توصيفات سلوكية وليست عرقية
باسم: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”. نلتقي اليوم مع الدكتور يوسف أبو عواد ومفاهيم قرآنية. في الحلقات السابقة – تطرقنا للكثير من التطبيقات اللسانية على فهم القرآن، وكيفية فهم اللفظ القرآني بشكل عام، وتحدثنا عن المفهوم، وألقينا ضوءًا واسعًا على مفهوم “ملة النبي إبراهيم” أو “ملة أبيكم إبراهيم”، وبدأنا نتحدث عن التوصيفات السلوكية للفظ القرآني “اليهود” واللفظ “النصارى” بأنهما ملتان. تعامل معهما القرآن بنفس المستوى الذي تعامل فيه مع ملة إبراهيم. نحاول أن نلقي النظرة على الفرق ما بين ملة النبي إبراهيم وملة اليهود وملة النصارى. أحب أن ألاحظ أيضًا أن التعامل مع هذا اللفظ القرآني لا علاقة له بأي إسقاطات سياسية قائمة حالياً يتعامل معها الناس. نحن نفصل كليًا ما بين الإسقاطات السياسية التي يتعامل معها الناس حاليًا وبين اللفظ القرآني والتخصص الذي ألقاه على مجموعة – وليست مجموعة عرقية إنما مجموعة سلوكية – لأننا نتعامل مع توصيف اليهود والنصارى كملل أنها توصيفات سلوكية لمجموعات بشرية، وغير مقصورة على عرق بشري محدد.
ما أريده منك أن نلقي مزيدًا من الضوء، ونحن تطرقنا في الحلقة السابقة عن هذا الموضوع، ولكن الأمر، أنا أعتقد، يحتاج إلى إلقاء ضوء آخر وفهم آخر لهاتين الملتين.
يوسف: نعم دكتور، أهلاً وسهلاً بك وبالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات. وعلى كل حال، طبعًا القرآن من أوله إلى آخره يتعامل مع توصيفات وسلوكات، لا يتعامل مع عرق. لم يشر في أي آية من الآيات إلى ربط أمر ما بأي عرق، ولا اعتنى حتى بفكرة الجغرافيا؛ لأنه يصف سلوكات معينة قد تنطبق على…
باسم: سلوكات بشرية تنطبق على مجموعات بشرية.
يوسف: السلوكات الفردية تنطبق على أي فرد.
باسم: في كل مراحل الحياة.
يوسف: بالضبط. فمثلاً: من أول الصفات التي جاءت في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. أعني ادعاء امتلاك مفاتيح الجنة، أو مفهوم “الفرقة الناجية”، أو “غيرنا في النار ونحن في الجنة”، وما يتولد عنه من تفريق الناس واستباحة دمائهم. هي فكرة مرتبطة بالسلوك اليهودي والنصراني قرآنيًا. وهذه الفكرة قد توجد عند أي فئة في أي مجتمع، وفي أي زمان.
باسم: حتى الادعاء أعني – منسوب حديث أو رواية للرسول: افترقت اليهود على 71 فرقة، والنصارى 72 فرقة والمسلمون – أو أمتي – على 73 فرقة. وهناك الفرقة الناجية هي هذه. في هذا أيضًا انعكاس مباشر، أو كأنه تبنٍ آخر، لكن بطريقة مختلفة، بنفس فكرة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾، أو اليهود هم، أو النصارى نحن ندخل الجنة وغيرنا لا يدخل الجنة. نفس الفكرة، أم لا؟
يوسف: نعم صحيح. هي أصلاً تعاكس مضمون الآية؛ لأن الآية جاءت لتلغي فكرة مَن يدعي أنه يمتلك مفاتيح الجنة أو مفاتيح النار. لما تقول لي أنت: “فرقة ناجية و72 فرقة في النار”، قطعًا هذا الكلام يؤسس لأن يكون هناك تفرق، والفرقة تدعي أنها في الجنة وغيرها من الفرق في النار. ولذلك لا يمكن أن يكون هذا حديثًا؛ لأنه لا يتطابق أصلاً مع النص القرآني، بالعكس هو يبث رسالة معاكسة لما تبثها الآيات الكريمة. وطبعًا اليهود أصلاً… هو سلوك واحد في القرآن، أعني مجموعة سلوكيات واحدة توصف… أعني اتجاهًا منهجيًا سلوكيًا معينًا قد تتبناه جماعة أو فرقة أو أفراد أو بعض المجتمعات، أو إلى آخره. أعني…
باسم: هي الآية واضحة جدًا: أنه ممنوع أي أحد يحكي، لا يحق لأي مجموعة – مهما كانت – أن تدعي أنها ستدخل الجنة وآخرين ليس لهم أن يدخلوا الجنة.
يوسف: بالضبط. ولذلك نحن قلنا: إنزال المصطلحات التي يترتب عليها نتائج عن الناس وتصنيفهم لمصطلحات تؤدي إلى نتائج وآثار اجتماعية. هذا ليس لأحد. الإنسان اسمه هو اسمه الذي سُمي به، وتصرفاته هي التي – مثلاً – يثاب عليها، والحوافز والمكافآت أو العقاب الاجتماعي عليها. بناءً عليها فقط. المسميات لا تقدم ولا تؤخر؛ لأن فيه فوضى أصلاً، والناس تتساهل في موضوعها. فلذلك قال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾. أعني كلمة “أماني” في القرآن تتحدث عن أي شيء لا حقيقة له. التدفق الذي لا معنى له والخارج عن السيطرة يُسمى في القرآن “أماني”، وهو أصلاً يرجع – إذا أردت أن تأخذ نموذجًا حسيًا عليه – يرجع إلى فكرة المني، أعني التدفق الذي يخرج عن السيطرة، تدافع المني. هذا هو أصل الفكرة. ولذلك لما تتحدث عن آية تعامل أهل الكتاب مع الكتاب قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. معناها: علاقتهم بالكتاب هي مجرد اندفاعات وتدفقات عاطفية هوجاء، ليس لها زمام ولا تخضع لضابط. فلا قيمة لها في الحقيقة. ولذلك هنا قال: هي مجرد أماني، أي أنها دائمًا ادعاء امتلاك الجنة لو تتبعته ستجد أنه صادر عن سلوك عاطفي… أعني أهوج أو غوغائي، يُحرك فيه الناس بطريقة غوغائية، وليس له قاعدة منطقية أو علمية حقيقية. والقرآن يقول لك: هذه فكرة ليست في يد أحد. لماذا؟ لأنه إذا لاحظت الطريقة التي ردت فيها الآية بعد ذلك: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. طبعًا لا يوجد برهان. ماذا ردت الآية؟ قالت: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾. من هذا اسم مَوْصُولٌ يُفيد العموم: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾. وهذه – كما قلنا – العودة إلى الاتصال المباشر مع الله من خلال معرفة سننه في الكون أو آياته التي في الكتب، وهو مُحسن.
باسم: يعني المقصود بالكتب – عفواً – الكتب المنزلة، وليس الكتب الموجودة في المكتبات.
يوسف: طبعًا. المقصود بالكتب: الكتب المنزلة أو كتب السنن. أعني مثلاً: آخر ما جمعه البشر في كتاب الأحياء – لا أقصد كتاب أحياء محدد – أعني المنظومة التي تحدد السمات العامة…
باسم: المنظومة البيولوجية الموجودة.
يوسف: أي نعم. وهكذا في سائر العلوم. أو طبعًا في الكتب السماوية: نحن عندنا القرآن الكريم. وقلنا كثيرًا هذا في حلقاتنا: أن نستخرج ما فيه من الكنوز باستخدام آلية اللسان التي أرشد إليها. فـ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. لاحظ – أنا هنا أنبه لنقطة لسانية مهمة جدًا – لما قال في الآية الأولى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. تلاحظ الصبغة حتى تُعطَى الفكرة اندفاعيتها وأمنيتها التدفقية الهوجاء، تتحول إلى سلوك اجتماعي يركن فيها على فكرة العصابة أو فكرة الفرقة أو فكرة المجموعة، وتهييج الناس من غير ضابط. لما جاء الرد أعاده للفرد: أعني ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾، لم يقل “بَلَى مَنْ أَسْلَمُوا”؛ حتى لأنه يقول لك: دعك من الادعاءات الفرقية هذه التي راجعة إلى الفرقة أو الحزبية أو الشيعية، الراجعة إلى شيعة، أو الجهوية أو القومية. كل فرد مسؤول عن سلوكه، وهو الذي يحدد نهايته إذا كانت في الجنة أو ليست في الجنة.
باسم: يعني انتماء الفرد لمجموعة أو لملة أو لطائفة لا تحميه من شيء ولا تعفيه من شيء.
يوسف: لا تكسبه شيئًا ولا تحميه من شيء، إلا على مستوى أفعاله. ما الذي فعلته تجاه المجموعة؟ هل ينضبط ضمن ضوابط مفاهيم السلام والأمن التي ذكرناها، والإحسان الذي تشير إليه هذه الآية، والولاية وهي أعلى من كل هذه الدرجات؟ وكل هذا شرحناه في… أم هو يخل بالسلم ويخل بالأمن الاجتماعي، أو يخل بغيره من المفاهيم، أو يكون فيه شيء من الظلم؟ كما أيضًا شرحنا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾. كل فرد يُحاسب؛ لأنه لا توجد جماعة لها شخصية اعتبارية تُؤخذ هكذا فتدخل إلى الجنة وتدخل إلى النار. هذه ليست طريقة رب العالمين. طريقة رب العالمين: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
باسم: الحساب فردي.
يوسف: لكن سلوك الأفراد قطعًا ينعكس على الفرق، وينعكس على المجتمعات. فلذلك لابد أن يُحاكم كل فرد بسلوكه تجاه المجموعة وكيف أثر عليها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا. فقال: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ﴾. أيضًا، ما قال: فله الأجر العظيم والثواب، وكأنه حج مليون سنة، وكأنه اعتمر 600 عمرة، وكل هذا الكلام: غُفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، وأصبح كيوم ولدته أمه. “له أجره عند ربه”… أعني بقدر هذا ميزان.
باسم: بقدر الجهد…
يوسف: بالضبط. هو ميزان: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فإذن هذا هو السلوك الأول الذي تشير إليه هذه الآية الكريمة، وهذه هي الطريقة التي ردت بها الآية الكريمة على مَن قال بهذا السلوك. الآن في آية لاحقة لها وقريبة منها، نجد أن الآية الكريمة تقول: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. لاحظ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. المعنى أنه الآن لما يتفرق المجتمع إلى تفرقات، سواء كانت الفكرة الكبيرة التي أُسست عليها الفرقة: الانغلاق ورؤية التفضُّل على سائر العالمين، أو الغُلُوّ وزيادة النصر لدرجة أنه يصبح نصرًا لشخص معين أو صنم أو تمثال أو إلى آخره. النتيجة: كل جهة من هذه الجهات ممن تسير على هذا المنهج ستقول أن الأخرى “ليست على شيء”، أعني معناها ليس عندها شيء من الحق. هذه الجملة -كما كانت الجملة الأولى ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ…﴾.
باسم: ﴿كَانَ هُودًا…﴾.
يوسف: أيضًا: لا يوجد إنسان على وجه الأرض “ليس على شيء”. بمعنى ليس عنده شيء. مهما كانت تجربته في الحياة، يمكن أن تستفيد منه في خبرة معينة. هذا الإطلاق يشير لك إلى قدر من التعصب أيضًا، وأثر الانغلاق وأثر التفرق: كيف يؤثر على نفس الإنسان وأحكامه بعد ذلك.
الفرق بين ملة إبراهيم وملتي اليهود والنصارى
باسم: ولكن هذا أيضًا يؤسس لأن المجموعة هذه – أو هذه الفرقة – أن تنغلق داخليًا، ويؤسس لحالة عداء مطلق للآخرين أو للآخر المختلف عنها.
يوسف: صحيح. وهذه طبعًا نتيجة طبيعية، وهي ما قلنا إن ملة إبراهيم تأباها. لاحظ: كل ما سنتحدث عنه من ملة اليهود والنصارى ستجد أنه مناقض لما تحدثنا عنه في ملة إبراهيم التي كانت تجمع وتؤمّن وتجعل الناس يعيشون في سلام. وأيضًا ليس فيها أحكام مطلقة، هناك تفكير وبناء الأحكام بناء على المنطق. هنا أنت تقول: “هؤلاء ليسوا على شيء”، “هذه الفرقة ليست على شيء”، “هؤلاء العلماء”… أعني بعض الناس يهدر جهود قدر هائل من العلماء يقول: “هذا ليس على شيء، لا تأخذ منه شيئًا”. عجيب! الآن الآية فيها مَلفت أو فيها لفتة عجيبة كذلك قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
باسم: كنتُ اريد أن أسأل عن الفكرة.
يوسف: أي نعم.
باسم: من هم الذين قالوا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ شيئًا؟
يوسف: إنسان لم يدخل إلى سلك العلم، لا يعرف مبادئ العلم ولم يتعلم. يعيش على الطبيعة التي أقرب ما تكون إلى سلوك الحيوانات. تخيل أن القرآن إلى أي درجة ذم هؤلاء الناس قال: ﴿وَأَنتَم تَتْلُون الْكِتَابَ﴾. لأنه أنت تعرف أن اليهود والنصارى نزل فيهم كتاب. أعني مَن كان منهم – طبعًا – تابعًا للنبي موسى أو للنبي عيسى، وهو نزل فيهم كتاب. فالناس الذين أخذوا سلوكًا من أتباع موسى أو عيسى استحقوا بناء عليه هذا التوصيف. يقول له: طيب أنت عندك كتاب، أعني كان عندك إرشاد. إذن الرسالة الكبيرة: ربما إنسان يكون لديه علم معين، ودخل في مجال معين وتعلم، وأصبح صاحب كتاب أو يعلم علمًا من علوم الكتاب – الذي كما قلنا بمفهومه الواسع يشمل كل القوانين التي تنظم الوجود – لكن بسبب الانغلاق أو بسبب الزيادة في الغُلُوّ والنصر الذي تحدثنا عنه، ينعكس على سلوكه فينسى تأثير العلم، لا يكون له وجود. فلذلك هذا الجواب على سؤال يستغربه الناس: لماذا نجد كثيرًا من البروفيسورات، مهندس، طبيب… ولكن يدخل في نطاق التعصب هذا الانغلاقي أو الغُلُوّ في الدين الذي يؤدي به إلى أفكار خرافية، وهو صاحب علم، هو أكاديمي راقٍ وهو متعلم؟
باسم: وأنت الرجل المتعلم تعمل مثل ذلك؟
يوسف: نعم، بالضبط. لماذا؟ وكأن تأثير العلم هنا يغيب فيصبح تمامًا كمن لا يعلم شيئًا، كالذي ليس عنده كتاب أو ليس عنده القدرة على أن يفهم ويتعلم ويدرس. صار هو وإياه سواء في نفس الرتبة. لماذا؟ فقد أثر العلم. وهذا سطوة الفرقة أو الحزب أو الجهة أو البث في سموم التفرق. هذه تجعل الإنسان يخرج عن طبيعته، فيتحول لحال الحمية، ويغيب عنه أثر العلم فيصبح تمامًا مثله مثل الذي لا يعلم. ما هي الدلالة؟ إذا أردت أن تعرف إنسانًا من هذا النوع: أن يقول لك أن “هؤلاء ليسوا على شيء”، و”هذا الشخص ليس على شيء”. هكذا ينفيه نفيًا مطلقًا. فهذه ليست سِيما، لم تكن عند إبراهيم عليه السلام. كما قلنا: إبراهيم ذهب يحاكم فكرة الأصنام إلى آخر لحظة، حتى هو بينه وبين نفسه يتأكد، ثم ذهب في عقائد السموات. أعني لم يكن يمر بفكرة إلا ويعطيها حقها من النظر والتفكر والتأمل، مهما بدت في ظاهرها الأول سخيفة. فلا يمكن أن يقول -والله- إنه ينفي هذا النفي المطلق بهذه الطريقة التي تسلكها، مازالت، كثير من الجماعات وكثير من الفرق…
ما معنى “مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا”؟
باسم: الآية التي تقول: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. تنفي عن ملة إبراهيم أن هذه الملل تشبهه بشيء، وأنه فيه فارق ما بين ملّته وملّتهم مثلاً؟
يوسف: أي نعم. هو هذا الرابط الموضوعي أصلاً بينما نتحدث عنه. أعني ملة إبراهيم أسست للمنهج الصائب. الآن هناك ملامح، وهذا ما حصل أصلاً في تاريخ البشرية. أعني بعد بني إسرائيل صار عندنا ملامح اجتماعية لمجتمعات كبرت وامتدت. هذه الملامح الاجتماعية تمثل الانحراف عن السلوك الأصيل الذي به تُبنى الأمم وتُبنى المجتمعات، وتتحقق فيه عبادة الله وتوحيده، الرسالة الكبيرة التي جاء بها سائر الرسل، بمفهوم العبادة الذي هو الحياة وفق سنن الله ومنهجه كما شرحنا. ولكن كان هناك انحرافات، مسالك أخرى ظهرت. فهذه أصلاً ما سمّاها القرآن الملة اليهودية والملة النصرانية. كما قلنا كثيرًا، هي سلوكات ظهرت تمثل انحرافًا عن المنهج الأصلي الذي أراده الله.
باسم: بينما غالبية الناس تسير وفق فهم ملة النبي إبراهيم، إنما هناك على هامش المجتمعات قد تنشأ ملل تعاكس هذه الملة مثلاً؟ فوصفت بالوصف “يهودي” أو وصفت “نصراني”؟
يوسف: أي نعم. هي وصفت بوصف يهودي أو نصراني. هو انحراف عن الملة الصحيحة. التطبيق العملي للدين على المستوى الاجتماعي هو فيه نقطة مهمة دكتور: إنه لما تحدثنا عن الأقوام السابقة، نحن سرنا بتسلسل. أعني كما شاهد المشاهدون: تحدثنا عن آدم، وتحدثنا بعد ذلك عن الأنبياء نوح وهود وشعيب وصالح، والآن وصلنا إلى الكلام عن الملل؛ وقلنا انتهت فترة العقوبات المجتثّة التي تنهي القوم من آخرهم -، فصارت الكتب، نزلت الكتب السماوية وصار لها استقرار. أنت تعرف أن موسى أوتي الكتاب في أكثر من آية من القرآن الكريم.
باسم: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾.
يوسف: أي نعم. ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾. فالكتاب أوتي لموسى، وأيضًا نزل الإنجيل على عيسى، وكان فيه تحديث للكتاب بما يتناسب مع الظرف الذي بُعث فيه عيسى عليه السلام. فالآن أصبح هناك مجتمعات مستقرة، وبدأ نوع من الاستجابة للكتب السماوية. لكن هذه الاستجابة تمثل نموذجها القياسي المستقيم بملة إبراهيم. ولكن الملة اليهودية والنصرانية… وهذا السر أصلاً في أنه ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. لماذا الآية تذكر هذه الفكرة؟ لأنه ظهور تحويل مبادئ كتاب السماء، أعني بما هو كتاب واحد على فكرة، سنثبت هذا، ما نزل في القرآن أو فيما بين يدينا من المصحف هو نفس المضمون الذي نزل على الأقوام السابقة. لا يوجد فيه…
باسم: أي اختلاف.
يوسف: أي نعم. لا يوجد فيه أي اختلاف جوهري أو حتى أساسي أقل من جوهري. نزول الكتب أتاح فرصة بعد أن امتدت المجتمعات وتكونت أن تتحول إلى ملة؛ لأنه قبلًا، لم تكن تتحول أصلاً، وكان لا يوجد أي استجابة، فكانت النتيجة العقوبات المجتثّة. لكن بعد غرق فرعون، بدأت الكتب تتحول إلى ملل. معناها يمكن تحولها إلى ملل، وكان فيها انحرافات. وفي عهد إبراهيم عليه السلام تحولت إلى الملة النموذجية التي تؤسس للناس قدوة لتكون، أعني يسير عليها الناس. فإذن هذا هو السر في فكرة أنه ذكر ملة اليهود وملة النصارى مع إبراهيم عليه السلام لما قال…
تاريخية نشوء ملة اليهود وملة النصارى
باسم: عندي هنا استفسار عن تاريخية نشوء ملة اليهود وملة النصارى. هل ترافق مثلاً مع الفترة الإبراهيمية؟ مع فترة النبي إبراهيم؟ أم هي عبارة عن ملل طارئة فيما بعد؟ أعني: هل نفي الآيات القرآنية عن إبراهيم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا يعنى أن هذه التوصيفات السلوكية المللية كانت موجودة في عهد إبراهيم، أم هي لاحقة على الوجود الإبراهيمي؟
يوسف: ما يظهر من النص القرآني أن الوجود الإبراهيمي ترتّب عليه نشوء مجتمع آمن وسالم مسالم كما أراده إبراهيم عليه السلام، وبعد ذلك بدأت تظهر الانحرافات. أعني ليس في نفس اللحظة. ثم إنه ما يظهر أيضًا من نص القرآن الكريم أن هذه الانحرافات التي ولّدت الملة اليهودية والملة النصرانية رُبطت بالتوراة والإنجيل بعد أن دخل الدخلاء في الوسط، إما بتغيير نصوص أو تحريف معانيها. لماذا؟ لأنه فيه آية في سورة آل عمران: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. هذا هو. فإذن كأنهم كان مستندهم الذي يستندون عليه هو التوراة والإنجيل بما حصل فيها وما أُلحق بها، فصارت أسفارًا ضخمة. طبعًا كما تعرف: دخل فيها الكلام الأصلي، ودخل فيها الشروحات، ودخلت فيها الأقوال، وإلى آخره. فصار يُنسب إليها ويُستند عليها في تبرير أو تسويغ التصرفات التي تُتصَرَّف. لكن جذر الفكرة وأصلها الأولي – بمعناها اللساني أعني – ودلالتها المفهومية من ناحية – كما يقول علماء المنطق من حيث القوة، أعني من حيث الإمكانية – موجودة أصلاً. كما يمكن في نفس عهد إبراهيم أن يكون هناك انحراف باتجاه الملة اليهودية والملة النصرانية – كما قلنا بدلالتها المفهومية -؛ لأنها أصلاً دلالة مفهومية. الناس ستأخذ فترة حتى تفهم، الربط مع الأشخاص. هذه مشكلة كبيرة والإسقاطات. كان في الإمكان أن تحدث فكرة الانغلاق أو تحدث فكرة المبالغة في التقديس التي أدت إلى النصرانية، والانغلاق التي أدت إلى اليهودية. لكن لم تحصل بعد أن.. في اللحظة التي بنى فيها إبراهيم مجتمعه المستقر والآمن والمطمئن، بعد ذلك بدأت تظهر. فقال لهم: ﴿وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. لكن لماذا نقول من ناحية الإمكانية ممكن؟ لأنه قال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾. كان يكفي أن يذكر الآية السابقة لو كان فقط اليهودية والنصرانية مرتبطة بأتباع نبي معين أو عرق معين أو إلى آخره.
ما الفرق بين اليهود وبني إسرائيل؟
باسم: هدفي من السؤال كان أيضًا لإلقاء مزيد… لأنه لاحظ: هناك فيه خلط عند كل البشر حاليًا. فيه خلط بين لفظة “يهود” ولفظة “بني إسرائيل”، ولفظة “نصارى”، ولفظة “المسيحية”، ولفظة “عيسى”. وواضح في القرآن أن الأنبياء لم يُرسلوا إلى اليهود ولا إلى النصارى، إنما أُرسلوا إلى بني إسرائيل. أعني النبي عيسى أُرسل لبني إسرائيل، النبي موسى أُرسل إلى بني إسرائيل وإلى قومه أيضًا.
يوسف: أي نعم.
باسم: الآن هذه الملل: هل واكبت مثلاً ملة إبراهيم؟ واكبت مثلاً استمرارية ملة إبراهيم عند النبي موسى وعند النبي عيسى مثلاً؟ أعني هذه الملل ظلت موجودة على أطراف المجتمعات أو داخل الملل نفسها؟
يوسف: قطعًا. ملة إبراهيم بمعناها المستقيم – قطعًا كانت موجودة وظاهرة. لكن لماذا سيعيد القرآن الكلام عليها وقد أسس له ووضحه في الكلام على إبراهيم عليه السلام. الآن هو سينتقل إلى جانب آخر: إن ما ظهر من انحرافات لابد من تسليط الضوء عليها حتى تكون قد فهمت الشيء وضده، فلا يبقى هناك بعد ذلك حجة لعدم الإفلاح في إقامة المجتمع الذي ينشده القرآن الكريم. فإذن هي نعم كانت موجودة قطعًا، وكان من الناس من يسير عليها؛ لأنه قال، لاحظ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، بعدُ قال لك: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾، بعدُ قال لك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. معناها: في هذه الفترة كان قطعًا هناك من سار وكان من يتبع ملة إبراهيم ويسير عليها ملتزمًا بها كما هي.
باسم: لتعزيز فهم أن توصيف ملة اليهود وملة النصارى أنها توصيف سلوكي لمجموعة انحرافية عن فكرة ما أو عن ملة النبي إبراهيم. صار فيه انحراف عن ملة إبراهيم فظهرت ملة اليهود وظهرت ملة النصارى. ملتين ظهرتا في نفس اللحظة؟ أو قياسًا للملة القائمة كانت في ذاك الوقت؟ لأن هذا يعزز الفصل ما بين الملتين، وما بين -مثلاً- بني إسرائيل: لا يمكن ربط اليهود ببني إسرائيل. بنو إسرائيل شيء واليهودية شيء، أو الملة اليهودية شيء.
يوسف: نعم. هو بنو إسرائيل تُذكر كمجموعة كبيرة فيها خير وفيها شر، وكذلك “أهل الكتاب”. هذان المصطلحان الكبيران سنسرد أصلاً كل ما جاء فيها من الآيات ونتتبع التفاصيل المتعلقة فيها. لا يوجد شيء اسمه “حكم على بني إسرائيل” في القرآن هكذا. هناك من بني إسرائيل من فعل كذا، وهناك منهم من فعل كذا – مثل بني آدم تمامًا-. أعني “يابني آدم” أيضًا تأتي فيها، هم بنو إسرائيل مثل بني آدم؛ لأن إسرائيل – النص القرآني يثبت أنه شخص – وسنأتي إلى مكان هذا. هناك نوع من عدم التوضيح، وكأنه مقصود أصلاً، من هو إسرائيل تمامًا. أيضًا سنأتي إلى تفصيل هذا. إنما نحن نعزل: بني إسرائيل ليسوا اليهود. ولا يوجد شيء اسمه “أُرسل موسى إلى اليهود”، و”أُرسل عيسى إلى النصارى”. هذا ليس موجودًا. موسى أُرسل إلى قومه، وعيسى أُرسل إلى قومه.
باسم: لا، موسى أُرسل إلى قومه وإلى بني إسرائيل.
يوسف: نعم.
باسم: النبي عيسى أُرسل إلى بني إسرائيل.
يوسف: صحيح. صحيح مئة بالمئة. والفكرة: إنه من انحرف عن رسالة موسى، كمن انحرف عن رسالة عيسى، كمن انحرف عن رسالة محمد، كمن انحرف عن رسالة إبراهيم. إذا انحرف بالمسلك الذي يصفه القرآن ليعطيه الصفات اليهودية، فهو سلك المسلك اليهودي، مهما سمى نفسه، ولأي نبي ادعى أنه يتبعه. وكذلك…
باسم: أو من أي عرق يتبعه. أعني، الآن أي شخص…
يوسف: طبعًا قضية العرق…
باسم: أعني الآن صارت الصورة أوضح، الآن يمكن نسمي نحن أي شخص أو أي مجموعة بشرية تنحرف عن ملة النبي إبراهيم، فإما تكون يهوديًا وإما أن تكون نصرانيًا؟ وذلك لا علاقة له بأي مجموعة بشرية أو إسقاطات سياسية موجودة قائمة حاليًا.
يوسف: بالضبط. وأرجو أيضًا أن يفصل الناس – هذا مهم جدًا – بين كلمة “يهود” وكلمة “موسى”، وكلمة “نصارى” وكلمة “عيسى”. إضافة إلى ما أكدت عليه: مهم جدًا إلغاء الإسقاطات هذه. الإسقاطات تحرمك من فهم حقيقة النص؛ لأنك تلوث – أعني – تدخل ما تعرف: أشخاص مثلاً جيران أو أشخاص رأيت لهم تصرفات معينة، تتصور أنها هي النص. وهذه قضية الإسقاطات مهمة جدًا أن تُلغى. وأيضًا ربط مع النبي: أعني لا تظن أن كلمة “يهود” معناها أتباع موسى، ولا تظن أن كلمة “نصارى” أتباع عيسى. لا! ولا تظن أن ملة إبراهيم معناها مثلاً أتباع النبي محمد عليه الصلاة والسلام. كم من الناس سيقول لك: “أنا أتبع النبي محمد”، أو “أنا مسلم”، ولكنه في الحقيقة بعيد جدًا عن مقتضيات ملة إبراهيم التي قلناها. وكم من الناس يُقال أو يسمه بعض الناس: ” هذا يهودي لا تتعامل معه”، “هذا نصراني لا تتعامل معه”، ولكن المسمّى جاء عن طريق الآباء والأجداد.
باسم: وقد يكون سلوكه أفضل بكثير من…
يوسف: بالضبط. أو لعرق أو لآخره. هذه نقطة في غاية الأهمية ونقطة عادلة، ولابد من التركيز عليها بكل شجاعة. لا محاباة في هذا.
باسم: أعني باختصار: السلوك الفردي هو يحدد انتماء الفرد لأي مجموعة ولأي ملة موجودة مثلاً.
يوسف: بالضبط. ولن يستطيع أحد – مهما فعل – أن يجد في القرآن غير هذا؛ لأن القرآن واضح، ونحن تتبعنا نصوص القرآن كلها وسنثبت هذا من خلال التتبع. هذا ليس موجودًا في القرآن. هذه ليست فكرة قرآنية. إنه إسقاط الكلمة على عرق معين أو على أتباع نبي المعين، هذه ليست فكرة قرآنية. لما يتكلم القرآن عن موضوع عرق، ينسبه إلى الأب الذي يرجع إليه – وهو بني إسرائيل وبني آدم على كل حال. ولكن يصف الخير في جانب الخير والشر في جانب الشر. أعني يفصل. لما ينسب إلى العرق، لا يعطي حكمًا بالخير والشر. هذه طريقة القرآن. ولا ينسب هو إلى عرق – على فكرة – ينسب إلى أب فقط. وهذا تأسيس مهم حقيقةً. كل ما بعده ينبغي أن يفهم بناءً عليه.
ما معنى “إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى”؟
يوسف: في آية أخرى يقول: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. نحن سنلاحظ الآية ونلاحظ طريقة القرآن في الرد. هو أيضًا عندما يصف لك سلوكًا معينًا، يوقظ في داخلك الملة الإبراهيمية الأصلية. لما قال لك: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، إلى ماذا أرجعك؟ ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. لاحظ المحدد. لما قال لك: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، أرجعه. جاء لك بطريقة تستفز فيك علمك وتعبك على نفسك. ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.هل تصبح – بعد أن تعلمت وفهمت – هل ترضى أن تكون بسبب سطوة التفرق والحزبية والتقديس لمن لا يستحق أن يُقدس، أو الانغلاق بدعوى التميز مثلاً في شيء معين عن باقي البشر، هل ترضى أن تصبح كالإنسان الجاهل الذي لم يعلم شيئًا، أو ليس عنده قدرة على العلم؟ فيستثير فيك النص هذا الشعور. وهنا قال: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. وطبعًا هذا سلوك تسلكه جميع الفرق التي تأخذ الاتجاه اليهودي أو النصراني في جميع المجتمعات وجميع الناس. فتجده مثلاً، لسبب بسيط، خالفته في أصغر مبدأ يتبناه من أقل أنواع الفروع التي تسير في حياة الناس، لا يرضى عنك. يقول لك: “والله أنت زعلتني”، أو “أنا غضبت منك”، أو “أنت لا بطلت كويس” ممكن خالفته في مسألة فرعية جدًا. هذا سلوك طبيعي عند المنغلقين والمقدسين للأشخاص والأفكار أو للأشياء.
باسم: المشخصين للأشياء.
يوسف: نعم. طيب الرد ماذا جاء؟ ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. لاحظ! ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. عاد فربطك، لم يرجعك إلى شخص. وهذا السياق يؤكد – كل السياقات تؤكد – أنه لم يرجعك حتى إلى مسمى نبي. هنا الفكرة: لأنني أريد أن ألغي فكرة أحيانًا… كل واحد ينسب نفسه إلى الأنبياء. قال لك: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. ارجع فتمسك بالمصدر الأساسي.
باسم: أعني ما قال: “إن هدى الله هو هدى إبراهيم” مثلاً؟
يوسف: نعم! لماذا؟ لأنه سيربطك بالمصدر. هي المشكلة هنا قائمة في التشخيص. فلو رد بطريقة كهذه، سيعطيك إيحاءً أنه: “اذهب فقدس فلانًا”. هو قال لك: هو أصلاً لما قال إبراهيم، قال بسبب الطريقة التي سلكها. ولكن الأصل هو هذا: ﴿هُدَى اللَّهِ﴾. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. وهذا أسلوب حصر. أعني: ليس هناك هدى إلا هدى الله. كيف أعرف هدى الله؟ شرحنا هذا كثيرًا: رسمت طريقة هدى الله في كونه، ورسمت في الكتاب الذي أنزله. الآن أكمل: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾. أعني: جمع في هذه المرة بين الأسلوبين. بين أسلوب أنه أرشدك إلى الحق بمعناه المفرد ومبدئه العام، ثم عاد فاستفز فيك شعورًا بشريًا ينبغي أن تكون قد ارتقيت إليه. يقول لك: انظر إليهم! إنهم إنما يتكلمون بالأهواء. يبدلون ويغيرون، كل يوم يتكلم بكلمة… إذن هو يسير مع اتجاه الهوى. اتجاه الهوى لا يمكن أن يتوافق مع اتجاه الهدى. اتجاه الهدى له غاية، مستقيم محايد سليم. اتجاه الهوى يتبع لأغراض، يتبع لمصالح، يتبع لأهداف. فقارن أنت، وحاكم التاريخ لمن يتكلم، حاكم التاريخ لمن يقدس، حاكم التاريخ لمن يدعي الأفضلية العرقية. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾. ثم عاد فقال: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أعني: قد بان لك العلم. أعني: هل ترضى لنفسك أن تترك هذا العلم الذي – إما أن يكون جهدًا كبيرًا تعبت عليه البشرية، أو كتبًا أنزلها الله – تترك هذا فتذهب إلى أهواء أشخاص مثلك مثلهم؟! عجيب! فتعود إلى الحضيض. لذلك قال: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. هذا إيحاء للكلمة. هل يمكن أن تصل إلى كل هذا الرقي في العلم، وتصل إلى آخر ما وصل إليه البشر، أو تعود إلى الكتاب فتعرف كنوزه، ثم تقبل لنفسك أن يأخذك صاحب فرقة أو صاحب عمامة أو صاحب لباس معين يعطي لنفسه هالة وكذا، فقط لأنه يزعم له التقديس، وتخشى منه، حاكم فكرته: هل هي هدى أم هي هوى؟ بالطريقة التي ذكرناها، فالطريقة الراقية التي ترد فيها: لا تذكر السلوك وتسكت. تذكر السلوك المنحرف وترد لك بطريقة راقية، ودائمًا ما تعيد الأمر إلى الفرد: تستفز فيه “إبراهيميته” التي أوجدها الله أصلاً عند كل إنسان.
لماذا ملة إبراهيم؟
يوسف: والآن أيضًا قال: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. تشبه هذه: قالوا: “نحن ما نحن عليه هو الهدى”. نفس الطريقة يزعمون أنها الهدى. ماذا ردت عليهم الآية؟ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أي نعم. الآن ملة إبراهيم… وكأن النص هنا.. على فكرة…
باسم: يقارن ما بين الملتين وملة إبراهيم. بين الملتين اليهودية والنصرانية.
يوسف: وملة إبراهيم. والنص القرآني تمامًا يشبه الشبكة العنكبوتية. تعرف الآن في عالم الإنترنت (اللينكبل أو الهايبرلينك). لما أقول لك “ملة إبراهيم”، تخيل على طول أن هذا سيفتح لك كل ما تحدثنا عنه، وما يمكن أن يستنتجه المتدبرون بالطريقة الصحيحة. بملة إبراهيم… لا تمر على الكلمة مرور الكرام. هو قال لك: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. هذه كلمة: ما معنى “هُودًا”؟ ابحث في النص القرآني فابحث عن السلوكيات. ما معنى “نصارى”؟ ابحث في النص القرآني فابحث عن السلوكيات. ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾. افتح النص القرآني وابحث، مثل الشبكة (نسيج).
باسم: نعم بمعنى أن سلوك الملتين يتعارض مع الملة الثالثة.
يوسف: بالضبط. نعم. ولذلك استخدم “بَلْ”. هي “بَلْ” هنا تعني الإضراب. معناها تلغي ما قبلها وتثبت ما بعدها. هذا هو. أعني: ليس الكلام: “هُودًا أو نصارى تهتدوا”. الهدى في ملة إبراهيم. ولاحظ: هو حتى لم يقل “إبراهيم”، قال: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾. فابحث عن الملة وتفاصيلها. وأعطاك محددين رئيسين للملة هنا اختصارًا: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أعني: لم يقبل أن يكون بينه وبين الله أحد. لا قدسية لأحد بين العبد والله. كل إنسان: تصرفاته وأقواله تُحاكم إلى المعايير الكبيرة الموجودة التي وضعها الله. والحنف هو – شرحناه أيضًا – أن يميل الإنسان عما لم يرَ فيه ملامح الصواب، يلتف عنه حتى لو كان الطريق طويلًا. سعيًا للوصول إلى الصواب. أعني: هو الميل الإيجابي. لأنه لو أخذت الطريق المستقيم في هذه الحالة، تسير مع المجتمع وقد رأيت أن هذا تصرف خطأ، فأنت تحتاج إلى حركة الحنف التي استخدمها إبراهيم.
باسم: تخرج عن المألوف.
يوسف: أي نعم. تخرج عن المألوف بالضبط. وإن كان هذا ليس خطًا مستقيمًا، لكنه أقصر نقطة توصل إلى القمة. لا يوجد غيرها؛ لأنه لن يسمح لك إذا خضعت لسطوة التقاليد والموروثات، وأنت قد عرفت أنها غير صحيحة، فلن تصل إلى الصواب. فلما رد أيضًا… لما رد ماذا قال لهم؟ ماذا تقولون؟ هو قال: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. حوَّلهم إلى السلوك. طيب في القول هم قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. قال – لاحظ -: قال لهم: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. أي نعم! ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. لأنه علامة التعصب: أن تجد أن فكرة التفريق تحصل باسم الأنبياء. تنسب إلى الأنبياء. لاحظ كيف يتبرأ النص من هذا ويقول لك: انتبه! أنا لا أتحدث عن أتباع نبي معين. إنما الفكرة: الاهتداء يحصل بأن تقول: “آمنا بكل ما أنزل إلى هؤلاء الأنبياء”. طيب “آمنا بالله” هي الفكرة الأولى. هذا المعيار الأساسي. طيب لماذا؟ لأنه قال: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. طيب أين الذي أنزل إلى إبراهيم؟ لا يمكن أن تقول للنص القرآني الذي أمامي هو نفس ما أنزل إلى إبراهيم؛ لأنه تحدث عن إبراهيم. هذا خطأ مغالطة. هذه مغالطة منطقية. لكن هناك سر. طيب إسماعيل… أين الذي أنزل إلى إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى والنبيون؟ أساسًا أين الذي أنزل إليهم؟ هذا سؤال مهم. الجواب واضح جدًا: “إن ما أنزل إليهم واحد”. أعني: الأفكار التي تكون فيها حقيقة تؤدي إلى اجتماع البشر وتحقق المجتمع السالم والآمن، هي الأفكار الكبيرة التي نزلت إلى جميع الأنبياء. لاحظ! فإذن الإيمان بنبي واحد يعنى الإيمان بجميع الأنبياء. والإسلام – كما قلنا – وهكذا يترابط النص. أنت تلاحظ أن الأفكار في القرآن متينة جدًا. على عكس عندما تبحث تحاول أن تفهم الإسلام وأفكار الدين من الخارج. أعني: إذا بدأت من الخارج ستتوه، ستضيع في صحراء لا مخرج منها. لكن إذا بدأت من النص، ستدرك في كل لحظة أنه نسيج. لأنه لما تحدثنا عن الإسلام، استنتجنا أنه دين جميع الأنبياء. لما تحدثنا عن الدين، استنتجنا أنه لكل الأنبياء. لما رد على سلوكيات اليهودية والنصرانية بملة إبراهيم، فأعادها إلى الإيمان بجميع الأنبياء. إذن هو شيء واحد: كل ما نزل هو شيء واحد. الكتاب شيء واحد الذي نزل حقيقته. فحتى تعرف الصحيح فيه من الخطأ. انظر ما يجمع فيه الناس ما يحولهم إلى مجتمع سالم وآمن. حقيقةً: لا يُفرق فيه أحد عن أحد إلا بناءً على العمل الذي يستحق فيه التميز أو يُعاقب بناءً عليه. ستجد أن هذا هو المضمون العام لرسالة الأنبياء. احترت؟ ارجع إلى السنن الكونية.
ما معنى إنزال الكتاب؟
باسم: أريد أن أسأل سؤالًا هنا (بين قوسين): استثناء العودة إلى إبراهيم وإسماعيل. أعني: أُنزل على إبراهيم وأيضًا أنزل على إسماعيل وأنزل على إسحاق. أعني: على افتراض أن هؤلاء – إسماعيل وإسحاق – هما أبناء إبراهيم، هل أيضًا أُنزل عليهم بوجود أبيهم مثلاً؟
يوسف: هذه كلمة “الإنزال” لا تقتضي…
باسم: أنا أتفق معك. الإنزال هنا، حسنًا. أعني: بفهم كلمة “الإنزال” بمعنى الإيتاء، أو الإيحاء الضمني، أو القدرة على استيعاب الكتاب.
يوسف: صحيح.
باسم: ممكن. وليس إنزالًا ورقيًا مثلاً.
يوسف: صحيح صحيح! طبعًا. وقد يكون الإنزال هو مجرد إحياء الكتاب الموجود أصلاً سابقًا؛ لأنه يمكن إحياؤه. مادام الكتاب ممكن إحياؤه ولم تطله اليد التي لوثت بطريقة لا يمكن إحياؤه، لم يكن ينزل الكتاب مرة أخرى. إذا نزل الكتاب مرة أخرى، يكون ما نزل هو نفس الكتاب السابق الذي نزل وصل إلى درجة لا يمكن أن يحيى، فينزل الكتاب نزلة أخرى. هذه هي الطريقة. وعلى فكرة: لما نتتبع النص القرآني، سنجد أن الكتاب – الكتاب بمفهوم الكتاب هكذا – نزل بالأساس على موسى عليه السلام، ثم نزل على النبي محمد. ما بين ذلك: إما تصحيحات بسيطة، وإما إنزال بمعنى معرفة حقيقة الكتاب وإزالة تلويث الملوثين. وذلك هو إعادة إحياء. نعم! ولذلك… هذه النبوة، تكون هي النبوة في هذه الحالة.
وصف سلوكيات اليهود والنصارى في القرآن
أيضًا من الآيات التي تصف سلوكيات اليهود والنصارى معًا: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. لاحظ، التدرج في النص جميل جدًا. أعني: ذهب لنا من فكرة ادعاء الجنة، بعدها فكرة أن هؤلاء ليسوا على شيء ونحن عندنا كل شيء، والمقابلون يقولون نفس النتيجة. بعدها ذهب إلى فكرة الرضا. أعني: حتى لو سرت معهم في أشياء، لا يرضى عنك حتى تأخذ حذافير وتفاصيل الآراء التي يقولها، وبين أنها هوى. ثم لما أحال الناس إلى فكرة الإيمان بجميع الأنبياء، عاد إلى سلوك آخر يظهر الآن. ستظهر هذه الانحرافات فيقول لك: “لا! نحن أتباع هؤلاء أصلاً. كلهم كانوا…” أعني: كما يقول لك: “النبي كان على المذهب الفلاني”، و”النبي كان يقرأ بالقراءة الفلانية”. أعني: لاحظ! عندما تفرقت الأمم ودخلت في عصور التقليد، كان كثير من المقلدين الذين وصلوا إلى درجة العمى يقول لك: “النبي كان على المذهب الشافعي أو على المذهب الحنفي ولا على المذهب المالكي”. صدقًا! أعني: هذا كان يحصل. أو ينسبونه إلى منطقة جغرافية أو إلى آخره.
باسم: إيه! أو هوية سياسية.
يوسف: أو هوية سياسية.
باسم: هناك من قال النبي كذا وكذا.
يوسف: نعم! صحيح. فكان ينسب… هذا طبعًا العمى والوصول إلى درجة العمى. فلذلك قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. طيب النتيجة: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. طبعًا هذا غاية الجهل. أعني: من الذي يصدق مثل هذه الدعوة؟ تاريخ، أصلاً، ظهور الانحراف أو فرقتكم أنتم وزعيمكم…
باسم: جاء فيما بعد.
يوسف: جاء فيما بعد. فكيف تصل إلى هذه الدرجة من تغييب العقل؟
باسم: وهذا تأكيد على نفي العلاقة المفترضة في ذهن العامة أن هناك علاقة ما بين النبي موسى واليهود، وما بين النبي عيسى واليهود.
يوسف: مئة في المئة صحيح! لأنه لم يكن حتى لا موسى ولا عيسى كانوا يهودًا ولا نصارى، ولا أتباعهم، ولا اليهود والنصارى كانوا…
باسم: ولا كانوا من أتباع الأقوام التي أُرسل إليها. أعني…
يوسف: أعني: القرآن يلغي لك هذه الروابط. يقول لك: لا تربط الأسماء بالأسماء والأشخاص بالأعراق. ألغِ هذه الروابط، وانظر معي إلى السلوكات. دائمًا يردك إلى سلوك، دائمًا يردك إلى قاعدة معرفية قوية: ﴿قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾. لاحظ! هل يردك إلى عرق آخر أم إلى شخص أم إلى منطقة جغرافية؟ أبدًا! طريقة القرآن راقية جدًا. لو أن الناس فقط ترتقي بأفكارها، تترك – أعني – الرواسب هذه السابقة والشوائب، ثم ترتقي إلى فكر القرآن. لابد أن ترتقي حتى تستفيد من الرسالة.
باسم: طالما الناس مصرة أن يقرأ النص من خارجه، إذن لا يمكن الوصول أو لا يمكن الارتفاع بمستوى المعرفة أو الفكر عند الناس بالشكل المطلوب لقراءة النص؛ لأن الناس تعتبر أن القرآن هو الكتاب الوحيد. وأنا استغربت جدًا عند الكثير… عند بعض الأكاديميين لأنه يقول لك: “إن القرآن لا يقرأ إلا من خارجه”. لماذا القرآن الوحيد الذي لا يقرأ إلا من خارجه؟ إنما كل الكتب تقرأ من داخلها. ما المنطق؟ فإما هنا إما انحطاط فكري عند القائل، أو أنه لا يفقه مفاتيح قراءة النص وتدبر النص.
يوسف: صحيح! وعلى فكرة: أصلاً الطريقة التي يطرحها القرآن لتعرف أنه من الله، ويعطيك وقتك أصلاً حتى تأخذه. البحث في هذا النسيج. أعني: أنت لو وجدت القرآن أصلاً يتحدث عن رقعة جغرافية محددة أو عرق معين، لا يمكن أن يكون من الله؛ لأن الله ليس أبًا هذا العرق ولا خالق هذه المنطقة ولم يخلق غيرها. أنت تتحدث عن فاطر السموات والأرض، وتتحدث عن شيء عالمي. لو لم يكن النص فيه العلامات التي تشير إلى عالميته، ويربط الأمور بهذه الطريقة بالسلوكات والأفعال، لا يمكن أن يكون من الله. وشعور الإنسان واطمئنانه المطلق بأن هذا القرآن من الله لا يأتي فجأة على فكرة. يأتي بالتدريج. وانحراف الناس وبعدهم والدخول في ظلمات الإلحاد التي رأيناها في العصر الحديث، كثير من الشباب هو سببه أن الشباب لما جاؤوا لم يروا للدين قراءة إلا هكذا من الخارج. وهذه القراءة الخارجية هي كلها تناقضات، وكلها طعون، وكلها تستخلص.
باسم: وكلها مبنية على الروايات: “قال فلان” و”قال علان”. أعني روايات.
يوسف: طبعًا! وتقليص للدين واستنقاص من شخصيات الأنبياء، وتنسب إليهم أشياء… أعني: لا يفعلها أقل الناس أخلاقًا. تقول: “إنه فيه حديث معين النبي فعل كذا أو فعل كذا”. بعدُ، يقول لك: “لماذا تقرأ النبي هكذا بهذه الطريقة من خارج القرآن؟” لكن حين تقرأ القرآن تبدأ به، الموضوع يختلف معك. خذ وقتك وتدرج، وسترى كمية السبك والنسيج والتعاضد والعالمية الموجودة في القرآن هي ما تشير لك إلى اتصاله برب الأرض والسماء.
ما معنى “أَبْنَاءُ اللَّهِ” في القرآن؟
الآن سلوك مهم جدًا أيضًا تذكره سورة المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. طبعًا “أبناء الله” الآن كيف الفكر يربط؟ وأنا صرت أنبه الناس أكثر وأكثر حتى يتدربوا على الآلية. ليس “أبناء الله” أولاد الله. هناك فرق! لما تقول “ولد” – أعني: فيها فكرة التجزؤ وتولد إله آخر. لكن “أبناء” لا. هم لم يقولوا “أبناء” بمعنى نحن أولاد الله (يعني نحن آلهة)، لكن قالوا “أبناء الله” بمعنى أن الله أب لنا. هو قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا﴾؟ الآن وصلوا إلى فكرة أسوأ من هذا: أن الله لي فقط! لي وحدي. أعني: كأنه نحن الأبناء والله أبونا. إذن باقي البشر هم خارج – تخيل – أسرة فيها أب وفيها أبناء، وفيه أولاد في الشارع وكذا يشاكسون ويشاغبون. الأب: سيعتني فقط بأبنائه هؤلاء ويهمل…: أو بالعكس! أعني: يسعى إلى أنه يزيل الضرر ويعاقب كل من اعتدى.
باسم: وهذا واضح من ثقافة بعض المجموعات الدينية السلوكية التي تعتبر أن “هذا الإله إلهنا وليس إلهك”، “هذا الرب ربنا وليس ربك”.
يوسف: يقولون لك في النقاشات: “الرب الذي أعبده ليس ربك أنت! الله الذي تعبده ليس الله الذي أنا أعبده”. إلى هذه الدرجة! أعني: يصل بعض الناس حتى ينفي أي علاقة، ويؤدي إلى تقطيع أوصال المجتمع.
باسم: نقطة. ويؤدي إلى حالة من الإجرام واستباحة دماء الآخرين، فقط لأن هذا الرجل، هذا الشخص، أو هذه المجموعة البشرية لا تمت إلى الإله الذي أنت تؤمن به. وبالتالي استباحة… أعني: إعطاء الفرد أو هذه المجموعة من الناس الحق في القتل بناءً على هذا الفهم.
يوسف: صحيح، مئة في المئة! وهم أضافوا لها كلمة “أحباؤه”: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. أعني: الله يحبنا. وحتى تسمع هذه الكلمة كثيرًا على ألسنة الأدعياء – الذين يتكلمون باسم الدين – يقول لك: “أنت حبيب الله”، و”إذا أردت أن يحبك الله افعل كذا وكذا”. حتى إن لم يكن حرفيًا “نحن أبناء الله” – أيضًا فيها فكرة كبيرة: فكرة أبناء الله، أنّ الإنسان يترك العمل؛ لأن الابن من طبيعته أنه عالة على أبيه.
باسم: يركن على أبيه. خلاص!
يوسف: آه! لماذا؟ عالة على أبيه لا يستطيع الكسب. فلذلك كل إنسان يترك فكرة العمل والسير في الأسباب. يقول لك: ” خلاص! الله كتب لي، والله سيسوقني، والله سيفعل لي”. أعني: هل تظن أنك ابن لله؟ معناها: يفعل لك ويترك باقي العالم؟ فعل الله وسننه الكونية عامةٌ لا تُحابي أحدًا، لا تُحابي أحدًا. هكذا أقولها. ولذلك النص قالها طبعًا. أعني: لو جئت إلى عبارة النص: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾. أعني: أي فرقة أو مجموعة تزعم أنها أبناء الله وأحباؤه. الجواب: “لماذا تعذب بذنوبك؟ أنا أراك تعاني في كذا، وأراك تعاني في كذا. لو كنت ابنًا لله وحبيبًا له، لماذا تعذب؟” الآن ثم جاء بالقاعدة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾. لاحظ! العودة إلى القاعدة العمومية الكبيرة: إن الله لا يُحابي أحدًا على أحد. وتفكيرك بالله بهذه الطريقة، وما بنيت عليه من اتكالية وجلوس عن العمل، أو شعور بالفوقية على الأمم والآخرين، هذا لا قيمة له في الحقيقة. وهذا يصدر – كما قلنا – من كل الفرق وكل المجتمعات والبيئات التي يشيع فيها الخرافة وغيرها من الأمور.
يجعلون سيدًا لهم بينهم وبين الله
يوسف: طبعًا يجعلون سيدًا لهم بينهم وبين الله. دائمًا هذه فكرة أيضًا قالتها آية بسورة التوبة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾. طبعًا “ابن” ليس “ولدًا” أيضًا. لاحظ الفكرة! “ابن” هنا ليس ولدًا. هذا بعد آخر – كما قلنا – “ابن” أعني: هو سيد هؤلاء الأبناء. كأنه الأخ الكبير لهم. رسموا القضية وتخيلوا أن الله أبٌ لهم. والدافع في الحقيقة هو الانكفاء على الفرقة أو زيادة الغلو. واحد من السببين يؤديان… لما تجمع الآية بين اليهود والنصارى. تقول لك: لاحظ! هناك أشياء: الانغلاق يؤدي إليها، والتقديس لسوى الله يؤدي إليها. النتيجة واحدة سواء كنت ذهبت إلى اتجاه الانغلاق هذا أو ذهبت إلى جهة التقديس. فهناك كثير من الآيات تجمع النتيجة بين اليهود أو السلوك اليهودي والسلوك النصراني، تعطيك نتيجة واحدة. وهناك آيات تفصل، وسنأتي إليها. لاحظ هذه عدالة!
باسم: إذا حاولنا نعطي أنفسنا الحق لإسقاط هذا الفهم على ما يدور حاليًا حتى بين المسلمين – بين الفرق الإسلامية نفسها – تجدهم أنهم يتصرفون بالضبط وفق هذه التقسيمات السلوكية. أن تجد أن الآخرين… يوجد سيد بينهم، ويوجد وسيط بينهم عند الله. وهذا شيخهم وهذا كذا. أعني: حتى الطرق، حتى التقسيمات الموجودة عند المسلمين العرب بشكل آخر. لديهم هذه التقسيمات التي هي تنطبق عليها هذه الأوصاف السلوكية.
يوسف: صحيح! ولذلك أصلاً جاء القرآن يحكيها للعالم أجمع، هو لا يتكلم مع قوم ولا مع عرق. وهذا نبت في المسلمين ووجد في أمتنا كثيرًا جدًا. وصار زعيم الفرقة أو زعيم المقدس. طبعًا إذا تكلمت عنه ببنت شفة، يمكن أن تقتل! أعني: يستباح دمك فقط لأنك ناقشته في فكرة.
باسم: وهذا يؤكد أن هذا المصطلح يمكن أن يستمر ليصف هذه الحالات وفق التسمية. أعني: يمكن أن تسمي فرقة حاليًا ما تُسمى بفرقة إسلامية أن تسميها هي أيضًا ملة يهودية، أو تدخل ضمن هذا التوصيف السلوكي لهذه الملة. وكذلك النصارى. أعني: ممكن حتى مجموعة من المسلمين العرب، المسلمون بشكل عام عندهم هذه التوصيفات السلوكية المشابهة. يمكن أن تُسقط هذا الوصف السلوكي عليهم أيضًا. أعني: غير محصورة على مجموعات بشرية محددة سواء هنا أو هناك.
يوسف: لم تكن يومًا محصورة هي أصلاً لم تكن محصورة، حتى إن نقطة انطلاقها السلوك أصلاً. أعني: كلمة “يهود” أو كلمة “يهودي” أو “نصراني” – نقطة انطلاقها لم تكن يومًا عرقًا. هي كانت نقطة انطلاقها سلوكات معينة وتصرفات. هذا دائمًا وأبدًا. لذلك طالع ماذا قال: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾. إذن هذا القول نتيجته: لما أنت يكون لك شيخ، وهذا له شيخ فرقة، وهذا له زعيم… وهذا التقديس والانغلاق أو التعصب الزائد والتقديس نتيجته أن الوصول إلى حالة الكفر. ونحن قلنا: حالة الكفر تعاكس حالة الإسلام، تعاكس حالة الإيمان؛ لأنه صار عندنا تشعبات المنهجيات المختلفة، الاحتراب الاجتماعي، الصراع الداخلي بين المجتمعات. هنا نأتي إلى فكرة: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾. طبعًا هذه الكلمة على لسان كثير من الشيوخ يقولك: “قاتلك الله!” “مش عارف…” والله يخرجون الجملة من معناها اللساني وفائدتها الكبيرة في النص. لأنه ما معنى ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ هنا؟ إن هذا التشظي الذي أنتم أسستم له أساسه الفلسفي النظري: “ابن الله” و”ابن الله”! وما أوصلكم إلى هذه الحالة من التفرق التي صارت حالة كفر اجتماعي. ستسير سنن الله التي بناها في الكون عكسكم. فكأنها حرب عليكم. وكيف ستحارب السنن؟ في النهاية ستغلبك السنن! ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾. إذن معنى يقول لك واحد: “كيف يقاتل الله؟” أيضًا فيه بعض الناس يقول لك: “القرآن كيف يتحدث ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني؟” هو أنت لم تفهم كيف تفهم الله من القرآن!
باسم: ولم يفهم كلمة… لفظة مدلول لفظة “قاتل” أو “قتل”.
يوسف: بالضبط! أعني: هي ليست “قتل” طبعًا. هي “قاتل” معناها: أنت سرت لما ذهبت إلى هذا الاتجاه. لأنه ما هو الاتجاه الذي يتماهى مع الله؟ مع ما أراد الله؟ هو اتجاه إبراهيم عليه السلام: اتجاه المجتمع الآمن السالم الذي لا يسمح بالوسطاء بين الناس وبين الله. طيب لما تعكس هذا الاتجاه، أنت ستسير عكس. كأنك تقاتل ما بناه الله. تقاتل سنن الله، قوانين الله. النتيجة أنك خسران، قطعًا ستكون خسرانًا؛ لأنه لن تغلب… لن تغلب ريشة أو خشبة اتجاه سيل. لا يمكن. قطعًا في النهاية لو مشت عكس اتجاه السيل، سيأخذها السيل لكن يأخذها إلى نهاية ليست جيدة. طبعًا!
ثم فصل لك… فصّل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، الآن كلمة “حَبْر” ممكن أن تقول إنه: ” من يدعي أنه توسع في العلم الديني”. وكلمة “راهب” معناها: متنسك. أعني: دائمًا متعبد منقطع على ذاته، يعطي على نفسه هالة من القدسية. هؤلاء اتخذوهم أربابًا من دون الله. وكلمة “أرباب” كلمة في غاية التقريع. معناها: أنت صرت تزعم أن هذا يتحدث باسم كل شيء في الكون. طيب! هذا واقع أم ليس بواقع؟
باسم: موجود! موجود! وما أكثره عند المسلمين بشكل عام تقريبًا.
يوسف: والله كثير جدًا! فقط لأنه إنسان يراه مثلاً: يجلس في المسجد شهرًا أو يعتكف أو كذا. يذهب فيسأله في الطب، في الدواء: “كيف أحمل إذا كنت لا أستطيع الحمل؟” إنسان شاب درس، ذكي مهندس. يقول له: “كيف أجد عملًا؟ ادعُ لي أجد عملًا” هذه الأشياء التي ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾. لو تريد إسقاطها على تصرفات تراها في المجتمع، سترى منها كثيرًا جدًا على مستوى المجتمعات التي تنتشر فيها هذه الخرافات، ويوضع فيها واسطات بين الله وبين الناس.
باسم: وهنا “الحبر” و”الراهب” هي سلوك وظيفي. أعني: إنه…
يوسف: أي نعم! “الحبر” و”الراهب” سلوك وظيفي. الحبر: من يظهر لك بسيما العلم المتصل بالله. والراهب: يظهر لك بسيمة التنسك. التنسك لأنه – نحن لابد أن نصبح دقيقين – لأن التعبد… التنسك ليس تعبدًا بالمعنى القرآني. التعبد – كما قلنا – هو الحياة وفق منهج الله. فهو يظهر لك بسيما المتنسكين. وطبعًا دائمًا لهم لباس معين…
باسم: ولحية طويلة!
يوسف: …يتميز عن الناس حتى يكسب الهالة من خلال هذا الأسلوب. وبعد ذلك خلاص! يفتح لنفسه مجالًا لأن يتحدث في كل شيء: ويُفهمك كيف تعالج مرض كذا، وكيف تحقق غاية كذا، وكيف تنتصر على الأعداء الفلانيين، وكيف عدد الكلمات التي تقولها حتى تفك ضيق…
باسم: وهو جالس في “النسك” الخاص به!
يوسف: بالضبط. فتخيل الصلاحية التي أعطوها لهؤلاء الأحبار والرهبان. أنه صار يتحدث باسم القوانين الكبرى الناظمة للعالم والناظمة للسموات والأرض. وبالتالي يصل إلى أشياء غريبة جدًا. ويحاربون العلوم طبعًا. دائمًا سيما هؤلاء الناس: إن العلم الذي يسير على فكرة التجربة والبحث الحقيقي عن سنن الله، يعتبره دائمًا عدوًا. أعني: يشعر؛ لأنه عنده تقديس… خلاص! عنده التحوصُل حول فكرته وشيخه وإمامه ومذهبه ومقدسه.
باسم: هناك شيخ كان يطلب من الناس أنه: “عندما تدخل، اترك عقلك هنا، وادخل”. وكأنه أنت راكب حمار: “اترك حمارك وادخل المكان”. معناها: اترك عقلك وتخلَّ عنه.
يوسف: صحيح صحيح! ويدخلون هذه الكلمة. في النهاية يقول لك: “لن تسير معي حتى تتخلى عن عقلك وتسلمه لي”. مادام تفكر خارج الإطار، إذن أنت لم تمسك حبل الطريقة! وتقديس الأشخاص. الآن حروب في تاريخ الإسلام: كم صار عندنا حروب باسم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله؟ أعني: ولّدت تفرقًا هائلاً لتقديس أقوال أشخاص. العجيب ما أتعجب منه حقًا الآية التي تلت هذه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. أعني: نور الله المنتشر في السموات والأرض لا يحجبه حاجب، على فكرة، هذا النور فقط لو رفع الإنسان نظره ونظر نظرة في النجوم، كما فعل إبراهيم عليه السلام. فقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ بماذا؟ ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ تخيل إلى أي درجة؟… أليس “يقال بياع حكي”، فقط هو بائع كلام.
باسم: وأكثر ما تجد هذا – أعني – أكثر ما تجد هذا السلوك عند الحركات الصوفية.
يوسف: أي نعم! وحتى عند الحركات ما سُمِّيَ بالحركات السلفية أيضًا؛ لأن الصوفية ممكن يطغى عليها جانب التنسك، والسلفية يمكن أن تقول: طغى عليها جانب الحَرْفِية في التعامل مع أمور الدين. ولكن التقديس – على فكرة – للشيوخ ولرؤساء الفرق، هذه موجودة في الجهتين على حد سواء. وأيضًا ممكن تجدها في حركات ثقافية، ليست فقط على فكرة في حركات دينية. أعني…
باسم: في كل مشارب الحياة ستجد هناك!
يوسف: أعني: تجد معبودًا ثقافيًا وكأنه…
باسم: كراهب أو ناسك!
يوسف: نعم! وكأن كلامه صار مقدسًا…
باسم: حبر!
يوسف: أو حبر بالضبط!
ما معنى “يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ”؟
من ضمن السلوكات أيضًا التي فصل فيها النص القرآني اليهود فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. الآن كشرح صفة متعلقة بالله – سنتركه إلى مجاله في الحلقات التي نتحدث فيها – لكن ما هو السلوك؟ من علامة هؤلاء الناس دائمًا أنه طبعًا هو ما وضَعَ لنفسه أنه من أبناء الله وأحبائه، لكنه هو عُذِّبَ بذنوبه. لما يُعَذَّب أو يحصل عنده حالة من الفقر الناتجة عن عدم الأخذ الحقيقي بأسباب التطور وأسباب الغنى وكذا، ينسب المشكلة إلى الله! فقال لك: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أعني: الله بخيل! الله سَوَّى فينا كذا! الله سَوَّى فينا كذا! وعلى فكرة: هذه الحالة الاتكالية…
باسم: سبحان الله! هذه الحالة موجودة في كل المجتمعات.
يوسف: نعم! كثيرًا ما سمعت أناسًا من المسلمين في لحظة وقوع في مصيبة أو كذا… بيده هو: يسير في الشارع يتحدث في الهاتف، فإذا بالسيارة راحت، ذهبت “شطب”، كما يُقال.
باسم: يقول لك: “يارب لماذا فعلت فيَّ ذلك؟!”
يوسف: يقول لك: “يارب أنا من بين كل البشر وجدتني وعملت فيَّ هكذا!” هو قبل دقيقة كان يعتبر أنه ابن الله وحبيبه، وأنه مع الشيخ الذي جعله من أبناء الله وأحبائه. فقط في لحظة تحول..
باسم: انقلب.
يوسف: أي نعم. يعيد باللائمة على الله! هُوَ طبعًا الابن هو رسم لنفسه أنه ابنٌ مُدَلَّل، وأن الله أبوه. الآن الابن المدلل الذي بُولعَ في تدليله، لما يخالفه الأب، يشتم أباه! أعني: معروف هذا. هذا أسلوب الاتكالية الشديدة. وللأسف – للأسف – نحن كأمة –كنسبة- من أكثر الأمم التي لديها اتكالية. تتكل، ليس توكلًا، اتكالية معناها – هذا ما يُسَمَّى بالتواكل في اللسان الدارج إنه لا يفعل شيئًا ويريد من الله. نفس الفكرة: “إنه ابن الله”، فلما لا يعمل له الله يقول لك: لماذا الله سَوَّى فينا كذا؟ ولماذا الله فعل فينا كذا؟. ولماذا فعل؟ هي سنن وقوانين لا تُحابي أحدًا. فيبدأ الشتم تجاه الله. فتظهر – يظهر – السباب والشتم. وهذا تلاحظه أحيانًا تلاحظه على مستويات عالية حتى من السياسيين!
باسم: وهذا أيضًا – خلني أُعدْه وأكرر – هذا أيضًا تعزيز أن مصطلح “ملة اليهود” و”ملة النصارى” غير مقصورة على مجموعة محددة في ذهن الناس. إنما هي فعلاً قد تشمل كل المجتمعات، في كل ظروف، في كل مراحل الحياة، أن تنشأ هناك مجموعة من البشر تتصف بهذا السلوك وتُسَمَّى ما يمكن سحب هذا الوصف عليها أيضًا.
يوسف: طبعًا مئة في المئة! وتراه على أعلى المستويات. أحيانًا يكون سياسيًا كبيرًا أو عالمًا أو كذا، يقول لك: إنه يبدو أن الله تخلى عنا، أو الله ليس معنا. لأنه هو افترض في الأصل أن الله أبٌ له، وأنه ترك العالم لأجله هو ولأجل كذا… لأجل كم كلمة يقولها وفكرة يتبناها!
باسم: وهذا أكثر – عفواً – أعني: أكثر ما يبان في خطب ما يُسَمَّى “خطب الجمعة” التي فيها الأدعية التي يدعوها الخطيب: “يارب اعمل كذا”، “يارب اعمل..” “سويهم”، “اقتلهم”…
يوسف: نعم! “افعل لنا كذا”، “أهلكهم ولا تترك منهم أحدًا”، “واقتلهم بددًا”! طبعًا هو لا يدعو على تصرفاته، هو يدعو على أقوام وعلى أعراق معينين. أعني: يحول الحقد ويسقطه على عرق أو طائفة أو رقعة جغرافية معينة. وبالمقابل: “نحن افعل لنا كذا وكذا وكذا وخلاص”.
باسم: أعني: وكأنه يأمر الله: “اعمل عني… أنا قاعد”!
يوسف: بعد ذلك ماذا يفعل؟ هو لا شيء! هو لا شيء! يذهب فيردد كلمات… أعني: تعرف! تحدثنا عنه كثيرًا. للأسف حالة مأساوية صراحة.
التمييز بين اليهود والنصارى
أيضًا من الأمور التي ميز فيها النص بين اليهود والنصارى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. طبعًا الإسقاطات الآن يسقط الناس: ﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. نحن قلنا: فكرة “الذين آمنوا” أي الذين استجابوا لفكرة الاستسلام لله، وبناء مجتمع آمن ليس بينه وبين الله واسطة، مستنده هو الله. أكثر من يعادي هذه الفرقة التي تؤدي إلى المساواة وتحقيق الأمن في المجتمعات البشرية…
باسم: هي الملة الانعزالية!
يوسف: هو صاحب السلوك! صاحب السلوك. نعم! الانعزالي المنغلق اليهودي الذي يرى نفسه متفوقًا. يعني النصراني في هذه الحالة لا… تأثيره هو أضعف بكثير جدًا؛ لأنه هي فكرته قائمة على التقديس الزائد، فلا يعادي مثل هذه الفكرة كما يعاديها… بالعكس، ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. لأنه قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾. طبعًا ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا﴾. من السهل على الإنسان الذي سلك سلوكًا نصرانيًا أن يعود عندما يرى النتيجة. أعني: عندما يرى نتيجة لمجتمع آمن مستقر تتحقق فيه المساواة وتكافؤ الفرص وغيرها من المبادئ الإنسانية. إذا رأى هذا، يكون من السهل جدًا؛ لأنه سيعرف أن غشاء التقديس الذي كنت أُعطيه والهالة على فلان وفلان لم تثمر ما أراه أنا من ثمرة الآن. وهذا كل إنسان مستيقظ وقع في لحظة من الغلو أو التشييع.
باسم: قبل ما ننهي – أريد أعطي ملاحظة من أجل أن نكمل في حلقة أخرى – تصوَّر لو أن هذا الفهم واضح وجليٌّ عند إدارات المجتمعات بشكل عام، التصنيف السلوكي. كيف يتم إنقاذ المجتمعات من الكثير من السلوكيات الشاذة، وضبط المجتمعات – أعني – ضبط استقرارها بناءً على هذه التصنيفات؟ لكان بكل سهولة، أعني: إدارة أي مجتمع يمكن أن تكتشف أي سلوك زائف، سواء انعزاليًا أو مُغاليًا، وتحمي المجتمع منه.
يوسف: أي نعم!
باسم: لو كان هذا الفهم واضحًا للناس…
يوسف: في الحقيقة تبنّي الفكرة التي كان يسير عليها – كما نقول مرة أخرى – نهج النبي إبراهيم عليه السلام. إعادة نشر فكرة التفكير الناقد، التفكير الإبداعي، إسقاط الهالة عمن لا يستحق أن تكون له هالة. في الحقيقة هذه تعود بالضرر على المجتمع وعلى إدارة المجتمع. فهي يعني: دعوة نخاطب فيها كل الإدارات القائمة على جميع المجتمعات في أمتنا أولًا، وفي العالم أجمع. إن وجود هؤلاء الناس وتركهم… الآن هناك قوانين كثيرة تعطيك مثلاً إذا مثلاً أحد سبك أو شتمك على وسائل التواصل، لك حق أن تأخذ حقك؛ لأنه تعرض لك بطريقة شخصية. فهذا حق لك. لكن ما ينبغي أن يتنبه له: لأنه طبعًا هو عدل أن تعيد حق الشخص؛ لأنه تكلم فيّ كشخص، جرحني جرحًا شخصيًا. لم يتكلم عن فكرة! لا! هو يتكلم يطعن فيك كشخص، فيتهمك بتهم كذا. طيب إذا كانت الأفكار هذه -أفكار التقديسات الزائدة والطوائف المنغلقة هذه المتعصبة- هي لا تعود بالضرر على فرد ستعود بالضرر على مجتمع، على الدولة بأكملها، على اقتصاد الدولة، على نهضة الدولة، على تحضر الدولة، استقرارها وأمنها. ونحن نعرف أن الاستقرار والأمن عنصر رئيس في أي مجتمع وأي دولة. فهي دعوة أن لا يُستهان حقيقةً في بذور هذه الجماعات وأحبارها ورهبانها، أعني: الشيوخ والزعماء الذين لها. أعني: لأنه في بدايتها لا يظهر تأثيرها، لكن بعد فترة. لأنه نحن لاحظنا أنه في المجتمعات العربية والإسلامية حصل نوع من المفاجأة لما كان الانفجار -انفجار الجماعات الإرهابية-، وبدأت تحدث أعمال شغب وخرابًا هنا وهناك، أو التخلف الذي فهم التقديس الذي أدى إلى التخلف. فمعالجة الأمر من بذرته الأولى كفيل بأن يحفظ أمن واستقرار المجتمع، ويجعله في طريق النهضة.
باسم: دكتور يوسف شكرًا لك كالعادة. شكرًا، ممتع الحديث، لكن للأسف الوقت دائمًا…
يوسف: شكرًا لك وللسادة المشاهدين!
باسم: دعنا نترك ما بقي إلى حلقات قادمة إن شاء الله من برنامج “مفاهيم”. شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم. إلى اللقاء.