجاة والخلاص من براثن الواقع المدمر المؤلم. 

إن الأشعار والأناشيد والتراتيل والأغاني هي وسيلة الشعوب المقهورة في حفظ تاريخها وعقائدها رغم تعرض كل ذلك إلى التغيير والتحوير الدائمَين، وينطبق ذلك على المجموعة البشرية الإسرائيلية التي تعرضت منذ ظهورها القبلي البدوي الأول إلى مراحل وظروف بيئية وضربات غزو خارجي اجتثها من مناطق وجودها، وجاء بها إلى تيه وضياع ثم إلى ديار السبي والاضطهاد؛ فكانت مهمة الكهنة اليهود (وهنا لا بد أن نفرق بين المجموعة القبلية المسماة ببني إسرائيل وبين الكهنة اليهود وما أنتجوا من أسفار) أن يجمعوا كل الذاكرة الشفهية الشعبية بما حفظته من أشعار وأحكام وأدب شعبي، وأيضاً أن يتمعنوا في الإرث الثقافي والأدبي للأمم المنتصرة، ويكتبوا الأسفار التي تعالج جروح الهزيمة الغائرة في المستويات الأيديولوجية والنفسية والمعنوية؛ إذ يستحيل ذلك العلاج في المستوى الواقعي ويعيدون كتابة وصياغة الذاكرة التاريخية بما يتوافق مع محاولة التماسك وتجنب احتمال الإبادة وامتصاص التأثير المفجع لتلك الهزائم. 

إن سفر التكوين الذي نسب بفجاجة دينية إلى موسى، وينكر سبينوزا ذلك بحجج دامغة، هو السفر الأكثر تمثيلاً للمقدمة النظرية السابقة، ففي هذا السفر تَبَنٍّ وسطو مباشر على القصص والميثولوجيا الرافدينية وغيرها، وتطويع لها ضمن عملية تلفيق تاريخ تعويضي واستنهاضي يمجد ويهذب قصة المخلص والأرض في إطار جدل السبب والحل، المخلص الذي يبدأ من شخصية الأب الأعلى إبراهيم الخليل؛ عبر اشتقاقها من إرث يمني قديم لملك وكاهن بهذا الاسم، والمسيرة والأوصاف التي ذكرت في سفر التكوين. ويذكر الدكتور فاضل الربيعي، في كتابه “إبراهيم وسارة”، أن أسرة (الخليل) الكهنوتية كانت من بين أهم ست أسر أو عائلات دينية حكمت وسط اليمن ابتداء من 900 ق.م، وأن (إبراهيم) كان أكبر الكهنة في ذلك العصر، والكاهن في التقاليد الدينية اليهودية يُدعى نبي، أي الذي يتنبأ ويعرف؛ أي العارف. 

ويؤكد نقش يمني قديم أورده الربيعي في نفس المصدر أن إبراهيم وإسماعيل ابنه أقاما البيت المقدس للإله المكة – المقة في معبد أوام في مأرب، وليس في الحجاز كما يورد الإخباريون المسلمون؛ لكن ما يهمنا في هذا الاستعراض أن الشخصية المقدسة إبراهيم، الواردة في قصص التوراة، هي اشتقاق واستلهام لتاريخ يمني حقيقي تثبته النقوش المسندية. ويلي المخلص الأول مخلص ثائر احتل مكانة أبيه وأقصاه من دوره بعد عجزه وعدم نجاحه في تحقيق أهداف مجتمعه أو شعبه الصغير في أهم أمنياته المتمثلة بتحوله إلى الاستقرار ونبذ حياة البداوة والجولان وإنجاز وعد الرب بالوصول إلى الأرض الموعودة؛ لتكون مستقراً لهم. والربيعي يرى أن الجوهر الحقيقي الذي رسمته مثيولوجيا التوراة بكل دقة في هذه القصة، يكمن في فكرة ولادة الابن المخلص، أي ابن الرب، وهذا هو الأساس العقائدي الذي ستقوم عليه المسيحية في صورتها الراهنة: إن الأب الأعلى للقبائل كان شيخاً مسناً، وكانت زوجته امرأة عاقراً، وإن الآلهة أرسلت البشارة بولادة الابن المخلص. لقد كانت الولادةُ تجسيداً لفكرة وجود معجزة إلهية، والابنُ تجسيداً لهذه المعجزة. 

كان يعقوب هو المنقذ الجديد المزحزح لسلطة الأب المتعثر في سعيه، وكان لا بد أن يتحول إلى شخص آخر نظراً لتبدل الأوضاع الاجتماعية للقبيلة الجديدة وتحالفاتها، فصار إسرائيل. وينضج دور المخلص ومحاولة الحصول على أرض الاستقرار على يد يوسف معبر الأحلام، في قصة مشحونة بالعواطف والرغبات المكبوتة؛ حيث يبلغ الكاهن مفسر الأحلام مبتغاه ليتحول إلى سلطة مدنية تمكنه من إسكان قبيلته في أرض اقتطعت لهم في أرض جاسان من مملكة معين مصرن اليمنية. لكن الخلاص بقي مركزاً على تنفيذ وعد الرب بالدخول إلى أرض الميعاد في مملكة أوسان وقتبان (أي أرض كنعان) والانعتاق من استعباد ملوك (مصرن) لهذه القبيلة، معين مصرن تلك السلطة القوية التي هيمنت على كل اليمن القديم حتى حطمها كرب إيل وتر عام 650 ق.م؛ لتتأسس مملكة سبأ وحمير، أي اتحاد الجنوب والشمال، وكانت رحلة الخلاص في تلك المرة بقيادة المخلص الأعظم مرشد القبيلة وهاديها في رحلتها الطويلة نحو الأرض الموعودة، إنه موسى. 

لقد ارتبط المخلص بالأرض ارتباطاً وجودياً، فلا معنى لوجوده ما لم يسع إلى الوصول لتلك الأرض المقدسة، والخلاص هنا هو الاستقرار ومغادرة حياة التنقل والبداوة. وفي طريق موحش مليء بالمفاجآت والانقلابات المضادة وعبر مسيرة تيه وجولات امتدت إلى أربعين عاماً، وتواصل مباشر مع يهوه، إله البراكين؛ حيث تلقى موسى شريعة الرب التي يرى العديد من اليهود أن موسى كان يسمع ضجيجاً وصخباً، وفي وسط ذلك استخرج بإلهام الوصايا العشر، أول ضوابط (سماوية) تحكم الحياة الاجتماعية بمضامينها الحقوقية والأخلاقية لتلك المجموعة البدوية المهاجرة الطامحة للاستقرار والتوطن، وواضح أن مدوني سفر الخروج ركزوا جل اهتمامهم على التطور الاجتماعي الذي مسّ المجموعة الإسرائيلية، ومن نصوص هذا السفر يستنتج  أن هذا المخلص أشرف على الأرض الموعودة، واقترب كثيراً من تحقيق حلم الاستيطان والاستقرار؛ لكن حدث ما أقصاه في المراحل الأخيرة فاختفى من مشهد الأحداث بعملية اغتيال كما يبدو، واستمرت مسيرة البحث عن التوطن بقيادة خليفته يوشع بن نون، القائد العسكري الفاتح، الذي تمكن من الوصول إلى أرض كنعان في مملكة أوسان وقتبان، ووزع الأرض على القبائل الإسرائيلية.

وعند هذه المرحلة يبدأ التغيير الملحوظ لدور المخلص وتقلص مفهوم النبي إلى قاض ورويداً رويداً تكونت الدولة – المخلاف، وانفصل الكاهن عن الملك، وراحت تختلف؛ ومن ثم تتناقض مهماتهما، مع انحراف الملوك وتطلعهم إلى مصالحهم وتجارتهم وآلهة نسائهم ومحظياتهم، فانقلب النبي المخلص نبياً هلعاً ومشفقاً على قومه، محذراً ومنذراً ومتنبئاً بالمستقبل المظلم الذي ينتظر المنحرفين عن عبادة يهوه وعن الشريعة المقدسة، وله مهمة وحيدة تلخصت بإعادة سكان المخلاف إلى أصول الشريعة ودفعهم؛ للتمسك بها وبديانة الآباء ونبذ آلهة الأقوام الآخرين، فكان إيليا وأرميا وحزقيال. لكن تسارع الأحداث وتطور التجارة على المستوى الإقليمي أدت إلى إعادة فواجع التاريخ الإسرائيلي واليهودي مرة أخرى، فانتهى كيان المخلافين على يد الأكديين من آشوريين وبابليين، وجرت عملية إجلاء واسعة النطاق للإسرائيليين واليهود إلى مناطق أخرى بعيدة، وأفضى هذا الواقع الجديد إلى بعث دور النبي المخلص والأرض الموعودة المفقودة، وانكفأ الأنبياء الجدد في معابدهم ومعابد غيرهم؛ يدونون ويكتبون ويلفقون ويبشرِّون بالعودة مرة أخرى، وكان هناك دانيال وعزرا اللذان قادا مسيرة العودة المشوهة، وكانت الأرض قد ضاعت تماماً، ولم يعد لبني إسرائيل إلا اختراع وطن جديد ونبيٍّ مستحيل سينتظرونه إلى الأبد.